[١٩] القسمة؛ هل هي إفراز أو بيع؟
٨٨ فقرة، ج ٣ ص ٣٧٠
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٣ ص ٣٧٦
وإن قلنا: بيع؛ فوجهان، بناءً على الخلاف في بيع التَّركة المستغرقة بالدَّين، وقد سبق. (٢)
-
ومنها: لو ظهر في القسمة غَبن فاحش: فإن قلنا: هي إفراز؛ لم تصح (٣) ؛ لتبيُّن فساد الإفراز.
- ج ٣ ص ٣٧٧
وإن قلنا: بيع؛ صحَّت، وثبت فيها خيار الغبن في البيع، ذكره في «التَّرغيب» ، وقيَّده بقسمة القراض.
-
ومنها: لو اقتسما داراً نصفين، ثمَّ ظهر بعضُها مستحَقًّا: فإن قلنا: إفراز؛ انتقضت القسمة؛ لفساد الإفراز.
-
وإن قلنا: بيع؛ لم تنتقض، ويرجع (١) على شريكه بقدر حقِّه في المستحَقِّ إذا قلنا بذلك في تفريق الصَّفقة؛ كما لو اشترى داراً، فبان بعضُها مستحَقًّا، ذكره الآمدي.
-
وفي «المحرَّر» : إن كان المستحَقُّ معيَّناً وهو في الحصَّتين؛ فالقسمة بحالها، ولم يحك خلافاً.
-
وذكر صاحب «الكافي» احتمالاً بالبطلان؛ بناءً على عدم تفريق الصَّفقة إذا قلنا: هي بيع.
-
وإن كان المستحَقُّ معيَّناً في إحدى الحصَّتين، أو شائعاً فيها، أو في إحداهما؛ فثلاثة أوجه في «المحرَّر» :
أحدها: تبطل.
-
والثاني: لا يبطل.
-
والثالث: يبطل بالإشاعة في إحداهما خاصَّةً، وهو ظاهر كلام صاحب «المغني» .
-
والأوَّل اختيار القاضي وابن عقيل، مع قولهما بتفريق الصَّفقة.
قال الشَّيخ مجد الدِّين: والوجهان الأوَّلان فرع على قولنا بتفريق
ج ٣ ص ٣٧٨الصَّفقة في البيع، فأمَّا إن قلنا: لا تتفرَّق هناك؛ بطلت ههنا وجهاً واحداً.
-
وفي «البلغة» : إذا ظهر بعض حصَّة أحدهما مستحَقًّا؛ انتقضت القسمة، وإن ظهر في حصَّتهما على استواء النِّسبة وكان (١) معيَّناً؛ لم تنتقض إذا علَّلنا فساد تفريق الصَّفقة بالجهالة، وإن علَّلناه باشتمالها على ما لا (٢) يجوز؛ بطلت، وإن كان المستحَقُّ مشاعاً؛ انتقضت القسمة في الجميع على أصحِّ الوجهين.
-
ومنها: إذا مات رجل وزوجته حامل- وقلنا: لها السُّكنى-، فأراد الورثة قسمة المسكن قبل انقضاء العدَّة، من غير إضرار بها، بأن يُعلموا الحدود بخطٍ أو نحوه من غير نقض ولا بناء؛ ففي «المغني» : (يجوز ذلك) ، ولم يبنه على الخلاف في القسمة (٣) ، مع أنَّه قال: (لا يصحُّ بيع المسكن في هذه الحال؛ لجهالة مدَّة الحمل المستثناة فيه حكماً) ، وهذا يدلُّ على أنَّ مثل هذا يغتفر في القسمة على الوجهين.
-
ويحتمل أن يقال: متى قلنا: القسمة بيع، وإنَّ بَيْعَ هذا المسكن لا يصحُّ؛ لم تصح القسمة.
-
ومنها: قسمة الدَّين في ذمم الغرماء، فإن قلنا: القسمة إفراز؛ صحَّت.
- ج ٣ ص ٣٧٩
وإن قلنا: بيع؛ لم تصح (١) .
-
وقد حكى الأصحاب في المسألة روايتين، وهذا البناء يتوجه على طريقة من طرد الخلاف في قسمة التراضي؛ كالشيخ تقي الدين رحمه الله (٢) ، مع أنه يميل إلى دخول الإجبار في قسمة الديون على الغرماء المتقاربين في الملاءة؛ لأنَّ الذِّمم عندنا تتكافأ، بدليل الإجبار على قبول الحوالة على المليء.
-
وخصَّ القاضي وابن عقيل الروايتين بما إذا كان الدَّين في ذمَّتين فصاعداً، فإن كان في ذمَّةٍ واحدة؛ لم تصحَّ قسمته رواية واحدة.
-
وأنكر ذلك الشيخ مجد الدين (٣) ،
ويشهد لقوله أن القاضي في «خلافه» قال (٤) : (إذا قبض أحد الشريكين من الدَّين بإذن شريكه؛ اختصَّ بما قبضه) .
-
وفرَّق في موضع آخر بين الدَّين الثابت بعقد؛ فيختص أحد الشريكين بما قبضه منه ولو بغير إذن شريكه، وبين الثابت بإرث ونحوه؛
- ج ٣ ص ٣٨٠
فلا يختصُّ.
-
وقد نصَّ أحمد في «رواية ابن منصور» على الاشتراك في ثمن الطعام المشترك (١) ، ونصَّ في روايته أيضاً على جواز القسمة بالتراضي في الذِّمَّة الواحدة (٢) .
-
وسلك صاحب «المغني» في توجيه الروايتين في المسألة طريقةً ثانية، وهي أنَّ قبض أحد الشريكين من الدَّين المشترك؛ هل هو قسمة للدَّين، أو تعيين لحقه بالأخذ كالإبراء؟
-
فإن قلنا: هو قسمة (٣) ؛ لم يجز لأحدهما الانفراد بالقبض، فإن أذن الشريك؛ فيه وجهان (٤) :
ج ٣ ص ٣٨١أحدهما: يصحُّ، وينفرد به القابض؛ لأنَّ الحقَّ لشريكه، وقد أسقطه.
-
والثاني: لا يصحُّ، وهو قول أبي بكر؛ لأنَّ حقَّ الشريك في الذِّمَّة، لا في عين المال؛ فلا تنفع إذنه في قبض الأعيان.
-
وفيه ضعف؛ فإنَّ الأعيان هي متعلَّقُ حقِّه، ولذلك تتعلَّق حقوق غرماء المفلس بماله.
-
وإن قلنا: ليس القبض قسمةً؛ جاز؛ لأنَّ حقَّ الشريك في الذِّمَّة، ولا (١) ينتقل إلى العين إلا بقبض الغريم أو وكيله، فقبض الشريك لنفسه تعيين لحقِّه لا غير؛ فيختصُّ به دون شريكه، سواء كان بإذن الشريك أو بدونه.
-
كذلك (٢) حكى صاحب «المغني» هذه الرواية، وذكر عن أحمد ما يدلُّ عليها (٣) ، وقد ذكرها (٤) أبو بكر عبد العزيز.
- ج ٣ ص ٣٨٢
ويتوجَّه عندي في توجيه الروايتين طريقةٌ ثالثة، وهي: أنَّ أحد الشريكين إذا قبض من الدَّين المشترك؛ فإنَّما قبض حقَّه المختصَّ به، لكن ليس له القبض دون شريكه؛ لاشتراكهما في أصل الاستحقاق؛ كغرماء المفلس، فإذا قبض بدون إذن شريكه؛ فهل لشريكه مقاسمته فيما قبضه (١) أم لا؟ على الروايتين.
-
فوجه المحاصَّة: القياس على قبض بعض الشركاء من الأعيان المشتركة بدون قسمة؛ كالمواريث، أو من الأعيان المتعلِّق بها حقوقهم؛ كمال المفلس.
-
ووجه عدم المحاصَّة: أنَّ المقبوض من الدين كلِّه حقٌّ للقابض (٢) ؛ ولهذا لو تلف في يده؛ لتلف كلُّه من نصيبه، ولم يضمن لشريكه شيئاً، بخلاف القبض من الأعيان.
-
فعلى هذه الرواية: لا فرق بين أن يقبض بإذن الشريك أو بدونه.
-
وعلى الأولى (٣) : إن قبض بإذنه؛ فهل له محاصَّته فيه؟ على وجهين؛ لأنَّ حقَّه في المحاصَّة إنَّما يثبت بعد القبض؛ فهو كإسقاط الشُّفعة قبل البيع.
-
وقد يقال: التراضي بقبض كل واحد منهما بعض الدَّين؛ قسمة له؛ لأنَّ القسمة في الأعيان تقع بالمحاسبة والأقوال في المنصوص (٤) ،
ج ٣ ص ٣٨٣فكذا في الدُّيون.
-
وأمَّا إن كان المشترك بعضه عيناً وبعضه ديناً؛ فأخذ بعض الشركاء العين، وبعضهم الدَّين؛ فقد نصَّ أحمد على جوازه مع الكراهة، وحكاه عن ابن عبَّاس (١) ، وقال: لا يكون إلَّا في الميراث.
-
وخرَّجه الشيخ مجد الدين على القول بجواز بيع الدَّين من غير الغريم؛ لأنَّ هذه القسمة بيع بغير خلاف عنده.
-
وعلى ما ذكره الشيخ تقي الدين: قد يطَّرد فيها الخلاف، والله أعلم.
-
ومنها: قبض أحد الشريكين نصيبه من المال المشترك المثلي مع غيبة (٢) الآخر، أو امتناعه من الإذن بدون إذن الحاكم، وفيه وجهان سبق ذكرهما في القواعد (٣) ، والوجهان على قولنا: القسمة إفراز.
-
فإن قلنا: هي بيع؛ لم يجز وجهاً واحداً.
-
فأمَّا غير المثليِّ؛ فلا يقسم إلَّا مع الشريك أو من يقوم مقامه؛ كالوصيِّ، والوليِّ، والحاكم.