قاعدة [١٦٠] تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق.
٣١٧ فقرة، ج ٣ ص ١٥٧
الصفحة ٣ من ٨
- ج ٣ ص ١٧٢
وذكر القاضي في «خلافه» ، وفي «كتاب «الرِّوايتين» : أنَّ حكمه حكم ما لو وقعا (١) مترتِّبين، وجُهل أسبقهما، وفيه الرِّوايتان.
قال أبو البركات: (وهذا لا وجه له، ولعلَّه خرق الإجماع) .
-
فأمَّا حكم المهر في هذين النِّكاحين المشتبهين؛ فقد سبق ذكره، وأنَّ في وجوب نصف المهر على من يخرج عليه القرعة فيهما (٢) وجهين.
- فإن ماتت المرأة قبل الفسخ؛ ففي «المغني» احتمالان:
-
أحدهما: يوقف نصف ميراثها أو ربعه حتَّى يصطلحا عليه.
-
والثَّاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ حلف أنَّه المستحِقُّ ووَرِث.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (وكلا الوجهين لا يخرَّج على المذهب، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّا لا نقف الخصومات قطُّ، وأمَّا الثَّاني؛ فكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال، وإنَّما المذهب على رواية القرعة: أيُّهما قرع (٣) ؛ فله الميراث بلا يمين.
- ج ٣ ص ١٧٣
وأمَّا على قولنا: لا يقرع، فإذا قلنا: إنَّها تأخذ من أحدهما نصف المهر بالقرعة؛ فكذلك يرثها أحدهما بالقرعة بطريق الأولى، وإن قلنا: لا مهر؛ فهنا قد يقال بالقرعة أيضاً) انتهى (١) .
-
وإن مات الزَّوجان جميعاً؛ فلها ربع (٢) ميراث أحدهما، فإن اتَّفقت هي مع أحد الزَّوجين قبل موته أو مع ورثته أنَّه هو السَّابق؛ فالميراث لها منه بغير إشكال.
-
وإن ادَّعت أنَّ أحدهما هو السَّابق، وأنكر هو أو ورثته؛ فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن نكلوا؛ قضي عليهم.
-
وإن لم تقرَّ المرأة بسبق أحدهما؛ ففي «المغني» احتمالان:
أحدهما: أن تحلف ورثة كلٍّ منهما ويبرأ.
-
والثَّاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فلها ربع ميراثه.
-
وهذا الوجه الثَّاني يتعيَّن فيما إذا أنكر الورثة العلم بالحال، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية حنبل وغيره؛ فيمن زوَّج إحدى بناته من رجل ثمَّ مات الأب، ثمَّ مات الزَّوج، ولم يُعلم عين الزَّوجة: أنَّه يقرع بينهنَّ، فأيَّتهنَّ أصابتها القرعة؛ فهي الَّتي ترثه (٣) .
-
وقد ذكر ذلك صاحب «المغني» أيضاً فيما إذا ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه السَّابق بالعقد، ولم تُقِرَّ الزَّوجة (٤) لواحد منهما بذلك، ثمَّ ماتا: أنَّه
ج ٣ ص ١٧٤يقرع بينهما، ويكون لها ميراث من تقع القرعة عليه، ولم يذكر فيه خلافاً.
-
ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، ثمَّ طلَّق الجميعَ ثلاثاً؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّه يخرُجُ منهنَّ أربع بالقرعة، فيكُنَّ المختارات، وله نكاح البواقي بعد عدَّة الأربع؛ بناء على أنَّ الطَّلاق اختيار، والقرعة لها مدخل في تعيين المطلَّقات المبهمات، فيميَّزن بالقرعة، ويحكم باختيارهنَّ، وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق؛ فيباح له نكاحُهنَّ (١) بدون زوجٍ وإصابةٍ بعد انقضاء عدَّة الأربع.
وقال القاضي في «خلافه» في كتاب البيع: يَطلُقُ الجميع ثلاثاً؛ لأنَّ نكاحهنَّ ثابت لم يحكم بفساده، فيلحقهنَّ الطَّلاق الثَّلاث؛ فلا ينكح شيئاً منهنَّ إلَّا بعد زوج وإصابة.
-
وهذا يرجع إلى أنَّ الطَّلاق فسخ وليس باختيار، ولكن يلزم منه أن يكون للرَّجل في الإسلام أكثر من أربع زوجات يتصرَّف فيهنَّ بخصائص ملك النِّكاح من الطَّلاق وغيره، وهو بعيد.
-
واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ الطَّلاق ههنا فسخ لا يحسب من الطَّلاق الثَّلاث، وليس باختيار (٢) .
-
وإن مات قبل أن يختار منهنَّ أربعاً؛ فإنَّه يقرع بينهنَّ، فيورَّث أربع منهن بالقرعة.
- ج ٣ ص ١٧٥
وأما العدَّة؛ ففيها وجهان:
أحدهما: على الجميع عدَّة الوفاة، قاله القاضي في «الجامع» ؛ لأنَّه مات والكلُّ محبوسات على نكاحه؛ فكان عليهنَّ عدَّة الوفاة، وإسلامه لم يوجب البينونة في الزَّائد على الأربع، بل البينونة تقف على اختياره، فإذا اختار في حياته أربعاً؛ فعدَّة البواقي من حين الاختيار على المشهور، لا من حين الإسلام.
-
الثَّاني: وهو قول القاضي في «المجرَّد» ، وابن عقيل، وصاحب «المغني» : أنَّ عليهنَّ أطول الأمرين من عدَّة الوفاة وعدة الوطء؛ وعلَّلوه: بأنَّ أربعاً منهنَّ زوجات والبواقي موطوءات بشبهة؛ فيجب على الجميع أطول العدَّتين؛ لتبرأ الذِّمَّة من العدَّة الواجبة بيقين.
-
وهذا لا يتخرَّج إلَّا على القول: بأنَّ البينونة تثبت بالإسلام وتتبيَّن بالاختيار، فإذا اختار أربعاً؛ فعدَّة البواقي من حين إسلامه.
-
أمَّا إذا قلنا: عدَّتهن من حين اختياره فهنَّ زوجات له حتَّى يختار؛ فلا يتوجَّه أن يجب عليهنَّ سوى عدَّة الوفاة، إلَّا أن يقال: نكاحهنَّ في حكم الفاسد؛ لأنَّه لا يجوز استدامته بحال؛ فلا يجوز (١) أن يثبت له خصائص النِّكاح الصَّحيح.
-
ويجاب عنه: بأنَّ النِّكاح الفاسد إذا اتَّصل به الموت؛ أوجب عدَّة الوفاة على المنصوص، فهذا أولى.
-
ويلتحق بهذه المسألة: ما إذا طلَّق واحدة مبهمة، أو معيَّنة ثمَّ
ج ٣ ص ١٧٦أنسيها، ثمَّ مات قبل القرعة؛ فإنَّا نقرع بينهنَّ، ونخرج المطلَّقة بالقرعة، ونورِّث البواقي، كما نصَّ عليه أحمد (١) .
-
وأمَّا العدَّة؛ فذكر القاضي في «خلافه» : أنَّه يجب على كلِّ واحدة منهنَّ عدَّة الوفاة إن لم يكن دخل بهنَّ؛ ليسقط الفرض بيقين، وإن دخل بهنَّ؛ لزمهنَّ أطول الأمرين من عدَّة الطَّلاق من حينه وعدَّة الوفاة من حينها؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهنَّ تحتمل أن تكون مطلَّقة وأن تكون زوجة؛ فلا تبرأ الذِّمَّة بدون ذلك.
-
وهذا يخالف المنصوص عن أحمد؛ فإنَّه نصَّ في رواية أبي طالب أنَّه يقرع بينهنَّ، فأيَّهنَّ أصابتها القرعة؛ لم تورَّث ولم تعتدَّ. ومراده: أنَّها لا تعتدُّ عدَّة الوفاة (٢) .
-
وهذا يدلُّ على أنَّ (٣) العدَّة تابعة للميراث، وهو ظاهر كلام القاضي في «المجرَّد» ، فمن خرجت لها قرعة الطَّلاق؛ فليس عليها سوى عدَّة الطَّلاق من حينها، وعلى البواقي عدَّة الوفاة من حينها؛ لأنَّ القرعة بيِّنة شرعيَّة، وقد حكمنا بحلِّ البُضع بها كما سبق؛ فجاز أن ينبني عليها حكم العدَّة؛ لأنَّها من توابع الطَّلاق ولوازمه.
- ج ٣ ص ١٧٧
فعلى هذا المنصوص: يتخرَّج في مسألةِ مَن (١) أسلم على أكثر من أربع، ثمَّ مات قبل أن يختار منهنَّ: أن يقرع بين أربع منهنَّ؛ فيكُنَّ المختارات، ويلزمهنَّ عدَّة الوفاة من حينها، ويلزم البواقي عدَّة الوطء من حين الإسلام - إذا قلنا: إنَّ عدَّتهنَّ من حين الإسلام -.
-
وعلى قول القاضي: على الجميع الاعتداد بأطول الأجلين.
-
ومنها: إذا أصدق الزَّوجة عبداً من عبيده؛ فحكى طائفة من الأصحاب في المسألة روايتين:
إحداهما: أنَّه يعيَّن بالقرعة.
-
والثَّانية: لها الوسط منهم.
-
وخرَّج ابن عقيل فيها وجهين آخرين:
أحدهما: أنَّه يعطيها (٢) ما يختاره هو.
-
والثَّاني: تعطى ما تختاره هي.
-
واختار: أنَّهم إن تساووا؛ فلها واحد بالقرعة، وإلَّا فلها الوسط.
-
والمنصوص عن أحمد في ذلك: ما نقله عنه مهنَّى في رجل تزوَّج امرأة على عبد من عبيده، فقال: أعطيها من أخسِّهم، قال: ليس له ذاك، ولكن يعطيها من أوسطهم، فقلت له: ترى أن يقرع بينهم؟ فقال: نعم، فقلت: تستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم، يقرع بين العبيد (٣) .
- ج ٣ ص ١٧٨
وتأوَّل أبو بكر هذا على أنَّه تزوَّجها على عبد معيَّن واشتبه.
قال القاضي: (ولا يصحُّ هذا التَّأويل) ، قال (١) : (لأنَّه قال: تُعَطى وسطَهم، ولو كان معيَّناً؛ لم يُعتبر الوسط) .
-
ونقل عنه جعفر بن محمَّد: يقوَّم الخادم وسطاً على قدر ما يُخدَمُ مثلُها (٢) .
-
ومنها: إذا دعاه اثنان إلى وليمة عرس، واستويا في الصِّفات المرجِّحة؛ أُقرع بينهما.
-
ومنها: إذا زُفَّت إليه امرأتان معاً؛ فإنَّه يقدِّم إحداهما بالقرعة.
-
ومنها: إذا أراد السَّفر بإحدى زوجاته أو البِداءة بها؛ لم يجز بدون قرعة، إلَّا أن يرضى البواقي بذلك.
-
ومنها: لو طلَّق امرأة من نسائه مبهمة؛ بأن قال لامرأتيه: إحداكما طالق، ولم ينوِ معيَّناً؛ فإنَّه يعيِّن المطلَّقة بالقرعة في ظاهر المذهب، ونصَّ عليه أحمد في رواية جماعة (٣) .
-
وفيه رواية ثانية: أنَّ له تعيينها باختياره.