يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله

١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥

الصفحة ٢٥ من ٣٢

  1. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ومحمدُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو بنِ عبدِ الخالق البزار، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ ثابت، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ عليٍّ المقدَّميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، عن محمّدِ بنِ المُنكدر، عن أبي قَتادة، قال: كانت لي جُمّة، وكنتُ أدهُنُها كلِّ يوم مرةً، فقال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أكرِمْ جُمَّتَك وأحسِنْ إليها" . فكنتُ أدهُنُها كلَّ يوم مرَّتين.

    ج ١٥ ص ٤١٤
  2. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا ابنُ يُونس، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ إلياس، عن هشام بنِ عُروةَ ومُسلم بنِ يسار، عن عُروة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أكرِموا الشَّعَرَ" (٢) .

  3. حدَّثنا عبدُ الرحمن (١) ، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مُسلمُ بنُ خالد، عن إسماعيلَ بنِ أُميّة: أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكرَهُ أن يَرى الشَّعَثَ (٢) .

    قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني ابنُ أبي الزِّناد، عن سُهيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن كان له، شَعَرٌ فليُكرِمْه" (٣) .

    ج ١٥ ص ٤١٥
  4. وقد رُوِيَ في هذا الباب حديثان، ظاهرُهما معارضٌ لهذا المعنى، وليس كذلك إن شاء الله.

  5. أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ، عن عبدِ الله بنِ مُغفل، قال: نهَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الترجُّل إلا غبًّا (١) .

    ج ١٥ ص ٤١٦
  6. أخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصّائغ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن كَهْمَسِ بن الحَسَن، عن ابنِ بُريدة، عن رجل من أصحابِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن الإرفاه. قلنا لابن بُريدة: وما الإرفاهُ؟ قال: الترجُّلُ كلَّ يوم (٢) .

  7. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٣) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا عبّادٌ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ أبي أُمامة، عن ابنِ كَعْب بنِ مالك، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "البَذاذةُ من الإيمان، البَذاذةُ من الإيمان" (٤) .

  8. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصّائغ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حفص -هو ابنُ عائشة- قال: أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاق، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، عن عبدِ الله بنِ كَعْب، عن أبي أُمامةَ الباهلي، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألَا تسمعون؟ ألَا تسمعون؟ ألَا تسمعون؟ ثلاثًا -ألا إنَّ البَذاذةَ من الإيمان" . قال أبو سَلَمة: والبَذاذةُ الهيئةُ الرَّثَّةُ (١) .

    قال أبو عُمر: اختُلِف في إسنادِ قوله: "البَذاذةُ من الإيمان" . اختلافًا يسقُطُ معه الاحتجاجُ به، ولا يَصحُّ من جهةِ الإسناد.

    ج ١٥ ص ٤١٧
  9. وقد روَى الثوريُّ، عن عاصم بنِ كُلَيب، عن أبيه، عن وائلِ بنِ حُجْر، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال له في حديثٍ ذكَره: "لِمَ أخَذتَ من شَعَرِكَ؟ " . فقال له كلامًا معناه: ظَننتُ أنك تكرَهُه. قال: "لا، وهذا أحسنُ" (٢) .

  10. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣) : حدَّثنا أبو سُفيانَ السَّرُوجيُّ عبدُ الرحيم بنُ مُطَرِّف ابنُ عمِّ وَكيع بنِ الجراح،

    ج ١٥ ص ٤١٨قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ محمدٍ العَنقَزِيُّ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن شِمْرِ بنِ عطية، عن خُرَيم بنِ فاتك، قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّ رجل أنت لولا خَلّتان فيك" . قلتُ: يا رسولَ الله، وما هما؟ قال: "تُسبِلُ إزارَك وتُرخِي شَعرَكَ" . قال: قلت: لا جَرَم. فجَزَّ خُريم شعَرَه، ورفَع إزارَه.

    قال أبو عُمر: وقد مَضَى شيءٌ من معنى هذا الباب في باب زيدِ بنِ أسْلَم (١) ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لرجُلٍ رآه ثائرَ الرأس واللِّحْية، ورآهُ قد رجّلَ شعْرَهُ "أليسَ هذا خيرًا من أنْ يأتي أحدُكُم ثائرَ الرأسِ كأنّه شيطانٌ؟ " .

  11. حدَّثنا عبدُ الرحمن (٢) ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سَحْنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني هشامُ بنُ سَعْد، عن زيدِ بنِ أسلم، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "نِعْمَ الجَمالُ الشعْرُ الحَسَنُ، يكسُوهُ اللهُ الرّجلَ المسلِمَ" (٣) .

  12. حديثٌ رابعٌ وخمسونَ ليَحْيى بن سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى ينِ سعيد، أنَّه قال: دخَل أعرابيّ المسجدَ، فكشَفَ عن فَرْجِه ليَبُول، فصاحَ الناسُ به حتّى علا الصوتُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اتركُوه" . فترَكُوه، فبالَ، ثم أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بذَنُوبٍ من ماءٍ فصُبَّ على ذلك المكان.

    ج ١٥ ص ٤١٩
  13. الذَّنوبُ: الدَّلوُ الكبيرةُ هاهُنا، وقد يكونُ الذَّنوبُ: الحَظُّ والنصيب، من قوله تعالى: {ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} [الذاريات: ٥٩] .

  14. هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة (٢) .

  15. وقد رُويَ مسندًا متّصلًا عن يحيى بنِ سعيد، عن أنس من وجوهٍ صِحاح، وهو محفوظٌ ثابتٌ من حديثِ أنس، ومن حديثِ أبي هُريرة (٣) ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فنذكُرُ هاهُنا حديثَ أنسٍ خاصّة؛ لأنه عنه رواه يحيى بنُ سعيد.

  16. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن -قراءةً منّي عليه- أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيد، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالك يقول: دخَل أعرابيّ المسجدَ ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فيه، فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقضى حاجتَه، فلمّا قامَ بالَ في ناحيةِ المسجدِ فصاحَ به الناسُ، فكفَّهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حتى فرَغَ من بَوْلِه، ثم دعا بدَلْوٍ من ماءٍ فصبَّه على بَوْلِ الأعرابيّ (٤) .

  17. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (١) ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حَمّاد. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣) : أخبَرنا سُويدُ بنُ نصر، قالا جميعًا: أخبَرنا عبدُ الله بنُ المبارك، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالك يقول: جاء أعرابيٌّ إلى المسجدِ فبال، فصاحَ به الناسُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اترُكُوه" . فترَكُوه حتى بالَ، ثم أمَر بدَلْوٍ فصُبَّ عليه.

    ج ١٥ ص ٤٢٠
  18. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٥) : أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عَبِيدة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس قال: بال أعرابيٌّ في المسجد، فأمَر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بدَلوٍ من ماءٍ فصُبَّ عليه.

  19. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالك يقول: إن أعرابيًّا بالَ في المسجدِ فذهَب أصحابُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يَمنعُونَه، فقال: "دعُوه" . ثم أمَر بماءٍ فصُبَّ عليه (٦) .

  20. ورواه ثابتٌ البُنانيُّ، وإسحاقُ بنُ أبي طَلْحة، عن أنس، مثلَه.

    ج ١٥ ص ٤٢١
  21. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١) : أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن ثابت، عن أنس، أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فقام إليه بعضُ القوم، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعُوه، لا تُزْرِمُوه" . فلمّا فرَغَ دعا بدَلو فصَبَّه عليه.

  22. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٢) ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٣) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورّاق، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكر الأثرم، قال: حدَّثنا مُسلمُ بنُ إبراهيم، قالا جميعًا: حدَّثنا همّامٌ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ أعرابيًّا آتَى المسجدَ فبال فيه، فسكَت عنه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ثم دعا بماءٍ فصبَّه عليه.

  23. ورواه أبو هُريرةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من حديثِ الزُّهريّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، وعن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هُريرة (٤) .

  24. وهذا الحديثُ أصحُّ حديث يُروَى عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الماء، وهو ينفي التحديدَ في مقدارِ الماءِ الذي تلحقُه النجاسة، ويقضي أنَّ الماءَ طاهرٌ مطهَّر لكلِّ ما غلَب عليه، وأنَّ كلَّ ما مازَجه من النَّجاساتِ وخالَطه من الأقْذارِ لا يُفسِدُه إلّا أن يظهرَ ذلك فيه أويغلِبَ عليه، فإن كان الماءُ غالبًا مستهلكًا للنَّجاساتِ فهو مطهِّر لها وهي غيرُ مؤثِّرةٍ فيه، وسواءٌ في ذلك قليلُ الماءِ وكثيرُه.

    ج ١٥ ص ٤٢٢
  25. هذا ما يُوجبُه هذا الحديثُ وإليه ذهَب جماعةٌ من أهل المدينة، منهم سعيدُ بنُ المسيِّب، وابنُ شهاب، وربيعةُ، وهو مذهبُ المدنيين من أصحاب مالكٍ ومَن قال بقولهم من البغداديين، وهو مذهبُ فقهاءِ البصرة، وإليه ذهَب داودُ بنُ عليّ، وهو أصحُّ مذهب في الماء من جهةِ الأثرِ ومن جهةِ النظر؛ لأنَّ اللهَ قد سمَّى الماءَ المُطلقَ طَهُورًا، يريدُ طاهرًا مطهِّرًا فاعلًا في غيرِه، وقد بيَّنّا وجهَ ذلك في اللغة في باب إسحاق (١) .

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ" (٢) ؛ يعني: إلا ما غلَب عليه فغيَّرَه؛ يريدُ في طعم، أو لون (٣) ، أو ريح. وقد أوضَحنا هذا المعنى وذكَرنا فيه اختلافَ العلماء، وبيَّنا موضعَ الاختيارِ عندَنا في ذلك مُمهَّدًا مبسوطًا في باب إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ من هذا الكتاب، فلا معنَى لتكرير ذلك هاهُنا، والحمدُ لله.

  26. وهذا الحديثُ ينقُضُ على أصحابِ الشافعيِّ ما أصَّلُوه في الفَرْق بينَ وُرودِ النجاسةِ على الماءِ وبينَ وُرودِه عليها؛ لأنهم يقولون: إن وُرودَ الماءِ في الأرض على النجاسة، أو في مُستنقع مثل الإناءِ وشِبْهِه، أنَّه لا يُطهِّرُه حتى يكونَ الماءُ قُلَّتين. وقد علِمنا أنَّ الذَّنوبَ الذي صبَّه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على بَوْلِ الأعرابيِّ لم يَعتبرْ فيه

    ج ١٥ ص ٤٢٣قُلَّتين، ولو كان في الماءِ مقدار يُراعَى لاعتُبِر ذلك في الصبِّ على بولِ الأعرابيّ، ومعلوم أن ذلك الذَّنوبَ ليس بمقدارِ القُلَّتينِ الذي جعَله الشافعيُّ (١) حدًّا، واللّهُ أعلم.

  27. ومن أصحابِ الشافعيِّ مَن فرَّق بين وُرودِ الماءِ على النجاساتِ وبينَ ورودِها عليه، فاعتبَر مقدارَ القُلَّتينِ في وُرودِ النجاسةِ على الماء، ولم يَعتبرْ ذلك في ورودِ الماء عليها بحديثِ أبي هُريرةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في غَسلِ اليدِ لمن استيقَظ من نومِه قبلَ أن يُدخِلَها في الإناء (٢) ، وقد أوضَحنا هذا المعنى في باب أبي الزِّناد، والحمدُ لله.

  28. وأما الحديثُ الذي ذهَب إليه الشافعيُّ في هذا الباب -حديثُ القُلَّتين (٣) - فإنه حديث يدورُ على محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير، وهو شيخٌ ليس بحجَّةٍ فيما انفرَد به، رواه عنه محمدُ بنُ إسحاق، والوليدُ بنُ كثير، فبعضُهم يقولُ فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، عن أبيه. وبعضُهم يقولُ فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبيه. وقد رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عاصم بنِ المنذر، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، عن أبيه، وكلُّهم يرفعُه، وعاصمُ بنُ المنذر عندَهم ليِّن ليس بحجَّة.

    قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: هذان شيخان -يعني محمدَ بنَ جعفرِ بنِ الزُّبير، وعاصمَ بنَ المنذر- لا يَحتمِلان التفرُّدَ بمثل هذا الحكم الجليل، ولا يكونان حجَّةً فيه.

    ج ١٥ ص ٤٢٤قال: ومقدارُ القُلَّتين غيرُ معلوم. قال: ومَن ذهَب إلى أنها قِلالُ هَجَرَ فمُحالٌ أن يسُنَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأهلِ المدينةِ سُنةً على قِلالِ هَجَرَ مع اختلافِهما. وأكثرَ من القول في ذلك.

    قال أبو عُمر: إذا لم يصحَّ حديثُ القُلَّتينِ في التحديدِ المفرِّقِ بينَ قليلِ الماءِ الذي تَلحقُه النجاسة، وبينَ الكثيرِ منه الذي لا تَلحقُه، إلا بأن يَغلِبَ عليه في ريحٍ أو لونٍ أو طعم، فلا وجهَ للفرقِ بينَ اليسيرِ من الماءِ والكثيرِ منه من جهةِ النظرِ إذا لم يَصِحَّ فيه أثر، وما رواه أهلُ المغرب عن مالكٍ في ذلك، فعلى وجهِ التَّنزُّهِ والاستحباب، واللهُ الموفّقُ للصواب، وما مضى في هذا المعنى في باب إسحاقَ وأبي الزِّناد كافٍ إن شاءَ الله (١) .

  29. حديثٌ خامسٌ وخمسونَ ليَحْيى بن سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قد أرادَ أن يتّخِذَ خَشَبتَينِ يُضرَبُ بهما ليَجتمِعَ الناسُ للصَّلاة، فأُرِيَ عبدُ الله بنُ زيدٍ الأنصاريُّ، ثمَّ من بني الحارث بنِ الخزرج، خَشَبتَين في النوم، فقال: إن هاتَينِ لنحوٌ ممّا يريدُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. فقيل: ألا تُؤذِّنونَ للصلاة؟ فأتى رسولَ الله حينَ استيقَظ، فذكَر له ذلك، فأمَر رسولُ الله بالأذان.

    قال أبو عُمر: رَوَى عن النبيِّ في قصةِ عبدِ الله بن زيدٍ هذه في بدءِ الأذانِ جماعة من الصحابةِ بألفاظٍ مختلفةٍ ومعانٍ متقاربة، وكلُّها يتفِقُ على أن عبدَ الله بنَ زيدٍ أُرِيَ النداءَ في النوم، وأنَّ رسولَ الله أمَر به عندَ ذلك، وكان ذلك أولَ أمرِ الأذان، والأسانيدُ في ذلك متواترةٌ حِسانٌ ثابتة، ونحن نذكُرُ في هذا الباب أحسنَها إن شاء الله.

    ج ١٥ ص ٤٢٥
  30. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا عبّادُ بنُ موسى وزيادُ بنُ أيوب -وحديثُ عبّادٍ أتمُّ- قالا: حدَّثنا هُشَيم، عن أبي بِشْر - قال زياد: أخبرَنا أبو بِشْر- عن أبي عُميرِ بنِ أنس، عن عُمومةٍ له من الأنصار، قالوا: اهتمَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- للصلاة؛ كيفَ يجمَعُ الناسَ لها؟

  31. فقيل له: انصِبْ رايةً عندَ حُضورِ الصلاة، فإذا رأوْها آذَن بعضُهم بعضًا. فلم يُعجِبْهُ ذلك.

    قال: فذُكِر له القُنع -يعني الشَّبُّور (١) ، وقال زياد: شَبُّورَ اليهود- فلم يُعجِبْه ذلك. قال: "هو من أمرِ اليهود" . فذُكِر له الناقوس، فقال: "هو من أمرِ النصارى" .

    ج ١٥ ص ٤٢٦
  32. فانصرَف عبدُ الله بنُ زيدٍ وهو مُهتمّ بهَمِّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فأُرِيَ الأذانَ في منامِه، قال: فغَدا على رسولِ الله فأخبَره فقال: يا رسولَ الله، إني ليسَ بنائم ولا يقظانَ إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان. قال: وكان عُمرُ بنُ الخطابِ قد رآه قبلَ ذلك فكتَمه عشرينَ يومًا، ثم أخبَر النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "ما منَعك أن تُخبِرَنا؟ " . فقال: سبَقني عبدُ الله بنُ زيدٍ فاسحْيَيتُ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا بلالُ، قُمْ فانظُرْ ما يأمُرُكَ به عبدُ الله بنُ زيدٍ فافعَلْه" . قال: فأذَّن بلالٌ. قال أبو بِشْر: وأخبَرني أبو عُميرٍ أنَّ الأنصارَ تزعُمُ أنَّ عبدَ الله بنَ زيدٍ لولا أنَّه كان يومئذٍ مريضًا، لجعَله النبيُّ مؤذنًا.

  33. أخبرنا (٢) عبدُ الوارث بنُ سُفيان قراءةً منّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا مطَّلبُ بنُ شعيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبَرني سعيدُ بن المسيِّب عن النِّداءِ أن أولَ شيءٍ أُرِيَه في النوم رجل من الأنصار من بني الحارثِ بنِ الخزرج يقالُ له: عبدُ الله بنُ زيد. فقال عبدُ الله بنُ زيد: بينا أنا نائمٌ إذا رجلٌ يمشي وفي يدِه ناقوس، فقلت: يا عبدَ الله، أتبيعُ هذا الناقوس؟ فقال: ما تريدُ إليه؟ قال: فقلت: أريدُ أن أتخِذَه للنداءِ بالصلاة. قال: ألا أخبرُك بخيرٍ من ذلك؟ قال: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ،

    ج ١٥ ص ٤٢٧أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله (١) .

    قال ابنُ المسيِّب: فاستيقظ عبدُ الله بنُ زيد، فجمَع عليه ثيابَه، ثم أقبل حتى أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي رأى من ذلك.

    قال الليث: وحدَّثني يونسُ عن ابن شهاب، قال: قال سعيدُ بنُ المسيِّب: ورأى عُمرُ مثلَ ذلك فأقبَل بالذي رأى من ذلك، وكان أولُهما سبَق بالرؤيا إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عبدَ الله بنَ زيد، فوجَد عُمرُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمَر بالتأذين، فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بلالًا فأذَّن بالأذان الأوّل، ثم بالإقامة.

  34. وذكَر البخاريُّ (٢) حديثَ خالدٍ الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك، قال: لما كثُر الناسُ ذكَروا أن يعلَموا وقتَ الصلاةِ بشيءٍ يَعرفونَه، فذكَروا أن يُورُوا نارًا، أو يَضرِبوا ناقوسًا، فأُمِر بلالٌ أن يشفَعَ الأذانَ وأن يُوتِرَ الإقامة.

  35. وأخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرِ بنِ حَرْب، قال (٣) : حدَّثني أبي، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد،

    ج ١٥ ص ٤٢٨قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: فذكَر محمدُ بنُ مُسلم الزُّهريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه، قال: لما أجمَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يَضرِبَ الناقوسَ يجمَعُ الناسَ للصلاة، وهو له كارهٌ لوافقةِ النصارى، طاف بي طائفٌ من الليل وأنا نائمٌ؛ رجلٌ عليه ثوبان أخضران، في يدِه ناقوسٌ يحمِلُه. قال: فقلت: يا عبدَ الله، تبيعُ الناقوس؟ قال: وما تصنَعُ به؟ قال: قلت: ندعُو به للصلاة. قال: أفلا أدُلُّك على خيرٍ من ذلك؟ قال: قلتُ: بلى. قال: تقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. ثم استأخَر غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أُقيمتِ الصلاة: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله.

    قال: فلمّا أصبَحتُ أتيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبَرتُه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذه الرُّؤيا حقٌّ إن شاءَ الله" .

    ج ١٥ ص ٤٢٩قال: ثم أمَر بالتأذين، فكان بلالٌ مولى أبي بكر يُؤذِّنُ بذلك، ويدعُو رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الصلاة. قال: فجاءَه ذاتَ غداةٍ إلى صلاةِ الفجرِ فقيل له: إنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نائم. قال: فصرَخ بلالٌ بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النوم. قال سعيدُ بنُ المسيِّب: فدخَلتْ هذه الكلمةُ في التأذين بصلاةِ الفجر.

  36. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بنِ إسحاق، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبد ربِّه، قال: حدَّثني أبي عبد الله بنُ زيد، قال: لمّا أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالناقوس يُعمَلُ ليُضرَبَ به للناس

    ج ١٥ ص ٤٣٠لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبدَ الله، أتبيعُ الناقوس؟ فقال: يا عبد الله وما تصنَعُ به؟ فقلت: ندعُو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدُلُّك على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلتُ له: بلى. قال: تقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. ثم استأخَر عني غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أُقيمتِ الصلاة: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامتِ الصلاة، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. فلمّا أصبحْتُ أتيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتُه بما رأيتُ، فقال: "إنها لَرُؤيا حقٍّ إن شاءَ الله، فقُمْ مع بلالٍ فألقِ عليه ما رأيتَ فليُؤذِّن به؛ فإنه أندَى صوتًا منك" . قال: فقمتُ مع بلال، فجعَلتُ أُلقِيه عليه ويُؤذِّنُ به، قال: فسمِع عُمرُ بنُ الخطاب وهو في بيته، فخرَج يجُرُّ رداءَه، يقول: والذي بعَثك بالحقِّ يا رسولَ الله، لقد رأيتُ مثلَ ما أُرِيَ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فللّهِ الحمدُ" .

    قال أبو داود (١) : وهكذا رواه سعيدُ بنُ المسيِّب، عن عبدِ الله بنِ زيد: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ. أربعَ مرّاتٍ كما قال فيه ابنُ إسحاقَ عن الزُّهريِّ. وقال فيه مَعْمَر ويونسُ عن الزُّهريِّ: اللهُ أكبر. مرَّتين.

    قال أبو عُمر: روايةُ مَعْمَر ويونسَ لهذا الحديث، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ كأنها مرسلَة، لم يذكُرَا فيها سماعًا لسعيدٍ من عبدِ الله بنِ زيد، وهي محمولة عندَنا على الاتصال.

  37. وروَى أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، عن إبراهيمَ بنِ سَعْد، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني هذا الحديثَ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارث، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه، عن أبيه عبدِ الله بن زيدٍ الذي أُرِيَ هذه الرؤيا، فذكَر فيه: اللهُ أكبر. مرَّتين، ثم ساق مثلَ حديثِ أبي داود سواء.

    ج ١٥ ص ٤٣١
  38. حدَّثناه عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير (٢) وعُبيدُ بنُ عبد الواحد، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بنِ أيوب، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن ابن إسحاق. فذكَره.

  39. وذكَر عبدُ الرزاق (٣) ، عن إبراهيمَ بنِ محمد، عن أبي جابرٍ البياضيِّ، عن سعيد، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ أخي بني الحارثِ بنِ الخزرج، أنَّه بينما هو نائم، إذ رأى رجلًا معَه خَشَبتان، قال: فقلتُ له في المنامْ إنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يريدُ أن يشتريَ هذين العمودَينِ يجعلُهما ناقوسًا يضرِبُ به للصَّلاة. قال: فالتفَت إليَّ صاحبُ العمودَين برأسِه فقال: أما أدُلُّكم على ما هو خيرٌ من هذا، فبلِّغْه رسولَ -صلى الله عليه وسلم-، وأْمُرْه بالتأذين. فاستيقَظ عبدُ الله بنُ زيد. قال: ورأى عُمرُ مثلَ ما رأى عبدُ الله بنُ زيد، فسبَقه عبدُ الله بنُ زيدٍ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فأخبرَه بذلك، فقال له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "قُمْ فأذِّنْ" . فقال: يا رسولَ الله، إني فظيعُ الصوت. فقال له: "فعلِّمْ بلالًا ما رأيتَ" . فعلَّمَه، فكان بلالٌ يُؤذِّن.

    قال أبو عُمر: لا أحفظُ ذكرَ الخشبتَين إلا في مُرسَلِ يحيى بن سعيدٍ وحديثِ أبي جابر البياضيّ، وهو متروكُ الحديثِ وكذلك إبراهيمُ بنُ محمد، فهذه الآثارُ كلُّها روايةُ أهل المدينةِ في بَدْءِ الأذان.

  40. وأما روايةُ أهل العراق في ذلك، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢) ، قالا: حدَّثنا عَمْرُو بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا شُعبةُ -بمعنًى واحدٍ واللفظُ لأبي داود- عن عَمْرو بنِ مُرَّة، قال: سمِعتُ ابنَ أبي ليلى، قال: أُحيلَتِ الصلاةُ ثلاثةَ أحوال؛ فحدَّثنا أصحابُنا أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لقد أعجَبَني أن تكونَ صلاةُ المسلمين - أو قال: المؤمنين-

    ج ١٥ ص ٤٣٣واحدة، حتى لقد هَممتُ أن أبُثَّ رجالًا في الدُّورِ فيُؤذِنون الناسَ لحين الصلاة، وحتى هممتُ أن آمُرَ رجالًا أن يقوموا على الآكام فينادون الناسَ لحين الصلاة ". حتى نقَسُوا أو كادوا أن ينقسوا، فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسولَ الله، إني لمّا رجَعتُ البارحةَ ورأيتُ من اهتمامك، رأيتُ رجلًا قائمًا على جدارِ المسجد، عليه ثوبانِ أخضران، فأذَّن، ثم قعَد قَعدةً، ثم قام فقال مثلَها، غيرَ أنَّه قال: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، ولولا أن تقولوا، لقلت: إنّي كنتُ يقظانًا غيرَ نائم. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " لقد أراكَ الله خيرًا ". فقال عُمر: أمَا إنّي رأيتُ مثلَ الذي رأى، غيرَ أنّي لّما سبِقتُ استحيَيْتُ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " مُرُوا بلالًا فليُؤذِّنْ ".

    ج ١٥ ص ٤٣٢