استخدم النقاد قرائن كثيرة في صفة الرواية ترجع إلى ثلاث قرائن
٢٧٩ فقرة، ج ٢ ص ٥
الصفحة ٤ من ٧
- ج ٢ ص ٤١
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذه الرواية فخطأها, وعلل ذلك بأن بعض
ج ٢ ص ٤٢أصحاب أبي رجاء رووه عنه, عن عمران وبعضهم رووه عنه, عن ابن عباس, قال أبو حاتم: «ولا أعلم واحدا منهم يجمع عن أبي رجاء بين ابن عباس, وعمران بن حصين, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» .
-
ثم ذكر ابن أبي حاتم أن أبا الأشهب, وحماد بن نجيح, وصخر بن جويرية يروونه عن أبي رجاء, عن ابن عباس (١) , وأن سلم بن زرير يرويه عن أبي رجاء, عن عمران بن حصين (٢) , وزاد ابن أبي حاتم رواة له على كل وجه.
قال ابن أبي حاتم: «وأما جرير بن حازم فلا أدري كيف يروي, فإنه لم يقع عندنا» (٣) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (٢٧٣٧) , و «سنن النسائي الكبرى» (٩٢٦٣ - ٩٢٦٤) , و «مسند أحمد» ١: ٢٣٤.
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (٣٢٤١) , (٦٤٤٩) , و «مسند أحمد» ٤: ٤٢٩. وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤: ٢٨٢, من طريق سلم بن زرير, عن أبي رجاء, عن ابن عباس, وعمران بن حصين, ثم أشار البخاري إلى علتها.
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٩٨.
-
وكذا قال الخطيب: «كذا روى أبو داود الطيالسي هذا الحديث, وخلط في جمعه بين رواية هؤلاء الخمسة» , إلى أن قال: «وأما جرير بن حازم فلا نعلم كيف كان يرويه, لأنه لم يقع إلينا حديثه إلا من رواية أبي داود هذه, مجموعا مع رواية غيره, والحديث عند أبي رجاء, عن ابن عباس, وعن عمران جميعا, إلا أنا لا نعلم أحدا اجتمعت له الروايتان عن أبي رجاء غير أيوب السختياني, فرواه أيضا عن
ج ٢ ص ٤٣أبي رجاء عن عمران بن حصين» (١) .
- (١)«الفصل للوصل» ٢: ٨١٤, وقول الخطيب إن أيوب اجتمعت له الروايتان فيه شيء، فالرواية عنه بجعله عن عمران ابن حصين معللة, انظر: «صحيح مسلم» حديث (٢٧٣٧)، و «سنن الترمذي» حديث (٢٦٠٢) , و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٢٦٠ - ٩٢٦١) , و «مسند أحمد» ١: ٣٥٩, و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٩٨, ٢: ١٠٥, و «الجعديات» حديث (٣٠٧٩ - ٣٨٤) و «المعجم الكبير» حديث (١٢٧٦٩).
-
والشاهد هنا أن عدم الوقوف على رواية لجرير تخالف ما رواه عنه أبو داود, لا يمنع من تخطئه أبي داود فيها, وأنه حملها على رواية غيره, كما حمل رواية غيره على روايته, فجمع بين الصحابين, وقرينة ذلك أنه ظهر غلط أبي داود في الأربعة الآخرين.
-
وقد تقدم في «الجرح والتعديل» الكلام في جماعة من الرواة عرفوا بحمل روايات شيوخهم بعضها على بعض، وبينها اختلاف، والنقاد يعدون ذلك خللا في حفظهم تكلموا فيهم بسببه (٢) ، وليس هذا الصنيع مقتصرا على هؤلاء، فهو كثير الوقوع من الرواة.
- (٢)«الجرح والتعديل» ص ١١٨ - ١٢٠.
-
ولكثرة وقوع الحمل من الرواة شدد المحدثون في الاكتفاء بذكر اسم أحد المقرونين في الإسناد، وحذف الآخر، خاصة إذا كان المسقط ضعيفا، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي عنهما قد دمج روايتيهما، وبينهما اختلاف، وعقد الخطيب في «الكفاية» بابا لذلك، وروى بإسناده عن حرب بن إسماعيل، عن
ج ٢ ص ٤٤أحمد، أنه قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت، وأبان، عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتا، وأترك أبانا، قال: «لا، لعل في حديث أبان شيئا ليس في حديث ثابت،
-وقال-: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما» (١) .
قال الخطيب بعد أن ضرب مثالا لهذا: «ولا يستحب للطالب أن يسقط المجروح، ويجعل الحديث عن الثقة وحده، خوفا من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر، أو حمله عليه» (٢) .
- (١)«الكفاية» ص ٣٧٨، والنص في «مسائل حرب» ص ٤٦٩، وفيه تحريف.
- (٢)«الكفاية» ص ٣٧٨.
-
وقال ابن رجب بعد أن ذكر عن أحمد أن هذا لا يجوز فعله: «وهو كما قال، فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمول عليه» (٣) .
- (٣)«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٤.
-
ومع هذا التشديد فقد وقع من الرواة إفراد إحدى الروايتين، وتكون هذه الرواية المفردة في الأصل محمولة على غيرها، ومثاله أن سفيان بن عيينة يروي عن ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي معمر عبدالله بن سخبرة، عن علي حديث (القيام للجنازة) ، هكذا يرويه سفيان بن عيينة، يحمل رواية ابن أبي نجيح، على رواية ليث بن أبي سليم، ورواية ابن أبي نجيح في الأصل ليس فيها أبو معمر، فهي عن مجاهد، عن علي.
- ج ٢ ص ٤٥
قال الحميدي بعد أن ساق رواية ليث مفردة، وفيها أبو معمر: «وكان سفيان ربما حدثنا به عن ابن أبي نجيح، وليث، عن أبي معمر، فإذا وقفناه عليه لم يدخل في حديث ابن أبي نجيح: أبا معمر» (١) .
قال ابن رجب: «وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين» -يعني الموصول والمنقطع-.
ثم قال ابن رجب: «وقد رواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح وحده، وذكر في إسناده [أبا معمر] ، وهو وهم» (٢) .
- (١)«مسند الحميدي» حديث (٥٠ - ٥١).
- (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٦، ووقع في النسخة: « ... وذكر في إسناده مجاهدا، وهو وهم» وهذا خطأ، فالكلام في ذكر أبي معمر وحذفه، ورواية ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣: ٣٥٨.
-
وممن أفرد رواية ابن أبي نجيح، وذكر فيها أبا معمر: محمد بن منصور، رواه عنه النسائي (٣) ، فإما أن يكون الإفراد منه، أو من النسائي، حذف ليث بن أبي سليم لضعفه.
- (٣)«سنن النسائي» حديث (١٩٢٢).
-
والحديث مشهور عن ليث بن أبي سليم، بذكر أبي معمر، رواه أيضا جماعة عن ليث، منهم الثوري، وزائدة بن قدامة، وغيرهما (٤) .
- (٤)«مسند أحمد» ١: ١٤١، ٤: ٤١٣، و «مسند الطيالسي» حديث (١٥٧)، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٣١١)، و «مصنف أبي شيبة» ٣: ٣٥٧، و «مسند أبي يعلى» حديث (٢٦٦).
-
وروى سفيان الثوري وغيره، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو
ج ٢ ص ٤٦بن بجدان، عن أبي ذر مرفوعا: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ... » الحديث (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٣٣٢)، و «سنن الترمذي» حديث (١٢٤)، و «مسند أحمد» ٥: ١٥٥، ١٨٠، و «صحيح ابن حبان» حديث (١٣١٢).
-
ورواه جماعة منهم الثوري أيضا عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، وقال بعضهم: رجل من بني قشير (٢) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (٣٣٣)، و «مسند أحمد» ٥: ١٤٦، ١٥٥، و «مسند الطيالسي» حديث (٤٨٦)، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٩١٢)، و «علل الدارقطني» ٢: ٢٥٢.
-
ورواه عبدالحميد بن محمد، وأحمد بن بكار، وأبو جعفر النفيلي، وعمرو بن هشام -فيما حدث به عنه أبو عروبة الحراني-، وإبراهيم بن يوسف، وغيرهما، رووه عن مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، وأيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (٣) .
- (٣)«صحيح ابن حبان» حديث (١٣١٠)، و «سنن الدارقطني» ١: ١٨٦، و «علل الدارقطني» ٦: ٢٥٣، و «سنن البيهقي» ١: ٢١٢، و «الفصل للوصل» ٢: ٨٦٣.
-
هكذا صنع مخلد بن يزيد، قال الدارقطني: «أحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد، لأن أيوب يرويه، عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه عن أبي ذر» (٤) ، وكذا قال الخطيب (٥) .
- (٤)«علل الدارقطني» ٦: ٢٥٣.
- (٥)«الفصل للوصل» ٢: ٨٦٤.
- ج ٢ ص ٤٧
وإلى هنا والأمر لا إشكال فيه، لكن رواه النسائي، عن عمرو بن هشام، عن مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (١) ، هكذا أفرد رواية الثوري, عن أيوب، وسمى فيها شيخ أبي قلابة، فإما أن يكون هذا من النسائي وإما أن يكون من عمرو بن هشام أفرده حين حدث به النسائي، فقد رواه جماعة -كما تقدم آنفا- عن عمرو بن هشام وجمع فيه بين أيوب, وخالد الحذاء.
- (١)«سنن النسائي» حديث (٣٢١).
-
والخلاصة أن الباحث حين نظره في الروايات عليه أن يدقق في الروايات المقرونة، إذ يحتمل أن يكون وقع فيها حمل لرواية على أخرى في المتن أو الإسناد، وإنما يعرف ذلك إذا وجد بعضها مفردا، ورأى أن الرواية المفردة فيها مخالفة للرواية نفسها وهي مقرونة، والأصل ترجيح الرواية المفردة على الرواية المقرونة، وهذا هو بيت القصيد هنا.
-
وعليه أيضا -من جهة ثانية- أن يدقق في الروايات المفردة متى ما ارتاب فيها، فيحتمل أيضا أن تكون أفردت من رواية مقرونة وقع فيها الحمل.
-
وأنا أدرك أن هذه القضايا من دقائق نقد الأسانيد، ولكن لا أرى مناصا عن التعرض لها وشرحها فهي تعرض -ولا بد- لمن يمارس النقد, وقد رأيت خللا في الالتفات لهذه القضية من قبل بعض الباحثين.
-
فمن ذلك حديث ابن عيينة, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه في المشي أمام
ج ٢ ص ٤٨الجنازة، الماضي قريبا, ذهب أحد المشايخ الفضلاء يصحح رواية ابن عيينة, ويعضدها بروايات أخرى, ومنها رواية همام بن يحيى, عن منصور بن المعتمر, وزياد بن سعد, وبكر بن وائل, قرنها همام بروايته عن سفيان بن عيينة, ولم يعرج المصحح إلى قضية حمل الروايات بعضها على بعض، وشيوعه عند الرواة, خاصة في المتون، وقد أوضحت دليل الحمل هنا فيما في سبق, وانتهى الشيخ إلى تصحيح الموصول والمرسل عن الزهري, وأنه هو الذي يفعل هذا وهذا, يعني بحسب النشاط, ونقل هذه النتيجة عن الشيخ باحث آخر، واصفا لها بأنها كلام جيد.
-
وهذا النتيجة فوق أنها مخالفة لقواعد النقد فهي أيضا مخالفة لإجماع أئمة الحديث على ترجيح المرسل وتوهيم ابن عيينة, كما تقدم نقله عنهم.
-
وكذلك حديث علي في (القيام للجنازة) الماضي آنفا, توارد على تصحيحه جمع كثير من الباحثين, من طريق سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن أبي معمر عبدالله بن سخبرة، عن علي، الذي رواه ابن أبي شيبة ومحمد بن منصور, عن سفيان, وجعلوه عاضدا لرواية ليث بن أبي سليم, عن مجاهد, ولم يلتفتوا لكلام الحميدي، ورواية ابن المديني, بل لم يعرجوا عليهما أصلا.
-
وفوق ذلك أن أحد الباحثين وهو يعلق على كلام الحميدي ذكر رواية محمد بن منصور عند النسائي، ثم قال: «وهذا يرد ما زعم الحميدي من أن سفيان كان لا يدخل في حديث ابن أبي نجيح: أبا معمر» ، كذا قال الباحث.
-
وروى عبدالرزاق من رواية الجماعة -وفيهم أحمد, ومحمد بن يحيى الذهلي-
ج ٢ ص ٤٩عن معمر, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ... » الحديث (١) .
- (١)«مصنف عبدالرزاق» حديث (٧١٥١) , و «سنن أبي داود» حديث (١٦٣٦) , و «مسند أحمد» ٣: ٥٦, والمستدرك» ١: ١٠٧, و «سنن البيهقي» ٧: ٢٢, و «التمهيد» ٥: ٩٦.
-
ورواه مالك, وسفيان بن عيينة, وإسماعيل بن أمية, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, مرسلا ليس فيه أبو سعيد (٢) .
- (٢)«موطأ مالك» ١: ٢٦٦, و «مصنف ابن أبي شيبة» ٣: ٢١٠, و «تفسير ابن جرير» ١٠: ١١٤, و «تهذيب الآثار» (الجزء المفقود) ص ٤١٤.
-
وكذلك رواه سفيان الثوري, عن زيد, من رواية يحيى بن سعيد القطان, ووكيع بن الجراح, ومحمد بن يوسف الفريابي, عن سفيان, ورواه عبدالرزاق عن سفيان الثوري, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - , ورواه عبدالرحمن بن مهدي, عن سفيان، عن زيد, قال: حدثني الثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
- (٣)«سنن أبي داود» حديث (١٦٣٦) , و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٧١٥٢) , و «الأموال» لأبي عبيد حديث (١٧٢٩)، (١٩٨٤) , و «الأموال» لابن زنجويه حديث (٢٠٥٧) , و «علل الدارقطني» ١١: ٢٧١.
-
وقد توارد أئمة النقد على تخطئة الوجه الموصول الذي يرويه معمر (٤) .
- (٤)«سنن أبي داود» حديث (١٦٣٦) , و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢١, و «علل الدارقطني» ١١: ٢٧٠.
-
وتعرض أحد المشايخ لطرق هذا الحديث, فذهب إلى تصحيح الموصول
ج ٢ ص ٥٠من رواية معمر, ومما احتج به لذلك أنه قد رواه أبو الأزهر السليطي, عن عبدالرزاق، عن معمر, والثوري, عن زيد بن أسلم, وقد رواه كذلك عن عبدالرزاق, محمد بن سهل بن عسكر في بعض الطرق إليه (١) , فجعل الشيخ سفيان الثوري متابعا لمعمر على وصل الحديث بذكر أبي سعيد.
- (١)«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٣٧٤) و «سنن الدارقطني» ٢: ١٢١, و «علل الدارقطني» ١١: ٢٧١, و «سنن البيهقي» ٧: ١٥.
-
ولا يخفى ما في هذا التقرير, فإن رواية عبدالرزاق عن الثوري هذه جاء فيها سفيان مقرونا مع معمر, ومعمر هو الذي يذكر أبا سعيد, وأما الثوري فيقول: عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - , هكذا يرويه عبدالرزاق في الرواية المفردة, مع أنه قد خالف الجماعة عن سفيان في زيادة: عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيهم حفاظ ثقات مقدمون في سفيان الثوري.
-
وروى شعبة, وسعيد بن أبي عروبة, وهمام بن يحيى, ومعمر, وسلام بن مسكين, وهشام الدستوائي -في رواية يزيد بن زريع, ومسلم بن إبراهيم, ووهب بن جرير- عن قتادة, عن سعيد بن المسيب: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في ريطتين وبرد أحمر» (٢) .
- (٢)«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦١٦٥) , و «طبقات بن سعد» ٢: ٢٨٤, و «كشف الأستار» حديث (٨١٢).
-
ورواه عمران القطان، وهشام الدستوائي -في رواية محمد بن كثير,
ج ٢ ص ٥١وأبي داود الطيالسي- عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة (١) .
- (١)«كشف الأستار» حديث (٨١٢) , و «صحيح ابن حبان» حديث (٦٦٣٠) , و «علل الدارقطني» ٧: ٣٠٦.
-
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف, فبدأ أولا بالنظر في الاختلاف على هشام الدستوائي, ورجح الإرسال عنه, لكونه من رواية الأكثر والأحفظ, ولا إشكال في ذلك, لكنه ذكر أن رواية الوصل عن هشام قوية, لاجتماع محمد بن كثير, وأبي داود الطيالسي عليها، كذا حرره الباحث, وأبعد النجعة جدا, فالوصل عنه ضعيف, فرواية أبي داود الطيالسي تفرد بها أحمد بن عبدالله المنجوفي وهو صدوق, عن أبي داود, وفوق ذلك -وهو موضع الشاهد هنا- أنها جاءت مقرونة مع رواية عمران القطان, فلا بعد -إن صحت الرواية عن أبي داود- أن يكون قد حملها على رواية عمران القطان, ويحتمل أن يكون ذلك من المنجوفي الراوي عنه.
-
ولتقريب مسألة حمل بعض الروايات على رواية أخرى أذكر بمسألة شبيهة بها تقدمت في الفصل الثاني من الباب الأول, وهي مسألة عطف إسناد أو أكثر على إسناد آخر، فللعطف مشكلات تقدم الحديث عنها هناك, يهمنا منها هنا أن العطف يقع فيه تجوز وتسامح في صفته, فيعطف إسناد موصول -مثلا- على إسناد مرسل, فالناظر لأول وهلة يظن أن الإسنادين جميعا موصولان, وهكذا في الرفع والوقف.
- ج ٢ ص ٥٢
وقد تقدم لهذا أمثلة هناك, وأذكر الآن مثالا آخر, فقد روى إبراهيم بن الحجاج، وأبو سلمة التبوذكي, عن حماد بن سلمة, عن ثابت البناني, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل, عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى حبلا ممدودا بين ساريتين ... » (١) .
قال الخطيب بعد أن أخرجه من طريق أبي سلمة: «ربما ظن من لم يمعن النظر أن حمادا روى هذا الحديث عن ثابت البناني, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل، كليهما، عن أنس بن مالك, وليس الأمر كذلك, إنما رواه حماد, عن ثابت, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا, ورواه حماد أيضا عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» .
- (١)«مسند أبي يعلى» حديث (٣٨٣١)، و «الفصل للوصل» ٢: ٨٥٨، و «الأسماء المبهمة» ص ٤١٠.
-
ثم أخرجه من طريق أحمد، عن عبدالرحمن بن مهدي, عن حماد بن سلمة، بالتفصيل الذي ذكره (٢) , وقد رواه أحمد أيضا عن عفان، عن حماد بن سلمة كذلك (٣) .
- (٢)«الفصل للوصل» ٢: ٨٥٨، و «الأسماء المبهمة» ص ٤١٠، و «مسند أحمد» ٣: ١٨٤.
- (٣)«مسند أحمد» ٣: ٢٥٦.
-
وفي مثل هذا يقع أيضا سوق الروايتين مساقا واحدا, وربما جرى إفراد الرواية المرسلة وسوقها موصولة، ظنا ممن فعل ذلك أنها موصولة في الأصل, فمن ذلك أن جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة, منهم أحمد، وسعيد بن منصور، وغيرهما, رووا عنه, عن عمرو بن دينار، عن عطاء, وابن جريج, عن عطاء، عن
ج ٢ ص ٥٣ابن عباس قال: «أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء ... » الحديث (١) .
- (١)«مسند أحمد» ٣: ٢٢١، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٤٢)، و «المعجم الكبير» حديث (١١٣٩١).
-
فهذا الحديث ظاهره أن رواية عطاء من كلا الطريقين -عمرو بن دينار، وابن جريج- فيها ابن عباس, لكن هذا الظاهر غير مراد، فرواية عمرو بن دينار, عن عطاء مرسلة، بين ذلك جماعة من أصحاب سفيان، فميزوا الموصول من المرسل, منهم علي بن المديني, والحميدي, وغيرهما, ونص الحميدي على أن سفيان يرويه بالصورة الموهمة لوصل رواية عمرو بن دينار بالعنعنة -يعني يتسامح في ذلك- فإذا قال: حدثنا, وسمعت, ميَّز المرسل من الموصول (٢) .
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (٧٢٣٩)، و «مسند الحميدي» حديث (٤٩٢)، و «تحفة الأشراف» ٥: ٨٧، ٩٦.
-
ومشى على ظاهر الرواية جماعة من أصحاب ابن عيينة، أو من بعدهم, فساقوا الروايتين وفيهما جميعا ذكر ابن عباس، فيقولون: عن عمرو, عن عطاء, عن ابن عباس, وعن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس, وربما قدم بعضهم رواية ابن جريج, وعطف عليها رواية عمرو.
-
ورواه آخرون فأفردوا رواية عمرو بن دينار، وذكروا فيها ابن عباس، وهؤلاء وهمهم أشد كما قال الإسماعيلي (٣) .
- (٣)«سنن النسائي» حديث (٥٣١)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٥١٣)، و «سنن الدارمي» حديث (١٢١٨)، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٤٢)، و «صحيح ابن حبان» حديث (١٥٣٤)، و«فتح الباري» ١٣: ٢٢٩، والنسائي يرويه في الكتابين عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، وفيهما ذكر ابن عباس في رواية عمرو، كرواية ابن جريج، لكن ذكر المزي في «التحفة» ٥: ٨٧، ٩٦، وابن حجر في «فتح الباري» ١٣: ٢٢٩، أن رواية النسائي عن محمد بن منصور على التفصيل، كرواية ابن المديني، والحميدي, ومن معهما.
- ج ٢ ص ٥٤
وروى الحميدي, عن سفيان بن عيينة, عن ابن جريج, عن عطاء, عن صفوان بن يعلى, عن أبيه, قال: «غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك فحملت فيها على بكر -وكان أوثق عملي في نفسي- فاستأجرت أجيرا, فقاتل رجلا ... » الحديث.
ثم رواه الحميدي, عن سفيان, عن عمرو بن دينار, عن عطاء: «أن أجيرا ليعلى ... » مرسلا.
قال الحميدي: «وكان سفيان ربما ضمهما فأدرج فيه الإسناد, وإذا فصلهما جعل حديث ابن جريج مسندا, وجعل حديث عمرو مرسلا» (١) .
- (١)«مسند الحميدي» حديث (٧٨٨ - ٧٨٩).