عمرو بن يحيى المازني

٢٧٥ فقرة، ج ١٢ ص ٤٦٨

الصفحة ٣ من ٧

  1. وكان ابن عُمرَ وسلمةُ بن الأكوع يَمْسحانِ مُقدَّم رُؤُوسِهِما (١) .

    ج ١٢ ص ٤٨٨
  2. وعن جماعةٍ من التّابِعِينَ إجازةُ مسح بعضِ الرَّأسِ (٢) .

  3. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سِيرِين، عن عَمرِو بن وَهْبٍ، قال: كُنّا عِندَ المُغِيرةِ بن شُعبةَ، فقال: مسَحَ نبِيُّ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بناصِيتِهِ (٣) .

    قال أبو عُمر: بينَ ابنِ سِيرِين وبين عَمرِو بن وَهْبٍ في هذا الحدِيثِ رجُلٌ، كذلك قال حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ (٤) (٥) .

  4. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُليمان التَّيمِيِّ، قال: أخبرنا بكرٌ، عن الحَسَنِ، عن ابن المُغِيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- توضَّأ ومسَحَ بناصِيتِه. ثُمَّ ذكرَ فوقَ العِمامةِ.

    قال أبو عُمر: النّاصِيةُ: مُقدَّمُ الرَّأسِ.

    ج ١٢ ص ٤٨٩
  5. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بن صالح، عن عبدِ العزيزِ بن مُسلِم، عن أبي مَعقِل، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَوضَّأُ وعليه عِمامةٌ قِطْرِيَّةٌ (٣) فأدخلَ يدهُ من تحتِ العِمامةِ، فمسَحَ مُقدَّم رأسِهِ، ولم ينقُضِ العِمامةَ.

  6. وأجازَ الثَّورِيُّ والشّافِعيُّ مسح الرَّأسِ بإصبع واحِدةٍ (٤) .

    وقال أبو حنِيفةَ: إن مسحَ رأسهُ، أو بعضهُ بثلاثةِ أصابِع فما زادَ، أجزأهُ، وإن مسَحَ بأقلَّ من ذلك، لم يُجزِئْهُ (٥) .

  7. والمرأةُ عِند جميع العُلماءِ في مسح رأسِها كالرَّجُلِ سواءٌ، كلٌّ على أصلِهِ.

    ج ١٢ ص ٤٩٠
  8. وأمّا غسلُ الرِّجلينِ ففي حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ" . ولم يحُدَّ. وفي حدِيثِ عُثمانَ وعليٍّ، إذ وصَفا وُضُوءَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعضِ الرِّواياتِ عنهُما: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ ثلاثًا" (١) . وفي بعضِها: "ثُمَّ غسَلَ رِجْلَيهِ حتّى أنقاهُما" (٢) . وفي بعضِها: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ" (٣) فقط. وكذلك في بعضِ الرِّواياتِ عن عُثمانَ: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ ثلاثًا" (٤) . وفي أكثرِها: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ" فقط. وفي بعضِها (٥) : ثم مسح رأسهُ مرَّةً واحِدةً. والوُضُوءُ كلُّهُ ثلاثًا ثلاثًا.

  9. وأجمعَ العُلماءُ: أنَّ غسلةً واحِدةً سابِغةً في الرِّجلينِ، وسائرِ الوُضُوءِ تُجزِئُ. وكان مالكٌ لا يحُدُّ في الوُضُوءِ واحِدةً، ولا اثْنَتينِ، ولا ثلاثًا، وكان يقولُ: إنَّما هُو الغَسْلُ، وما عمَّ من ذلك أجزأ، والرِّجلانِ وسائرُ الأعْضاءِ سواءٌ.

    ج ١٢ ص ٤٩١
  10. والقولُ عِندَ العُلماءِ على ما قدَّمنا في أُصُولِهِم، في دُخُولِ المِرفَقينِ في الذِّراعينِ، كذلك القولُ عِندهُم في دُخُولِ الكَعْبينِ في غَسْلِ الرِّجلينِ.

  11. وجُملةُ قولِ مالكٍ وتحصِيلُ مذهبِهِ: أنَّ المِرفقينِ إن بَقِيَ شيءٌ منهُما مع القطع غُسِلا. قال: وأمّا الكعبانِ، فهُما باقِيانِ مع القطع، ولا بُدَّ من غَسْلِهِما مع الرِّجلينِ. هذا هُو المُختارُ من المذهبِ.

  12. والكَعْبانِ: هُما النّاتِئانِ في أصلِ السّاقِ. وعلى هذا مذهبُ الشّافِعيِّ، وأحمد بن حنبل، وداود بن عليٍّ في الكعبينِ.

  13. وأمّا العُرقُوبُ، فهُو مَجْمَعُ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَم.

    وقال أبو جعفرٍ النَّحّاس (١) : كلُّ مَفْصِلٍ عِندَ العربِ، كعبٌ.

    وقال أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ (٢) : للنّاسِ في الكَعْبينِ ثلاثةُ أقوال، فالذي يذهبُ إليه محمدُ بن الحسنِ: أنَّ في القَدم كعبًا، وفي السّاقِ كعبًا، ففي كلِّ رِجْلٍ كعبانِ. قال: وغيرُهُ يقولُ: في كلِّ قَدَم كعبٌ، وموضِعُهُ ظهرُ القدم، ممّا يَلي السّاق. قال: وآخرُونَ يقولُونَ: الكعبُ هُو الدّائرُ بمَغرِزِ السّاقِ، وهُو مُجتمعُ العُرُوقِ، من ظَهْرِ القَدَم إلى العراقِيبِ. قال: والعَربُ تقُولُ: الكعبانِ، هُما العُرقُوبانِ.

    ج ١٢ ص ٤٩٢قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا في بابِ بلاغاتَ مالكٍ -عِند قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ويلٌ للأعقابِ من النّار" (١) - أحكام غَسْلِ الرِّجلينِ، وإبطال قَوْلِ من قال بمَسْحِهِما، وذكَرْنا الحُجَّةَ في ذلك من جِهةِ الأثرِ والنَّظرِ، وذكَرْنا القولَ المُختارَ عِندنا في الكعبينِ هُناك، والحمدُ للَّه.

  14. واتَّفقَ مالكٌ والشّافِعيُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُم: أنَّ الرَّأس لا يُجزِئُ مَسْحُهُ إلّا بماءٍ جدِيدٍ، يأخُذُهُ المُتوضِّئُ لهُ، كما يأخُذُهُ لسائرِ الأعْضاءِ، ومن مسَحَ رأسهُ بماءٍ فَضْلٍ من البَلَلِ في يَديهِ عن غسلِ ذِراعيهِ، لم يُجزِهِ (٢) .

    وقال الأوزاعِيُّ وجماعةٌ من التّابِعينِ: يُجزِئُه.

  15. وقد مَضَى القولُ في الوُضُوءِ بالماءِ المُستعملِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ.

  16. وليس في حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا ذِكرُ مَسْح الأُذُنينِ.

  17. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وُجُوهٍ: أنَّهُ كان يَمْسحُ أُذنيه في وُضُوئهِ، وقد مَضَى القولُ في مسح الأُذُنينِ، وما في ذلك من الحُكم والاختِيارِ لفُقهاءِ الأمصارِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ أيضًا من كِتابِنا هذا.

  18. ومَضَى هُناك أيضًا ذِكرُ المضمضةِ والاستِنثارِ، والحمدُ للَّه كثِيرًا لا شرِيك لهُ.

  19. حدِيثٌ ثانٍ لعَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ

    مالكٌ (١) ، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبي الحُبابِ سعِيدِ بن يَسارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُ قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي وهُو على حِمارٍ، وهُو (٢) مُتوجِّهٌ إلى خيبرَ.

    ج ١٢ ص ٤٩٣
  20. هكذا هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جميع الرُّواةِ (٣) .

  21. ورواهُ محمدُ بن إبراهيمَ بن قَحْطَبةَ، عن إسحاق بن إبراهيمَ الحُنينِيِّ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ قال: رأيتُ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُو مُتوجِّهٌ إلى خَيْبرَ على حِمارٍ، يُصلِّي على الحِمارِ، ويُومِئُ إيماءً (٤) .

  22. وهذا ممّا تَفرَّدَ به ابن قحطبةَ، عن الحُنينِيِّ، وهُو خطأٌ لا شَكَّ عِندَهُم فيه، وصوابُ إسنادِهِ ما في "المُوطَّأ" : مالكٌ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبي الحُبابِ، عن ابن عُمرَ. وهُو حدِيثٌ انفردَ بذِكرِ الحِمارِ فيه عَمرُو بن يحيى، واللَّه أعلمُ.

    ج ١٢ ص ٤٩٤قال أبو عُمر: هذا في التَّطوُّع، دونَ (١) الفرِيضةِ بإجماع من العُلماءِ، لا تَنازُعَ بينهُم في ذلك، فأغنانا إجماعُهُم عن الاستِدلالِ على ما وصَفْنا.

  23. وقد ذكَرْنا الآثار الدّالَّةَ على ذلك (٢) ، في بابِ عبدِ اللَّه بن دِينارٍ، من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا هناك ما للعُلماءِ (٣) من الاتِّفاقِ والاختِلافِ في السَّفرِ الذي يجُوزُ فيه التَّطوُّعُ على الدّابَّةِ، مُستوعبًا مبسُوطًا، والحمدُ للَّه.

    وقال النَّسائيُّ (٤) : لم يُتابع عَمرُو بن يحيى على قولِهِ: يُصلِّي على حِمارٍ. وإنَّما يقولُون: على راحِلتِهِ.

    قال أبو عُمر: بينَ الصَّلاةِ على الدابّة (٥) ، والصَّلاةِ على الرّاحِلةِ فرقٌ في التَّمكُّنِ لا يُجهلُ، والمحفُوظُ في حدِيثِ ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي على راحِلتِهِ تطوُّعًا في السَّفرِ حَيْثُ توجَّهت به. وتلا (٦) ابن عُمر: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] . وهذا معناهُ في النّافِلةِ بالسُّنَّةِ إن كان آمِنًا، وأمّا الخَوْفُ فتُصلَّى الفرِيضةُ على الدّابَّةِ، لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: ٢٣٩] وهذا كلُّهُ مُجتَمعٌ عليه من فُقهاءِ الأمصارِ وجُمهُورِ العُلماءِ.

  24. وأمّا قولُ النَّسائيِّ: إنَّ عَمرو بن يحيى انفردَ بقولِهِ: "على حِمارٍ" . فإنَّما (٧)

  25. أرادَ، واللَّهُ أعلمُ، في حَدِيثِ ابن عُمر، فإنَّهُ لا يُعرَفُ في حدِيثِ ابن عُمرَ إلّا: على راحِلتِهِ. وأمّا غيرُ ابن عُمرَ، فقد رُوِي من حدِيثِ جابرٍ قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي أينَما كان وجهُهُ على الدّابَّةِ؛ رواهُ مِسعرٌ، عن بُكيرِ بن الأخنسِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه (١) .

    وقال الحسنُ: كان أصحابُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلُّونَ في أسفارِهِم على دوابِّهِم أينَما كانت وُجُوهُهُم رواهُ هُشَيمٌ، عن عليِّ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ، فذكرهُ (٢) (٣) .

    ج ١٢ ص ٤٩٥
  26. حدِيثٌ ثالِثٌ لعَمرِو بن يحيى

    مالكٌ (١) ، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال: سَمِعتُ أبا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ" .

    ج ١٢ ص ٤٩٦
  27. هذا حدِيثٌ صحِيحُ الإسنادِ عِندَ جميع أهلِ الحدِيثِ.

  28. وأمّا حدِيثُ مالكٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في مِثلِ هذا المتنِ، فخَطأٌ في الإسنادِ، وإنَّما هو الحدِيثُ محفُوظٌ ليحيى بن عُمارةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ.

  29. وقد ذكَرْنا الرِّوايةَ الصَّحِيحةَ في ذلك، في بابِ محمدِ بن أبي صَعْصَعةَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

  30. وهذا الحدِيثُ رواهُ عن عَمرِو بن يحيى جماعةٌ من جِلَّةِ العُلماءِ، احتاجُوا إليه فيه، ورواهُ عن أبيهِ أيضًا جماعةٌ. والحدِيثُ صحِيحٌ بهذا الإسنادِ.

  31. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا محمدُ بن المُثنَّى ومحمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ وشُعبةُ ومالكٌ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ

    ج ١٢ ص ٤٩٧الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ، ولا فيما دُون خَمْسِ ذودٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ فضّةً صدقةٌ" .

    قال (١) : وأخبَرنا عِيسى بن حمّادٍ، قال: أخبَرنا اللَّيثُ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن عَمرِو بن يحيى (٢) بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، ولا فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ" .

    قال (٣) : وأخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن القاسم، قال: حدَّثني عَمرُو بن يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحِلُّ في البُرِّ والتَّمرِ زَكاةٌ، حتّى يبلُغَ خَمْسةَ أوسُقٍ، ولا يحِلُّ في الوَرِقِ زكاةٌ، حتّى تبلُغَ خمسَ أواقٍ، ولا يحِلُّ في الإبِلِ زكاةٌ، حتّى تَبلُغَ خمس ذودٍ" .

    قال (٤) : وأخبَرنا أحمدُ بن عَبْدةَ، قال: أخبرنا حمّادٌ، عن يحيى بن سَعِيدٍ وعُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صَدَقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ" .

    ج ١٢ ص ٤٩٨قال (١) : وأخبَرنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٢) ، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليسَ في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ، حتّى تبلُغَ خمسةَ أوسُقٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ" . قال حمزةُ: لم يذكُر أحدٌ في هذا الحدِيثِ: "في حبٍّ" غيرُ إسماعيل بن أُميَّةَ، وهُو ثِقةٌ قُرَشِيٌّ، من ولدِ سعِيدِ بن العاصِ. قال: وهذه السُّنَّةُ لم يروِها عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدٌ من أصحابِهِ غيرُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ.

    قال أبو عُمر: هُو كما قال حمزةُ، لم يَقُل أحدٌ في هذا الحدِيثِ: "من حبٍّ" غيرُ إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارةَ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ. وقد قيلَ: إنَّ (٣) هذا الحدِيث ليسَ يأتي من وَجْهٍ لا مَطعنَ فيه ولا عِلَّةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، إلّا من حدِيثِ يحيى بن عُمارةَ، عنهُ. من رِوايةِ ابنِهِ عَمرِو بن يحيى، عنهُ. ومن رِوايةِ محمدِ بن يحيى بن حبّان عنهُ.

  32. وقد رُوِي من حدِيثِ ابن أبي صَعْصعةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٤) ، وقد مَضَى ذِكرُ العِلَّةِ فيه بهذا الإسنادِ.

  33. وقد وجَدْناهُ من حدِيثِ أبي هريرةَ بإسنادٍ حَسنٍ:

    ج ١٢ ص ٤٩٩حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاحٌ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا عليُّ بن إسحاقَ، عنِ ابن المُباركِ، عن مَعْمرٍ، قال: حدَّثني سُهَيلُ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "ليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوساقٍ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذودٍ صَدَقةٌ" .

  34. ورَوَى أبو البَخْترِيِّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوساقٍ زَكاةٌ" . رواهُ وكِيعٌ، وغيرُهُ، عن إدرِيسَ الأودِيِّ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي البَخْترِيِّ (٢) . ويقولُونَ: إنَّ أبا البَخْترِيِّ لم يَسْمع من أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٣) .

    قال أبو عُمر: قد رَوَى أبو البخترِيِّ عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ أحادِيث غيرَ هذا، وسِنُّهُ فوقَ إدراكِ أبي سَعِيدٍ.

  35. وهذه (٤) سُنّةٌ جليلةٌ تلقّاها الجميعُ بالقبول، ولم يَرْوِها أحَدٌ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وجهٍ ثابتٍ محفوظٍ عن أبي سعيد الخُدريّ.

  36. وقد رُوي (١) عن جابرٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثلُ ذلك، ولكِنَّهُ غريبٌ غيرُ محفُوظٍ، حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ موسى بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلِم الطّائفِيُّ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، قال: كان جابرُ بن عبدِ اللَّه يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صَدَقةَ في شيءٍ من الزَّرع، أوِ النَّخلِ، أوِ الكرم، حتّى يكونَ خمسةَ أوسُقٍ، ولا في الرِّقَّةِ حتّى تبلُغَ مِئَتي دِرهم" (٢) .

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ" .

    ج ١٢ ص ٥٠٠
  37. فالذَّودُ، واحِدٌ من الإبِلِ، فكأنَّهُ قال: ليسَ فيما دُون خمسٍ من الإبِلِ، أو خمسِ إبِل، أو خمسِ جِمال، أو خمسِ نُوقٍ صدقةٌ. والذَّودُ واحِدٌ من هذه كلِّها (٣) ، ومنهُ قيل: الذَّودُ إلى الذَّودِ إبِلٌ. وقد قيل: إنَّ الذَّود: القِطعةُ من الإبِلِ ما بينَ الثَّلاثِ إلى العَشْرِ، والأوَّلُ أكثرُ وأشهرُ، قال الحُطيئَةُ (٤) :

    ونحنُ ثلاثةٌ وثلاثُ ذودٍ ... لقد عالَ الزَّمانُ على عِيالِي

    أي: مال عليهم.

  38. والصَّدقةُ: الزَّكاةُ المعرُوفةُ، وهي الصَّدقةُ المفرُوضةُ، سمّاها اللَّه صدقةً، وسمّاها زكاةً، قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: ١٠٣] . وقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآيةَ [التوبة: ٦٠] يعني الزَّكواتِ. وقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، والنساء: ٧٧، والنور: ٥٦، والمزمل: ٢] . وقال: {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: ٧] . فهي الصَّدقةُ، وهي الزَّكاةُ، وهذا ما لا تَنازُع فيه، ولا اختِلافَ.

    ج ١٢ ص ٥٠١
  39. ففي هذا الحدِيثِ دليلٌ على أنَّ ما كانَ دُونَ خمسٍ من الإبِلِ، فلا زكاةَ فيه. وهذا إجماعٌ أيضًا من عُلماءِ المُسلِمِين، فإذا بلَغَت خمسًا، ففيها شاةٌ.

  40. واسمُ الشّاةِ يَقعُ على واحِدةٍ من الغَنم، والغنمُ: الضَّأنُ، والمعزُ جميعًا.