قاعدة [١٢٩] إذا تغير حال المرمي أو الرامي بين الرمي والإصابة
٥٤ فقرة، ج ٢ ص ٤٨٤
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٤٨٤
إذا تغيَّر حال المرميِّ أو الرَّامي بين الرَّمي والإصابة؛ فهل الاعتبار بحالة الإصابة، أم بحالة الرَّميِ، أم يفرَّق بين القود والضَّمان، أم بين أن يكون الرَّمي مباحاً أو محظوراً؟ فيه للأصحاب أوجه.
- ويتفرَّع على ذلك مسائل:
-
منها: لو رمى مسلم ذميًّا، أو حرٌّ عبداً، فلم يقع بهما السَّهم حتَّى أسلم الذِّميُّ، وعتق العبد، ثمَّ ماتا؛ فهل يجب القود أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجب، وهو قول الخرقيِّ وابن حامد، وصحَّحه القاضي؛ لفقد التَّكافؤ حين الجناية، وهو حالة الإرسال؛ فهو كما لو رمى إلى مرتدٍّ ثمَّ أسلم (١) قبل الإصابة.
-
والثَّاني: يجب، وهو قول أبي بكر، وأخذه ممَّا روى الحسن بن محمَّد بن الحارث (٢) عن أحمد في رجل أرسل سهماً على زيد،
ج ٢ ص ٤٨٥فأصاب عمراً؛ قال: (هو عمد، عليه القود) (١) ، فاعتبر الرَّمي المحظور إذا أصاب به معصوماً؛ وإن كان غير المقصود.
-
وفرَّق أبو بكر بين رمي المرتدِّ والذِّميِّ: بأنَّ رمي المرتدِّ مباح.
-
وردَّه القاضي بأنَّ رميه إلى الإمام لا إلى آحاد النَّاس، فهو غير مباح لآحادهم (٢) .
-
وأمَّا النَّص المذكور؛ فلم يُجِب عنه القاضي (٣) ، ويمكن الجواب عنه: بأنَّه قصد هناك مكافئاً وأصاب نظيره، وهنا (٤) لم يقصد مكافئاً.
-
وقد خرَّج صاحب «الكافي» وجوب القصاص في مسألة النَّصِّ (٥) على قول أبي بكر (٦) ، وقد تبيَّن أنَّها أصله (٧) .
- ج ٢ ص ٤٨٦
وأمَّا صاحب «المحرَّر» فجعله (١) خطأ بغير خلاف؛ لأنَّه أصاب من لم يقصده، فأشبه ما إذا قصد صيداً.
-
وهذا ضعيف؛ لأنَّه قصد معصوماً، فأصاب نظيره، بخلاف من قصد صيداً (٢) .
-
ولهذا لو قصد صيداً معيَّناً فأصاب غيره؛ حلَّ، بخلاف ما إذا رمى هدفاً يعلمه فأصاب صيداً؛ فإنَّه لا يحلُّ.
-
أمَّا لو ظنَّ الهدف صيداً فأصاب صيداً؛ فوجهان.
-
وقد يتخرَّج (٣) ههنا مثلهما لو رمى هدفاً يظنُّه آدميًّا معصوماً، فأصاب آدميًّا معصوماً غيره (٤) ؛ لأنَّ أصل الرَّمي كان محظوراً.
- ج ٢ ص ٤٨٧
فهذا الكلام في القود.
-
وأمَّا الضَّمان؛ فيضمنه بدية حرٍّ (١) ، ذكره الخرقيُّ والقاضي والأكثرون، ولم يحكوا فيه خلافاً؛ حتَّى نقل صاحب «التَّرغيب» اتِّفاق الأصحاب على ذلك؛ اعتباراً بحالة الإصابة، فإنَّه إنَّما أصاب حرًّا مسلماً، ويكون دِيَة المعتَق لورثته دون السِّيَّد، ذكره القاضي.
-
ومنها: لو رمى إلى مرتدٍّ أو حربيٍّ فأسلما، ثمَّ وصل إليهما السَّهم فقتلهما؛ فلا قود بغير خلاف؛ لأنَّ دمهما حال الرَّمي كان مهدراً.
- وهل يجب الضَّمان؟ فيه ثلاثة أوجه:
-
أحدها: وجوبه فيهما، قاله القاضي في «خلافه» ، والآمديُّ، وأبو الخطَّاب في موضع من «الهداية» ، وعزاه غير واحد إلى الخرقيِّ؛ اعتباراً بحالة الإصابة، وهما حينئذٍ مسلمان معصومان، ولا أثر لانتفاء العصمة حال السَّبب؛ كما لو حفر بئراً لهما فوقعا فيها بعد إسلامهما؛ فإنَّه يضمنهما بغير خلاف، ذكره القاضي وغيره.
قال القاضي: ولا نسلِّم أنَّ رمي الحربيِّ والمرتدِّ مباح (٢) مطلقاً، بل هو مراعًى، فإن أسلم قبل الوقوع؛ تبيَّنا أنَّه لم يكن مباحاً.
-
والثَّاني: لا ضمان فيهما، وهو أشهر، وحكاه القاضي في روايتيه عن أبي بكر في المرتدِّ (٣) ، وقال: لا خلاف فيه في المذهب، لأنَّ
ج ٢ ص ٤٨٨رميهما كان مأموراً به، وقد حصل على وجه لا يمكن تلافيه؛ فأشبه ما إذا جرحهما ثمَّ أسلما.
-
والثَّالث: يُضمَن المرتدُّ دون الحربيِّ، وأصل هذا الوجه طريقة القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل، وأبي الخطَّاب في موضع من «الهداية» : أنَّه لا يُضمَن الحربيُّ بغير خلاف، وفي المرتدِّ وجهان.
-
والفرق: أنَّ المرتدَّ قَتْله إلى الإمام؛ فالرَّامي إليه متعدٍّ، فهو كالرَّامي إلى الذِّميِّ، بخلاف الحربيِّ؛ فإنَّ لكلِّ أحد قتله، فرميه ليس بعدوان.
-
أمَّا عكسه، وهو لو رمى إلى معصوم، فأصابه السَّهم وهو مهدر، كمسلم ارتدَّ، أو ذميٍّ نقض العهد بين الرَّمي والإصابة؛ فلا ضمان، بغير خلاف أعلمه بين الأصحاب؛ لأنَّ الإصابة لم تصادف معصوماً، فهو كما لو رمى معصوماً، فأصابه السَّهم بعد موته.
-
وكذلك لو رمى عبداً قيمته عشرون ديناراً، فأصابه السَّهم وقيمته عشرة؛ فإنَّه يضمنه بقيمته (١) وقت الإصابة لا وقت الرَّمي، بغير خلاف، وذكره القاضي وغيره.
-
ومنها: لو رمى الذِّميُّ سهماً إلى صيد فأصاب آدميًّا، وقد أسلم الرَّامي؛ فقال الآمديُّ: يجب ضمانه في ماله؛ لأنَّه لم يكن مسلماً حال الرَّمي ليعقله (٢) عاقلته المسلمون، ولا يجب على عاقلته من أهل الذِّمَّة؛ لأنَّه حين الإصابة كان مسلماً، وبذلك جزم صاحب «المحرَّر» و «الكافي» .
- ج ٢ ص ٤٨٩
وكذلك حكم ما إذا رمى ابن معتقه، فلم يصب حتَّى انجرَّ ولاؤه إلى موالي أبيه.
-
ولو رمى مسلم سهماً، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ أصاب سهمه فقتل؛ فهل تجب الدِّية في ماله اعتباراً بحال الإصابة، أم على عاقلته اعتباراً بحال الرَّمي؟ على وجهين ذكرهما صاحب «المستوعب» .
- ويخرَّج منهما في المسألتين الأوَّليَيْن وجهان أيضاً:
-
أحدهما: أنَّ الضَّمان على أهل الذِّمَّة وموالي الأمِّ.
-
والثَّاني: أنَّه على المسلمين وموالي الأب.
-
ومنها: لو رمى الحلال إلى صيد، ثمَّ أحرم قبل أن يصيبه؛ ضمنه، ولو رمى المحرم إلى صيد ثمَّ حلَّ قبل الإصابة؛ لم يضمنه؛ اعتباراً بحال الإصابة فيهما، ذكره القاضي في «خلافه» في الجنايات، قال: (ويجيء على قول أحمد فيمن رمى طيراً على غصن في الحلِّ أصله في الحرم؛ أن يضمن هنا في الموضعين؛ تغليباً للضَّمان) انتهى.
-
ويتخرَّج عدم الضَّمان فيما إذا رمى وهو محلٌّ، ثمَّ أحرم؛ من عدم ضمان الحربيِّ إذا أسلم قبل الإصابة؛ اعتباراً بإباحة الرَّمي، إلَّا أن يفرَّق: بأنَّ قصد الإحرام عقيب (١) الرَّمي تسبَّب إلى الجناية على الصَّيد فيه، ولا سيَّما إن قصد الرَّمي قبيل الإحرام لذلك.
-
ومنها: لو رمى الحلال من الحلِّ صيداً في الحرم فقتله؛ فعليه ضمانه على المنصوص، قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل رمى
ج ٢ ص ٤٩٠صيداً في الحلِّ، فأصابه في الحرم؛ قال: عليه جزاؤه (١) .
وقال أيضاً في روايته، وذكر له قول سفيان: لو رمى شيئاً في الحلِّ، فدخلت رميته في الحرم (٢) فأصابت شيئاً؛ ضمن؛ لأنَّ يده الَّتي جنت، قال أحمد: (ما أحسن ما قال (! (٣) .
-
وكذلك نصَّ أحمد في رواية ابن منصور: في شجرة في الحلِّ غصنها في الحرم عليه طير: لا يرمى (٤) ، ولم يفصل بين رميه من الحلِّ والحرم.
-
وبهذا جزم ابن أبي موسى والقاضي والأكثرون، ولم يذكر القاضي في «خلافه» سواه؛ لأنَّه صيد معصوم بمحلِّه؛ فلا يباح قتله بكلِّ حال، وفيه الضَّمان.
-
وذكر القاضي في «المجرَّد» ، وأبو الخطَّاب، وجماعة، رواية أخرى: أنَّه لا يضمنه؛ اعتباراً بحال الرَّامي ومحلِّه.
-
وهو ضعيف، ولا يثبت عن أحمد، وإنَّما أخذه القاضي من رواية ابن منصور في إباحة الاصطياد بالكلب وإرساله من الحرم إلى الحلِّ (٥) ؛ قال: (فظاهر هذا: أنَّه متى كان أحدهما في الحلِّ والآخر في
ج ٢ ص ٤٩١الحرم؛ فلا ضمان).
-
ولا يصحُّ؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ النَّصَّ في الكلب، والكلب له فعل اختياريٌّ، فإذا أرسله في الحرم على صيد في الحلِّ؛ فهو بمنزلة من وكَّل عبده في الحرم في شراء صيد من الحلِّ وذبحه فيه.
-
وهذا بخلاف ما إذا أرسل سهمه؛ لأنَّه منسوب إلى فعله.
-
ولهذا فرَّق أحمد في رواية ابن منصور بين أن يرسل سهمه من الحلِّ إلى صيد في الحلِّ، فيدخل الحرم، فيقتل فيه، فيضمنه، وبين أن يرسل الكلب، فلا يضمن؛ لأنَّ دخول الكلب في الحرم باختياره ودخول السَّهم بفعل الرَّامي، ولهذا لو أصاب سهمه هذا آدميًّا؛ لضمنه، ولو أصاب الكلب آدميًّا، لم يضمنه.
-
وإلى هذا التَّفريق أشار ابن أبي موسى؛ حيث ضمَّن في رمي السَّهم في المسألتين، ولم يضمِّن في صيد الكلب إذا أرسله في الحلِّ فصاد في الحرم (١) ، إلَّا أن يرسله بقرب الحرم، وأمَّا إن أرسله في الحرم فصاد في الحلِّ؛ فحكى فيه روايتين، قال: (والأظهر عنه: أن لا جزاء فيه) ، ولكنَّ القاضي إنَّما صرَّح بالخلاف في الكلب، وأبو الخطَّاب هو الَّذي طرد الخلاف في السَّهم.