عمرو بن يحيى المازني
٢٧٥ فقرة، ج ١٢ ص ٤٦٨
الصفحة ٤ من ٧
- ج ١٢ ص ٥٠١
وهذا أيضًا إجماعٌ من العُلماءِ، أنَّهُ ليسَ في خمسٍ من الإبِلِ إلّا شاةٌ واحِدةٌ، وهي فرِيضتُها، إلى تِسع، فإذا بلغتِ الإبِلُ عشرًا ففيها شاتانِ، وهي فرِيضتُها إلى أربع عشرةَ، فإذا بلغت خمس عَشْرةَ ففيها ثلاثُ شِياهٍ، وهي فرِيضتُها إلى عِشرِينَ، فإذا بلغت عِشرِينَ ففيها أربعُ شِياهٍ، وهي فرِيضتُها إلى أربع وعِشرِينَ، فإذا بلغت خمسًا وعِشرِينَ، ففيها ابنةُ مخاضٍ، وهي ابنةُ حَوْلٍ كامل، فإن لم تكُن بنت مخاضٍ، فابنُ لبُونٍ ذكرٌ.
-
وقد وصفنا أسنان الإبِلِ كلَّها، من أوَّلِها إلى آخِرِها، ما يُؤخذُ منها في الصَّدقاتِ وفي الدِّياتِ، في بابِ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ من هذا الكِتابِ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
وابنةُ مخاضٍ، أوِ ابن لبُونٍ، إن لم تُوجَدِ ابنةُ مخاضٍ فرِيضةُ خمسٍ وعِشرِينَ من الإبِلِ إلى خمسٍ وثلاثِين منها، فإذا كانت سِتًّا وثلاثِينَ، ففيها ابنةُ لبُونٍ، وهي فَرِيضتُها إلى خمسٍ وأربعينَ، فإذا كانت سِتًّا وأربعينَ، ففيها حِقَّةٌ، وهي فرِيضتُها حتّى
ج ١٢ ص ٥٠٢تبلُغَ سِتِّين، فإذا كانت إحْدَى وسِتِّينَ، ففيها جَذَعةٌ، وهي فَرِيضتُها إلى خمسٍ وسبعِينَ، فإذا كانت سِتًّا وسبعِينَ، ففيها ابنتا لبُونٍ، وهي فَرِيضتُها إلى تِسعِينَ، فإذا كانت إحْدَى وتِسعِينَ، ففيها حِقَّتانِ، وهي فَرِيضتُها إلى عِشرِينَ ومئةٍ، فإذا كانت إحْدَى وعِشرِينَ ومئةً، فهذا موضِعُ اختِلافٍ بين العُلماءِ، وكلُّ ما قدَّمتُ لكَ إجماعٌ لا خِلاف فيه.
-
وأمّا اختِلافُهُم في هذا الموضِع.
-
فإنَّ مالكًا (١) قال: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ واحِدةً، فالمُصدِّقُ بالخِيارِ، إن شاءَ أخذَ ثلاث بناتِ لبُونٍ، وإن شاءَ أخذ حِقَّتينِ.
قال ابن القاسم (٢) : وقال ابن شِهابٍ: إذا زادَتْ واحِدةً على عِشرِينَ ومئةٍ، ففيها ثلاثُ بناتِ لبُونٍ، إلى أن تبلُغَ ثلاثِين ومئةً، فيكونُ فيها حِقَّةٌ، وابنتا لبُونٍ. قال ابن قاسم: يتَّفِقُ ابن شِهابٍ ومالكٌ في هذا، ويختلِفانِ فيما (٣) بينَ واحِدٍ وعِشرِينَ ومئةٍ، إلى تِسع وعِشرِينَ ومئةٍ. قال ابن القاسم: ورأيِي على قولِ ابن شِهابٍ.
-
وذكرَ ابن حبِيبٍ: أنَّ عبد العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، وعبد العزيزِ بن أبي حازِم، وابن دِينارٍ، يقولُونَ بقولِ مالكٍ: إنَّ السّاعِي مُخيَّرٌ إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ في حِقَّتينِ، أو ثلاثِ بناتِ لبُونٍ. كما قال مالكٌ.
-
وذكر أنَّ المُغِيرةَ المخزُومِيَّ كان يقولُ: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ، ففيها حِقَّتانِ لا غيرَ، إلى ثلاثِين ومئةٍ، وليس السّاعِي في ذلك مُخيَّرًا.
قال: وأخذ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ بقولِ المُغِيرةِ في ذلك.
ج ١٢ ص ٥٠٣قال أبو عُمر: إذا بلغتِ الإبِلُ ثلاثِين ومئةً، ففيها حِقَّةٌ وابنَتا لبُونٍ، بإجماع من العُلماءِ؛ لأنَّ الأصل في فرائضِ الإبِلِ المُجتمع عليها: في كلِّ خمسِينَ حِقَّةٌ، وفي كلِّ أربعينَ بنتُ لبُونٍ، فلمّا احتَملَتِ (١) الزِّيادةُ على عِشرِينَ ومئةٍ الوَجْهينِ (٢) جميعًا، وقعَ الاختِلافُ كما رأيتَ، للاحتِمالِ في الأصلِ.
وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعِيُّ: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ، ففيها ثلاثُ بناتِ لبُونٍ، وفي كلِّ خمسِينَ حِقَّةٌ، وفي كلِّ أربعينَ بنتُ لبُونٍ (٣) .
وقال أبو حنِيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِين ومئةٍ، استقبل الفرِيضةَ.
-
وهذا الذي ذكرتُ لك أنَّهُ إجماعٌ من العُلماءِ في هذا البابِ هُو الثّابِتُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بنقلِ الكافَّةِ، ونقلهُ الآحادُ الثِّقاتُ (٤) أيضًا في كِتابِ عَمرِو بن حزم وغيرِهِ، وفي كِتابِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمر الفارُوقِ إلى العُمّالِ، وهُو المعمُولُ به عِندَ جماعةِ العُلماءِ في جميع الآفاقِ.
-
والأحادِيثُ في ذلك كثِيرةٌ، قد ذكَرَها المُصنِّفُون، وكثَّرُوا فيها، وما ذكَرْنا وحكينا يُغني عنها، وأحسنُ شيءٍ منها:
ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عنِ ابن شِهابٍ في الصَّدَقاتِ، قال ابن شِهابٍ: هذه نُسخةُ كِتابِ
ج ١٢ ص ٥٠٤رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصَّدقةِ، وهي عِندَ آلِ عُمر بن الخطّابِ. قال يُونُسُ: حدَّثني ابن شِهابٍ قال: أقْرَأنِيها سالمٌ، فوَعَيتُها على وَجْهِها، وهي التي انتسَخَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ من عبدِ اللَّه وسالم ابني عبدِ اللَّه بن عُمر، وأمرَ عُمّالهُ بالعَملِ بها، ولم يزلِ الخُلفاءُ يعملُونَ بها. وهذا كِتابُ تَفْسِيرِها:
لا يُؤخذُ في شيءٍ من الإبِلِ صدقةٌ، حتّى تبلُغَ خمسَ ذودٍ، فإذا بلغَتْ خمسًا، ففيها شاةٌ، حتّى تبلُغَ عشرًا، فإذا بلغت عشرًا، ففيها شاتانِ، حتّى تبلُغَ خمس عشرةَ، فإذا بلغت خمسَ عشرةَ، ففيها ثلاثُ شِياهٍ، حتّى تبلُغَ عِشرِينَ، فإذا بلغَتْ عِشرِينَ، ففيها أربعُ شِياهٍ، حتّى تبلُغَ خمسًا وعِشرِينَ، فإذا بلغَتْ خمسًا وعِشرِينَ افترضت، فكان فيها فرِيضةُ ابنةِ مخاضٍ، فإن لم تُوجَدِ ابنةُ مخاضٍ، فابنُ لبُونٍ ذكرٌ، حتّى تبلُغ خمسًا وثلاثِينَ، فإذا كانت سِتًّا وثلاثِينَ، ففيها ابنةُ لبُونٍ، حتّى تبلُغَ خمسًا وأربعينَ، فإذا كانت سِتًّا وأربعينَ، ففيها حِقَّةٌ طَرُوقةُ الجملِ (١) حتّى تبلُغ ستِّينَ، فإذا كانت إحْدَى وسِتِّينَ، ففيها جَذَعةٌ، حتّى تبلُغ خمسًا وسبعِينَ، فإذا بلغت سِتًّا وسبعِينَ، ففيها ابنتا لبُونٍ، حتّى تبلُغَ تِسعِين، فإذا كانت إحْدَى وتِسعِينَ، ففيها حِقَّتانِ طرُوقتا الجملِ، حتّى تبلُغ عِشرِينَ ومئةً، فإذا كانت إحْدَى وعِشرِينَ ومئةً، ففيها ثلاثُ بناتِ لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وعِشرِينَ ومئةً، فإذا كانت ثلاثِينَ ومئةً، ففيها حِقَّةٌ وابنتا لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وثلاثِين ومئةً، فإذا كانت أربعِيَن ومئةً ففيها حِقَّتانِ، وابنةُ لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وأربعين ومئةً، فإذا كانت خمسِينَ ومئةً، ففيها ثلاثُ حِقاقٍ، حتّى تبلُغَ تِسعًا وخمسِينَ ومئةً، فإذا كانت ستِّينَ ومئةً، ففيها أربعُ بناتِ لَبُونٍ، حتّى تبلُغَ تِسعًا وسِتِّينَ ومئةً، فإذا بلغت سبعِينَ ومئةً، ففيها حِقَّةٌ، وثلاثُ بناتِ لبُونٍ،
ج ١٢ ص ٥٠٥حتّى تبلُغَ تِسعًا وسبعِينَ ومئةً، فإذا بلغَتْ ثمانِين ومئةً، ففيها حِقَّتانِ وابنتا لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وثمانِين ومئةً، فإذا كانت تِسعِينَ ومئةً ففيها ثلاثُ حِقاقٍ، وابنةُ لبُونٍ حتّى تبلُغَ تِسعًا وتِسعِينَ ومئةً، فإذا كانت مِئَتينِ ففيها أربعُ حِقاقٍ، أو خمسُ بناتِ لبُونٍ، أيُّ السِّنِين وُجِدت أُخِذت.
-
ولا تُؤخَذُ من الغنم صدقةٌ، حتّى تبلُغَ أربعينَ، فإذا بلغت أربعينَ، ففيها شاةٌ، حتّى تبلُغَ عِشرِينَ ومئةً، فإذا كانت إحْدَى وعِشرِينَ ومئةً، ففيها شاتانِ، حتّى تبلُغ مِئَتي شاةٍ، فإذا كانت مِئَتي شاةٍ وشاةً، ففيها ثلاثُ شِياهٍ، حتّى تبلُغ ثلاث مئةٍ، فإذا زادت على ثلاثِ مئةِ شاةٍ، ففي كلِّ مئة شاةٌ فليسَ فيها إلّا ثلاثُ (١) شِياهٍ، حتّى تبلُغ أربع مئةِ شاةٍ، ففيها أربعُ شِياهٍ، حتّى تكونَ خمس مئةٍ، ففيها خمسُ شِياهٍ.
-
ثُمَّ ذكَرَها هكذا إلى ألفٍ (٢) ، فيكونُ فيها عشرُ شِياهٍ، في كلِّ مئةِ شاةٍ شاةٌ. قال: ثُمَّ كلَّما زادت مئةً، ففيها شاةٌ.
-
وليسَ في الوَرِقِ، صدقةٌ حتّى تبلُغ مِئَتي دِرهم، فإذا بلذت مِئَتي دِرهم، ففيها خمسةُ دراهِم، ثُمَّ في كلِّ أربعينَ دِرهمًا زادَ على مِئَتي دِرهم دِرهمٌ، وليسَ في الذَّهبِ صَدَقةٌ، حتّى يبلُغ صَرْفُها مِئَتي دِرهم، فإذا بلغَ صرفُها مِئَتي دِرهم، ففيها خمسةُ دراهِمَ، ثُمَّ في كلِّ شيء (٣) يبلُغُ صرفُهُ أربعينَ دِرهمًا، دِرهمٌ حتّى تبلُغَ أربعينَ دِينارًا، فإذا بلغَتْ أربعينَ دِينارًا، ففيها دِينارٌ، ثُمَّ ما زادَ على ذلك من الذَّهَبِ، ففي صرفِ أربعينَ دِرهمًا دِرهمٌ، وفي كلِّ أربعينَ دِينارًا، دِينارٌ.
- ج ١٢ ص ٥٠٦
وليسَ في السَّواني (١) من الإبِلِ، والبَقرِ، ولا بَقَرِ الحرثِ صَدَقةٌ، من أجلِ أنَّها سواني (٢) الزَّرع، وعوامِلُ الحَرْثِ.
-
وفي كلِّ ثلاثِينَ بقرةً تبِيعٌ ذكرٌ، وفي كلِّ أربعينَ بَقَرةً، بقرةٌ (٣) .
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في زكاةِ الذَّهبِ، وبَقرِ الحرثِ، والسَّواني (٤) ، وعوامِلِ الإبِلِ، فليسَ ذلك في شيءٍ من الأحادِيثِ المرفُوعةِ، إلّا في هذا الحدِيثِ.
-
وهُو من رأيِ ابن شِهابٍ محفُوظٌ، وكثيرًا ما كان يُدخِلُ في أواخِرِ الأحادِيثِ رأيَهُ، فيَظُنُّ السّامِعُ أنَّ ذلك في الحدِيثِ.
-
وكلُّ ما في هذا الحدِيثِ، فإجماعٌ من العُلماءِ، إلّا في زكاةِ الذَّهَبِ، فإنَّ الجُمهُورَ على خِلافِ ابن شِهابٍ في ذلك، والخِلافُ فيه على ما نَذكُرُهُ بعدُ في هذا البابِ، وكذلك الخِلافُ في مَوْضِع واحِدٍ من زكاةِ الغنم، وفي زكاةِ العَوامِلِ من الإبِلِ، والبقرِ.
-
فأمّا اختِلافُهُم في زكاةِ الإبِلِ العَوامِلِ، والبقرِ العوامِلِ:
فذهَبَ مالكٌ، إلى أنَّ الزَّكاةَ فيها واجِبةٌ، كغيرِ العَوامِلِ سواءً (٥) .
-
وهُو قولُ مَكحُول، وقَتادةَ، ورِوايةٌ عنِ اللَّيثِ، رواها ابن وَهْبٍ عنهُ.
-
وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ وسعِيدُ بن عبدِ العزيزِ والشّافِعيُّ (٦) وأبو حنِيفةَ (٧)
- ج ١٢ ص ٥٠٧
وأصحابُهُما والحسنُ بن صالح وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ والطَّبرِيُّ: ليسَ في العَوامِلِ من الإبِلِ، والبَقرِ صدقةٌ (١) .
-
ورُوِي ذلك عن عليٍّ، ومُعاذٍ، وجابرِ بن عبدِ اللَّه. ولا مُخالِف لهم من الصَّحابةِ (٢) .
-
ورَوَى عبدُ اللَّه بن صالح، عنِ اللَّيثِ مِثل ذلك. وهُو قولُ جماعةِ التّابِعِين بالحِجازِ، والعِراقِ.
-
وحُجَّةُ من أوجبَ الزَّكاةَ في العوامِلِ من الإبِلِ، والبَقَرِ، ظاهِرُ الأحادِيثِ في الإبِلِ والبَقَرِ: في كلِّ ثلاثِين بَقَرةً تبِيعٌ، وفي كلِّ أربعينَ مُسِنَّةٌ. لم يخُصَّ عامِلًا عن غيرِ عامِلٍ.
-
وحُجَّةُ من أسقطَ عنها الزَّكاةَ، حدِيثُ بهزِ بن حكِيم، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "في كلِّ إبِلٍ سائمةٍ من كلِّ أربعينَ بنتُ لبُونٍ. . . " الحدِيثَ (٣) . قالوا: والسّائمةُ هي الرّاعِيةُ التي يُطلَبُ نماؤُها في نَسْلِها ورِسْلِها (٤) . قالوا: وفي ذِكرِ السّائمةِ، نفيٌ للزَّكاةِ عنِ العامِلةِ.
- ج ١٢ ص ٥٠٨
وبين أصحابِ مالكٍ وبين مُخالِفيهم في زكاةِ العوامِلِ من جِهةِ النَّظرِ والمُقايساتِ ما رغِبتُ عن ذِكرِهِ.
قال أبو عُمر: وأمّا الموضِعُ الذي اختَلَفُوا فيه من زكاةِ الغنم، فهُو: إذا زادت على ثلاثِ مئةِ شاةٍ؛ فإنَّ الحسن بن صالح بن حيٍّ قال: إذا كانتِ الغنمُ ثلاث مئةِ شاةٍ وشاةً ففيها أربعُ شياهٍ، وإذا كانت أربع مئةِ شاةٍ وشاةً، ففيها خمسُ شِياهٍ، ثُمَّ هكذا كلَّما زادت، في كلِّ مئةٍ شاةٌ. ورُوِيَ عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ نحوهُ (١) .
-
وقال مالكٌ (٢) والثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ والشّافِعيُّ (٣) وسائرُ الفُقهاءِ: في مِئَتي شاةٍ وشاةٍ ثلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ لا شيءَ فيها زائدًا إلى أربع مئةٍ، فيكون فيها أربعُ شِياهٍ، ثُمَّ كلَّما زادت مئةً، ففيها شاةٌ. اتِّفاقًا وإجماعًا (٤) .
-
والآثارُ المروِيَّةُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كلُّها تدُلُّ على ما قالَ مالكٌ وسائرُ الفُقهاءِ، دُونَ ما قال الحسنُ بن حيٍّ؛ لأنَّ في جَميعِها في صدقةِ الغنم: فإذا زادت على ثلاثِ مئةٍ، ففي كلِّ مئةٍ شاةٌ.
-
وهذا يَقْتضِي ما قال الفُقهاءُ، وجماعةُ العُلماءِ، دُونَ ما قال الحسن بن حيّ، وهذه مَسْألةٌ وهِمَ فيها ابن المُنذِرِ (٥) ، وحَكَى فيها عنِ العُلماءِ الخطأ، وخَلَط وأكثرَ الغلط.
-
وأمّا قولُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حدِيثِ هذا البابِ: "وليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ" . فإنَّهُ إجماعٌ من أهلِ العِلم أيضًا.
- ج ١٢ ص ٥٠٩
وفي هذا القولِ مَعنيانِ: أحدُهُما نفيُ الزَّكاةِ عمّا دُونَ خمسِ أواقٍ.
-
والمعنى الثّانِي: إيجابُها في ذلك المِقدارِ، وفِيما زادَ عليه بحِسابِهِ. هذا ما يُوجِبُهُ ظاهِرُ هذا الحدِيثِ، لعدَم النَّصِّ عنِ العفوِ (١) عمّا بعدَ الخمسِ الأواقي، حتّى تُبلُغَ مِقدارًا ما، فلمّا عُدِمَ النَّصُّ في ذلك، وجبَ القولُ بإيجابِها في القليلِ والكثِيرِ، بدلالةِ العفوِ عمّا دُونَ الخمسِ الأواقي، وعلى هذا أكثرُ العُلماءِ. وسَنذكُرُ القائلِينَ به، والخِلاف فيه في هذا البابِ بعدُ، إن شاءَ اللَّه.
-
والأُوقِيَّةُ عِندَهُم: أربعُون دِرهمًا كيلًا، لا خِلافَ في ذلك، والأصلُ في الأُوقِيَّةِ، ما ذكرَ أبو عُبيدٍ في كِتابِ "الأموالِ" (٢) ، قال: كانتِ الدَّراهِمُ غير مَعلُومةٍ إلى أيّام عبدِ الملكِ بن مروان، فجَمَعها وجعلَ (٣) كلَّ عَشَرةٍ من الدَّراهِم، وزن سبعةِ مثاقيل. قال: وكانتِ الدَّراهِمُ يومئذٍ من ثمانِيةِ دوانِق زَيْفٍ، ودِرهمٌ من أربعةِ دوانِق جيِّدة. قال: فاجتمعَ رأيُ عُلماءِ ذلك الوقتِ لعبدِ الملكِ، على أن جَمعُوا الأربعةَ الدَّوانِق إلى الثَّمانِيةِ، فصارتِ اثني عشر دانِقًا، فجعلُوا الدَّراهمَ سِتَّةَ دوانِق، وسمَّوهُ كيلًا، واجتمعَ لهم في ذلك أنَّ في كلِّ مِئَتي دِرهم زكاةً، وأنّ أربعينَ دِرهمًا أُوقِيَّةٌ، وأنَّ في الخمسِ الأواقِي، التي قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ فيما دُونها صدقةٌ" . مِئَتي دِرهم لا زِيادةَ، وهي نِصابُ الصَّدقةِ.
قال أبو عُمر: ما حَكاهُ أبو عُبيدٍ يَسْتحِيلُ، لأنَّ الأُوقِيَّةَ على عَهدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يجُز أن تكونَ مجهُولةَ المبلغ من الدَّراهِم في الوَزنِ، ثُمَّ يُوجِبُ الزَّكاةَ عليها، وهي لا يُعلَمُ مبلغُ وَزْنِها. ووزنُ الدِّينارِ دِرهمانِ، أمرٌ مُجتمعٌ عليه في البُلدانِ، وكذلك درهمُ الورق اليومَ أمرٌ مجتَمعٌ عليه، معرُوفٌ في الآفاقِ عِندَ جماعةِ أهلِ الإسلام.
- ج ١٢ ص ٥١٠
إلّا أنَّ الوزنَ عِندنا بالأندلُسِ مُخالِفٌ لوزنِهِم، فالدِّرهمُ الكيلُ عِندَهُم، هُو عِندنا بالأندلُسِ دِرهم وأربعةُ أعشارِ دِرهم، لأنَّ دَراهِمنا مبنِيّةٌ على دَخْلِ أربعينَ ومئةٍ في مئةٍ كيلًا، هكذا أجمعَ الأُمراءُ والنّاسُ عليها عِندَنا بالأندلُسِ في جَميع نواحِيها، فعلى ما ذكَرْنا في الدِّرهم المعهُودِ عِندَنا أنَّهُ دِرهمٌ وخُمسانِ، تكونُ المئتا دِرهم كيلًا، مئتَي دِرهم وثمانين دِرهمًا.
-
وقيل: إنَّ الدِّرهم المعهُود بالمشرِقِ، وهُو الدِّرهمُ الكيلُ المذكُورُ، هُو بوَزنِنا اليومَ بالأندلُسِ دِرهمٌ ونصِفٌ، وأظُنُّ ذلك بمِصرَ وما والاها، وأمّا أوزانُ العِراقِ، فعلى ما ذكرتُ لك، لم يُختلَف عليها أنَّ دِرهمهُم دِرهمٌ وأربعةُ أعشارِ دِرهم بوَزنِنا.
-
وقد حكى الأثرمُ، عن أحمد بن حنبل، أنَّهُ ذكرَ اختِلافَ الدِّينارِ والدِّرهم باليمنِ وناحِيةِ عَدَن، فقال: قدِ اصطلَحَ النّاسُ على دَراهِمِنا، وإن كان بينهُم في ذلك اختِلافٌ.
قال: وأمّا الدَّنانِيرُ، فليسَ فيها اختِلافٌ، فجُملهُ النِّصابِ ومَبْلغُهُ عِندَنا اليوم بوَزينا ودخلِنا، على حسَبِ ما وصفنا: خمسةٌ وثلاثُون دِينارًا دراهِم، حِسابُ الدِّينارِ ثمانِيةُ دَراهِم بدَراهِمِنا التي هي دخلُ أربعينَ ومئةٍ في مئةٍ كيلًا، وهذا على حِسابِ الدِّرهم، الكيلُ دِرهمٌ وأربعةُ أعشارِ دِرهم، وعلى حِسابِ الدِّرهم دِرهمٌ ونِصفٌ، يكونُ سبعةً وثلاثِين دِينارًا دراهِم، وأربعةَ دراهِم، فإذا ملكَ الحُرُّ المُسلِمُ وزن المِئَتي دِرهم المَذكُورةِ من فِضَّةٍ، مَضرُوبةً أو غيرَ مضرُوبةٍ، وهي الخمسُ الأواقي المنصُوصةُ في الحدِيثِ، حولًا كامِلًا، فقد وجبَتْ عليه صدقتُها، وذلك رُبعُ عُشرِها: خمسةُ دراهِم للمَساكِينِ والفُقراءِ، ومن ذُكِر في آيةِ الصَّدقاتِ، إلّا المُؤَلَّفةَ قُلُوبُهُم، فإنَّ اللَّه قد أغْنَى الإسلام وأهلهُ اليومَ عن أن يُتألَّف عليه.
- ج ١٢ ص ٥١١
وسائرُ الأصنافِ المذكُوراتِ، مَن وَضَع زكاتَهُ في صِنفٍ منها: أجْزَأ، إلّا في العامِلِينَ على الصَّدقاتِ، فإنَّما لهم بقَدرِ عُمالتِهِم (١) .
-
وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في قسمة الصَّدقاتِ على الأصنافِ المذكُورِين في الآيةِ من التَّنازُع في غيرِ هذا الموضِع، وما ذكَرتُ لك هاهُنا، فهُو المُعتَمدُ عليه، المعمُولُ به.
-
وما زادَ على المِئَتي دِرهم من الوَرِقِ، فبِحِسابِ ذلك، في كلِّ شيءٍ منهُ رُبعُ عُشرِهِ، قلَّ أو كثُر.
-
هذا قولُ مالكٍ (٢) ، والليث، والشّافِعيِّ (٣) ، وأكثرِ أصحابِ أبي حنِيفةَ (٤) ، وابنِ أبي ليلى، والثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وأحمد بن حنبل، وأبي ثورٍ، وإسحاق، وأبي عُبيدٍ (٥) .
-
ورُوِي ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر (٦) .
وقالت طائفةٌ من أهلِ العِلم: لا شيءَ فيما زادَ على المِئَتي دِرْهم، حتّى تبلُغَ الزِّيادةُ أربعينَ دِرهمًا، فإذا بَلَغتها، كان فيها دِرهمٌ، وذلك رُبعُ عُشْرِها.