أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ١٥ من ٣٥

  1. (٤) كذلك رواهُ ابن المُبارك، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن بيع الشّاةِ وهي مُحفَّلةٌ، فإذا باعَها، فإنَّ صاحِبها بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، فإن كرِهَها، ردَّها وصاعًا من تمَرٍ (٥) .

    ج ١١ ص ٤٦٤
  2. لم يقُل: لا تُصِرُّوا الإبِل والغنمَ، فمنِ ابتاعها. ولا قال: منِ ابتاعَ غَنمًا مُصرّاةً فاحْتَلبها. وجعل الحديث في شاةٍ واحِدةٍ.

    قال أبو عُمر: بهذا الحديثِ استدلَّ من ذهب إلى (٦) أنَّ الصّاع إنَّما يُردُّ عنِ

    ج ١١ ص ٤٦٥الواحِدةِ، لا عن أكثر من واحِدةٍ. وبهذا احتجَّ بعض من ذهَبَ إلى ذلك من مُتأخِّرِي الفُقهاءِ، وقال: فإن كانت أكثر من واحِدةٍ، ردَّ صاعًا عن كلِّ واحِدةٍ، وسواءٌ في ذلك النّاقةُ والشّاةُ، تَعبُّدًا وتسلِيمًا، واللّه أعلمُ.

  3. وقدِ اختلفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِنا وغيرِهِم، فيمَنِ اشْتَرى مُحفَّلاتٍ في صَفْقَةٍ، فبعضُهُم قال بما ذكَرْنا، وبعضُهُم قال: لا يرُدُّ مَعهُنَّ إن سَخِطهُنَّ إلّا صاعًا واحِدًا من تمرٍ، أو صاعًا من عَيْشِ بَلدِهِ.

  4. وأظُنُّهُ ذهَبَ إلى ما رواهُ ابنُ جُريج، عن زِيادِ بنِ سعدٍ، عن ثابتٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اشْتَرى غَنمًا مُصرّاةً فاحْتَلبها، فإن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سَخِطها، ففي حَلْبتها صاعٌ من تمرٍ" .

  5. ذكرهُ أبو داودَ (١) ، عن عبدِ الله بنِ مخلدٍ، عن مكِّيِّ بنِ إبراهيم، عنِ ابنِ جُريج.

  6. وذكرُهُ البُخارِيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا مكِّيٌّ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني زِيادٌ، أنَّ ثابتًا مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ أخبَرهُ، أنَّهُ سمِع أبا هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكرهُ سواءً (٣) .

    قال البُخارِيُّ (٤) : وحدَّثنا يحيى بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن جَعفرِ بنِ ربِيعةَ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُصِرُّوا الإبِل والغنَمَ، فمنِ ابتاعها بعدُ، فإنَّهُ بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يحلِبها، إن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سخِطَها رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" .

  7. وهذا مِثلُ حَدِيثِ مالكٍ سَواءً، وهُو مُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ.

    ج ١١ ص ٤٦٦
  8. ومنِ استعملَ ظواهِر آثارِ هذا البابِ على جُملتِها، لم يُفرِّق بين شاةٍ وغنَم، ولا بين ناقةٍ ونُوقٍ في الصّاع عمّا ابتاعَهُ، مِمّا ضمِنَ من ذلك ودلَّسَ عليه به، واللّه أعلمُ.

  9. والأكثرُ من أصحابِنا وغيرِهِم يقولُونَ: إنَّ الصّاع إنَّما هُو عنِ الشّاةِ الواحِدةِ المُصرّاةِ، أوِ النّاقةِ الواحِدةِ المُحَفَّلةِ.

  10. واحتجُّوا برِوايةِ عِكْرِمةَ (١) ، وأبي صالح (٢) ، وخِلاسِ بنِ عَمرٍو (٣) ، وابنِ سِيرِين (٤) ، كلُّهُم يقولُ: عن أبي هريرهَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، أو نَعْجةً مُصرّاةً" .

  11. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، وهشامٌ وحبِيبٌ، عن محمدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "منِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، إن شاءَ ردَّها وصاعًا من طعام، لا سَمْراءَ" .

  12. وهكذا رواهُ جماعةٌ في حديثِ ابنِ سِيرِين وغيرِهِ، عن أبي هريرةَ: "شاةً مُصرّاةً" . وبعضُهُم يقولُ في هذا الحديثِ: "لا سمراءَ" . وبعضُهُم لا يذكُرُهُ، ويقولُ:

    ج ١١ ص ٤٦٧"صاعًا من طعام" . وفسَّر بعضُهُم قولهُ: "صاعًا من طعام، لا سمراءَ" . قال: يقولُ: تمرًا، ليس ببُرٍّ.

  13. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا الحُنَينيُّ (١) ، عن داود بنِ قَيْسٍ، عن موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اشْتَرى أحدُكُمُ الشّاةَ المُصرّاةَ، فهُو بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يَحلبها، فإن رَضِيها أمسَكَها، وإن سَخِطها، رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٢) .

  14. وكذلك رواهُ القَعنبِيُّ (٣) ، وابنُ وَهْب (٤) ، عن داود بنِ قَيْسٍ، عن موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إلّا أنَّهُما قالا: "فليَنْقلِب بها فليحلِبها، فإن رضِيَ حِلابها أمْسَكَها، وإلّا ردَّها ومعَها صاعُ تمرٍ" (٥) .

  15. وأمّا الحديثُ المذكُورُ فيه: "صاعًا من طعام" ، فأخبَرناهُ عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الجارُودِ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، عن شُعبَةَ، عن سيّارٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَبايعُوا بإلقاءِ الحَصَى، ولا تناجشُوا، ولا تَبايعُوا بالمُلامسةِ، ومنِ اشْتَرى مِنكُم مُحفَّلةً فكَرِهها، فليرُدَّها، وليرُدَّ معها صاعًا من طَعام" .

    ج ١١ ص ٤٦٨
  16. وأمّا أقاوِيلُ الفُقهاءِ في هذا البابِ:

    فقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: المُحفَّلةُ عِندَنا وغيرُها سواءٌ. ومنِ اشْتَرى عِندَهُ وعِندَ أصحابه شاةً مُصرّاةً، فحلب لبَنَها، لم يرُدَّها بعَيْبٍ، ولكنَّهُ يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ (٢) .

    وقالوا: هذا الحديثُ في المُصرّاةِ مَنسُوخٌ، واختلفُوا فيما نَسَخهُ، فمنهُم من قال: نسخهُ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: ١٢٦] . وأنَّهُ لا يجِبُ فيمَنِ استهلكَ شيئًا لأحَدٍ غيرِهِ، إلّا مِثلهُ، أو قِيمتهُ.

  17. ومنهُم من قال: نَسَخهُ: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٣) . و: "الكالِئُ بالكالِئ" (٤) ؛ لأنَّ لبنَ المُصرّاةِ دَيْنٌ في ذِمَّةِ المُشترِي، وإذا ألزَمناهُ في ذِمَّتِهِ صاعًا من تمرٍ، كان الطَّعامُ بالطَّعام نسِيئَةً، ودَينًا بدَينٍ، وهذا كلُّهُ مَنسُوخٌ بما ذكَرْنا.

  18. وأكثرُوا من التَّشغِيبِ في ذلك، بعدَ إجماعِهِم على أَنَّهُ منسُوخٌ، كما نُسِختِ العُقُوباتُ في الغراماتِ، بأكثرَ من المِثلِ في مانِع الزَّكاةِ: أنَّها تُؤخَذُ منهُ، مع شَطْرِ مالِهِ. وفي سارِقِ التَّمرِ من غيرِ الجرِينِ، غَرامةُ مِثْلَيهِ، وجلداتُ نكالٍ، ونحوُ ذلك.

    وقال ابنُ أبي ليلى ومالكٌ والشّافِعِيُّ (١) والثَّورِيُّ: هُو بخيرِ النَّظَرينِ، إذا احْتَلبها ووجدَ حِلابها بخِلافِ ما ظهرَ، فإن ردَّها، ردَّ مَعها صاعًا من تمرٍ، ولا يُردُّ اللَّبنُ الذي حُلِبَ، وإن كان قائمًا بعَيْنيهِ.

    قال مالكٌ (٢) : وأرَى لأهلِ كلِّ بَلدٍ أن يُعطُوا الصّاع من عَيْشِهِم، حِنطةً أو غيرها.

    قالوا: وإنَّما تَسْتبِينُ المُصرّاةُ ويُعلمُ بأنَّها (٣) مُصرّاةٌ إذا حلَبَها المُشترِي مرَّتينِ أو ثلاثًا، فنقصَ اللَّبنُ في كلِّ مرَّةٍ عمّا كان عليه في الأُولى.

    وقال مالكٌ (٤) : إنَّما يُختبرُ بالحِلابِ الثّاني، فإذا حلبَ ما يعلمُ أَنَّهُ قدِ اختَبرَها به، فهُو رِضًى.

    ج ١١ ص ٤٦٩
  19. وقد (٥) رُوِي عن زُفر (٦) بنِ الهُذيلِ، في نوادِرَ تُنسبُ إليه، فيمَنِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، قال: هُو بالخِيارِ ثلاثًا ليَحْلِبها، فإن شاءَ ردَّها، وردَّ معَها صاعًا من

    ج ١١ ص ٤٧٠تمرٍ، أو نِصف صاع من بُرٍّ. قال: وإنِ اشْتَراها وليَسْت بمُحفَّلةٍ، فاحتَلَبها، فليس لهُ أن يرُدَّها، ولكنَّهُ يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ؛ لأنَّا اتَّبعنا الأثرَ في المُحفَّلةِ، فإن حدَثَ في المُحفَّلةِ (١) عيبٌ، فإنَّهُ يرُدُّ النُّقصانَ، إلّا أن يرضَى البائعُ أن يأخُذها كما هي.

    قال أبو عُمر: تَلْخِيصُ اختِلافِ الفُقهاءِ في هذا البابِ أن نقُول (٢) :

    قال مالكٌ: منِ اشْتَرى مُصرّاةً، فاحتَلَبها ثلاثًا، فإن رَضِيها أمْسَكها، وإن سَخِطها لاختِلافِ لَبنِها، ردَّها وردَّ معها صاعًا من قُوتِ ذلك البلدِ، تمرًا كان أو بُرًّا، أو غير ذلك. وبه قال الطَّبرِيُّ.

    وقال عيسى بن دِينارٍ في مذهبِ مالكٍ: لو علِمَ مُشترِي المُصرّاةِ، أنَّها مُصرّاةٌ بإقرارِ البائع، فردَّها قبلَ أن يَحلِبها، لم يكُن عليه غُرمٌ، لأنَّهُ لم يحلِبِ اللَّبنَ، الذي من أجلِهِ يُلزَمُ غُرْمَ الصّاع.

    قال أبو عُمر: هذا ما لا خِلافَ فيه.

    قال عيسى: ولو حَلَبها مرَّةً، ثُمَّ حَلَبها ثانِيةً، فنقصَ لبنُها، ردَّها ورَدَّ معَها صاعًا من تمرٍ، للحلبةِ الأولى، ولو جاءَ باللَّبنِ بعينِهِ الذي حَلَبهُ، لم يُقبَل منهُ، ولزِمهُ غُرمُ الصّاع، ولو لم يرُدَّها للحَلْبةِ الثّانِيةِ، وظنَّ أنَّ نقصَ لَبنِها كان من استِنكارِ المَوضِع، فحلبها ثالِثةً، فتبيَّن لهُ صرُّها، فأرادَ ردَّها، فإنَّهُ يحلِفُ باللّه ما كان ذلك منه رِضًى، ويرُدُّ معَها الصّاع الذي أمرَ به رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

  20. واختلفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِ مالكٍ على القولينِ اللَّذينِ قدَّمنا ذِكرَهُما في مُشْترِي عَددٍ من الغَنم فوجَدَها كلَّها مُصرّاةً.

  21. فبعضُهُم قال: يرُدُّ عن كلِّ واحِدةٍ صاعًا من تمرٍ. وقال بعضُهُم: بل يرُدُّ عن جَميعِها صاعًا واحِدًا من تمرٍ تَعبُّدًا؛ لأنَّهُ ليس بثَمنِ اللَّبنِ، ولا قِيمَتِهِ.

    وقال الشّافِعِيُّ في المُصرّاةِ: يرُدُّها ويرُدُّ معها صاعًا من تمرٍ، لا يرُدُّ غير التَّمرِ (١) .

    ج ١١ ص ٤٧١
  22. وكذلك قال ابنُ أبي ليلى، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثورٍ.

  23. ويجِيءُ على أُصُولِهِم: أنَّ التَّمرَ إذا عُدِمَ، وجبَ ردُّ قِيمتِهِ.

  24. وقد رُوِي عنِ ابنِ أبي ليلى وأبي يُوسُف، أنَّهُما قالا: يُعطِي مَعهُما قِيمَةَ اللَّبن.

    وقال زُفرُ: يرُدُّها ويرُدُّ مَعها صاعًا من تمرٍ، أو نِصفَ صاع من بُرٍّ.

    وقال أبو حَنِيفةَ: إذا حَلَبها لم يرُدَّها، وإنَّما يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ.

    قال أبو عُمر: سواءٌ كان اللَّبنُ المحلُوبُ من المُصرّاةِ حاضِرًا أو غائبًا، لا يُرَدُّ اللَّبنُ، وإنَّما يُردُّ البَدَلُ المذكُورُ في هذا الحديثِ؛ لأنَّهُ قد أُمِرَ بردِّ الصّاع، لا اللَّبنِ، فلو ردَّ اللَّبنَ، كان قد فعلَ غير ما أُمِر به، وهُو نصٌّ لا يجُوزُ خِلافُهُ إلى القِياسِ.

  25. ومَعلُومٌ أَنَّهُ لا يَسْتبِين أنَّها مصرَّاةٌ إلّا بالحلبةِ الثّانِيةِ، وإذا كان ذلك كذلك، عُلِمَ أنَّ لبنَ الحلبةِ الأُولى قد فاتَ، أو تغيَّر، فلو ألزمُوا المُبتاع مِثلهُ، خالفُوا ظاهِر الخبرِ إلى القِياسِ، وذلك غيرُ جائزٍ.

  26. وأمّا أصحابُنا، فيزعُمُونَ أَنَّهُ لو ردَّ اللَّبنَ، دخلهُ بيعُ الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى؛ لأنَّهُ كأنَّهُ قد وجبَ لهُ الصّاعُ، فأخذَ فيه اللَّبن وباعَهُ قبلَ أن يَسْتوفيهُ، ويدخُل

    ج ١١ ص ٤٧٢عليهم مِثلُ ذلك في قولِهِم: يُعطِي بدل التَّمرِ صاعًا من قُوتِهِ وعَيْشِهِ، وباللّه التَّوفيقُ.

    قال أبو عُمر: جعَلَ العِراقِيُّون والشّافِعِيُّ حديث المُصرّاةِ من رِوايةِ ابنِ سِيرِينَ ومحمدِ بنِ زِيادٍ، ومن تابَعهُما، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) ، أصلًا في الخِيارِ: أنَّهُ لا يكونُ أكثر من ثلاثةِ أيام.

  27. وذهبَ مالكٌ، إلى أنَّ الخِيارَ لا حدَّ فيه، وإنَّما هُو على ما شَرَطهُ المُتبايِعانِ، مِمّا يلِيقُ ويُعرَفُ من مُدَّةِ اختبارِ (٢) مِثلِ تِلك السِّلعةِ، وحُجَّتُهُ في ذلك عُمُومُ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إلّا بيع الخِيارِ" (٣) .

  28. وقد مَضى القولُ في الخِيارِ مُمهَّدًا، في بابِ نافِع، والحمدُ للّه ربِّ العالمين.

  29. حديثٌ ثاني عشرينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تَوضَّأ أحدُكُم، فلْيجعلْ في أنْفِهِ، ثُمَّ ليَنْثِرْ (٢) ، ومنِ اسْتَجمرَ فلْيُؤتِرْ" .

    ج ١١ ص ٤٧٣
  30. هكذا رواهُ يحيى: "فلْيجعلْ في أنفِهِ، ثُمَّ ليَنْثِر (٣) " . ولم يَقُل: ماءً. وهُو مفهُومٌ من الخِطابِ.

  31. وهكذا وجدَناهُ عِندَ جماعةِ شُيُوخِنا، إلّا فيما حَدَّثناهُ أحمدُ بن محمدٍ، عن أحمد بنِ مُطرِّفٍ، عن عُبيدِ الله بنِ يحيى، عن أبيهِ، فإنَّهُ قال فيه: "فليَجْعل في أنفِهِ ماءً" .

  32. وأمّا القَعْنبِيُّ فلم يقُل: ماءً؛ في رِوايةِ عليِّ بنِ عبدِ العزِيزِ، عنِ القعنبِيِّ.

  33. ورواهُ أبو داودَ (٤) ، عنِ القعنبِيِّ، فقال فيه: "فليَجْعل في أنفِهِ ماءً" . وكذلك رِوايةُ ابنِ بُكيرٍ، ومَعنٍ (٥) ، وجَماعةٍ، عن مالكٍ (٦) : "فليَجْعل في أنفِهِ ماءً" . وعِندَ أكثرِ الرُّواةِ هُو هكذا: "فليَجْعَلْ في أنفِهِ ماءً" .

  34. وقال أبو خلِيفةَ (١) الفَضْلُ بن الحُباب القاضِي البصرِيُّ، عنِ القَعْنبِيِّ، في هذا الحديثِ: "فليَجعَلْ في أنفِهِ الماء" (٢) .

    ج ١١ ص ٤٧٤
  35. وهذا كلُّهُ معنًى واحِدٌ، والمُرادُ مفهُومٌ.

  36. ورِوايةُ وَرْقاءَ لهذا الحديثِ، عن أبي الزِّنادِ، كما روى يحيى، عن مالكٍ لم يَقُل: ماءً.

  37. قرأتُ على عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ يُوسُفَ، أنَّ عُبيد الله بن محمدِ بنِ أبي غالِبٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بنِ بَدْرٍ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا رِزقُ الله بن موسى، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا وَرْقاءُ بن عُمرَ (٣) اليَشْكُرِيُّ، عن أبي الزِّناد، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أحدُكُم تَوضَّأ فليَجْعل فيَ أنفِهِ، ثُمَّ يَسْتنثِرْ" .

    قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: الأمرُ بالاسْتِنثارِ بالماءِ عِندَ الوُضُوءِ، وذلك: دفعُ الماءِ برِيح الأنفِ بعدَ الاسْتِنشاقِ، والاسْتِنشاقُ: أخذُ الماءِ برِيح الأنفِ من الكفِّ، والاستِنثارُ: دفعُهُ، ومُحالٌ أن يدفَعهُ من لم يأخُذهُ، ففي الأمرِ بالاسْتِنثارِ، أمرٌ بالاسْتِنشاقِ، فافهم.

  38. وعلى ما وصفتُ لك في الاسْتِنشاقِ والاستِنثارِ جُمهُورُ العُلماءِ.

  39. وأصلُ هذه اللَّفظةِ في اللُّغةِ: القذفُ، يُقالُ: نثرَ واسْتَنثرَ، بمعنًى واحِدٍ،

    ج ١١ ص ٤٧٥وذلك إذا قذفَ من أنفِهِ ما اسْتَنشقَ، مِثل الامتِخاطِ، ويُقالُ: "الجَرادُ نَثْرةُ حُوتٍ" ، أي: قذفَ به من أنفِهِ.

  40. وقد روى ابنُ القاسم وابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: الاستِنثارُ: أن يجعلَ يدهُ على أنفِهِ، ويَسْتنثِر. قِيل لمالكٍ: أيَسْتنثِرُ من غيرِ أن يضعَ يدهُ على أنفِهِ؟ فأنكرَ ذلك، وقال: إنَّما يفعلُ ذلك الحِمارُ. وسُئلَ مالكٌ عنِ المَضْمضةِ والاسْتِنثارِ مرَّةً، أم مرَّتينِ، أم ثلاثًا؟ فقال: ما أُبالِي أيَّ ذلك فعلتُ. وكلُّ ذلك واسعٌ وجائزٌ (١) عِندَ مالكٍ وجميع أصحابه، أن يتمضمضَ ويَسْتنثِر من غُرفةٍ واحِدةٍ.

    قال أبو عُمر: أمّا لفظُ الاسْتِنشاقِ، فلا يكادُ يُوجَدُ الأمرُ به، إلّا في رِوايةِ همّام، عن أبي هريرةَ (٢) . وفي حديثِ أبي رَزِينٍ العُقيليِّ، واسمُهُ لَقِيطُ بن صبِرةَ (٣) . ويُوجَدُ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تمضمضَ واسْتَنشقَ، من حديثِ عُثمانَ (٤) ، وعليٍّ (٥) ، وعائشةَ (٦) ، وغيرِهِم من وُجُوهٍ.