قاعدة [١٥٩] إذا تعارض الأصل والظاهر

١٤٧ فقرة، ج ٣ ص ١٣١

الصفحة ٢ من ٤

  1. وشبَّهه (٢) (٣) بما إذا ادَّعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهراً - كاللَّقيط- الكفرَ (٤) بعد البلوغ؛ فإنَّه لا يُسمع منه على الصَّحيح.

    ج ٣ ص ١٣٧
  2. وكذا لو تصرَّف المحكوم بحريَّته ظاهراً كاللَّقيط، ثمَّ ادَّعى الرِّقَّ؛ ففي قبول قوله خلاف معروف (٥) .

  3. ومنها: إذا غلب على ظنِّه دخول وقت الصَّلاة؛ فإنَّه تصحُّ صلاته، ولا يشترط أن يتيقَّن دخوله في ظاهر المذهب.

    ج ٣ ص ١٣٨
  4. وحُكي عن ابن حامد: أنَّه يعتبر التَّيقُّن.

  5. ومنها: الفطر في الصِّيام؛ يجوز بغلبة ظنِّه (١) غروبَ الشَّمس في ظاهر المذهب.

  6. ومن الأصحاب من قال: لا يجوز الفطر إلَّا مع تيقُّن الغروب، وبه جزم صاحب «التَّلخيص» .

  7. والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ الوقت عليه أمارات يُعرَف بها؛ فاكتُفي فيه بالظَّنِّ الغالب، بخلاف ما لا أمارة عليه؛ من إتمام الصَّلاة، والطَّهارة، والحدث ونحوها.

  8. وأيضاً؛ فالصَّلاة والطَّهارة ونحوهما، كلٌّ منهما عبادة فعليَّة مطلوبة الوجود، فإذا شكَّ في فعل شيء منها؛ فالأصل عدمه؛ فلا يخرج من عهدته إلَّا بيقين، والصَّوم عبادة هي ترك وكفٌّ عن محظورات خاصَّة، فمتى لم يتيقَّن وقوع محظوراتها في وقتها؛ لم يحكم ببطلانها، وإنَّما مُنِع من الخروج منها بمجرَّد الشَّكِّ المساوي؛ لأنَّ الأصل بقاء الصَّوم، ولم يترجَّح ظنٌّ يعارضه، فإذا ترجَّح الظَّنُّ؛ عُمِل به ولم يحكم ببطلانه بوقوع محظوراته حينئذٍ، لا سيَّما وفعل محظوراته مع ترجُّح ظنِّ انقضائه مطلوبٌ شرعاً على الأظهر، ولهذا جاز الأكل أو استُحِبَّ مع ظنِّ (٢)

  9. طلوع الفجر حتَّى يتحقَّق طلوعه كما سبق.

    ج ٣ ص ١٣٩
  10. والفرق بينه وبين وقت الصَّلاة من وجهين:
  11. أحدهما: أنَّ الصَّلاة يجوز فعلها مع غلبة ظنِّ دخول وقتها، ولا يجب، وكذلك الصِّيام يجوز الإمساك بنيَّة الصَّوم مع غلبة ظنِّ طلوع الفجر، ولا يجب، فهما سواء.

  12. والثَّاني: أنَّ الصَّلاة عبادة فعليَّة لا يستغرق مجموع وقتها، بل يفعل في جزء منه، فإذا فُعِلت في زمن يغلب على الظَّنِّ أنَّه من وقتها؛ كفى.

  13. والصَّوم عبادة يستغرق زمنها، وهي من باب الكَفِّ والتُّروك، لا من باب الأعمال؛ فيكفي اشتراط الكفِّ عن محظوراتها في زمانها المحقَّق دون المشكوك فيه، ولا يبطل بفعل شيء من محظوراتها في زمن لا يتحقَّق أنَّه وقت للصِّيام، إلَّا أن يكون الأصل بقاء وقت الصِّيام، ولم يغلب على الظَّنِّ خروجه؛ فلا يباح حينئذ الإقدام على الإفطار، ولا تبرأ الذِّمَّة بمجرَّد ذلك، وهذا كما قلنا فيمن صلَّى ثمَّ رأى عليه نجاسة يمكن أنَّها لحقته بعد الصَّلاة سواء.

  14. ومنها: أنَّ المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها، وإن لم يكن لها عادة؛ فإلى تمييزها (١) ، وإن لم يكن لها عادة ولا تمييز (٢) ؛ رجعت إلى غالب عادات النِّساء، وهي ستٌّ أو سبع على الصَّحيح؛ لأنَّ الظَّاهر مساواتها لهنَّ؛ وإن كان الأصل عدم فراغ حيضها حينئذٍ.

  15. ومنها: امرأة المفقود تُزوَّج بعد انتظار أربع سنين، ويُقسَم ماله حينئذٍ؛ لأنَّ الظاهر موته؛ وإن كان الأصل بقاءه، لكن هل يثبت له أحكام المعدوم من حين فقده، أو لا يثبت إلَّا من حين إباحة أزواجه وقسمة ماله؟ على وجهين، ينبني عليهما: لو مات له في مدَّة انتظاره (١) من يرثه؛ فهل يحكم بتوريثه منه أم لا؟

    ج ٣ ص ١٤٠
  16. ونصَّ أحمد على أنَّه يزكَّى ماله بعد مدِّة انتظاره؛ معلِّلاً: بأنَّه مات وعليه زكاة.

  17. وهذا (٢) يدلُّ على أنَّه لا يحكم له بأحكام الموتى إلَّا بعد المدَّة، وهو الأظهر.

  18. ويلتحق بهذا: أنَّ امرأة المفقود بعد مدَّة انتظاره تعتدُّ للوفاة، ثمَّ تباح للأزواج؛ فهل تجب لها النَّفقة من ماله في مدَّة العدَّة كما في مدَّة الانتظار أم لا؟ على وجهين:

    أحدهما: لا يجب، وهو الَّذي ذكره ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع» ، وقال أبو البركات في «الشَّرح» : هو قياس المذهب عندي؛ لأنَّه حُكِم بوفاته بعد مدَّة الانتظار؛ فصارت معتدَّة للوفاة.

  19. والثَّاني: تجب لها النَّفقة، قاله القاضي، وهو نصُّ أحمد (٣) ؛ لأنَّ النَّفقة لا تسقط إلَّا بيقين (٤) الموت، ولم يوجد ههنا.

  20. وكذا ذكر صاحب «المغني» ، وزاد: أنَّ نفقتها لا تسقط بعد العدَّة أيضاً؛ لأنَّها باقية على نكاحه ما لم تتزوَّج أو يفرِّق الحاكم بينهما.

    ج ٣ ص ١٤١
  21. ومنها: أنَّ النَّوم المستثقِل ينقض الوضوء؛ لأنَّه مَظِنَّة خروج الحدث؛ وإن كان الأصل عدم خروجه وبقاء الطَّهارة.

  22. وحكى ابن أبي موسى في «شرح الخرقيِّ» وجهاً آخر: أنَّ النَّوم نفسه حدث، لكن يعفى (١) عن يسيره؛ كالدَّم ونحوه.

  23. ومنها: إذا زنى من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين، وادَّعى الجهل بتحريم الزِّنى؛ لم يُقبل قوله؛ لأنَّ الظَّاهر يُكذِّبه، وإن كان الأصل عدم علمه بذلك.

  24. ومثله: إذا ادَّعت المعتَقة تحت عبدٍ الجهلَ بالعتق أو بثبوت الخيار، ومثلها لا يجهل ذلك؛ فإنَّه لا يقبل قولها.

  25. ومنها: إذا زوَّج الوليُّ امرأة يعتبر إذنها لصحَّة العقد، ثمَّ أنكرت الإذن؛ فإن كان بعد الدُّخول؛ لم يقبل قولها؛ لأنَّ تمكينها يكذِّبها.

  26. وإن كان قبله؛ فإن كان إذنها السُّكوت (٢) ، وادَّعت أنَّ سكوتها كان حياء لا رضًا؛ لم يقبل قولها، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم؛ لأنَّ السُّكوت في حكم الشَّارع إقرار ورضًا؛ فلا يُسمَع دعوى خلافه.

  27. وإن كان (٣) ادَّعت أنَّها ردَّت، أو كان إذنها النِّطق فأنكرته؛ فقال

    ج ٣ ص ١٤٢القاضي: القول قولها؛ لأنَّ الأصل معها، ولم يوجد ظاهر يخالفه.

  28. ومنها: لو ادَّعت امرأة على رجل أنَّه تزوَّجها في يوم معيَّن بمهر مسمًّى، وشهد به شاهدان، ثمَّ ادَّعت عليه أنَّه تزوَّجها في يوم آخر معيَّن (١) بمهر مسمًّى، وشهد به شاهدان، ثمَّ اختلفا؛ فقالت المرأة: هما نكاحان؛ فلي المهران (٢) ، وقال الزَّوج: بل هما (٣) نكاح واحد تكرَّر عقده؛ فالقول قول الزَّوجة؛ لأنَّ الظَّاهر معها.

  29. وكذا لو شهدت بيِّنة أنَّه باعه هذا الثَّوب في يوم كذا بثمنٍ، وشهدت (٤) بيِّنة أخرى أنَّه باعه منه بثمنٍ في يوم آخر (٥) ، فقال المشتري: هو عقد واحد كرَّرناه، وقال البائع: بل عقدان؛ فالقول قوله؛ لأنَّ الظَّاهر معه، ذكره أبو بكر والقاضي والأصحاب.

    وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ينبغي أن يكون القول قول الزَّوج؛ لأنَّ الأصل عدم الفرقة بينهما، والأصل براءته من المهر الثَّاني (٦) .

  30. القسم الرَّابع: ما خرج (٧) فيه خلاف في ترجيح الظَّاهر على

    ج ٣ ص ١٤٣الأصل، وبالعكس، ويكون ذلك غالباً عند تقاوم الظَّاهر والأصل وتساويهما.

  31. وله صور كثيرة:
  32. منها: إذا سُخِّن الماء بنجاسة، وغلب على الظَّنِّ وصول الدُّخان إليه؛ ففي كراهته وجهان، أشهرهما: أنَّه يكره.

  33. ومنها: لو أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء، وشكَّ؛ هل ولغ فيه أم لا؟ وكان فمه رطباً؛ فهل يحكم بنجاسة الماء؛ لأنَّ الظَّاهر ولوغه، أم بطهارته؛ لأنَّها الأصل؟ على وجهين ذكرهما الأَزَجيُّ.

  34. ومنها: إذا وقع في ماء يسير ما لا نفس له (١) سائلة، وشكَّ هل هو متولِّد من النَّجاسات أم لا؟ وكان هناك بئر وحُشٌّ:

    فإن كان إلى البئر أقرب أو هو بينهما بالسَّويَّة؛ فهو طاهر.

  35. وإن كان إلى الحشِّ أقرب؛ فوجهان:

    أحدهما: أنَّه نجس.

  36. والآخر: أنَّه طاهر ما لم يعاين خروجه من الحشِّ، نقل ذلك صاحب «المهمِّ» عن شيخه ابن تميم (٢) .

  37. ومنها: طين الشَّوارع، وفيه روايتان:
  38. إحداهما: أنَّه طاهر، ونصَّ عليه أحمد في مواضع (١) ، وجعله أبو البركات في «شرحه» المذهبَ؛ ترجيحاً للأصل، وهو الطَّهارة في الأعيان كلِّها.

  39. والثَّانية: أنَّه نجس؛ ترجيحاً للظَّاهر، وجعله صاحب «التَّلخيص» المذهبَ؛ حتَّى حكى عن ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا يعفى عن يسيره، وأبدى احتمالاً بالعفو عنه لمشقَّة الاحتراز، وحكى عن ابن عقيل العفو عن يسيره، إلَّا ما تحقَّق نجاسته من الأرض؛ فلا يعفى عنه.

  40. وذكر صاحب «المهمِّ» عن ابن تميم أنَّه قال: إذا كان الشِّتاء، ولم يتعيَّن موضع النَّجاسة؛ ففي نجاسة الأرض روايتان، فإذا جاء الصَّيف؛ حكم بطهارتها رواية واحدة.