شرح نظم اللؤلؤ المكنون (١١)
١٠٦ فقرة، ج ١١ ص ١
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١١ ص ٦
المقربون لا شك أنهم فطموا أنفسهم عن هذه الدنيا، وتعلقوا بالله -جل وعلا-، ولجوا إليه بصدق وإخلاص وحرصوا على تطبيق جميع ما أمروا به مما ثبت، وابتعدوا عن جميع ما نهوا عنه حرصوا على ذلك، وهم أيضاً ليسوا بمعصومين يبقى أنهم بشر يخطئون كغيرهم، لكن حرصوا على أن يتخلوا عن كثير من أمور الدنيا، حتى وفقهم الله -جل وعلا- وعصمهم من كثير من الذنوب التي يتساهل فيها كثير من الناس، والله أعلم.
-
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...
-
المقربون لهم برنامج ذكره ابن القيم في طريق الهجرتين، ذكر برنامجهم وخطتهم التي يسيرون عليها، وأقسم مع ذلك بعد أن شرح المنهج بدقة وكأنه واحد منهم ويعيش بينهم، وكأنه يشرح حال نفسه أقسم -رحمة الله عليه- أنه ما شم لهم رائحة.
-
سم.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.
-
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين، واعصمنا من الفتن أجمعين برحتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وما بالانعكاس والإبدالِ ... فذاك مقلوب بلا جدالِ
فمنه قلب سند دون مرا ... أن يبدل الراوي براوٍ آخرا
ومنه بالتقديم والتأخير في ... الأسماء كجعل الأب ابناً فاعرفِ
وقلب متن وهو أن يجعل ما ... يختص بالشيء لضد علما
كقوله فيما رواه مسلمُ ... في أحد السبعة: من لا تعلمُ
يمينه ما بالشمال أنفقا ... والبذل من شأن اليمن مطلقاً
ومنه أن يجعل متناً لسند ... وقلب متنه لذلك السند
وسوغوا هذا للاختبارِ ... لحاجة من دون ما إصرارِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-
النوع الخامس من أنواع الضعيف المترتبة على مخالفة الراوي لغيره من الرواة الثقات، وهو مما يتعلق .. ، نقول: هذا النوع الخامس الناشئ عن مخالفة الراوي لغيره من الثقات، ومخالفة الثقات من الأوجه المتعلقة بانتفاء ضبط الراوي، وهو المقلوب بعد أن ذكره على سبيل الإجمال مع غيره من الأنواع فصّل القول فيه، فقال -رحمه الله تعالى-:
وما بالانعكاس والإبدال ِ ... فذاك مقلوب بلا جدالِ
ج ١١ ص ٧مقلوب: اسم مفعول من القلب، وهو جعل الأول آخراً والآخر أول، والأعلى أسفل والأسفل فوق، وغير ذلك من صور القلب الحسي.
وما بالانعكاس والإبدالِ ... فذاك مقلوب بلا جدالِ
ينعكس اللفظ، ينعكس المعنى، ينعكس اسم الراوي ينقلب، يبدل الراوي بغيره، كل هذا قلب، داخل في المقلوب "بلا جدالِ" يعني: بلا نزاع، بلا خلاف.
فمنه قلب سند دون مرا ... أن يبدل الراوي براوٍ آخرا
وذلك بأن يؤتى إلى حديث معروف من رواية نافع فيجعل من راوية سالم مثلاً، هذا قلب، يبدل الراوي براوٍ آخر.
ومنه بالتقديم والتأخير في ... الأسماء كجعل الأب ابناً فاعرفِ
مثل: نصر بن علي يجعل علي بن نصر، كعب بن مرة يجعل مرة بن كعب، فيجعل الأب ابن والعكس كعب بن مرة يقول: مرة بن كعب، ومثله: نصر بن علي وعلى بن نصر يسهّل هذا القلب على ألسنة الناس كون كل من الاثنين يكثر دورانهم في كتب الحديث، نصر بن على وعلى بن نصر يروي عنهما مسلم بكثرة، ويشتركان في بعض الشيوخ، فهذا يسهّل القلب.
وقلب متن وهو أن يجعل ما ... يختص بالشيء لضد علما
ما لليمين يجعل لليسار، وما لليسار يجعل لليمين، يجعل للضد تماماً.
كقوله فيما رواه مسلمُ ... في أحد السبعة: من لا تعلمُ
يمينه ما بالشمال أنفقا ... والبذل من شأن اليمن مطلقاً
يعني في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله في المتفق عليه: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ) جاء في صحيح مسلم مقلوب: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) )، ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) ) وجاء في بعض الروايات: ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا وشربوا حتى يؤذن بلال) ) جاء هذا، ففي حديث السبعة يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-:
كقوله فيما رواه مسلمُ ... في أحد السبعة: من لا تعلمُ
يمينه ما بالشمال أنفقا ... . . . . . . . . .
-
أنفقت شماله، لا تعلم يمينه ما أنفقه بشماله، ما تنفقه شماله.
. . . . . . . . . ... والبذل من شأن اليمن مطلقاً
ج ١١ ص ٨الإعطاء والأخذ التعامل مع الناس كله باليمين، لو واحد قلت له: ناولني هذا، فناولك باليسار هذا ما هو مستساغ ولا مقبول، جاء في حديث: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوا منه ما استطعتم، وإذا أمرتكم بأمر فأتوه) ) مقلوب، قلب هذا، وأمثلة المقلوب كثيرة جداً، لكن يهمنا صيانة الصحيح، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يهاب الصحيحين، والمقلوب كما هو معروف من قسم الضعيف، فماذا نقول عما في صحيح مسلم؟ المقلوب ضعيف، فماذا نقول عن حديث السبعة وفيه: ((لا تعلم يمنيه ما تنفق شماله) )؟ هل يمكن تخريجه على وجه صحيح بحيث نصون الصحيح من الحكم على حديث من أحاديثه وقد تلقته الأمة بالقبول نصونه عن الضعف؟ كيف؟ نقول: الأمر سهل هذا الرجل يمدح كما يمدح بالإخفاء يمدح بكثرة الإنفاق، كما يمدح بالإخفاء -إخفاء صدقته حتى لا تعلم يمينه أو لا تعلم شماله- يمدح بالإخفاء، ولذا لا يعلم طرفه الآخر، إذا كان لا يعلم عن إنفاقه جانبه فكيف بغيره؟! فهذا الرجل كما يمدح بالإخفاء يمدح أيضاً بكثرة الإنفاق، يعني مع كثرة إنفاقه يستطيع أن يخفي؛ فلكثرة إنفاقه مرة ينفق بيمينه ومرة بشماله ومرة من أمامه ومرة من خلفه، والإخفاء قد يضطر الإنسان إلى أن ينفق بالشمال، يفترض عنده ناس جالسين عن يمينه فجاء فقير من شماله فأعطاه بحيث لا يمر إلى يمنيه ظاهر جداً، يعني ممكن، نعم، والفقير إذا أعطي لن يحمل في نفسه شيء لأنه أعطي بالشمال، المقصود الأعظم وقد حصل، يؤيد ذلك الحديث المخرج في صحيح البخاري: ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين، حتى أقول فيه هكذا وهكذا وهكذا) ) عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه، هذه كناية عن كثرة الإنفاق، وبهذا نصون الصحيح من دعوى القلب، والمقلوب من الضعيف، وإذا أمكن تخريج الخبر على وجه يصح لا شك أنه يتعين؛ لأنه يترتب على عدم التخريج توهيم الرواة، والمسألة مفترضة الآن في رواة ثقات رواة الصحيح، الذي قال كثير من أهل العلم أنهم جازوا القنطرة، مما حكم عليه بالقلب حديث البروك: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ) وهو أرجح من حديث وائل: "كان رسول الله -صلى الله عليه
ج ١١ ص ٩وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه"؛ لأن الأول له شاهد من حديث ابن عمر، على كل حال من حيث الصناعة حديث أبي هريرة أرجح من حديث وائل، وقرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- وأطال تقرير القلب في حديث أبي هريرة وأنه مقلوب؛ لأنه على رأي ابن القيم يكون إن لم يحكم بقلبه متناقض آخره يهدم أوله؛ لأن البعير إذا برك يقدم يديه على ركبتيه، يقدم يديه قبل ركبتيه، ابن القيم لم اقتنع بهذا أجلب عليه في الهدي، وأطال في تقرير القلب، وأنتم تلاحظون من أنفسكم ومن غيركم أنه إذا علق شيء في ذهن الشخص وحال دونه ودون فهم الحديث على وجهه انقفل الذهن، صار ما يحتمل قول آخر يعني في بادئ الأمر البعير يقدم يديه على ركبتيه فكيف يقول: ((وليضع يديه قبل ركبتيه) )، وعنه -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث وائل أنه إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، ونقول: ليس في الحديث قلب وليس فيه تعارض ولا تضاد ولا أدنى إشكال -ولله الحمد والمنة-، متى يقال: برك البعير؟ متى يقال: برك البعير؟ يقال: برك البعير إذا نزل على الأرض بقوة، يقال: برك البعير وحصص البعير إذا فرق الحصى وأثار الغبار نعم برك، لكن الذي يصلي إن فعل هذا الفعل بحيث نزل على يديه بقوة، وأثار الغبار، وفرق الحصى، وخلل البلاط، بعض الناس تسمعون البلاط يرتج، نقول: برك مثل ما يبرك البعير هذا، لكن لو قدم يديه وضع يديه قبل ركبتيه مجرد وضع على الأرض نقول: لم يبرك مثل بروك البعير، وامتثل الأمر، وضع يديه قبل ركبتيه، فما في قلب، يعني نفرق بين البروك وبين مجرد الوضع، يعني أنت إذا قيل لك مثلاً: ما حكم وضع المصحف على الأرض؟ تقول: جائز، هذا قول أهل العلم وضع المصحف على الأرض جائز، لكن إلقاء المصحف على الأرض، هذا استخفاف بالقرآن يصل إلى حد عظيم عند بعض أهل العلم، يعني ما في فرق بين هذا وهذا؟ مجرد وضعه على الأرض وإلقائه على الأرض؟ في فرق، فمن يرجح حديث أبي هريرة على حديث وائل ما عنده أدنى إشكال، يقدم يديه قبل ركبتيه، ولسنا بحاجة إلى الكلام الطويل الذي يقرره بعضهم أن ركبتي البعير في يديه، وأن كذا مالنا دعوة؛ لأنه حتى لو قلنا: ركبتي البعير في يديه ما انحل الإشكال.
- ج ١١ ص ١٠
طيب نأتي إلى الحديث الثاني: "كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه" المسألة مسألة وضع، بعض الناس ينزل بركبتيه على الأرض مثل نزول الحمار أشد من البعير بقوة ينزل ويخلل البلاط بعد، يسمع هذا من بعض اللي يسجدون، فإذا وضع ركبتيه مجرد وضع على الأرض من غير نزول بقوة نقول: امتثل حديث وائل، وكل على حسب ما يترجح عنده إما هذا أو هذا، لكن يلاحظ أنه لا قلب في الحديث إنما المطلوب الرفق، وأن توضع اليدان أو الركبتان كل عاد على حسب ما يرجح، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لحظ كلمة وضع في النصين وقال: المصلي بالخيار سواء قدم يديه أو ركبتيه لا فرق، بس الملحظ إيش هو؟ الوضع، الملحظ الوضع، والكلام في الحديث طويل جداً؛ لأنه أشكل على كثير من الكبار فضلاً عن طلاب العلم، ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما حال دون تصور الحديث على وجهه؛ لأن بعض الناس يهجم ذهنه على شيء فيفهمه على وجه ويستمر عليه، ولذلك تجد المعلومات التي يتلقها طالب العلم في أول الأمر ولا يدرسها في النهاية بعناية يعلق في ذهنه ما هجم على ذهنه في أول الأمر، هذا إذا لم يدرس المسائل بعد ذلك بعناية وتوسع وفهم دقيق وإلا لو مر عليك كلام وأنت في المتوسط من الزاد وحفظته مهما مر عليك فيما بعد من كلام الأئمة الآخرين ما يعلق في ذهنك إلا القليل؛ لأنه هجم على الذهن بقوة ووجد الذهن فارغ فتمكن، فمهما حاولت إلا إذا بحثت المسألة من جذورها، ووازنت بين الأقوال، وبحثتها بقوة بحيث ترسخ في ذهنك؛ لتقاوم ما هجم على ذهنك حينما كان خالياً، يقول -رحمه الله تعالى- ... ، لا أريد أن أطيل في تقرير هذه المسألة، المسألة واضحة -إن شاء الله تعالى-, نعم؟
-
طالب: . . . . . . . . .
-
كل كتب المصطلح تقول: مقلوب.
-
طالب: . . . . . . . . .
- ج ١١ ص ١١
لا هو الكلام في صيانة الصحيح، الصحيحين تلقتهم الأمة بالقبول فصيانتهما متعينة؛ لأنه إذا تطاولنا على الصحيحين فماذا بقي لنا من الكتب؟ تلقتهما الأمة بالقبول، لا يجعل الحديث الذي يرويه أصحاب الصحيح قطعي، ولذا ذكروا من القرائن التي تحتف بالخبر حتى يكتسب القطيعة كونه مخرج في الصحيحين أو في أحدهما، في كتاب ألتزمت صحته، وتلقته الأمة بالقبول، فمثل هذا لا بد منه، أما في غيرهما من الكتب يحرص الإنسان على أن يصون الرواة الثقات عن أن يوهموا، ويتق الله -جل وعلا- بقدر استطاعته، ويحكم بما يوصله إليه اجتهاده.
ومنه أن يجعل متناً لسند ... وقلب متنه لذلك السند
يجعل متن لسند، وقلب متنه لذلك السند، ومثل في هذا الموضع بحديث شريك الذي ذكرناه في باب المدرج في الصورة الرابعة بالأمس، جعل متن هذا الحديث أو متن هذا الكلام لذلك السند نعم، وأحياناً يهم بعض الرواة فيجعل حديث عمر مثلاً لأبي هريرة والعكس، هذا قلب، هذا نوع من القلب الذي أشار إليه المؤلف هنا، لكن بعض الرواة الضعفاء يأتون إلى حديث يروى بسند ضعيف أو بسند تآلف فيركب له إسناد غير إسناده ليكون مقبولاً عند السامع، وقد يكون الحديث صحيحاً بإسناده لكن يركب له إسناد ثاني للإغراب، وهذا يسمونه سرقة الحديث، سرقة الحديث، وهو من أشد القوادح.
وسوغوا هذا للاختبارِ ... لحاجة من دونما إصرارِ
تأتي تختبر طالب لتعرف مدى إتقانه لما كلف بحفظه، عندك طلاب تدرسهم البخاري، وتطالبهم بحفظه سنداً ومتناً، فتأتي إلى حديث فتركب عليه سند حديث آخر والحديث الآخر تركب عليه سند الحديث الأول، هذا لمجرد الاختبار، يعني تعمد القلب حرام؛ لأنه يجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً، فهذا بمجرده حرام، تضييع لما اشتمل عليه الحديث المقبول بجعله غير مقبول، وجعل الأمة تعمل بحديث غير مقبول؛ لأنه ركب عليه إسناد مقبول فهذا حرام، لكن للامتحان، هنا يقول:
وسوغوا هذا للاختبارِ ... لحاجة من دونما إصرارِ
ج ١١ ص ١٢يعني ليبين حقيقة الأمر في نفس المجلس، ألقي على الطلاب اختبار قلبت عليهم الأسانيد لكن في نفس المجلس قبل أن يتفرق أحد يبين الصواب، حصل لأهل العلم حكايات في الاختبار، وأبدوا براعة وإجادة، قلب على الإمام البخاري مائة حديث، قلب على الدارقطني أحاديث، وقلب على المزي أحاديث للامتحان، إذا جاء إلى أهل بلد امتحنوه، البخاري لما قدم إلى بغداد وهذه القصة رواها ابن عدي في جزءٍ ذكر فيه شيوخ البخاري، رواها ابن عدي عن عدة من شيوخه بعضهم يضعف هذه القصة؛ لأن الشيوخ مجهولين؛ لأنه قال: عن عدة من شيوخه، وأهل العلم في مثل هذا التعبير يقول: هؤلاء الشيوخ وإن كانوا غير معروفين بأعيانهم إلا أنهم باعتبارهم جمع يجبر بعضهم بعضاً، لا سيما وأنهم شيوخ من شيوخ الحديث، وأخذ عنهم ابن عدي وهو الجهبذ النقاد الخبير أخذ عن عدة من الشيوخ، ولو افترضنا ضعفهم يجبر بعضهم بعضاً، الجهالة بهم .. ، لكونهم عدة يجبر بعضهم بعضاً فيصحح القصة.
- ج ١١ ص ١٣
لما قدم الإمام البخاري بغداد اختبروه فعمدوا إلى مائة حديث ووكلوها إلى عشرة من الأشخاص قلبت أسانيدها، سند هذا جعل لمتن هذا، ومتن هذا جعل لسند هذا إلى أن تمت المائة، ووزعت على عشرة أشخاص كل واحد له عشرة أحاديث، فلما استقر بهم المجلس قام واحد من العشرة قال: ما تقول في حديث فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا؟ قال: لا أعرفه، وما رأيك في حديث عن فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا؟ قال: لا أعرفه، وهكذا إلى أن أتم العشرة، العشرة الأحاديث، الذي لا يعرف حقيقة الحال يقول: هذا البخاري الذي تذكرون عجز ولا حديث من العشرة أجابه، أما الفهماء من الحاضرين يقول: عرف الرجل، فهم المقصود الرجل، ثم قام الثاني ففعل وصنع مثلما صنع الأول، ثم الثالث ثم الرابع ثم العاشر إلى أن تمت المائة، فلما تمت المائة ألتفت إلى الأول قال: قلت كذا وصوابه كذا، الثاني قلت كذا وصوابه كذا، فتعجب العلماء من حفظه لها على هذا الترتيب، وأقول: أعجب من ذلك حفظه لخطئها كحفظه لصوابها؛ لأن العالم قد يحفظ الصواب، لكن كونه يحفظ المائة حديث مقلوبة ملخبطة، يعني ما جاءت على وجهها ثم يحفظ الخطأ ويعيده إلى الصواب بهذه الطريقة عجب، ولا شك أنه من حفاظ الإسلام الكبار.
- ج ١١ ص ١٤
الدارقطني حفظه تضرب به الأمثال، يحضر الشيوخ وهم يملون الأحاديث، ومعه ينسخ، كتاب آخر خارج الدرس، ينسخ من كتاب إلى كتاب، ينسخ كتب أثناء الدرس، فلما انتهى الشيخ قال واحد من الجالسين: أنت ما غير ضيقت علينا يا أخي النسخ أنسخ في بيتك، فقال له الدارقطني ذكرنا -جزاك الله خيراً- بما قال الشيخ، فلم يستذكر ولا حديث، قال: اكتب ما قاله الشيخ، فأملأ عليه الأحاديث كلها، واحداً بعد الآخر، وقال: يا أخي حفظي ليس مثل حفظك، الناس ليسوا على منزلة واحدة، نعم قد يقول القائل: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [ (٤) سورة الأحزاب] لكن الحفاظ يقررون أنه يكفيهم من الحديث شمه، بس يقضب أدنى طرف كلمة ويكمل الباقي، عجائب، وكل في فنه، وهذا معروف، كل في فنه من أهتم بشيء أتقنه، نعم تجد البارع في أي فن من الفنون مثل المري، وقل مثل هذا في جميع الصنائع والفنون، يعني تأتي بالسيارة إلى صاحب الورشة اللي ما هو بارع يفكك ويفتح هذا، نزل الكبوت، افتح لي مدري إيش؟ افتح الصفاية، ما يقف على علة، لا يقف على علة هذه مسألة حاصلة، صارت السيارة فيها رجة ودخلنا ورشة فيها عمال كثير، واللي يفك من هنا، واللي يفك من هنا ما في فائدة، جاء صاحب الورشة قال: غير الكفر الأمامي هذا الأيمن وخلاص، غيرناه خلاص ما في شيء، يعني ما جرب، ما ساق، ما جاء، يعني ناس مكفوفين في بعض الصنائع مهرة في صنائع لا يتقنها المبصرون، كل هذا سببه إيش؟ العناية، العناية بالشيء مكفوف تأتي بآلة مثل هذه، يقول لك: ما تشتغل، وله أن يقول مثل ما قال الكبار من المحدثين: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل، له أن يقول ذلك، على ألا يستمر الوضع في القلب المتعمد من أجل الامتحان حتى يتفرق الناس، لا يجوز أن يستمر هذا حتى يتفرق الناس فيحفظه بعضهم على الخطأ، لا بد من بيان الصواب فيه، نعم؟
-
طالب: من قال: إن تواترها يكفي مثل قصة خالد القسري يشككك بعضهم فيها، لكن تواتر العلماء عليها ألا يكون هذا يقوي الأمر؟
- ج ١١ ص ١٥
لا هذه مروية بالإسناد عن الإمام البخاري، يعني ما فيها وسائط، عن عدة من شيوخه، ابن عدي يرويها عن عدة من شيوخه عن صاحب القصة، أو عمن حضر القصة، يعني ما فيها وسائط كثر بحيث يحتمل أن كل واحد من هؤلاء الوسائط يتطرق الخلل إلى الخبر من قبله، ما في وسائط إلا هؤلاء عدة من شيوخ ابن عدي، ورواها عنه الخطيب في تاريخ بغداد، ورويت عنه اشتهرت تناقلها العلماء من غير نكير، والاستفاضة في مثل هذه الأخبار التي لا يترتب عليها حكم كافية، مع أنها تندرج تحت الأصل العام الذي يتعرف به كل أحد في إمامة البخاري وحفظه وسعة إطلاعه على هذا الفن.
وإن يزد في السند المتصلِ ... راوٍ فذا المزيد فيه فصّل
فإن يكن من لم يزده أتقنا ... وقال: قد سمعت أو حدثنا
تَرجّح الإسقاط لا شك وإن ... كان الذي قد زاده أتقن من
مسقطه لا سيما إن عنعنا ... فليكُ ترجيح المزيد أبينا
ويستوي الأمران حيث احتملا ... إن كان عن كليهما قد نقلا
نعم هذا نوع من أنواع علوم الحديث مرتب على المخالفة، وهو المزيد في متصل الأسانيد، إذا وجدت حديثاً بإسناد من طريق خمسة يسمونه الخماسي، ثم وجدته من طريق ستة هم الخمسة بينهم واحد زائد، مزيد واحد، يحتمل أن يكون هذا بالفعل مزيد، ويحتمل أن يكون هذا الناقص فيه سقط، ويحتمل أن يكون الراوي عن هذا المزيد رواه على وجهين مرة بواسطة، ومرة بغير واسطة، الاحتمال قائم، لكن ما الذي يرجح من هذه الاحتمالات؟ يرجح فيما قاله الشيخ.
وإن يزد في السند المتصلِ ... راوٍ فذا المزيد فيه فصّل
إن يزد فهو من المزيد لكن ما العمل؟ هل نحكم بأنه مزيد مطلقاً؟ يعني الزيادة هذه خطأ مثلاً؟ سبق قلم من بعض الرواة؟ أو وجود هذا الراوي المزيد له وقع وله دور في أداء هذا الخبر؟
فإن يكن ما لم يزده أتقنا ... . . . . . . . . .
-
وجدنا من رواه خماسياً أتقن وأحفظ وأضبط ممن رواه سداسياً.
فإن يكن ما لم يزده أتقنا ... وقال: قد سمعت أو حدثنا
يعني صرح بالسماح والتحديث، المسألة مفترضة في راوٍ ثقة أسقط راوي من سند، وصرح بالتحديث ممن هو فوق هذا الراوي الذي أسقط، فإن كان هذا المسقط أتقن وصرح بالتحديث.
فإن يكن ما لم يزده أتقنا ... وقال: قد سمعت أو حدثنا
ج ١١ ص ١٦تَرجّح الإسقاط. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
-
ويكون الراجح أنه مزيد، والخماسي أرجح من السداسي.
تَرجّح الإسقاط لا شك وإن ... كان الذي قد زاده أتقن من
مسقطه. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
-
فإن كان الذي رواه سداسياً أتقن من الذي رواه خماسياً، لا سيما إن عنعن صاحب الخماسي الذي أسقط رواه بالعنعنة، احتمال أن يكون بينهما واسطة، أما إن قال: حدثنا لا يتصور أن يكون بينهما واسطة.
. . . . . . . . . لا شك وإن ... كان الذي قد زاده أتقن من
مسقطه لا سيما إن عنعنا ... . . . . . . . . .
-
يعني رواه بـ (عن) أو ما يقوم مقامها مثل (قال) و (أن) فلان، نعم.
. . . . . . . . . لا سيما إن عنعنا ... فليكُ ترجيح المزيد أبينا
يعني رجح المزيد، إذا رواه من أسقط وهو أدنى منزلة ممن زاد ورواه بالعنعنة قلنا: إن هذا أسقط راوي.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
كيف؟
-
طالب: . . . . . . . . .
-
لا هو ...
-
طالب: . . . . . . . . .
مسقطه لا سيما إن عنعنا ... . . . . . . . . .
-
المسقط، إذا عنعن المسقط قلنا: إن (عن) ليست صريحة في الاتصال، ما هي مثل حدثنا وسمعت نعم، يحتمل أن بينهما راوٍ سقط.
. . . . . . . . . ... فليكُ ترجيح المزيد أبينا
لكن إذا كان على حد سواء لم تستطيع أن ترجح هذا ولا ذاك لم تستطع الترجيح.
ويستوي الأمران حيث احتملا ... إن كان عن كليهما قد نقلا
ج ١١ ص ١٧إذا احتمل أن هذا الراوي الثالث في السند رواه عن الأول بدون واسطة هذا احتمال لا سيما إذا كان قد لقيه وروى عنه أحاديث هذا احتمال، ويحتمل أنه رواه عنه بواسطة، نعم ولا يمنع أن يكون مرة يرويه عنه كذا، ومرة يرويه عنه كذا، فقد تسمع أنت الآن في حياتك العادية كلام عن شيخ من الشيوخ في بلد من البلدان من طريق شخص نعم فيتيسر لك أنك التقيت بالشخص بالشيخ نفسه فسألته فقاله لك، فأنت إن شئت أن ترويه بواسطة ذلك الشخص، وإن شئت أن ترويه عنه بدون واسطة لأنك سمعته منه، كثير من الأخبار تروى بواسطة ثم يحرص على نزول الواسطة طلباً للعلو، وحينئذٍ يجوز أن تروي على الوجهين، وما تعديت الحقيقة، إن رويت عن زيد عن عمرو فقد أخبرك زيد عن عمرو أنه قال كذا، وإن أسقطت زيداً ورويت عن عمرو مباشرة ساغ لك ذلك؛ لأنك تمكنت من تلقي الخبر بدون واسطة، فالاحتمال قائم.
ويستوي الأمران حيث احتملا ... . . . . . . . . .
-
احتمل الأمرين، احتمل المزيد، واحتمل الإسقاط.
. . . . . . . . . ... إن كان عن كليهما قد نقلا
نقل الخبر بالواسطة، ومرة بدون واسطة، وهذا كثير في النصوص، ومتصور وواقع ويقع، يسمع الخبر عن شخص بواسطة ثالث ثم يلتقي الراوي عمن أسند إليه الخبر فيأخذه عنه مباشرة بدون واسطة، فأحياناً ينشط فيذكر الواسطة، وأحياناً يسقط الواسطة ولا غير؛ لأنه يرويه على الوجهين، ولو راجعتم حديث: ((الدين النصيحة) ) في أوائل صحيح مسلم فيه إسقاط واسطتين، ما هي بواحدة، والأمر محتمل ما في إشكال؛ لأنه يروى عن الوجهين، لكن عند أهل العلم العلو أرغب من النزول، لكن إن كان النزول فيه نظافة إسناد أكثر مما اشتمل عليه العلو فنظافة الإسناد أهم وأولى من العلو على ما سيأتي في العالي والنازل -إن شاء الله تعالى-، نعم.
وإن يكن راوٍ براوٍ أبدلا ... كذاك مرويّ بمروي ولا
جمع ولا ترجيح فيه حصلا ... فإنه مضطرب لا جدلا
في سند تلفيه أو متن وقد ... يكون في كليهما وهو أشد
وليس قدحاً خلفهم في اسم الثقة ... أو في صحابيٍ له فَحَقِّقَهْ
فإيش؟
-
طالب: فَحَقِّقَهْ.
-
يعني أصل الكلمة أمر أو إخبار، ماضي.
-
طالب: كأنه أمر.
-
وإذا كان أمراً كيف ينطق؟
-
طالب: . . . . . . . . .
- ج ١١ ص ١٨
أي لا بد أن يقال: فحَقِّقْه، فَحَقِّقَهْ.
-
نعم هذا النوع السابع وهو المضطرب، وكلها متعلقة بالمخالفة مخالفة الثقات، هذا المضطرب اسم فاعل من الاضطراب، وأخصر ما يقال في تعريفه: أنه هو الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، لا بد أن تكون روايته على أوجه، فإن كان على وجه واحد فلا اضطراب، وأن تكون هذه الأوجه مختلفة، فإن روي على أوجه متفقة فلا اضطراب، ولا بد أن تكون هذه الأوجه المختلفة متساوية بحيث لا يمكن الترجيح بينها فإن أمكن الترجيح بينها انتفى الاضطراب، هذا خلاصة تعريف المضطرب، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وإن يكن راوٍ براوٍ أبدلا ... . . . . . . . . .
-
يعني جاءك هذا الخبر من طريق راوٍ ثم وجدته من طريق راوٍ آخر، أبدل راوي براوي، يعني أبدل بعض الرواة .. ، هو معروف من طريق فلان، ثم جاء بعض الرواة الثقات فأبدله براوٍ آخر، المسألة مفترضة في ثقات أو في متساويين على الأقل، يعني مقبولين متساويين.
. . . . . . . . . ... كذاك مرويّ بمروي ولا
يعني المتن أبدل لفظ في متن أو جملة في متن، فمثلاً حديث: ((شيبتني هود وأخواتها) ) يروى مرة عن أبي بكر، ومرة عن عائشة، ((شيبتني هود وأخواتها) ) ومرة عن أنس، وفي المتن حديث: "القلتين" مثلاً حكم عليه بالاضطراب؛ لأنه جاء فيه: القلتين، وجاء فيه بالإفراد: قلة، وفيه الشك: قلتين أو ثلاثاً، وجاء بلفظ: أربعين قلة، هذا اضطراب، لكن إذا أمكن الترجيح انتفى الاضطراب، لو رجحنا لفظ على آخر، الذين يصححون حديث: "القلتين" يقولون: الراجح القلتين، فرواتها أحفظ من رواة القلة.
. . . . . . . . . ... كذاك مرويّ بمروي ولا
جمع. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
- ج ١١ ص ١٩
لا يمكن الجمع بين هذه الألفاظ بحيث يحمل هذا على حال وهذا على حال يكون اضطراب، في حديث عائشة: ((ليس في المال حق سوى الزكاة) )، وجاء عنها: ((إن في المال لحقاً سوى الزكاة) ) نعم هذا اضطراب، لكن أمكن الجمع، كيف يمكن الجمع؟ بأن يحمل النفي: ((ليس في المال حق سوى الزكاة) ) يعني المفروضة، يعني: ليس في المال حق مفروض سوى الزكاة، و ((إن في المال لحقاً سوى الزكاة) ) تتطوع، فأمكن الجمع فانتفى الاضطراب، لكن حيث لا يمكن الجمع يبقى الخبر مضطرباً.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ولا
جمع ولا تجريح فيه حصلا ... فإنه مضطرب لا جدلا
في سند تلفيه أو متن. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
-
من أمثلة مضطرب الإسناد وبه مثل ابن الصلاح وغيره حديث الخط: ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه عصا) ) إلى أن قال: ((فإن لم يجد فليخط خطاً) ) مثلوا به للمضطرب، وذكروا أنه يروى على عشرة أوجه في إسناده، فهو مثال للمضطرب، وابن حجر رجح وجه على بقية الأوجه فانتفى الاضطراب عنده، ولذا لما أورده في البلوغ قال: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حديث حسن، وابن الصلاح وضح وجه الاضطراب فيه، لكن ابن حجر تمكن من الترجيح فانتفى الاضطراب.
في سند تلفيه أو متن. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
-
في حديث: ((شيبتني هود) ) رجح بعضهم بعضهم بعض الأسانيد على بعض ونفى عنه الاضطراب.
في سند تلفيه أو متن. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
-
وعرفنا أن مضطرب المتن عندهم من أمثلته حديث: "القلتين" فإنه مضطرب في لفظ: القلة وفي معناها، في معنى القلة اضطرب أهل العلم في بيانه والوصول إلى حد دقيق يفصل بين ما يبلغ القلة وما لا يبلغها.
. . . . . . . . . أو متن وقد ... يكون في كليهما وهو أشد
يعني إذا كان الاضطرب في السند فقط أو في المتن فقط قادح في صحة الخبر فيكف إذا كان في السند والمتن معاً؟ لا شك أنه أشد، أشد في القدح.
وليس قدحاً خلفهم في اسم الثقة ... أو في صحابيٍ له. . . . . . . . .