ثور بن زيد الديلي

١٥١ فقرة، ج ٢ ص ٥

الصفحة ٢ من ٤

  1. وأمّا هديَّةُ غير الكُفَّارِ إلى مَن لم تكُنْ له ولايةٌ، فمأخوذٌ من قول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أجِيبُوا الدَّاعيَ ولا تَرُدُّوا الهديَّة" (٥) . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أتاكَ مِن غيرِ مسألةٍ،

    ج ٢ ص ٢٣فكُلْه وتَمَوَّلْه" (١) . وهذا إذا لم تكُنِ الهديَّةُ على شرطِ أداءِ حقٍّ قد وجَبَ عليه، كالشَّهادةِ ونحوِها، فإنْ كانت كذلك فهي سُحْتٌ ورِشْوَةٌ، وشَرٌّ من ذلك الأخذُ على الباطل، وبالله التوفيق.

    ج ٢ ص ٢٢
  2. قرأتُ على أحمدَ بن قاسم بن عبد الرحمن، أنّ محمدَ بن معاويةَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَن بن عبد الجبار الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بن خارِجَة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عياشٍ، عن عَمْرِو بن مُهاجِرٍ، قال: اشْتَهَى عمرُ بن عبد العزيز تُفَّاحًا، فقال: لو كان عندَنا شَيءٌ من تُفَّاح؛ فإنَّه طيبُ الرِّيح، طيِّبُ الطَّعْم. فقامَ رجلٌ من أهل بيتِه فأهْدَى إليه تُفَّاحًا، فلمّا جاءَ به الرسولُ، قال عُمرُ بن عبد العزيز: ما أطيبَ ريحَه وطَعْمَه، يا غلامُ، ارْجِعْه، وأقرئْ فلانًا السَّلامَ، وقل له: إنَّ هديَّتَك قد وقَعَتْ عندَنا بحيثُ تَحِبُّ (٢) . قال عمرُو بن مهاجر: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، ابنُ عَمِّك ورجلٌ من أهل بيتك، وقد بلَغك أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأكلُ الهديَّةَ ولا جملُ الصدقةَ. فقال: إن الهديَّة كانت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هديَّةً، وهي لنا اليومَ رِشْوةٌ (٣) .

    ج ٢ ص ٢٤قال أبو عُمر: كان عُمرُ رضي الله عنه في حين هذا الخبرِ خليفةً، وقد تقدَّم القولُ فيما للخلفاءِ والأمراءِ وسائر الولاة من الحُكْم في الهديَّة، ويَحْتَملُ أنْ يكونَ ذلك الرجلُ من أهل بيته قد عَلِمَ في كسبِه شيئًا أوجبَ التَّنزُّهَ عن هديَّتِه.

  3. وأما قولُه في الحديث: "شراكٌ أو شِرَاكان من نارٍ" . وقولُه في حديث عَمْرِو بن شعيب: "أَدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَط" (١) . فيدُلُّ على أنّ القليلَ والكثيرَ لا يحلُّ لأحدٍ أخذُه في الغزو قبلَ المقاسم، إلّا ما أجمعُوا عليه من أكل الطعام في أرض العدوِّ، ومن الاحتطابِ والاصطياد، وهذا أولَى ما قيل به في هذا الباب، وما خالَفه مما جاءَ عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس بشيء؛ لأنّ عمومَ قول الله عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: ٤١] يُوجِبُ أنْ يكونَ الجميعُ غنيمةً، خمسُها لمَن سمَّى اللهُ، وأربعةُ أخماسِها لمَن شَهِدَ القتالَ من البالغين الأحرار الذكور، فلا يحِلُّ لأحدٍ منها شيءٌ إلّا سهمُه الذي يقعُ له في المقاسم بعد إخراجِ الخمس المذكور، إلّا أنّ الطعامَ خرج بدليل إخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له عن جملةِ ذلك؛ فمن ذلك حديثُ عبد الله بن مُغفَّلٍ في الجرابِ بالشحم (٢) ، وحديثُ عُتبةَ بن

    ج ٢ ص ٢٥غزوانَ في السفينةِ المملوءةِ بالجَوزِ (١) ، وحديثُ ابن أبي أوفَى: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبرَ، يأتي أحدُنا إلى الطعامِ من الغنيمةِ فيأخُذُ منه حاجَته (٢) . وأجمعَ العلماءُ على أنّ أكلَ الطعام في دارِ الحربِ مباحٌ، وكذلك العلفُ ما داموا في دارِ الحرب، فدلَّ على أنّه لم يدخُلْ في مرادِ الله من الآية التي تلَوْنَا، وما عدا الطعامَ فهو داخل تحتَ عموم قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: ٤١] . إلّا أن للأرض حكمًا سنذكُرُه في غير هذا الموضع من كتابِنا هذا إن شاءَ الله.

  4. وقد رُوِي عن الزُّهريِّ أنَّه قال: لا يؤخذُ الطعامُ في أرضِ العدوِّ إلّا بإذنِ الإمام. وهذا لا أصلَ له؛ لأنّ الآثارَ المرفوعةَ تخالفُه، ولم يقلْ به فيما علمتُ غيرُه. ومن الآثار في ذلك ما ذكَره البخاريّ، قال (٣) : حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: كنا نُصِيبُ في مغازِينا العَسَلَ والعنبَ فنأكُلُه ولا نرفعُه.

    قال أبو عُمر: ما يُخرَجُ به من الطعام إلى دارِ الإسلام وكان له قيمةٌ فهو غنيمةٌ، وكذلك كُلُّ قليلٍ وكثيرٍ غيرَ الطعام، فهو غنيمةٌ؛ لأنهم لم يُجمِعوا على

    ج ٢ ص ٢٦شيءٍ منه. وروَى ثوبانُ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: "مَن فارقَ الروحُ منه الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ: الكِبرُ والغُلولُ، والدَّينُ" .

  5. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبانٌ العطارُ وهمَّامٌ (١) ، عن قتادةَ، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن ثوبانَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "مَن فارقَ منه الروحُ الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ: الكِبرِ والغُلولِ، والدَّينِ" (٢) .

  6. وروَى رُويفعُ بن ثابتٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "من كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يأخذْ دابَّةً من المَغنمِ فيركبَها حتى إذا أنقضَها ردَّها في المغانم، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فلا يلبَسْ ثوبًا من المَغنمِ حتى إذا أخلقَه ردَّه في المغانم" (٣) .

  7. وهذا غايةٌ في التحذيرِ والمنع، وأما قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسي بيدِه، إنّ الشَّمْلَةَ التي أخَذَها يومَ خَيْبَرَ من المَغانم، لم تُصِبْها المَقاسمُ، لَتشْتَعِلُ عليه نارًا" .

    ج ٢ ص ٢٧ثم قال للذي جاءَ بالشِّراك أو الشراكين: "شِراك أو شِرَاكان من نارٍ" . ففي قوله هذا كلِّه دليلٌ على تعظيمِ الغُلُولِ، وتعظيمِ الذَّنب فيه، وأظنُّ حقوقَ الآدميِّين كلَّها كذلك في التعظيم، وإن لم يُقطَعْ على أنّه يأتي به حاملًا له كما يأتي بالغُلُول، والله أعلمُ. وقد ترَكَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ على الرجلِ الذي غلَّ الخَرَزاتِ، وهي لا تساوي درهمين، عقوبةً له، وسيأتي هذا الحديث في باب يحيى بن سعيدٍ إن شاءَ الله.

  8. وأما الشَّمْلةُ فكساءٌ مُخْمَلٌ (١) ، وقال الخليلُ (٢) : اشتملَ بالثوبِ أدارَه على جسدِه. قال: والاسمُ الشَّملَةُ. قال: والشَّملةُ كساءٌ ذو خَمْلٍ. وقال الأخفشُ: الشَّملةُ الإزارُ من الصوف.

  9. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنَّ الغالَّ لا يجبُ عليه حرقُ متاعِه، لأنّ

    رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُحَرِّقْ رَحْلَ الذي أخذَ الشَّمْلةَ ولا متاعَه، ولا أحرقَ متاعَ صاحبِ الخَرَزاتِ، ولو كان حَرْقُ متاعِه واجبًا، لفعَله - صلى الله عليه وسلم - حينَئذٍ، ولو فعَله لنُقِلَ ذلك في الحديث. وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "مَنْ غَلَّ فأحرِقُوا متاعَه، واضرِبُوه" . رواه أسدُ بن موسَى وغيرُه، عن الدَّرَاوَرْديِّ، عن صالح بن محمدِ بن زائدةَ، عن سالم، عن ابن عمرَ (٣) . وقال بعضُ رواةِ هذا الحديثِ فيه: "فاضرِبُوا عُنقَه، وأحرِقُوا متاعَه" (٤) . وهو حديث يدورُ على صالحِ بن محمد بن زائدةَ، وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به.

  10. وقد اختلف العلماءُ في عقوبةِ الغالِّ، فذهَب مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، واللَّيثُ بن سعدٍ، إلى أنَّ الغالَّ يُعاقَبُ بالتَّعزير، ولا يُحرَقُ متاعُه.

    ج ٢ ص ٢٨وقال الشَّافعيُّ وداودُ بن عليٍّ: إن كان عالمًا بالنَّهي عُوقِبَ، وهو قولُ اللَّيث.

    قال الشَّافعي: وإنّما يُعاقَبُ الرَّجلُ في بدَنِه لا في مالِه (١) .

    قال أبو عُمر: اختلافُ العلماءِ في العقوبةِ في المالِ دونَ البدَنِ، أو البدنِ دونَ المالِ، قد ذكَرْنَاه في غير هذا المكان. وقال الأوزاعيُّ: يُحرَقُ متاعُ الغالِّ كلُّه إلّا سلاحَه، وثيابَه التي عليه، وسَرْجَه، ولا تُنْتَزَعُ منه دابَّتُه، ويُحْرَقُ سائرُ متاعِه كلِّه، إلّا الشيءَ الذي غَلَّ، فإنه لا يُحرَقُ ويُعاقَبُ مع ذلك (٢) . وقولُ أحمدَ وإسحاقَ كقولِ الأوزاعيِّ في هذا الباب كلِّه. ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ أنّه قال: يُحرَقُ رحْلُه كلُّه، إلّا أن يكونَ حيوانًا أو مُصحفًا (٣) . وممن قال: يُحرَقُ رحلُ الغالِّ ومتاعُه: مكحولٌ وسعيدُ بن عبد العزيز. وحجَّةُ من ذهَب إلى هذا القولِ حديثُ صالح المذكورُ، وهو عندَنا حديثٌ لا يجبُ به انتهاكُ حرمةٍ، ولا إنفاذُ حكمٍ، مع ما يُعارِضُه من الآثارِ التي هي أقوَى منه.

  11. فأمّا روايةُ من روَى: "فاضرِبُوا عنقَه، وأحرِقُوا متاعَه" . فإنّه يُعارِضُه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدَى ثلاثٍ" الحديث (٤) ، وهو ينفِي القتلَ في الغُلول. وروَى ابنُ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على الخائنِ، ولا على المُنتَهِبِ، ولا على المُخْتَلِس قطعٌ" (٥) . وهذا أيضًا يُعارضُ

    ج ٢ ص ٢٩حديثَ صالح بن محمدِ بن زائدةَ، وهو أقوَى من جهةِ الإسناد، والغالُّ خائنٌ في اللغة والشريعة.

    وقال الطحاويُّ: لو صَحَّ حديثُ صالحٍ المذكورُ احتمَلَ أنْ يكونَ كان حينَ كانت العقوباتُ في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: "إنّا آخذُوها وشَطْرَ ماله عَزْمَةً من عَزَماتِ الله" (١) . وكما روَى أبو هريرةَ، في ضالَّةِ الإبلِ المكتومة: "فيها غرامَتُها ومثلُها معها" (٢) . وكما روَى عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص في الثَّمَرِ المُعَلَّق: "غَرامَةُ مِثلَيه، وجَلَداتٌ نَكالٌ" (٣) . وهذا كلُّه منسوخٌ.

    قال أبو عُمر: الذي ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومن تابَعَهم في هذه المسألة، أولَى من جهةِ النَّظرِ، وصحيحِ الأثرِ، واللهُ أعلمُ. وأجمعَ

    ج ٢ ص ٣٠العُلماءُ على أنّ على الغالِّ أن يرُدَّ ما غَلَّ إلى صاحبِ المقاسمِ إنْ وَجَدَ السبيلَ إلى ذلك، وأنه إذا فعَل ذلك، فهي توبةٌ له، وخروجٌ عن ذنبِه.

  12. واختلفُوا فيما يَفعلُ بما غلَّ إذا افترَقَ أهلُ العَسْكَر، ولم يصِلْ إليهم؛ فقال جماعةٌ من أهلِ العلم: يدفعُ إلى الإمام خُمُسَهُ، ويتصدَّقُ بالباقي؛ هذا مذهبُ الزهريِّ، ومالكٍ، والأوزاعيِّ، واللَّيث، والثَّوريِّ. ورُوِيَ ذلك عن عُبادةَ بن الصَّامتِ، ومعاويةَ بن أبي سفيانَ، والحسَنِ البصريّ، وهو يُشبِهُ مذهب ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، لأنّهما كانا يَرَيان أن يُتصدَّقَ بالمالِ الذي لا يُعْرَفُ صاحِبُه (١) .

  13. وذكَر بعضُ الناس عن الشَّافعيِّ أنّه كان لا يَرَى الصدقةَ بالمالِ الذي لا يُعرَفُ صاحِبُه، وقال: كيف يتصدَّقُ بمالِ غيرِه! وهذا عندي معناه فيما يُمكنُ وجودُ صاحبِه، والوصولُ إليه، أو إلى وَرَثَتِه، وأما إنْ لم يُمكن شَيْءٌ من ذلك، فإن الشَّافعيَّ رحِمَهُ الله لا يَكْرَهُ الصدقةَ به حينَئذٍ إنْ شاءَ اللهُ.

  14. ذكَر سُنيدٌ (٢) : حدَّثنا أبو فَضالةَ (٣) ، عن أزهرَ بن عبد الله، قال: غَزَا مالكُ بن عبد الله الخَثْعَميُّ أرضَ الروم، فغَلَّ رجلٌ مئة دينارٍ، فأتى بها معاويةَ بن أبي سفيانَ، فأَبَى أنْ يقْبَلَها، وقال: قد نفَرَ الجيشُ وتفرَّقَ. فخرَجَ فلَقِيَ عُبادةَ بنَ الصامت، فذكَر ذلك له، فقال: ارجِعْ إليه، فقُل له: خُذْ خُمُسَها أنت. ثم تصدَّقْ أنت بالبقيَّةِ، فإنّ اللهَ عالمٌ بهم جميعًا. فأتَى معاويةَ، فأخبرَه، فقال: لأن كنتُ أنا أفتيتُك بهذا، كان أحبَّ إليَّ من كذا وكذا (٤) .

  15. وقد أجمَعُوا في اللُّقَطَةِ على جوازِ الصدقةِ بها بعدَ التعريفِ وانْقطاع صاحبِها، وجعلُوه إذا جاءَ مُخيَّرًا بينَ الأجرِ والضَّمانِ، وكذلك الغصُوبُ، وبالله التوفيقُ.

  16. حديثٌ ثانٍ لثَوْر بن زَيْد مقطوعٌ

    مالكٌ (١) ، عن ثور بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عبد الله بن عباسٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذكَر رَمَضانَ فقال: "لا تَصُوموا حتى ترَوُا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى ترَوْه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّةَ ثلاثين" .

    ج ٢ ص ٣١
  17. هكذا هذا الحديثُ في "الموطّأ" عند جماعةِ الرُّواة عن مالك: عن ثور بن زيد، عن ابن عباسٍ، ليس فيه ذكرُ عكرمةَ (٢) ، والحديثُ محفوظ لعكرمةَ، عن ابن عباس (٣) ، وإنّما رواه ثورٌ، عن عكرمةَ. وقد رُوِي عن رَوْح بن عُبادةَ هذا الحديثُ، عن مالكٍ، عن ثورٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذكَر رمضانَ، ثم ساقَه إلى آخرِه سواءً. وليس في "الموطَّأ" في هذا الإسناد عكرمةُ، وزعَموا أنّ مالكًا أسقَط ذِكرَ عكرمةَ منه لأنّه كَرِهَ أن يكونَ في كتابِه؛ لكلامِ

    ج ٢ ص ٣٢سعيدِ بن المسيِّب وغيرِه فيه. ولا أدري صِحَّةَ هذا؛ لأنّ مالكًا قد ذكَره في كتاب الحجِّ، وصرَّحَ باسمِه (١) ، ومال إلى روايتِه عن ابن عباسٍ وترَك روايةَ عطاءٍ في تلك المسألة، وعطاءٌ أجلُّ التابعين في علم المناسكِ والثِّقةِ والأمانة.

  18. روَى مالكٌ، عن أبي الزبير المكيِّ، عن عطاءِ بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، أنّه سُئلَ عن رجلٍ وقَع على امرأتِه وهو بمنًى قبلَ أنْ يُفيضَ، فأمَره أن ينحَرَ بَدَنةً (٢) .

  19. وروَى مالكٌ أيضًا، عن ثورِ بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عكرمةَ مولَى ابن عباسٍ، قال: أظنُّه عن ابن عباسٍ، أنّه قال: الذي يصيبُ أهلَه قبلَ أن يُفيضَ، يعتمِرُ ويُهدِي (٣) . وبه قال مالكٌ.

    قال أبو عُمر: عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ (٤) من جِلَّة العلماء، لا يَقدَحُ فيه كلامُ من تكلَّم فيه؛ لأنَّه لا حُجَّةَ مع أحدٍ تكلَّم فيه. وقد يحتملُ أن يكونَ مالكٌ جبُن عن الروالة عنه؛ لأنَّه بلَغه أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ كان يرمِيه بالكذب، ويحتمِلُ أن يكونَ لِما نُسِب إليه من رأي الخوارج، وكلُّ ذلك باطلٌ عليه إن شاء اللهُ. وقد قال الشافعيُّ في بعض كُتبِه: نحن نتَّقي حديثَ عكرمةَ. وقد روَى الشافعيُّ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى، والقاسم العُمَريِّ، وإسحاقَ بن أبي فَرْوةَ، وهم ضُعفاءُ متروكونَ، وهؤلاء كانوا أولَى أن يُتَّقَى حديثُهم، ولكنّه لم يَحتَجَّ بهم في حكمٍ، وكلُّ أحدٍ من خلقِ الله يُؤخذُ من قوله ويُتركُ إلّا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.

  20. قال عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، عن أبيه، عن إسحاقَ الطبَّاع، قال: سألتُ مالكَ بنَ أنسٍ، قلتُ: أبلَغك أنَّ ابنَ عمرَ قال لنافعٍ: لا تكذِبْ عليَّ كما كذَب عكرمةُ على ابن عباسٍ؟ قال: لا، ولكن بلَغني أنَّ سعيدَ بن المسيِّب قال ذلك لبُردٍ مولاه (١) .

    ج ٢ ص ٣٣
  21. وقيل لابن أبي أُويسٍ: لِمَ لم يَكتُبْ مالكٌ حديثَ عكرمَةَ مولَى ابن عباسٍ؟ قال: لأنّه كان يرَى رأيَ الإباضية.

  22. وأمّا قولُ سعيدِ بن المسيِّب فيه، فقد ذكَرَ العلَّةَ الموجبةَ للعداوةِ بينَهما أبو عبد الله محمدُ بن نصرٍ المَرْوزيُّ في كتاب "الانتفاع بجلودِ المَيْتةِ" ، وقد ذكَرتُ ذلك وأشباهَه في كتابي كتاب "جامع بيانِ أخذِ العلم وفضلِه وما ينبغي في روايتِه وحَمْلِه" في باب قولِ العلماء بعضِهم في بعضٍ (٢) ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا. وتكلَّم فيه ابنُ سيرينَ، ولا خلافَ أعلمُه بينَ نُقَّادِ أهلِ العلمِ أنّه أعلمُ بكتابِ الله من ابنِ سيرينَ، وقد يظنُّ الإنسانُ ظنًّا يغضَبُ له ولا يملِكُ نفسَه.

  23. ذكَر الحُلْوانيُّ، عن زيدِ بن الحُباب، قال: سمِعْتُ الثَّوريَّ يقولُ: خُذوا تفسيرَ القرآن عن أربعةٍ: عن عكرمةَ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، ومجاهدٍ، والضحَّاكِ (٣) . فبدَأ بعكرمةَ.

  24. وقال ابنُ عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، قال: دفَع إليَّ جابرُ بن زيدٍ مسائلَ أسألُ عنها عكرمةَ. قال: فجعَل جابرٌ يقولُ: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابن عباسٍ، هذا البَحْرُ، فاسألُوه (٤) .

    ج ٢ ص ٣٤وقال سفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمْرو بن دينارٍ، قال: أعطاني جابرُ بن زيدٍ صحيفةً فيها مسائلُ، فقال: سلْ عنها عكرمةَ. قال: فكأنِّي تبطَّأْتُ، قال: فانتزَعَها من يدِي، وقال: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ الناس (١) .

    وقال جريرٌ: عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قيل لسعيدِ بن جبيرٍ: تعلَمُ أحدًا أعلمَ منك؟ قال: نعم، عكرمةُ. قال: فلمّا قُتِل سعيدُ بن جبيرٍ قال إبراهيم: ما خَلَف بعدَه مثلَه (٢) .

    قال أبو عبد الله المروزيُّ: وحدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عُليّةَ، عن أيوبَ، قال: نُبّئتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ أنّه قال: لو كَفَّ عنهم عكرمةُ من حديثه لشُدَّتْ إليه المطايا (٣) .

    قال: وحدَّثنا إسحاقُ بن راهُويَة، قال: أخبرنا يحيَى بن ضُريسٍ، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: اجتمَع عندِي خمسةٌ لا يجتمِعُ عندي مثلُهم أبدًا: عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بن جبيرٍ، وعكرمةُ، فتذاكَروا التفسيرَ، فأقبَلَ مجاهدٌ وسعيدُ بن جبيرٍ على عكرمةَ يسألانِه عن التفسيرِ وهو يُجيبُهما (٤) .

    قال: وحدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: اجتمَع عكرمةُ وسعيدُ بن جُبيرٍ وطاوسٌ وعدَّةٌ من أصحابِ ابن عبّاسٍ، فكان عكرمةُ صاحبَ الحديث (٥) .

    ج ٢ ص ٣٥قال: وأخبرنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سليمانُ بن حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: قال رجل لأيوبَ: أكانَ عكرمةُ يُتَّهَمُ؟ فسكَتَ هُنيهةً ثم قال: أمّا أنا فإنِّي لم أكنْ أتَّهِمُه (١) .

  25. وبه عن أيوب، قال: قال عكرمةُ: أرأيتَ هؤلاء الذين يُكذِّبونَني مِن خَلْفي، أفلا يُكذِّبونني في وجهِي (٢) ؟

    قال: وحدَّثنا الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا مسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سلَّامُ بن مِسْكينٍ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: كان الحَسَنُ من أعلمِ الناس بالحلالِ والحرام، وكان عطاءٌ من أعلمِ الناس بالمناسكِ، وكان عكرمةُ من أعلمِ الناس بالتَّفسير (٣) .

    قال: وحدَّثنا الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبد الكريم الصنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بن مَعْقِل، أنَّ عكرمةَ قدِم على طاوسٍ اليمنَ، فحمَلَه طاوسٌ على نَجِيبٍ، وأعطاه ثمانينَ دينارًا، فقيلَ لطاوسٍ في ذلك، فقال: ألا أشتري علمَ ابن عباس لعبد الله بن طاوسٍ بنجيبٍ وثمانينَ دينارًا (٤) ؟

  26. وذكَر عباسٌ (٥) ، عن يحيى بن مَعِين، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضيْل، قال: حدَّثنا عثمانُ بن حَكيم، قال: جاءَ عكرمةُ إلى أبي أُمامةَ بن سهل وأنا جالسٌ، فقال: يا أبا أُمامةَ، أسمِعْتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما حدَّثكم به عكرمةُ فصدِّقوه، فإنّه لم يكذِبْ عليَّ؟ قال: نعم.

  27. وقد رَوَيْنا أنّ عبدَ الله بنَ عباسٍ قال له: اخرُجْ يا عكرمةُ فأَفْتِ الناسَ، ومَن سأَلك عمّا لا يعنِيه فلا تُفْتِه، فإنَّك تطرَحُ عن نفسِك ثُلُثيْ مُؤنةِ الناس (١) .

    قال عباسٌ (٢) : قال يحيى بن معينٍ: مات ابنُ عباسٍ وعكرمةُ عبدٌ، فباعه عليّ بن عبد الله، فقيل له: تبيعُ علمَ أبيك؟ فاسترْجَعَهُ.

    وقال عثمانُ بن سعيد السِّجِسْتانيُّ (٣) : قلتُ ليحيى بن مَعِينٍ: عكرمةُ أحبُّ إليك أو سعيدُ بن جُبَير؟ فقال: ثقة وثقة. قلتُ: فعكرمةُ أو عُبيدُ الله بن عبدِ الله؛ فقال: كلاهما. ولم يُخَيّر (٤) .

    ج ٢ ص ٣٦
  28. وقال أبو الحسن أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح الكوفيُّ (٥) : عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ ثقة، وهو بريءٌ مما رماه الناسُ به من الحَرُوريةِ.

  29. وذكَر عيسى بن مِسْكين، عن محمد بن الحجاج بن رِشْدين، عن أحمدَ بن صالح المِصْريِّ، قال: عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ بَرْبَريٌّ من المغرب.

    وقال أبو العَرَب: سمِعتُ قُدامةَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان خُلفاءُ بني أميَّةَ يُرسِلونَ إلى المغرب يطلُبونَ جُلودَ الخرفانِ التي لم تُولدْ بعدُ، العَسَليّة. قال: فربَّما ذُبحَتِ المئةُ شاةٍ فلا يُوجدُ في بطنِها إلّا واحدٌ عَسَليٍّ، كانوا يتَّخذونَ منها الفِراءَ، فكان عكرمةُ يستعظمُ ذلك ويقولُ: هذا كُفرٌ، هذا شرك. فأخَذ ذلك عنه الصُّفريَّةُ والإباضيَّةُ، فكفَّروا الناسَ بالذُّنوب.

    ج ٢ ص ٣٧قال أبو عُمر: لهذا كان سحْنونٌ يقولُ: يزعُمون أنَّ عكرمةَ مولَى ابن عباسٍ أضلَّ المغربَ.

    قال أبو عُمر: نزَل عكرمةُ مولَى ابنِ عباسٍ المغربَ، ومكَث بالقيروانِ بُرهةً، ومن الناس مَنْ يقولُ: إنّه مات بها. والصحيحُ أنّه مات بالمدينة هو وكثيِّرُ عزَّةَ الشاعرُ في يومٍ واحد (١) . ذكَر ابنُ أبي مريمَ، عن ابنِ (٢) لَهِيعةَ، عن أبي الأسود، قال: أنا مدَحْتُ المغربَ لعكرمةَ مولَى ابن عباسٍ، ذكَرْتُ له حالَ أهلِها، فخرجَ إلى المغربِ فمات بها (٣) .

    قال أبو عبدِ الله المَرْوزيُّ: قد أجمَع عامّةُ أهلِ العلمِ على الاحتجاجِ بحديثِ عكرمةَ، واتَّفقَ على ذلك رُؤساءُ أهلِ العلمِ بالحديثِ من أهلِ عصرِنا؛ منهم: أحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَة، وأبو ثورٍ، ويحيَى بن مَعِينٍ، ولقد سألتُ إسحاقَ بنَ راهُويَة عن الاحتجاج بحديثِه، فقال لي: عكرمةُ عندنا إمامُ الدُّنيا، وتعجَّبَ من سُؤالي إيّاه. قال: وأخبَرني غيرُ واحدٍ أنّهم شهِدوا يحيى بنَ معينٍ وسأله بعضُ الناسِ عن الاحتجاج بحديثِ عكرمةَ فأظهَر التَّعجُّبَ.

    قال المروزيُّ: وعكرمةُ قد ثبتَتْ عدالتُه بصحبةِ ابن عباسٍ وملازمتِه إيّاه، وبأنّ غيرَ واحدٍ من أهلِ العلمِ روَوا عنه وعدَّلوه، وما زالَ أهلُ العلمِ بعدَهم يروُون عنه. قال: وممّن روَى عنه من جِلَّةِ التابعينَ: محمدُ بن سيرينَ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوسٌ، والزهريُّ، وعَمرُو بن دينارٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وغيرُهم.

    ج ٢ ص ٣٨قال أبو عبد الله المَرْوزيُّ: وكلُّ رجلٍ ثبتَتْ عدالتُه بروايةِ أهلِ العلمِ عنه، وحملِهم حديثَه، فلن يُقبلَ فيه تجريحُ أحدٍ جرَّحَه حتى يثبُتَ ذلك عليه بأمرٍ لا يُجهلُ أنْ يكونَ جُرحةً، فأمّا قولُهم: فلانٌ كذَّاب فليسَ ممّا يثبُتُ به جرحٌ حتى يتبيَّنَ ما قاله.

  30. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ الرَّقِّيُّ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ عَمْرو البزَّارَ يقولُ: روَى عن عكرمةَ مئةٌ وثلاثونَ - أو قال: قريبٌ من مئةٍ وثلاثينَ - رجلًا، من وُجُوهِ البُلدان، بينَ مكِّيٍّ، ومدنيٍّ، وكوفيٍّ، وبَصْريٍّ، ومن سائرِ البُلدانِ، كلُّهم روَى عنه، ورضِيَ به (١) .

    قال أبو عُمر: جماعةُ الفقهاءِ وأئمَّةُ الحديثِ الذين لهم بصرٌ بالفقهِ والنَّظرِ هذا قولهُم؛ أنّه لا يُقبلُ من ابن مَعِينٍ ولا من غيرِه فيمَن اشتُهِر بالعلمِ وعُرِفَ به، وصحَّتْ عدالتُه وفهمُه، إلّا أن يُتبيَّنَ الوجْهُ الذي يُجَرِّحُه به على حسَبِ ما يجوزُ من تجريح العدلِ المبرَّزِ العدالةِ في الشَّهاداتِ. وهذا الذي لا يَصحُّ أن يُعتقدَ غيرُه، ولا يَحِلُّ أن يُلتفَتَ إلى ما خالفَه. وقد ذكَرنا بيانَ ذلك في بابِ قولِ العلماءِ بعضِهم في بعضٍ من كتابِنا "كتابِ العلم" (٢) ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا، وبالله توفيقُنا.

  31. وذكَر الزُّبيرُ، قال: حدَّثني عمِّي مُصعبٌ، قال: حدَّثني الواقديُّ، قال: حدَّثني خالدُ بن القاسم البَيَاضيُّ، قال: ماتَ عكرِمةُ مولَى ابن عباسٍ وكُثيِّرُ بن عبد الرحمن الخُزاعيُّ صاحبُ عَزَّةَ في يومٍ واحد، في سنة خمسٍ ومئة، فرأيتُهما

    ج ٢ ص ٣٩جميعًا صُلِّي عليهما بعدَ الظُّهرِ في مسجدِ الجنائز، فقال الناسُ: مات اليومَ أفقَهُ الناسِ وأشعرُ الناس (١) .

    وقال المُفضَّلُ بن فَضَالةَ: ماتَ عكرمةُ وكُثَيِّرُ عَزَّةَ في يومٍ واحد، فأُخرِجَ جَنازتاهما، فما علِمتُه تخلَّفَ رجلٌ ولا امرأةٌ بالمدينةِ عن جَنازَتيهما. قال: وقيل: مات اليومَ أعلمُ الناس وأشعرُ الناس. قال: وغلَب النّساءُ على جَنازة كُثيِّرٍ يَبكِينَه ويَذْكُرْنَ عَزَّةَ في نُدبتهِنَّ إيَّاه.

  32. وهذا الحديثُ صحيحٌ لعكرمةَ، عن ابن عباسٍ.

  33. حدَّثنا أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٢) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ. (ح) وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو الأحوص، قال: حدَّثنا سِمَاكٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصوموا قبلَ رمضانَ، صوموا للرُّؤيةِ، وأفطِروا للرُّؤيةِ، فإنْ حالَتْ دُونَه غَيايةٌ (٣) فأكمِلوا ثلاثين" .

  34. ورواه شعبةُ (٤) ، وأبو عَوَانة (٥) ، وحاتمُ بن أبي صَغيرةَ (٦) ، عن سمَاكٍ مثلَه.

  35. أخبرنا عبدُ الله بن محمد بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهميُّ. (ح) وأخبرنا عبدُ الله بن محمد بن أَسَدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (١) : أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قالا جميعًا: حدَّثنا حاتمُ بن أبي صغيرةَ، عن سِمَاك، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "صوموا لرؤيتِه، وأَفْطِروا لرؤيتِه، فإنْ حال بينَكم وبينَه سَحابةٌ أو غَيايةٌ فأكمِلوا العِدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استِقبالًا، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبان" (٢) . اللَّفظُ لحديثِ ابنِ عبدِ المؤمن.

    ج ٢ ص ٤٠
  36. وقرَأْتُ على أحمدَ بن قاسم التَّميميِّ، أنّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ، قال: حدَّثنا حاتمٌ، عن سِماكٍ، قال: دخَلتُ على عكرمةَ في يومٍ وقد أشْكَلَ عليَّ أمرُه، أمِن رمضانَ هو أم من شعبانَ، فأصبَحتُ صائمًا، وقلتُ: إن كان من رمضانَ لم يسبِقْني، وإن كان من شعبانَ كان تطوُّعًا. فدخَلتُ على عكرمةَ وهو يأكُلُ خُبزًا وبَقْلًا ولبَنًا، فقال: هَلُمَّ إلى الغداء. فقلتُ: إنِّي صائمٌ. فقال: أحلِفُ عليكَ لَتُفطِرَنَّه. فقلتُ: سبحانَ الله! فقال: أحلِفُ بالله لتفطِرَنَّه. قال: فلمّا رأيتُه لا يستثني أفطرْتُ، فعذَّرْتُ (٣) لبعض الشيءِ وأنا شبعانُ، ثم قلتُ: هاتِ. فقال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ

    ج ٢ ص ٤١يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "صوموا لرؤيتِه، وأفطِروا لرؤيتِه، فإنْ حال بينَكم وبينَه سحابةٌ أو غَيايةٌ فكمِّلوا العِدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استقبالًا، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبانَ" (١) .

  37. وروَى هذا الحديثَ حمَّادُ بن سَلَمةَ، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس. ولم يسمَعْه عَمْرٌو من ابن عباس، وإنّما يروِيه عَمْرُو بن دينار، عن محمدِ بن حُنَيْن، عن ابن عباس، عن النبيِّ عليه السَّلامُ مثلَه (٢) .

  38. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن دينار، أنّ محمدَ بنَ حُنَيْن (٣) أخبرَه، أنّه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: إنِّي لأعجَبُ من هؤلاء الذين يصومون قبلَ رمضانَ، إنّما قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتُم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتُموه فأَفْطِروا، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين" (٤) .

  39. أمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إذ ذكَر رمضانَ: "لا تصوموا حتى تروا الهلالَ" ، فالصّيامُ لاسمِه معنيان: أحدُهما لُغويٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تعبَّدَ الله به عبادَه. فأمَّا معنَى الصيامِ في اللُّغة، فمعناه الإمساكُ عمّا كان يصنعُه الإنسانُ من حركةٍ، أو كلام، أو أكل، أو شُرب، أو مشي، ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا أمسَكَ عمَّا كان يصنَعُه سُمِّي صائمًا في اللغة، وليس ذلك معنى الصِّيامِ المأمورِ به المسلمون في القرآنِ والسُّنَّة. والدَّليلُ على أنَّ الإمساكَ يُسمَّى صومًا قولُ الله عزَّ وجلَّ حاكيًا عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: ٢٦] ، أي: إمساكًا عن الكلام. وقال المفسِّرونَ: أي: صمتًا. وتقولُ العربُ: خيلٌ صائمةٌ: إذا كانت واقفةً دونَ أكلٍ ولا رعي. قال النابغةُ (١) :

    خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العَجَاج وخيلٌ تعلُكُ اللَّجُما

    يقولُ: خيلٌ مُمسكةٌ عن الأكل، وخيلٌ آكلةٌ. وقال امرُؤُ القيس (٢) :

    فدعْها وسلِّ الهَمَّ عنك بجسرةٍ ... ذَمولٍ إذا صامَ النهارُ وهجَّرا (٣)

    ج ٢ ص ٤٢
  40. ومعناه: إذا أمسكَتِ الشمسُ عن الجري، واستوَتْ في كبدِ السَّماءِ.

    ج ٢ ص ٤٣وقال بِشْرُ بن أبي خازم (١) :

    نعامًا بوجرةَ (٢) صُفْرَ الخُدو ... دِ ما تطعَمُ النومَ إلّا صياما

    وأمّا الصِّيامُ في الشَّريعة، فالإمساكُ عن الأكلِ والشُّرب والجماع من اطِّلاع الفجرِ إلى غروبِ الشمس.