أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 15 of 21
- vol. 10, p. 243
[خبر يوم المنتهب في أيام مروان]
-
قال هشام ابن الكلبي، ثنا ابراهيم بن عبد الرحمن بن نعيم عن معدان بن عبيد بن عدي بن عبد الله بن خيبري بن أفلت الطائي قال:
تزوجت امرأة من بني بدر من فزارة رجلا منا على نبيذ لهم فأسرع فيهم النبيذ وجرت ملاحاة، فوثب رجل منا يقال له يعقوب بن سلامة فضرب شابا منهم فشجّه، فمات من شجته، قال معدان: فقلت للبدريين: لك دية صاحبكم، فأبوا إلا أن ندفع إليهم قاتله، فأبيت دفعه.
-
وكنا حين قتل الوليد بن يزيد ووقعت الفتنة منعنا الصدقة، فلم يؤدّها من بني طيّئ إلاّ بنو جرم وبنو نبهان أو أكثرهم، فأتى البدريون أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان عامل الأعشار والصدقات بالمدينة، وإليه صدقات الجبلين (١) فأخبروه بخبر صاحبهم، فكتب أمية إلى مروان يخبره بمنعنا الصدقة، وبقتل البدري وامتناعي من دفع قاتله إليهم،
vol. 10, p. 244وأنا على خلاف ومعصية، فكتب مروان إليّ أن أمكّن البدريين من صاحبهم، فأدّوا الصدقة إلى أمية وسعاته، وإلا وجّهت إليك من حملك إلي، فإن امتنعت عليه أتاني برأسك، ثم والله لأبيلنّ الخيل في عرصاتكم.
قالوا: فأمر معدان بضرب عنق الرسول، فقال: إن الرسل لا تقتل والأسير فيكم يا معاشر طيّئ يستحيى، فقال: صدقت، وخلّى سبيله وقال له: أدّيت إلي فأدّ عنّي، قل لابن زربي: أنت تبيل الخيل في عرصاتنا وبيننا وبينك رمل عالج، وخلف ظهرك الجبلان، وحولي عديد طيّئ. اجهد جهدك واحشد حشدك، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا أرعى عليك إن أرعيت. وكتب إليه:
ألا من مبلغ مروان عني … على ما كان من بعد المزار
ألم تر للخلافة كيف ضاعت … لأن صارت لأبناء السّراري
وقال غالب بن الحرّ المعني:
لقد قلت للركبان من آل هاشم … ومن عبد شمس والقبائل تسمع
قفوا أيها الركبان حتى يجيئنا … وإيّاكم الأمر الذي ليس يدفع
حتى تروا أين الإمام وتشعبوا … عصا الملك إن الخيل رثّ مدعدع (١)
أرى ضيعة للمال ألاّ يضمّه … إمام وهل في غير أهليه يوضع
فأدى رسوله إليه الرسالة والشعر فاستشاط ودعا عبد الحميد بن يحيى كاتبه فأمره أن يكتب منه إلى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك عامله على
vol. 10, p. 245المدينة، وإلى أمية بن عبد الله عامله على الأعراض (١) والأعشار والصدقات بها، وعلى صدقات طيّئ بالجبلين أن يسيرا بأهل المدينة وأهل البوادي من قيس وغيرها إلى معدان بن عبيد حتى يأخذا صدقات قومه، ويدفعا إلى البدريين قاتل صاحبهم، ويوطئا الخيل بلاده حتى يحملاه إليه، أو يقاتل فيقتل في المعركة.
وقال بعضهم: كان الكتاب إلى عبد الواحد بن سليمان النصري، فسارا بالناس حتى نزلا فيدا، وبعث أمية إلى معدان بن عبيد بن عدي في أداء الصدقة، فبعث إليه وإلى عبد الواحد: إني غير دافع إليكما شيئا مما تطلبان، أما الصدقة فإني أحبسها حتى يستقيم أمر الناس، وأما وضع يدي في أيديكما فذلك ما لا يكون أو أؤسر أو أقتل، وكتب:
إنّ الفرائض لا فرائض فاصطبر … حتى يقوم على البلاد أمير
فسار أمية وصاحبه في زهاء مائة ألف من أهل المدينة والبوادي من قيس وغيرها، وفي ألف من أهل الشام بعثهم مروان إلى عبد الواحد إعانة بهم، وبعث عبد الواحد على مقدمته رجلا من الضّباب لحنق قيس على طيّئ واتبعه، ويقال إنه لم يتبعه، وعسكروا بالمنتهب وهو من أجأ.
قال معدان: وكنت في اثني عشر ألفا من بني معن بن عتود بن عتير بن سلامان بن ثعل، وبني جديلة وغيرهم من طيّئ فذهب يحيى بن الكروس بن زيد المعقلي منهم بستة آلاف، لأنه كره القتال، فبقيت في ستة آلاف، فلما انتهيت إلى عسكر الضبابي واسمه حزير بن يزيد بن كثيف، إذا
vol. 10, p. 246جبال حديد، وإذا عسكر القوم لا يرى طرفاه، فرفعت النار على أجأ، فاجتمعوا فنحروا الجزر، وعملوا النبال والنشّاب، وقالوا: قبح الله أجزع الفريقين من الموت.
قال: فتصافنا فلما رموا بالنبل حملنا عليهم حملة رجل واحد، فما كان إلا كلاّ ولا، حتى قتل الضبابي وانهزم الناس اسوأ هزيمة، فقتلنا وانتهبنا، وكان عسكرهم أكبر عسكر رثة (١) ، وأتيت بأمية أسيرا فخلّيت سبيله، وأتيت بجارية له بعد ذلك فبعثت بها إلى المدينة وقلت: لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح. قال: ثم قرئ علينا بعد ذلك كتاب مروان إليهم يأمرهم فيه إذا نشبت الحرب أن يقتلوا ويسبوا، ولو علمت ما في الكتاب قبل ذلك ما نجا منهم مخبر.
-
وكتب صاحب المدينة إلى مروان بالخبر فعزم مروان على توجيه عبدة بن رياح الغساني في عشرة آلاف من أهل الشام وقال: أهل المدينة أضعف قوم وأفشله، والأعراب كذلك ما لم يوتروا ويطلبوا الطوائل، فبينا هو على لك إذ كتب إليه ابن هبيرة عامله على العراق بقتل ابن ضبارة وإقبال قحطبة فقال: ما شغلنا عشرة آلاف بأعراب طيّئ، فصرف الجيش نحو العراق، فلم نعط الصدقة حتى استقام أمر الناس واستخلف أبو العباس، والتجأ إلى معدان يومئذ عبد العزيز بن أبي دهيل بن يزيد بن الطفيل بن مالك بن جعفر هربا من الحرب.
- vol. 10, p. 247
وقتل يوم المنتهب الحزير، وسرحان مولى قيس، ومهلهل أحد بني بدر، ورجال من فزارة، وقتل من طيّئ المزرّ السنبسي، وسعيد بن الخليل المعني، وحرثان بن خالد الفزيري.
-
وقال معدان في انصراف يحيى بن الكروّس عنه فيمن صرف معه من طيّئ كراهة للقتال:
ألا ما لمولى لا يزال كأنه … أميم يداوي رأسه بالمجارف
لعمرك ما المولى بمولى حفيظة … إذا لم يؤرّق بالهموم الصوائف
فإن نحن أعطينا فزارة حقها … بغير يمين أو قسامة حالف
فنحن إذا أولاد قين مجنّب … الـ … ـيدين ضروب للمدى والكثائف
وأنتم بنو حرّ كريم نجاره … من السادة الشمّ الحماة الغطارف
وقال أنيف بن حكيم بن أنيف أرجوزة أولها:
هل تعرف الدار بصحراء ريب … إذ أنت غيداق الصّبا جمّ الطّرب
يقول فيها:
لم أر يوما مثل يوم المنتهب … أكبر دعوى سالب ومستلب
لمّا توافت ثمّ أبناء العرب … حتى إذا الجونة (١) كانت في صبب
نادى منادي طيّئ يا للحسب … أين بنو البيض الكريمات النّجب
يا قوم عاداتكم عند الغضب … تغمغم الأبطال من بعد الصّخب
ضربا وطعنا بعد رمي كاللهب … تحرّق النار بأطراف القصب
وقال أنيف في قصيدة له طويلة يقول فيها:
vol. 10, p. 248ألا هل أتى أهل المدينة عرضنا … خلالا من المعروف يعرف حالها
على عاملينا والسيوف مصونة … بأغمادها ما زايلتها نصالها
عرضنا كتاب الله والحق سنّة … هي النصف ما يخفى علينا اعتدالها
وجئنا إلى فرتاج (١) … سمعا وطاعة
نؤدي زكاة كان حان عقالها
وفي فيد صدّقنا وجاءت وفودنا … إلى فيد حتى ما تعدّ رجالها
فلم ندر حتى راعنا بكتيبة … يروع ذوي الألباب والدين خالها (٢)
جمعنا لهم من عمرو عوف ومالك … كتائب يردي الظالمين نكالها
ومن دون ما منّى أمية نفسه … غمار حتوف ليس يرجى زوالها
وكانت امرأة أبي دهيل وأمه من نبهان فقالت:
أصبحت من طيّئ حتى يقوم لنا … أمر الإمام وما أصبحت من مضر
الجاعليّ بحمد الله إذ شرعت … فيّ الأسنة بين السمع والبصر
والمانعين فلا يسطاع ما منعوا … والمحمدين إذا لم يحمد المطر
لقد نهيت جريرا وهو في مهل … وقد أتته ولم يوقن بها النّذر
وقال الرمّاح بن ميادة:
لا تحسبوا أنا نسينا بحائل … جرير الندى والعسكر المتبددا
ولا تستريثوا أمرنا فكأنكم … بصمّ العوالي فيكم اليوم أو غدا
- فرد عليه معدان بن عبيد:
- vol. 10, p. 249
أتوعدنا قيس وإن تلق جمعنا … تكن كشفا قيس عن الموت حيّدا
فلا تحمد القيسي بالنّفج كلما … رأى السّلم أو أضحى من الزاد أكبدا
إذا ما رأى الحرب اتقى الحرب باسته … وإن أمن القيسيّ غنّى وأنشدا
ونحن أسلنا مصعدا بطن حائل … ولم ير واد قبله سال مصعدا
وظلت تمنّيك است ميادة المنى … لتجمع أمرا فاسدا قد تبددا
وقال أبو دهيل:
وإن امرأ في الحرب معدان خاله … إذا ما اختبأ من دونه لمنيع
قال المدائني: كان الناس يقولون: ما خيّر مروان بين أمرين إلا اختار أحزمهما، فلما لقي المسوّدة جعل لا يختار شيئا إلاّ كان عليه فيه الضرر والنقص.
قالوا: وكان مروان بخيلا شديد العقوبة مفرطا فيها.
وقال بعض الشاميين: قال الحكم بن الوليد بن يزيد، أو قيلت على لسانه أبيات، فيها:
ألا فتيان من مضر فيحموا … أسارى في الحديد مكبلينا
أيذهب عامر بدمي وملكي … فلا غثّا أصبت ولا سمينا
فإن أهلك أنا ووليّ عهدي … فمروان أمير المؤمنينا
وكان مروان يقول: أنا أطلب الخلافة عن بيعة.
-
المدائني عن سليمان بن المغيرة: حدثني يزيد بن أسيد قال: كنا في غدير مستنقعين أنا وإسحاق بن مسلم، وعبد العزيز بن محمد بن مروان، ورجل آخر فبرد الماء على عبد العزيز بن محمد بن مروان فخرج فلم أر خلقا قطّ أحسن من خلقه، فتعجبت فقال الرجل الذي معنا: أنا والله وضعته في
vol. 10, p. 250رحم أمه، فقال إسحاق بن مسلم: والله لأخبرنّ أمير المؤمنين، فأتاه فأخبره فقال: اسمع هذا معك أحد؟ قال: سمعه يزيد بن أسيد، فدعا يزيد فسأله فأخبره فجعل يقرض لحيته غضبا ثم قال: اجعلا لي موثقا ألا يسمع هذا منكما أحد، فأعطيناه موثقا فقال، أراد أن يفسد أخي فكذب عليه وعضهه (١) . وقال: قوما فلا يسمعنّ هذا منكما أحد. وتفقدناه فلم يتغير للرجل في مجلس ولا لسان ولا عطية.
-
المدائني عن أبي سلمة الغفاري قال: أتيت مروان أطالب بدم فقال لي: إن الوالي وكيل الغائب فإن شئت نازعتك، وإن شئت كتبت لك إلى عامل المدينة آمره بالنظر فيما تدّعي بحضرة الفقهاء، فإن ثبت لك حق أخذ لك به، فقلت: نازعني. فكان ينازعني ويناظرني، فأمر يوما بالرحيل فرحل الناس وأبطأ خروجه فقيل له: إن الناس قد ركبوا وقد أبطأت.
قال: ويحك قبائي يخاط فتق فيه رأيته ولا والله ما عندي غيره.
قالوا: وقسم مروان قسما في قيس، فقال رجل من بني كلب: إذا كانت القسم ففي القيسية وإذا كان الطعان فللقحطانية، فضرب مروان عنقه، فما بقي قيسي ولا قحطاني إلاّ حمده وأثنى عليه، لأن هذا تحريض منه واستدعاء للعصبية.
-
المدائني قال: أمر مروان مضمرّا له أن يوافي بخيله للنصف من المحرّم فيجريها، وكان أسود يقال له دعيج وقال:
من كان في شكّ يخادع نفسه … فموعده حرّان نصف المحرّم
vol. 10, p. 251بسم الله الرحمن الرحيم
الخوارج في ولاية عبد الله بن عمر العراق
ليزيد بن الوليد الناقص إلى آخر أيام مروان بن محمد
[أمر بسطام الشيباني في أيام مروان بن محمد]
قال علي بن محمد المدائني وغيره: خرج بسطام الشيباني، وكان يرى رأي البيهسية، ويقتل الأطفال، وكان يقول: أقتل المخلوق فألحقه بالخالق.
-
وكان خروجه في شعبان سنة ست وعشرين ومائة بآذربيجان في ثلاثة عشر فارسا، فقتل عاملا لمروان، ومضى إلى الموصل فقدم الموصل ومعه أربعون فارسا فقاتله يحيى - أو سلمة - بن الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ببلد فهزمهم بسطام وأقام ببلد أياما، ثم أتى باقردى فأقام بها ما شاء الله، ثم سار إلى ألف فارس من أهل الشام كانوا بين نصيبين ورأس العين، فبيّتهم فأصاب منهم طرفا، ثم أتى نصيبين وفيها المساور بن عقبة فأعطوه الرضا، ثم أتى بازبدى (١) ثم أتى الموصل فأعطوه
vol. 10, p. 252الرضا، فنزل الربض الأعلى، وأقام شهرا وأتته رسل مروان يدعونه إلى طاعته ونصرته فأبى عليهم، وسار بسطام إل بلد فأقام بها شهرا، فتركه ناس من أصحابه وأتوا مروان، فأتى بسطام آذربيجان فلقي اليمان الحميري، وهو من أصحاب الضحاك، وقد اعتقد وأراد أن يأتي مروان فقتله بسطام فسرّح إليه عاصم بن يزيد الهلالي وهو على أرمينية وآذربيجان رجلا يقال له عبد الملك في ستة آلاف، فقتل عبد الملك وهزم أصحابه وقتل منهم بشر، ثم سار بسطام فأتى الحناية من أرض الموصل في يوم سوق فقتل ثمانين رجلا، وأقام عشرين يوما، ثم أتى شهر زور فلقي عاملا لمروان يقال له جدار بن قيس فلم يقاتله، وسار فلقي أكرادا فقتلهم، ثم سار إلى العراق وأتى المدائن فلقي بالمدائن عاملها غزير بن المتوكل وهو في ألفين فهزمه، وسرح إليه شجرة بن زهير أحد بني تيم بن شيبان فهزمه بسطام، فوجه إليه مروان الخيبري فبيّته فقتل بسطام وعامة أصحابه وتفرق بقيتهم. فقال الشاعر:
حيّا الإله الخيبريّ الذي … ألحق روح الفاسق المارق
بالنار يصلاها كما أنه … قد يلحق المخلوق بالخالق
vol. 10, p. 253[أمر الضحاك بن قيس بن حصين بن عبد الله بن ثعلبة الشيباني]
-
من بني ذهل بن شيبان.
قالوا: بويع الضحاك بن قيس بعد سعيد بن بهدل، فأراد حين بايعوه أن يأتي الشام فأبى عليه أصحابه، فوجّه حبناء بن عصمة الشيباني إلى تكريت فغلب عليها، ووجّه أبا الدبس أحد بني تيم الله بن شيبان إلى حولايا وأرضها، ورجلا آخر إلى الدّسكرة فلقي أبو الدبس جميع بن مقرن وحريث بن أبي الجهم الكلبيين، فقتل جميع بن مقرن، وانهزم حريث حتى أتى المدائن، ولقي الرجل الآخر الذي وجهه إلى الدسكرة سعيد التنوخي فقتل وانهزم أصحابه، فوجه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الأصبغ بن ذؤاله، ويقال ابنه حمزة بن الأصبغ إلى المدائن فقاتل أبا الدبس، وارتجز الأصبغ فقال:
أعددت للدبس ورهط الدبس … طعنا ينسّيهم سؤال الحمس
وتحاجزوا وجاء حبناء بن عصمة إلى المدائن فلما قدمها حبناء عبر الأصبغ دجلة وقطع الجسر وصار إلى الكوفة.
-
وأقبل الضحاك من شهر زور في ثلاثة آلاف ويقال في أربعة آلاف
vol. 10, p. 254وعلى مقدمته عبيدة بن سوار في أربعمائة فانتهى عبيدة إلى جسر النهروان، وعليه قائد لأهل الشام في ألفين، وقد قطع القائد الجسر فشتموا عبيدة وأصحابه، فقال عبيدة: إنا لم ندع الأموال والأهلين ونحن نبالي ما قلتم فاختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تجيبونا إلى أمرنا وتجنحون إلينا، وإما أن تعقدوا الجسر وتعبروا إلينا ونعطيكم موثقا ألاّ يعرض لأحد منكم حتى تتاموا قبلنا فنحاكمكم إلى الله، أو تعطونا عهدا - وما أنتم بثقة - ألا تهيجوا أحدا منا حتى يعبر إليكم عشرة فيقاتلونكم، فإن قتلتموهم عبر إليكم مثلهم حتى تأتوا على آخرنا أو نظفر. فأبوا.
-
وعقد الضحاك بن قيس الجسر وعبر أصحابه إلى المدائن، فكتب إليه القعد الذين بالكوفة مع أصعر بن عبد الرحمن، وكتب إليه عاصم بن الحدثان فسرّه ذلك، وقال: قد آن لهم أن يكتبوا إليّ، وكان كتاب عاصم مع جميل العجلي:
«أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله الذي ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١) فإنه قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ (٢) . واعلم يا أمير المؤمنين أن لكل عمل عند الله جزاء: إن حسنا فحسن، وإن سيّئا فعقوبة، إلا ما عفا الله عنه، واذكر نعمة الله عليك وعلى المسلمين إذ كثّركم بعد القلّة وأعزكم بعد الذلّة، كتبت إليك يا أمير المؤمنين وأنا ومن قبلي من المسلمين في نعم علينا من الله سابغة، نسأل الله تمام ذلك بكمال الإسلام والعون والنصر، وقد وجهت إليك مع حميد
vol. 10, p. 255عصابة من المسلمين نفروا رغبة في الجهاد، واعلم يا أمير المؤمنين أنك مسؤول عما استرعيت ومحاسب بما كتبت ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ (١) .
- فكتب إليه الضحاك:
-
«قد قدم علي حميد العجلي بكتابك وفهمت ما أمرت به من طاعة الله فنسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسارع إلى الخيرات. وقد قدمت العصابة وهم على ما وصفت في الرغبة في الخير إن شاء الله، فجزاهم الله عن أنفسهم وإخوانهم خيرا ما جزى الغازين في سبيله، ونحن ومن قبلنا من المسلمين على أحسن حال، نسأل الله أداء شكره والسلام. وكتب بسطام بن المثنى» .
-
وأقام الضحاك بالمدائن أياما فكان رجل من أصحابه ينادي في كل صباح: يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة، وكان في أصحابه رجل مريض فإذا سمع النداء قام إلى فرسه فأسرجه. فلما كثر ذلك قال:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بعيدا من اسم الله والبركات
ثم سار الضحاك من المدائن وقدّم إلى الفرات مسكين بن الحسن المحلّمي، فلقي على الفرات عبيد الله بن العباس بن يزيد بن الأسود بن سلمة بن حجر بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور، وهو كندي، فلما رآه عبيد الله قطع الجسر ورجع إلى الكوفة، فأراد عبد الله بن عمران أن يوجه إليه الأصبغ بن ذؤالة ليمنعه من العبور، فقال له
vol. 10, p. 256عبيد الله بن العباس: عبوره أيسر علينا من طلبنا له فدعه فليعبر. فأخذ برأيه.
-
وسرّح مسكين الخارجي خيلا فصعدت بالسفن فعقدوا الجسر وعبروا، وقد خندق أهل الكوفة على أفواه السكك، فاقتحم مسكين الخندق ثم رجع، فسار الخوارج إلى النخيلة فنزلوها في سنة تسع وعشرين ومائة، وابن عمر بن عبد العزيز يومئذ يقاتل النضر بن سعيد الحرشي قبل ذلك أربعة أشهر في العصبية بين أهل اليمن والقيسية: أهل اليمن مع ابن عمر، والقيسية مع النضر بن سعيد، فلما نزل الضحاك النخيلة أرسل ابن عمر إلى النضر: إن هذا المارق يريدني ويريدك فهلّم فلتكن اليدان عليه جميعا ثم ننظر.
-
وسفر بينهما العباس بن عبيد الله بن عبد الله ببّة بن الحارث بن عبد المطلب، فأصابه سهم فقتل، ويقال إنه قتل قبل ذلك، وكان السفير غيره، فصاروا جميعا يدا على الضحاك بن قيس.
قالوا: وأصبحوا غداة أربعاء فساروا إلى الخوارج، فالتقوا فقتل من الخوارج يومئذ أربعة عشر رجلا ونسوة، ثم التقوا من الغد فاشتد الأمر بينهم وجعل رجل من الخوارج يرتجز ويقول:
يا نفس من طول الحياة ملّي … وعيشك المقطّع المولّي
علّي ألقى عاصما لعلّي … في جنة عالية وخلّ
وبيهس وكهمس المصلّي
فحمل عليه عبيد الله بن العباس بن يزيد فحاد عنه الخارجي فقال له عبيد الله: تتمنى الجنة وتحيد؟ فقال: أحيد لما هو شرّ لك يا عدو الله.
- vol. 10, p. 257
وأبلى يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز فلم يعرض له فارس إلا قتله، فحمل عليه البرذون بن مؤرّق الشيباني فضربه عاصم على رأسه، وحمل رجل من الخوارج على عاصم فاختلفا ضربتين فقتل عاصم الخارجي ووقعت ضربة الخارجي في رأس عاصم فأثقلته، وبقي ثابتا على فرسه، ونظر اليه البرذون بن مؤرق الشيباني فرماه بنفسه فطعنه فأرداه عن فرسه فسقط ميتا، وتناول البرذون عمودا كان على سرجه فإذا عليه مكتوب عاصم بن عمر.
-
واشتد عليهم الحرّ وهم يقاتلون، فوضع جعفر أخو عبيد الله بن العباس بن يزيد بيضته عن رأسه يتنفس ويتروّح وهو على شرطة عبد الله بن عمر، فقال عبد الملك بن علقمة العبدي: إني لأحسب هذا من فراعنتهم، وحمل عليه فطعنه جعفر في فمه فكسر ثنيته وجرحه في طرف لسانه، فوحش ابن علقمة برمحه وانتضى سيفه وحمل عليه فضربه على هامته فاعتنق فرسه، ودعا ابن أخيه وابن عمه: يا هيثم. فأقبل نحوه فعرضه رجل من الخوارج فضربه ففلق جبين هيثم، ثم برأ بعد فكان يقال له ذا الوجهين.
-
واتبع عبد الملك جعفرا فلحقه فعانقه فسقطا الى الأرض فقتله، وانهزم ابن عمر وأهل الشام، فانتهى أهل الشام إلى حصّ قد أضجعته الريح فاقتحمه النضر بن سعيد في فوارس فلم يروا منفذا فقالوا: هلكنا سيحرقونه علينا، ثم وجدوا منفذا فخرجوا منه.
-
ولحق الخوارج هبيرة بن عبد الرحمن بن حسان بن المنذر بن حسان الضبّي، وابنا لأبي سماك فقتلوهما، وجاء الخوارج الخندق فوقفوا مليا ثم رجعوا الى معسكرهم وحمل الناس قتلاهم ودفن آل الأشعث عاصم بن عمر بن عبد العزيز في دورهم.
- vol. 10, p. 258
ثم التقوا يوم الجمعة، ولقيهم الأصبغ بن ذؤالة في عشرة آلاف فهزمهم الخوارج حتى دخلوا حيطان الكوفة، فلما أمسوا خرج قواد من قواد ابن عمر من اليمانية: منصور بن جمهور، والأصبغ بن ذوالة، وخرجت القيسية مع النضر بن سعيد إلى واسط، وهو يريد أن يغلب عليها، فأصبح ابن عمر وقد تفرق الناس عنه فحمل الأموال وارتحل فسبقته القيسية إلى واسط، فأرسل إلى النضر بن شبيب بن مالك الغساني، وهو عامل ابن عمر على واسط فقال: افتح لنا باب المدينة لتكون أيدينا واحدة، فأرسل اليه:
يا بن السّقاء، يا بن نسعة، قد كنت أحسب أن لك عقلا، كيف أفتح لك باب المدينة وقد عرفت غدرك. الحق بطريق البريد مقعد أبيك فهو أشبه بك.
-
وقدم ابن عمر بأثقاله فدخل المدينة، ومات عامله شبيب بن مالك يوم دخل ابن عمر المدينة فقالت القيسية: لا ندعكم تعبرون به، فسفروا بينهم حتى أذنوا لهم أن يعبروا بالجنازة قوم لا سلاح عليهم ودخل الضحاك الكوفة فوجد في دار المختار قوما من أهل الشام فمنّ عليهم، ووجد قوما في دار بلال بن أبي بردة فقاتلوه فقتلهم وأمن الناس.
-
وبعث أبا الرجال وحبناء بن عصمة وعكرمة فباعوا الغنيمة عند قصر الكوفة، وذلك في أول يوم من شهر رمضان، وكان من رأي أصحاب الضحاك أن يستعرضوا أهل الكوفة، فمنعهم الضحاك ذلك، فلما دخلوا الكوفة تلقّوهم بالأسوقة، فقال الضحاك: ألم أخبركم بأن لكم بها إخوانا يكتمون إيمانهم في دار الكفر، فمر رجل من الخوارج برجل على باب داره وكان عظيم البطن فقال له الخارجي: أصائم أنت؟ قال: نعم. قال:
vol. 10, p. 259ما بطنك ببطن مؤمن ولولا أني أكره أن أفسد سناني بما في بطنك لأخرجته من ظهرك، وجنح إلى الضحاك عبيد الله بن عباس الكندي.
وقال هشام ابن الكلبي: شهد عبيد الله الخوارج بالكوفة وهم يقتتلون بين الحيرة والكوفة أيام الضحاك، مع جعفر بن العباس بن يزيد الكندي أخيه، فقتل جعفر، وجنح عبيد الله إلى الخوارج فقال أبو عطاء السندي:
ألا يا عبيد الله لو كان جعفر … هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل
ولم يتبع المرّاق والثأر فيهم … وفي كفّه عضب الذباب صقيل
جنحت وقد أرادوا أخاك وأكفروا … أباك فماذا بعد ذاك تقول
تركت أخا شيبان يسكب بزّه (١) … ونجّاك خوّار العنان رجيل
فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة … وطالب وتر والذليل ذليل
فلما أنشده قوله: فماذا بعد ذاك تقول؟ قال: أقول أعضّك الله ببظر أمك.
وقال رجل من الخوارج:
نحن عبرنا الخندق المقعّرا … يوم لقيناكم وجزنا العسكرا
حتى قتلنا عاصما وجعفرا … والفاسق الضبّي لمّا أدبرا
واليمنيين ومن تنزّرا … لا تحسبوا ضرب الشراة سكّرا
وقال عبد الله بن عمر يرثني أخاه عاصما:
لعمري لقد نادى المنادي فأسمعا … بصوت رفيع حين نادى فأوجعا
غداة نعى يوم النخيلة عاصما … فأبكى العيون الجامدات وأقطعا
في أبيات.
vol. 10, p. 260وقال خلف بن خليفة يرثي عاصما:
ألم يك عاصم ذخري فدلّت … منيّته على ذخري المنونا
وكان من المودّة نصب عيني … فأمسى غاب في المتغيّبينا
تقدم صابرا وثوى شهيدا … فلست أعدّه في الميّتينا
في أبيات.
وقال ابن الكلبي: كان ابن بيض الشاعر نديما لعمر بن الغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان مع عبد الله بن عمر على شرطه، ثم صار مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حين خرج، ثم أراد الجنوح إلى الضحاك فجاء حمزة بن بيض الحنفي يستشيره، والخوارج يومئذ بالكوفة فأخبر ابن عمر أنه قد عزم على الخروج معهم، فقال ابن بيض:
عمر الخير ما ترى يا بن غضبان في الشرا … أترى لي نفسي فداؤك من نازل الردى
ترك سردابك المبلّط في طيّب الثرى … وشراب مشعشع جيّد ليس يشترى
من فلان ولا فلان ولكن من القرى … وجوار بيض الوجوه دجوجية الذرا
أنت خير من أن ترى ذاك يا بن القبعثرى
قال عمر: فلم استشرتني يا فاسق إن كان رأيك هذا؟ وقال ابن بيحان لابن بيض حين دخل الضحاك الكوفة: لو لقيته فأخبرته عن أهل بلدك وقومك فإن لك لسانا وبيانا، فقال ابن بيض:
ألا لا تلمني يا بن بيحان إنني … أخاف على فخّارتي أن تحطما
فلو أنني لو شئت ابتاع مثلها … من السوق ما باليت أن أتقدما
قال أبو الكردي: لما غلب الضحاك على الكوفة ولاها ملحان بن معروف الشيباني، فخرج ابن الحرشي يريد الشام، فعارضه ملحان فقتله ابن الحرشي وهو النضر بن سعيد.
vol. 10, p. 261قالوا: وأقام الضحاك بالكوفة إلى شوال، ثم استخلف عليها ملحان بن معروف التيمي وعداده في بني شيبان، وسار إلى واسط، فلما بلغ النضر بن سعيد الحرشي مسيره شخص يريد مروان بالشام في نحو من ألف من أهل الشام، ومعه أبو أمية الثقفي، وعطية البعلي، وأقام نباته وجماعة من القيسية في الجانب الشرقي، ووادعوا ابن عمر، وأعابوه فعرض ملحان بالقادسية للنضر والقيسية فناشدوه الله وقالوا: إنا لا نريد القتال.
-
وكان مع ملحان قادم الذكواني فقاتلهم فقتل ملحان، ورجع قادم إلى الكوفة فقال بعض الحرورية:
سقى الله ملحانا وبيّض وجهه … كما جاهد الأحزاب يوم القوادس
ورثاه حبيب بن جدرة، ورثى عبد الملك بن علقمة فقال:
كابن ملحان فينا من أخي ثقة … أو كابن علقمة المستشهد الشاري
من صادق كنت أصفيه مخالصتي … فباع دارا بأغلى صفقة الدار
إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم … أشكو إلى الله خذلاني لأنصاري
فلما قدم الضحاك حصر ابن عمر، فقال ابن عمر لكاتبه الربيع بن سليمان: اعرض الناس فعرضهم فكانوا ثمانية آلاف فقال: ما هؤلاء بشيء فما الرأي؟ قال: إن بواسط خلقا لا يلقاك الضحاك بمثلهم. قال:
فاعرض فعرض لعشرة آلاف.
-
وقاتل الضحاك فكان نباتة يوجه ابنه محمد بن نباتة في القيسية فيقاتلون الضحاك ومعهم اسماعيل بن عبد الله البجلي في قوم من اليمانية، ثم يرجعون إلى المدينة الشرقية بواسط، ثم تركهم اسماعيل وشخص إلى البصرة.
-
وكتب نباتة إلى مروان بذلك فكتب إليه مروان كتابا لطيفا أمره فيه
vol. 10, p. 262بالاستقامة على منهاجه، والمداومة على أمره، وندم اسماعيل على ما كان منه فقاتلهم الضحاك ستة أشهر ويقال سنة على باب المضمار، وباب الزاب، وكان يلي قتال الخوارج منصور بن جمهور، ولم تكن القيسية بمناصحة لابن عمر فقتل منصور يوما رجلا من عبّاد الخوارج في المعركة يقال له عكرمة، وجرح منصور جراحة خفيفة، فأمر له ابن عمر بثلاثين ألفا.
-
ثم قاتلهم منصور على باب الزاب، فاستعلى الخوارج، وأكثروا القتل في اليمانية، وقتل من الخوارج عبد الملك بن علقمة العبدي، طعنه منصور فقتله، وحملت عليه أم العشنزر فأخذت بلجام دابته وضربته ضربة خفيفة، وضربها منصور ضربة شديدة، وقتل أبي جحشنة أخي الضحاك.
-
ودنا الخوارج من المدينة فأمر ابن عمر بدوابّ (١) مقاريف فألبست المشاقة (٢) ، ثم أشعل فيها النار وأرسلت في عسكر الخوارج فذعرتهم وأحرقت فساطيطهم وأخبيتهم، ولم تمر بشيء إلا أحرقته، فتركوا خيولهم وتركوا عسكرهم، ونزلوا على أربعة فراسخ منه، ثم تدانوا فصاروا من ابن عمر على فرسخ أو فرسخين، وخرج منصور بن جمهور فقاتله الخيبري وأصحابه على باب البصريين أشد قتال حتى تعانقوا، وقتل عبد الحميد الكلبي وهو ابن عم منصور، وقاتل ابن عمر الضحاك من ناحية باب الزاب، ثم تحاجزوا، فقال منصور لابن عمر: ما قاتلت مثل هؤلاء القوم عربا ولا عجما. فقال ابن عمر: الرأي أن نعطيهم الرضا ونضرب بهم
vol. 10, p. 263مروان.
-
فأجمع ابن عمر على مصالحتهم، وبعث رسلا إلى الضحاك فدخلوا إليه وهو يتعشى فدعاهم إلى العشاء فأبوا فقال: إنه عدس طيب وخلّ وزيت، فكلّموه وسفروا بينه وبين ابن عمر فاصطلحا على أن يسير الضحاك إلى مروان فإن قتل الضحاك فليس لأحد في عنق ابن عمر بيعة، وإن قتل مروان صار ابن عمر مع الضحاك. فقال الضحاك: لا بدّ من أن ألتقي وابن عمر. فالتقيا مع هذا فوارس، ومع هذا مثلهم، وكان سليمان بن هشام خرج على مروان فلقيه فأوقع به وحوى عسكره، وكانت وقعته بخساف أو قربها فصار إلى العراق ومعه قوم من أهل بيته، وكان سليمان خليفة ابراهيم بن الوليد على عسكره، ثم صار مع مروان فأكرمه ثم خرج عليه وحاربه فبايع سليمان بن هشام، وأبان بن معاوية بن هشام.
-
وداود بن سليمان بن عبد الملك الضحاك، وكان الذي تولى أخذ البيعة للضحاك عبيدة بن سوار.
قالت أم العشنزر لمنصور: قطع الله يدك إذ لم تدخل النار على يدي.
-
وأرزق الشهادة على يدك.
-
وبايع ابن عمر اليمانية وأبت القيسية أن تبايع، ومضوا إلى الشام ابن نباته وأصحابه، واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي، من عائذة قريش.
وقال شبيل بن عزرة:
ألم تر أن الله أنزل نصره … وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
ولم يكن شبيل يرى رأي الخوارج، ولكنه قال هذا بالتقيّة، بلغ الضحاك عنه شيء فخافه. وقال شبيل بن عزرة:
vol. 10, p. 264حمدنا الله ذا النعماء أنا … نحكّم ظاهرين ولا نبالي
برغم الحاسدين لنا وكنّا … نسرّ الدين في الحجج الخوالي
مخافة كل جبار عنيد … غشوم من جبابرة الرجال
ندين بدين ضحاك بن قيس … ومسكين ودين أبي بلال
ومروان الضعيف وخيبري … أولئك منتهى النفر النبال
قالوا: فأقام الضحاك بواسط إلى شهر ربيع الآخر، ثم سار إلى المدائن، فقدم عليه عذار بن بيهس السدوسي في وفد من خراسان، فجمع لهم من أصحابه شيئا وصلهم به.
قالوا: وكان مروان متشاغلا بأهل حمص، وكان معه رجال من البيهسية من أصحاب بسطام، منهم عثعث التغلبي وابن عم له، فقالا لمروان: اندب معنا قوما إلى الضحاك، فندب خمسة آلاف فيهم الدبّ القيسي ومروان بن البختري القرشي.
-
وبلغ الضحاك مسيرهم فوجّه الخيبري والحسن بن منصور في خيل، وكان القطران بن أكيمة على الموصل، فنهى البيهسية من أصحاب مروان عن قتال أصحاب الضحاك، فلم يقبلوا وأوقعوا بالبيهسية وأسر الدب فمنّ عليه الضحاك.
-
وأتى الحسن بن منصور قطران، فقاتله قطران، ويقال بل قتل الحسن القطران، وكتب مروان إلى ابنه عبد الله، وهو على معونة الجزيرة يأمره بنزول نصيبين، وكتب مروان إلى الضحاك كتابا يقول فيه: «قد كان لك في نفسك شغل بإصلاح فسادها عن سفك الدماء» ، فأجابه الضحاك بكتاب يقول فيه: «إن أعظم الشغل وأولاه بالإيثار أداء ما فرض الله من جهاد الكفار والمنافقين» .
- vol. 10, p. 265
وتكاتبا مرات، وسار الضحاك وعلى مقدمته مسكين اليشكري وأتى نصيبين فحصر عبد الله بن مروان، وبث خيوله في أرض الجزيرة فضج أهل الجزيرة إلى مروان، فقال إسحاق بن مسلم العقيلي لمروان: إن الخوارج قد انتشروا بأرض الجزيرة وأحرقوا واستعرضوا وأنا خائف أن يرفض من معك مراكزهم ويلحقوا بحرمهم وأنت مقيم على هؤلاء.
فقال مروان: لو أحاطت الأعداء كلها بي ما برحت أو أفتح حمص أو أقتل.
-
وكتب مروان إلى ابنه عبد الله أن اكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة فليأتك، وابن هبيرة يومئذ بنهر سعيد (١) قد وفقه مروان هناك، فكتب إليه:
لا حاجة بنا إلى ابن هبيرة لأنا لا نأمن أن يكرّ الناس إلى ما قبلنا فيغلو السعر، وفيمن قبلنا كفاية وليسر ابن هبيرة إلى العراق فإنها شاغرة وقد خرج عنها الضحاك.