قاعدة [١٦٠] تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق.

٣١٧ فقرة، ج ٣ ص ١٥٧

الصفحة ٢ من ٨

  1. ومنها: إذا التقط اثنان طفلاً، وتساويا في الصِّفات؛ أقرع بينهما، ولم يُقَرَّ في أيديهما جميعاً؛ كما في الحضانة.

    ج ٣ ص ١٦٤
  2. وإن ادَّعى نفسان التقاط طفل، فإن كان في أيديهما؛ أقرع بينهما؛ فأُقِرَّ في يد (١) من خرجت له القرعة.

  3. وإن استويا في عدم اليد، ولم يصفه أحدهما؛ فقال القاضي والأكثرون: لا حقَّ لأحدهما فيه، ويعطيه الحاكم لمن شاء منهما أو من غيرهما؛ لأنَّه لم يثبت لهما سبب الاستحقاق.

    وقال صاحب «المغني» : الأولى أن يقرع بينهما؛ لأنَّهما تنازعا شيئاً في يد غيرهما، فأشبه ما لو تنازعا وديعة.

  4. وفيه نظر؛ فإنَّ الوديعة لمعيَّن، ولا مدَّعٍ لهما سواهما، بخلاف اللَّقيط؛ فإنَّ الحقَّ لمن سبق إليه، ولم يثبت السَّبق لواحد منهما؛ فصارا كغيرهما.

  5. ولو ادَّعى اثنان لقطة بين أيديهما، كلٌّ منهما يقول: أنا سبقت إليها؛ أقرع بينهما، ذكره القاضي في «خلافه» .

    ج ٣ ص ١٦٥
  6. وهذا في الظَّاهر يخالف (١) قوله في دعوى التقاط الطِّفل؛ إلَّا أن يفرَّق بينهما: بأنَّ اللُّقطة تؤول إلى الملك؛ فهي كتداعي اثنين في (٢) ملكيَّة عين بين أيديهما لا يد عليها لأحد (٣) ؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٤) .

  7. ومنها: لو (٥) وصَّى لجاره محمَّد، وله جاران بهذا الاسم؛ فهل تبطل الوصيَّة، أو تصحُّ ويميَّز أحدهما بالقرعة؟ فيه خلاف سبق ذكره مبسوطاً. (٦)

  8. وكذلك سبق ذكر من وهب أحد أولاده، وتعذَّر الوقوف على عينه، أو وقف عليه واشتبه فيهم. (٧)

  9. ومنها: إذا وصَّى لزيد بعبد من عبيده، قال الخرقيُّ: يُعطَى واحداً منهم بالقرعة؛ كما لو أَعَتق واحداً مبهماً.

  10. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: أنَّ له أخسَّهم (٨) ؛

  11. يعني: أدنى ما يقع عليه الاسم منهم؛ لأنَّه المتيقَّن، وإنَّما أقرعنا في العتق؛ لأنَّ العتق حقٌّ للعبد، وقد تساووا في استحقاقه؛ فيميَّز بالقرعة، وهنا الحقُّ للموصى له، وإنَّما يستحِقُّ ما يصدق عليه الاسم.

    ج ٣ ص ١٦٦
  12. ومنها: إذا مات المتوارثان، وعُلِم أسبقهما موتاً ثمَّ نُسي؛ فقال القاضي: لا يمتنع أن نقول هنا بالقرعة لتعيين السَّابق.

  13. والمذهب: أنَّ حكم ذلك حكم ما لو جهلوا الحال أوَّلاً: أنَّه يورَّث كلُّ واحد منهما من الآخر من تِلاد ماله، دون ما ورثه منه.

  14. ولو ادَّعى ورثة كلِّ واحد منهما سبق الآخر، ولا بيِّنةَ لهما، أو تعارضت البيِّنتان؛ ففيه أوجه:

    أحدها: يعيَّن السَّابق بالقرعة، اختاره ابن أبي موسى، وضعَّفه أبو بكر في كتاب «الخلاف» .

  15. والثَّاني: يتوارثان؛ كما لو جهل الورثة الحال، وهو قول أبي الخطَّاب، وقال القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل: هو قياس المذهب.

  16. والثَّالث: يحلف ورثة كلِّ واحد لإسقاط دعوى الآخر، ولا يتوارثان، نصَّ عليه أحمد (١) ، واختاره الخرقيُّ؛ لأنَّ ورثة كلِّ واحد قد علم استحقاقهم لإرثه، وغيرهم يدَّعي عليهم استحقاق مشاركتهم، وهم ينكرون ذلك؛ فيكون القول قولهم مع أيمانهم، بخلاف مسائل الغرقى؛ فإنَّ الورثة متَّفقون فيها على عدم العلم بالسَّابق، وليس فيهم مدَّع لاستحقاق انفراده بمال ميِّته.

  17. والوجه الرَّابع، وهو اختيار أبي بكر في «الخلاف» : أنَّه يُقسَم القدر المتنازع فيه من الميراث بين مدَّعيه نصفين، وعليهما اليمين في ذلك؛ كما لو تنازعا دابَّة في أيديهما.

    ج ٣ ص ١٦٧
  18. ومنها: إذا مات عن زوجات وقد طلَّق إحداهنَّ طلاقاً يقطع الإرث، أو كان نكاح بعضهنَّ فاسداً لا توارث فيه، وجهل عين المطلَّقة وذات النِّكاح الفاسد؛ فإنَّها تعيَّن بالقرعة، والميراث للبواقي، نصَّ عليه أحمد (١) (٢) .

  19. ومنها: الأولياء المستوون في النِّكاح، إذا تشاحُّوا أُقرِع بينهم.

  20. فإن سبق من أخطأته القرعة، فزوَّج؛ فهل يصحُّ أم لا؟ على وجهين.

  21. ومنها: لو زوَّج وليَّان من اثنين، وجُهل أسبق العقدين؛ ففيه روايتان:

    إحداهما: يميَّز الأسبق بالقرعة، فمن خرجت له القرعة فهي زوجته، ولا يحتاج إلى تجديد عقد، ولا يحتاج الآخر إلى طلاق، هذا

    ج ٣ ص ١٦٨ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل وابن منصور (١) .

  22. وقد ذكر هذه الرِّواية على هذا الوجه القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل، وغيرهما.

  23. وذكر القاضي في «الجامع» و «الخلاف» و «الرِّوايتين» ، وأبو الخطَّاب، وغيرهما: أنَّ الآخر يؤمر بالطَّلاق كما يطلِّق في النِّكاح الفاسد.

  24. وفيه ضعف؛ فإنَّ هذا لم يتحقَّق له نكاح منعقد، بخلاف النَّاكح نكاحاً فاسداً.

  25. وأيضاً؛ فمجرَّد طلاقه بتقدير أن يكون نكاحه هو السَّابق؛ لا يفيد حلَّ المرأة للآخر، فلهذا قال طائفة من الأصحاب: يجدِّد الَّذي خرجت عليه القرعة النِّكاح؛ لتحلَّ له بيقين.

  26. وقد حكى ذلك القاضي في كتاب «الرِّوايتين» عن أبي بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد، ثمَّ ردَّه بأنَّه لا يبقى حينئذٍ معنًى للقرعة؛ فإنَّه إذا أمر أحدهما بالطَّلاق، وأمر القارع بتجديد النِّكاح؛ فقد خلت المرأة من زوجيَّتهما جميعاً، فلها أن تتزوَّج حينئذٍ من شاءت منهما ومن غيرهما، ولا فائدة حينئذ للقرعة، وهذا بعينه قول من يقول بفسخ نكاحهما؛ كما سيأتي (٢) .

    ج ٣ ص ١٦٩وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لو كان الأمر كما ذكروه؛ لم يبق بين الرِّوايتين فرق، ولا للقرعة فائدة، وإنَّما يجب على رواية القرعة أن يقال: هي زوجة القارع، بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها، ولو مات ورثته، لكن لا يطؤها حتَّى يجدِّد العقد؛ فيكون تجديد العقد لحلِّ الوطء فقط، هذا قياس المذهب.

  27. أو يقال: إنَّه لا يحكم بالزَّوجيَّة إلَّا بالتَّجديد، ويكون التَّجديد واجباً عليه وعليها، كما كان الطَّلاق واجباً على الآخر (١) .

    قال: وليس في كلام أحمد تعرض للطَّلاق، ولا لتجديد الآخر النِّكاح، فإنَّ القرعة جعلها الشَّارع حجَّة وبيِّنة تفيد الحلَّ ظاهراً؛ كالشَّهادة والنُّكول ونحوهما (٢) ممَّا لا يوقف معه على حقيقة الأمر في الباطن، والمجهول غير مكلَّف به العباد، بل هو في نظر الشَّرع كالمعدوم ما دام مجهولاً.

  28. ونظير هذه الرِّواية في القرعة: أنَّ المشهور من المذهب: أنَّ من طلَّق واحدة من زوجاته ثمَّ أُنسِيَها؛ فإنَّها تُعيَّن بالقرعة، ويحلُّ له وطء البواقي؛ فكذلك ههنا يميَّز النِّكاح الصَّحيح من الباطل بالقرعة، وتفيد حلَّ الوطء.

  29. ولا يقال هناك: الأصل فيمن لم يخرج عليها القرعة بقاء النِّكاح، ولم يتيقَّن وقوع الطَّلاق عليها، وهنا الأصل عدم انعقاد النِّكاح في كلِّ

    ج ٣ ص ١٧٠واحد منهما؛ فلا يباح الوطء بدون تيقُّن العقد الصَّحيح.

  30. لأنَّا نقول: الاستصحاب بَطَل بيقينِ وقوعِ الطَّلاقِ المحرِّم، ولهذا أبطل أصحابنا الاستصحاب في مسألة اشتباه الماء الطَّاهر بالماء النَّجس (١) ، ومنعوا استعمال أحدهما بالتَّحرِّي؛ لأنَّ الاستصحاب زال حكمه بيقين التَّنجس، وحينئذٍ تتفق الصُّورتان؛ لأنَّ في إحداهما اشتبهت الزَّوجة بالمطلَّقة ثلاثاً، وفي الأخرى اشتبه الزَّوج بغيره، وكون أحدهما له أصل في الحلِّ دون الآخر لا أثر له عندنا، ولهذا يسوَّى بين اشتباه البول بالماء الطَّاهر واشتباه الماء النَّجس بالطَّاهر، ونحن نقول على أحد الوجهين: لو أقرَّ بأنَّ ولد إحدى إمائه ابنُه، ثمَّ مات ولم يعيِّنه؛ عُيِّن بالقرعة؛ وإن كان المشتبَه (٢) حرَّ الأصل.

  31. واعلم أنَّ القاضي حكى عن أبي بكر بن سلمان النَّجَّاد أنَّه يقرع بين الزَّوجين، فمن قَرَع؛ أمر صاحبه بالطَّلاق، ثمَّ جدَّد الآخر نكاحه.

  32. وقرأت بخطِّ القاضي في بعض مجاميعه قال: حكى أبو الحسن الخرزيُّ؛ قال: سئل أبو عليٍّ النَّجَّاد عن رجل زوَّج ابنته على صداق ألف درهم، ثمَّ مات الأب قبل دخول الزَّوج بها، فحضر ثلاثة رجال كلُّ واحد منهم يقول: زوَّجني أبوك منك على صداق ألف درهم قبضها منِّي، وعَدِم كلُّ واحد منهم في الحال البيِّنة، وقالت البنت: أعلم أنَّ واحداً من هؤلاء الثَّلاثة زوجي يقيناً، ولكن لا أعرفه عيناً (٣) ؛ فقال

    ج ٣ ص ١٧١أبو عليٍّ النَّجَّاد: يُرفع أمرها إلى الحاكم، فيجبر الثَّلاثة على أن يطلِّقها كلُّ واحد منهم طلقة واحدة، ثمَّ يقترع الثَّلاثة على الألف؛ فأيُّهم كانت له القرعة أخذ الألف، ثمَّ يقال للمرأة: تزوجي أيَّهم شئت إن أحببت.

  33. فإن كانت هذه الحكاية مستندَ القاضي في الحكاية عن النَّجَّاد؛ فقد وهم في تسميته؛ فإنَّ الحكاية عن أبي عليٍّ، ونسبها هو إلى أبي بكر بن سلمان، وليست المسألة في نكاحين مشتبهين، بل في دعوى، والقرعة فيها إنَّما هي للمال لا لحلِّ البُضع؛ فلا يصحُّ ما حكاه القاضي عن أبي بكر النَّجَّاد بالكليَّة؛ فليحقَّق ذلك.

  34. والرِّواية الثَّانية: يُفسخ النِّكاحان جميعاً، ثمَّ تتزوَّج من شاءت منهما أو من غيرهما إذا شاءت، نقلها أبو الحارث (١) ومهنَّى، وهي اختيار أبي بكر في «خلافه» ، والخرقيِّ.

  35. وحكى ابن أبي موسى في المسألة روايتين:

    إحداهما: يبطل النِّكاحان.

  36. والثَّانية: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فهي له.

    قال: (والأوَّل أظهر وأصحُّ) .

  37. وظاهره: أنَّ النِّكاحين يبطلان من غير فسخ، ويشهد له ما نقله ابن منصور عن أحمد في وليَّين زوَّجا امرأة، لا تدري أيُّهما زوَّج قبل؛ قال: ما أرى لواحد ههنا نكاحاً (٢) .

  38. ومن الأصحاب من حكى ذلك وجهاً، وقيَّده بما إذا أمكن وقوعهما معاً.

    ج ٣ ص ١٧٢
  39. وقد جعل القاضي في «خلافه» المذهب كذلك.

  40. وأمَّا إن عُلم وقوعهما معاً؛ فهما جميعاً باطلان غير منعقدين.