أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ١٤ من ٣٥

  1. ورَوَى ابنُ عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبِيعَ حاضِر لبادٍ. ذكَرهُ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وقال: قلتُ لهُ: ما يبِيعُ حاضِرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكونُ لهُ سِمسارًا (٢) .

    ج ١١ ص ٤٥٤
  2. ورَوَى أنسُ بن مالكٍ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، وإن كان أباهُ، أو أخاهُ (٣) .

  3. وفي حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، أنَّهُ قال للأعرابِيِّ حِينَ قدِمَ عليه بحَلُوبةٍ لهُ يَبِيعُها: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يبِيعَ حاضِرٌ لبادٍ، ولكنِ اذْهَب إلى السُّوقِ، فانظُر من يُبايِعُك، وشاوِرني حتَّى آمُركَ، أو أنهاكَ.

  4. ذكرهُ حمّادُ بن سلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن سالم المكِّيِّ، أنَّ أعرابِيًّا حدَّثهُ: أنَّهُ قدِمَ بحلُوبةٍ لهُ على طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله. فذكرهُ (١) .

    ج ١١ ص ٤٥٥
  5. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، قال: إنَّما نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبِيعَ حاضِر لبادٍ في زَمانِهِ، أرادَ أن يُصِيبَ النّاسُ بعضُهُم من بعضٍ، فأمّا اليومَ فليس به بأسٌ. قال ابنُ أبي نجيح: وقال عطاءٌ: لا يصلُحُ ذلك؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنهُ (٢) .

  6. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن مُسلِم الخيّاطِ، سمِعَ ابن عُمرَ يَنْهى أن يبِيعَ حاضِر لبادٍ. قال: وقال أبو هريرةَ: لا يبِيعنَّ حاضِر لبادٍ (٣) .

    قال أبو عُمر: من فسخَ البيع من أهلِ العِلم في المُناجَشةِ، وبيع الحاضِرِ للبادي (٤) ، وبيع المرءِ على بَيع أخِيهِ، ونحوِ ذلك من الآثارِ، فحُجَّتُهُم أَنَّهُ بيعٌ طابقَ النَّهي ففسدَ.

  7. وكذلك البيعُ عِندَهُم بعد النِّداءِ للجُمُعةِ، أو مع الأذانِ لها.

  8. وكان أبو حَنِيفةَ والثَّورِيُّ والشّافِعِيُّ وداودُ وجَماعةٌ من أصحابهم وغيرُهُم يَذْهبُونَ إلى أنَّ البيعَ عِندَ الأذانِ للجُمُعةِ جائِزٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ عاصٍ (٥) .

  9. وكذلك البُيُوعُ المذكُورةُ المنهِيُّ عنها في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ.

    ج ١١ ص ٤٥٦
  10. واستدلَّ من ذهَبَ هذا المذهب، بأنَّ النَّهي عن ذلك، لم يُرَدْ به نفسُ البيع، إنَّما أُرِيدَ به معنًى غيرُ البيع، وهُو تركُ الاشتِغالِ عنِ الجُمُعةِ بما يَحبِسُ عنها، وسواءٌ كان بيعًا، أو غير بيع، وجَرَى في ذلك ذِكرُ البيع، لأنَّهُم كانوا يتبايَعونَ (١) ذلك الوَقتَ، فنُهُوا عن كلِّ شاغِلٍ يَشْغلُ عنِ الجُمُعةِ، وعن كلِّ ما يَحُولُ بينَ من وجبَتْ عليه، وبين السَّعيِ إليها، والبيعُ وغيرُهُ في ذلك سَواءٌ.

    قالوا: ولا معنى لفسخ البيع؛ لأنَّهُ معنًى غير شُهُودِ (٢) الجُمُعةِ، لأنَّهُ قد يَبِيعُ ذلك الوقتَ، ويُدرِكُ الجُمُعةَ.

    قالوا: ألا تَرَى أنَّ رجُلًا لو (٣) ذكرَ صلاةً، لم يبقَ من وقتِها إلّا ما يُصلِّيها فيه، كان عاصِيًا بالتَّشاغُلِ عنها بالبيع، وجازَ بيعُهُ. قالوا: فكذلك من باعَ بعدَ أذانِ الجُمُعةِ سَواءٌ.

    قالوا: وكذلك لو كان في صلاةٍ، فقال لهُ رجُلٌ: قد بعتُكَ عَبدِي هذا بألفٍ. فقال: قد قبِلتُ. صحَّ البيعُ، وإن كان مَنهِيًّا عن قَطع صَلاتِهِ بالقَولِ (٤) .

  11. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "ولا تُصِرُّوا الإبِلَ والغَنَم، فمنِ ابْتاعها بعدَ ذلك، فهُو بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يَحلِبها، إن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سَخِطها، رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٥) (٦) . فقدِ اختلفَ العُلماءُ في القَولِ بهذا الحديثِ، فمنهُم من قال به، ومنهُم من ردَّهُ ولم يَسْتعمِلهُ.

  12. وممَّن قال به: مالكُ بن أنسٍ، والشّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وجُمهُورُ أهلِ الحديثِ.

    ج ١١ ص ٤٥٧
  13. ذكر أسدٌ وسُحنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم، أَنَّهُ قال لهُ: أيأخُذُ مالكٌ بهذا الحديثِ؟ فقال: قلتُ لمالكٍ: تأخُذُ بهذا الحديثِ؟ قال: نعم. وقال مالكٌ: أوَلأحَدٍ في هذا الحديثِ رأيٌ؟ قال ابنُ القاسم: وأنا آخُذُ به، إلّا أنَّ مالكًا قال لي: أرَىَ لأهلِ البُلدانِ إذا نزلَ بهم هذا، أن يُعطُوا الصّاع من عَيْشِهِم. قال: وأهلُ مِصرَ عَيْشُهُمُ الحِنْطةُ (١) .

    قال أبو عُمر: رَدَّهُ أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، وزعمَ بعضُهُم: أنَّهُ منسُوخٌ، وأَنَّهُ كان قبلَ تحرِيم الرِّبا. وبأشياءَ لا يصلُحُ لها معنًى إلّا مُجرَّد الدَّعوَى.

  14. وقد رَوَى أشْهَبُ، عن مالكٍ نحو ذلك.

  15. ذكرَ العُتبِيُّ من سماع أشْهَب، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئِلَ عن قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "منِ ابتاعَ مُصرّاةً، فهُو بخيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أن يحلِبها، إن شاءَ أمسَكَها، وإن شاءَ رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" . فقال: قد سمِعتُ ذلك، وليس بالثّابِتِ، ولا "المُوطَّأ" عليه، ولئِن لم يكُن ذلك أنَّ لهُ اللَّبن بما أعلَفَ (٢) وضمِنَ. قِيل لهُ: نراكَ تُضعِّفُ الحديثَ؟ فقال: كلُّ شيءٍ يُوضَعُ مَوْضِعهُ، وليس بـ "المُوطَّأ" ولا الثّابِتِ، وقد سمِعتُهُ.

    قال أبو عُمر: هذه رِوايةٌ مُنكرةٌ، والصَّحِيحُ عن مالكٍ، ما رواهُ ابنُ القاسم، والحديثُ عِندَ أهلِ العِلم بالحديثِ صحِيحٌ من جِهَةِ النَّقلِ، رواهُ جماعةٌ عن أبي

    ج ١١ ص ٤٥٨هريرةَ، منهُم: موسى بن يَسارٍ (١) ، وأبو صالح السَّمّانُ (٢) ، وهمّامُ بن مُنبِّهٍ (٣) ، ومحمدُ بن سِيرِين (٤) ، ومحمدُ بن زِيادٍ، بأسانِيد صِحاح ثابتةٍ، فرِوايةُ الأعرج قد ذكَرْناها من حديثِ مالكٍ.

  16. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بنِ عِيسَى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بنِ حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ البَغوِيُّ، قال (٥) : حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن محمدِ بنِ زِيادٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اشْتَرى مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثًا، وإن رَدَّها، رَدَّ معَها صاعًا من تَمْرٍ" .

  17. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال (٦) : حدَّثنا عليُّ بن الجَعدِ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرّازِيُّ،

    ج ١١ ص ٤٥٩عن هشام، عنِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اشْتَرى مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، فإن رَدَّها، ردَّ معَها صاعًا من تمرٍ، لا سمراءَ" .

  18. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عنِ ابنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرهُ حرفًا بحرفٍ، وزاد: "لا سمراءَ" . يعني الحِنْطةَ (١) .

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في حديثِ أبي الزِّنادِ: "ولا تُصِرُّوا الإبِل والغنمَ، فمَنِ ابتاعَها" . يُرِيدُ منِ ابتاعَ المُصرّاةَ من الإبِلِ أو الغَنم.

  19. والمُصرّاةُ، هِي المُحفَّلةُ، سُمِّيت مُصرّاةً (٢) ؛ لأنَّ اللَّبنَ صُرِّي في ضَرْعِها أيامًا، حتَّى اجتمعَ وكثُر. ومعنى صُرِّيَ: حُبِسَ، فلم تُحلب حتَّى عظُمَ ضَرْعُها به، ليَغترَّ المُشترِي بذلك، ويظُنَّ أنَّ تلك حالهُا.

  20. وأصلُ التَّصرِيةِ، حبسُ الماءِ وجمعُهُ، تقُولُ العربُ منهُ: صرَّيتُ الماءَ، إذا حبستَهُ، وليس هذا اللَّفظُ من الصِّرارِ والتَّصرِيرِ، ولو كان منهُ، لكانت مصرُورةً، لا مُصرّاةَ.

  21. وإنَّما قيلَ للمُصرّاةِ: المُحفَّلةُ؛ لأنَّ اللَّبن اجتمعَ في ضَرْعِها، فصارت حافِلًا، والحافِلُ: الكثِيرةُ اللَّبنِ، العظِيمةُ الضَّرع، ومنهُ قيلَ: مجلِسٌ حافِلٌ، ومُحتفِلٌ، إذا كَثُر فيه القومُ.

  22. وهذا الحديثُ أصلٌ في النَّهيِ عنِ الغِشِّ، وأصلٌ فيمَنْ دُلِّسَ عليه بعَيْب (٣) ، أو وجدَ عيبًا بما ابتاعَهُ، أنَّهُ بالخِيارِ في الاسْتِمساكِ (٤) أوِ الرَّدِّ.

  23. وهذا مُجتمع عليه في الرَّدِّ بالعُيُوبِ، كلُّهُم يجعلُ حديث المُصرّاةِ أصلًا في ذلك.

    ج ١١ ص ٤٦٠
  24. وأمّا استِعمالُ الحديثِ في المُصرّاةِ على وَجهِهِ، فمُختلفٌ فيه، قال به أكثرُ أهلِ الحِجازِ، واستعملوا كثِيرًا من مَعانِيهِ.

  25. ومن أهلِ العِلم بالعِراقِ والحِجازِ، من يأبى استِعمالَ حديثِ المُصرّاةِ.

  26. واختلفَ الذين أبوا ذلك، فقال منهُم قائِلُونَ: ذلك خُصُوصٌ في المُصرّاةِ، غيرُ مُستَعملٍ في غيرِها، لأنَّ اللَّبنَ المحلُوب مِنها، فيه للمُشترِي حظٌّ، لأنَّ بعضهُ حدثَ في مِلكِهِ، فهُو غلَّةٌ (١) لهُ، وذكرُوا قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٢) ، و "الغلَّةُ بالضَّمانِ" .

    قالوا: والغلَّةُ والكَسْبُ لمّا (٣) كان عِندَ الجميع بالضَّمانِ، كان ردُّ الصّاع خُصُوصًا في المُصرّاةِ.

  27. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوانَ، قال: أخبرنا الحسنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بنِ الجارُودِ، قال (٤) : حدَّثنا بَحرُ بن نصرٍ، عنِ الشّافِعِيِّ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ، أنَّ رجُلًا اشْتَرى

    ج ١١ ص ٤٦١عبدًا فاسْتَغلَّهُ، ثُمَّ ظهرَ منهُ على عيبٍ، فخاصَمَ فيه إلى رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقَضَى لهُ بردِّهِ، فقال (١) البائِعُ: يا رسُولَ الله، إنَّهُ قد أخذَ خراجهُ. فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراجُ بالضَّمانِ" .

  28. وأخبرناهُ أحمدُ بن عبدِ الله بنِ محمدٍ، قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ الميمُون بن حمزةَ الحُسينيَّ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعِيُّ، قال: أخبَرنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ. فذكرهُ سواءً.

  29. وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: أخبَرني الحسنُ بن يحيى القُلْزُمِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ الجارُودِ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بن هاشم (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، قال: حدَّثني مخلدُ بن خُفافٍ، عن عُرْوةَ، عن عائِشةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخراجُ بالضَّمانِ" .

  30. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ وأبو يحيى (٤) بن أبي مسرَّةَ، قالا: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الله. قال

    ج ١١ ص ٤٦٢قاسمٌ: وحدَّثنا أحمدُ بن حمّادٍ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ النَّرسِيُّ، قالا: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخراجُ بالضَّمانِ" (١) .

  31. وفي حديثِ أحمد بنِ حمّادٍ: أنَّ رجُلًا اشْتَرى غُلامًا، فردَّهُ بعَيْبٍ به، فقال الرَّجُلُ: إنَّهُ قدِ اسْتَغلَّهُ يا رسولَ الله. فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الغلَّةُ بالضَّمانِ" .

  32. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن مخلدِ بنِ خُفافِ بنِ إيماء، عن عُروةَ، عن عائِشةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٢) .

    وقال منهُم آخرُونَ: حديثُ المُصرّاةِ منسُوخٌ، كما نُسِختِ العُقُوباتُ بالغَراماتِ. واعْتلُّوا في جَوازِ دعْوَى النَّسخ في ذلك، بأن قالوا: العُلماءُ لم يجعلوا حديثَ المُصرّاةِ أصلًا يَقِيسُونَ عليه ولَدَ الجارِيةِ، إذا وَلَدَتْ عِندَ المُشترِي، ثُمَّ اطَّلعَ على عيبٍ؛ لأنَّهُمُ اختلفُوا في ذلك، فقال مالكٌ: يرُدُّها ووَلَدَها على البائِع.

    وقال الشّافِعِيُّ (٣) : يَحبِسُ الولدَ لنَفسِهِ، لأنَّهُ حدث في مِلْكِهِ.

    قالوا: ومَعلُومٌ أنَّ في لبنِ المُصرّاةِ جُزءًا حادِثًا في مِلْكِ المُشْترِي في الحَلْبةِ الأولى؛ لأنَّ اللَّبن يَحدُثُ بالسّاعاتِ، فقد أُمِرَ في هذا الحديثِ بردِّ ما حدَثَ (٤) من ذلك في مِلْكِ المُبتاع، وهذا يُعارِضُهُ قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الغلَّةُ بالضَّمانِ" . فلِهذا لم يجعلوا هذا الحديث أصلًا يَقِيسُونَ عليه.

  33. هذه جُملةُ ما اعتلَّ به من ردَّ حديث المُصرّاةِ، فيما ذكَرْنا.

  34. وممَّن ردَّهُ أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، وهُو حديثٌ مُجتمعٌ على صِحَّتِهِ وثُبُوتِهِ من جِهَةِ النَّقلِ، وهذا مِمّا يُعَدُّ ويُنقَمُ على أبي حنِيفةَ من السُّننِ التي رَدَّها برأيهِ، وهذا مِمّا عِيبَ عليه.

    ج ١١ ص ٤٦٣
  35. (١) ولا معنَى لإنكارِهِم ما أنكرُوهُ من ذلك؛ لأنَّ هذا الحديث أصلٌ في نَفسِهِ، والمعنى فيه، واللّه أعلمُ، على ما قال أهلُ العِلم: أنَّ لبنَ المُصرّاةِ لمّا كان مُغيّبًا، لا يُوقَفُ على صِحَّةِ مِقْدارِهِ، وأمكنَ التَّداعِي في قِيمَتِهِ، وقِلَّةِ ما طَرَأ منهُ في مِلْكِ المُشترِي وكَثْرتِهِ، قطعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الخُصُومةَ في ذلك بما حدَّهُ فيه.

  36. كما فعلَ عليه السَّلامُ في دِيَةِ الجَنِينِ، قطعَ فيه مِثل ذلك؛ لأنَّ الجنِينَ لمّا أمكنَ أن يكون حيًّا، فتكونُ فيه الدِّيةُ، وأمكنَ أن يكون ميِّتًا، فلا يكونُ فيه شيءٌ، قطعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حُكمهُ بما حدَّ فيه، واتَّفقَ العُلماءُ على القَولِ به، مع قولِهِم: إنَّ في الطِّفلِ الحيِّ الدِّيةَ كامِلةً، والميِّتُ لا شيءَ فيه.

  37. فكذلكَ حُكمُ المُصرّاةِ، لا يُلتفتُ فيها إلى ما خالَفها من الأُصُولِ؛ لأنَّ حُكمها أصلٌ في نفسِهِ، لثُبُوتِ الخَبرِ بها عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كالعرايا، وما أشبهها، واللّه أعلمُ.

  38. وأمّا الرَّدُّ بما دلَّسَ فيه بائِعُهُ من العَيْبِ (٢) في سِلعتِهِ، فهذا الحديثُ عِندَهُم أصلٌ في ذلك (٣) .

  39. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا المُقرِئُ، قال: حدَّثنا المسعُودِيُّ، عن جابرٍ، عن (٤) أبي الضُّحَى، عن مَسرُوقٍ، قال: قال عبدُ الله بن مَسعُودٍ: أشْهَدُ

    ج ١١ ص ٤٦٤على الصّادِقِ المَصدُوقِ أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "بيعُ المُحفَّلاتِ خِلابةٌ (١) ، ولا تحِلُّ خِلابةُ مُسلِم" (٢) .

  40. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزِيزِ بن محمدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيُّما رجُلٍ اشْتَرى مُحفَّلةً، فلهُ أن يُمْسِكها ثلاثًا، فإن أحَبَّها أمْسَكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٣) .