أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 16 of 21
- vol. 10, p. 265
فأعجب مروان ذلك من رأي ابنه عبد الله وقال: بأبي أنت وأمي.
-
فكتب إلى ابن هبيرة أن يسير إلى العراق، ونصب مروان المجانيق على حمص حتى طلبوا الأمان، فأمن الناس غير سعيد بن هشام والسّمط بن ثابت، ورجل من بني سليم، ورجل يهودي، وهدم حائط المدينة فقال بعض الحمصيين.
يا حمص ويحك لا تجزعي … قصّصك الجعديّ سكنينه
وارتحل مروان يريد الضحاك، فنزل بحران بباب التبن، وكتب إلى معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير السكوني بحمص، وإلى زامل بن عمرو
vol. 10, p. 266بدمشق، وإلى ثعلبة بن سلامة بالأردن، وإلى الرّماحس بن عبد العزيز الكناني بفلسطين أن يوجهوا إليه فرسان أهل الشام.
-
ونزل مروان كفرتوثا وقال: ما صنع أحد ما صنع عبد الله بن عمر، ضربني بعشرين ألف سيف واتكأ بواسط، إنه لأدهى العرب.
وقال أصحاب الضحاك له: قد اجتمع لك ما لم يجتمع لرجل على رأيك منذ اختلف الناس، فلا تباشر القتال بنفسك، ووجّه الخيل وكن ردءا للمسلمين تمدهم إن أرادوا المدد. فقال: مالي في الحياة أرب، وقد أعطيت الله عهدا إن ضمّني وهذا الجبار معسكر لا أدع جهدا، فقاتله ثلاثة أيام، ومع الضحاك سليمان بن هشام في ذكوانيته، ومن انضم إليه من أهل الشام، ورفاعة بن ثابت، وعصمة بن المقشعرّ الكلبي، فالتقوا ووقف الخوارج على تل فأزالهم أهل الشام عنه، ووقفوا عليه فقاتلهم الخيبري، فأزال أهل الشام عن التل ووقف عليه سليمان بن هشام في الذكوانية، فكره مروان موقفه وقال: يتعلم غلمان بني أمية على الطعان، وانصرف إلى عسكره، ورجع الخوارج مسرورين، فلما أصبحوا قال الضحاك: أما منكم أحد يشتاق إلى الجنة ويحب لقاء ربه؟. وأنشدهم شعرا قيل فيمن مضى من الخوارج، وبكى فاقتتلوا طويلا والخيبري يقول:
أيهن بني شيبان طعنا تترى … طعنا يرى منه القنا محمرّا
يترك ذا الضّغن به مزورّا … يركب ردعا للردى مقرّا
فلعنة الله على من فرّا (١) …
- وباشر مروان القتال وهو يقول:
- vol. 10, p. 267
أربعة تحمل شيخا رائعا … مجرّبا قد شاهد الوقائعا
قد صادفت شيبان ملكا ضائعا
ويروى: سمّا ناقعا.
-
وأصابت الضحاك جراحة، فقال: ليس كل من طلب الشهادة رزقها.
-
وتحاجزوا وخرجوا في اليوم الثالث وخرج الضحاك وقال: لا أرجع اليوم إلا أن يأبى ربي، ولست أملك إلاّ فرسي وسلاحي، وعليّ سبعة دراهم منها ثلاثة في كمّي فاقضوها عني وقال: ليس أمير القوم بالخبّ الخدع، ثم ترجل وقال: إن قتلت فليصلّ بكم شيبان بن سلمة، ويقاتل عدوكم الخيبري، ولم يعهد إلى أحد.
-
والتقوا نصف النهار وصبروا وصبر أهل الشام فكثرت بينهم القتلى، وهزمت الميمنة التي لمروان ميسرة الضحاك، واقتتلوا حتى أمسوا، وقتل من الخوارج خلق، وقتل الضحاك عند المساء ولم يعلم مروان بقتله فلما كان في الليل جاء مروان رجل من عسكر الضحاك فأخبره بقتله، فأرسل مروان من طلبه في القتلى فوجده وبوجهه ضربات فاحتزّ رأسه وأتى به مروان.
قالوا: فقال الخيبري لشيبان: يا أبا الذلفاء ولّني قتال القوم، فإذا قتلت فالمسلمون على رأيهم. قال: نعم. فلم يقاتلهم ثلاثة أيام، وخرج في اليوم الرابع فحضّ الناس ثم لقيهم وعلى ميمنة مروان ابنه عبد الله، وعلى ميسرته إسحاق بن مسلم، فانهزم يومئذ مروان وضربه رجل ضربة قطعت حمائل سيفه، وضربه مروان فقطع يده.
-
ويقال إنه قاتله في صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك وكان يرتجز:
vol. 10, p. 268إن تك مروان فإني الخيبري … أضرب بالسيف على حكم النبيّ
سابغة درعي حصين مغفري (١) …
-
وهاجت ضبابة شديدة فلم يبصر بعضهم بعضا، ودخل الخيبري عسكر مروان، وانجلت الضبابة وليس مروان في العسكر، وظن الخيبري أن مروان قد قتل، واعترض العسكر جماعة من أصحابه فقاتل ومعه أبو كيلة وهو يقول:
قد فرّ مروان عن الرفاق … نجّاه منا أعوجيّ باق
يظلّ يمريه بعظم الساق (٢) …
-
ونادى سليمان بن مسروح البربري مولى محمد بن مروان - وكان في حرس مروان-: كل عبد جاءنا فهو حرّ. فاجتمع إليه من العبيد والموالي وغيرهم خلق، فقتل الخيبري، دخلوا عليه وهو على فرش مروان فضربوه بالعمد.
-
وبشّر مروان بمقتله، وخرج مروان إلى الناس. وبايعت الخوارج يعقوب التغلبي فقتل، فبايعوا مسكين اليشكري فقتل، فبايعوا شيبان، ويقال إنهم بايعوا شيبان حين قتل الضحاك فكان شيبان الذي ولّى الخيبري القتال.
وقال الشاعر في قتل الضحاك والخيبري ويعقوب:
هم ضربوا الجنود بكفرتوثا … وهم نزلوا وقد كره الزّحام
سقى بلدا تضمّن خيبريا … ومسكينا ويعقوب الغمام
vol. 10, p. 269هم ضربوا على فرع المنايا … ولم يفزعهم الجيش اللهام (١)
-
وكان عبد الله بن عمر وجّه أبا الرمح بن عمر، فأخبره الخبر. وقالت امرأة من الخوارج ترثي أخاها:
من لعين ريّا من الدمع عبرى … ولنفس من المصائب حرّى
أفسدت عيشنا صروف الليالي … ووقاع من الكتائب تمرى
كلما سكّنت حرارة وجد … من فقيد منا شجينا بأخرى
في أبيات. وقالت أيضا:
يا عين جودي بالدموع … وابكي بجهد المستطيع
يا موت ويحك ما تزال … مفرقا بين الجميع (٢)
أبكي وما يغني التلهّف … والبكاء عن الجزوع
وقال حبيب بن خدرة مولى بني هلال وقد صار بعد منهم.
أبكي الذين تبوأوا الغرف العلى … فجرت لهم من تحتها الأنهار
أبكي لنفسي لا لهم أبكيهم … لا صبر حيث تعارف الأبرار (٣)
-
في أبيات وقد قيل فيهم شعر كثير.
- vol. 10, p. 271
[أمر شيبان بن سلمة الأكبر الشيباني]
قال أبو الحسن المدائني وغيره: لما قتل الخيبري غادى شيبان أهل الشام فقاتلهم حتى انتصف النهار، ثم رجع بعضهم عن بعض فافترق الخوارج، فأتت فرقة منهم الجزيرة، وفرقة العراق، وأقام الباقون مع شيبان فقاتلهم مروان فانتصفوا، ثم تحاجزوا، فارتحل شيبان إلى الزابين، وسليمان بن هشام معه، فخندق شيبان وأتاهم مروان فخندق فقاتلهم عشرة أشهر، ويقال تسعة أشهر، ومروان في ثلاثين ألفا، وشيبان في خمسة آلاف فأوسعهم شرا وهزموا مروان في تلك الأشهر نيفا وسبعين مرة، وظفر يزيد بن عمر بن هبيرة بالجون بن كلاب بواسط لما توجه من نهر سعيد واليا على العراق، وكان الجون بن كلاب الشيباني - وهو الثبت، بعضهم يقول ابن النعمان - نازلا بالسن (١) رتبه الضّحاك بها ليمده بالطعام والعلف، فكتب مروان إلى ابن هبيرة يستمده وهو بواسط فأمده بعبيد الله بن العباس بن يزيد الكندي في أربعة آلاف، ثم بعامر بن ضبارة في ستة آلاف، فأخذ عبيد الله بن العباس في شرقي دجلة فوجه إليه شيبان ابن السحاج الأزدي
vol. 10, p. 272فواقعه فانهزم عبيد الله ورجع إلى ابن هبيرة، فضم أصحابه إلى عامر بن ضبارة فأتى ضبارة السن فقاتله الجون بن كلاب الشيباني، وخندق ابن ضبارة وقاتل الجون شهرا وجعل الخوارج يرتجزون:
نحن الشراة لا شراة غزّة … ولا شراة الكوفة المبتزّة
- غزة بعين التمر. ويقولون:
-
نحن بنو شيبان أهل الجنّة … نقتلكم على هدى لا ظنّه
وأمد مروان ابن ضبارة بمصعب بن الصحصح في ألفين، فقتل الجون، وقدم فلّه على شيبان، وقوي مروان، وقطع ابن ضبارة عن شيبان المادة من العراق، وقطع مروان عنهم مادة الشام فضاق الخوارج حتى صار الرغيف في عسكرهم بدرهم.
-
وخاف شيبان أن يأتيه ابن ضبارة من خلفه فحضّ مروان أصحابه وخرج إليهم في يوم أربعاء فواقعهم، ثم أجمع على أن يغاديهم في يوم الخميس، وكان مع مروان رجل يرى رأي الخوارج، فكتب إلى شيبان إن القوم مصبحوك فاحذر واستعد، ففعل.
-
وزحف إليهم مروان في كراديس فشدوا على الحسن بن منصور اليشكري، وهو في ميمنة شيبان، أو في ميسرته فأزالوه، وقوّاه شيبان بمدد فرجع إلى موقعه، وكشفت الخوارج خيل مروان وداست رجالته، وأكثر الخوارج فيهم القتل وصاروا إلى قصر مروان الذي في خندقه، فقال حبيب بن خدرة:
فلم أنسهم يوم الخميس وكرّهم … عليه ويوم القصر إذ حرس القصر
ودفعهم الجعديّ إذ يطردونه … وأدركه التحكيم والقضب السّمر
vol. 10, p. 273في أبيات.
وقال سليمان بن هشام، ويقال بل نحلها:
وسرت مع الضحاك لما تخاذلت … معاشر أهل الشام شر المعاشر
جزى الله عنا الحيّ بكر بن وائل … وتغلب خيرا من محام وناصر
هم صبروا يوم الخميس وقد شفوا … غليل النفوس من سليم وعامر
غداة غدا مروان في عارض له … تحرد علينا حرد أبلج قادر
سمونا له منا بجمع معاود … قراع الأعادي واقتصاص العساكر
وفرّ وفرّت خيله مبذعرّة … وطار به قلب له غير صابر
وقال كهمس بن عثمان الرفاعي من بني يشكر لشيبان:
وليت المسلمين بكفرتوثا … على حال يزلّ به القيام (١)
-
في أبيات. وقال رجل من الخوارج:
قد علمت خيلك يا بن الصحصح … بالزابيين والعيون تلمح
إنا إذا صيح بنا لا نبرح … إن الحديد بالحديد يفلح
لن نبرح الموصل حتى تفتح (٢) …
-
وقتل الحباب بن عمير بن الحباب، وقتل شقيق الغنوي فقال بعض الخوارج:
قد علمت خيلك يا شقيق … أنك من سكرك لا تفيق (٣)
-
وقتل على لواء مروان سبعة عشر رجلا، وقال شيبان: قد ترون
vol. 10, p. 274ما نحن فيه من الضيق وقد رأيت أن نأتي بلدا يتسع لكم به المعاش، فمن أراد الجهاد فليمض معي، فصبر معه قوم وتفرقت جماعة من الأعراب فلحقوا بأهاليهم، فأتى آذربيجان في أهل البصائر ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك، والمعمّر بن شعبة، وكان ذا بصيرة فيهم، وانصرف مروان عن الموصل وولاها عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي، وهو الثبت، ويقال زهير بن الأصم.
-
وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يعلمه خبر الخوارج، وأن طريقهم عليه، ويأمره بطلبهم وتوجيه الجنود إليهم.
قالوا: ووجّه مروان لطلب شيبان أبو سلمة مصعب بن الصحصح الأسدي في ألف، وشقيقا السلمي في ألف، وصالح بن حبيب في ألف، وعطيف بن بشر السلمي في ألف، وعليهم جميعا عبد الله بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، ووجه ابن هبيرة إليهم خيلا.
-
وأتى شيبان العراق منصرفا من آذربيجان فنزل المدائن، فقال له المعمّر بن شعبة: حتى متى هذا الروغان؟ فقال شيبان: إن في مطاولتهم غيظا لهم ووهنا عليهم، وخالف المعمر في بعض الأحكام ففارقه وصار مع المعمر عامة أصحاب شيبان. وقال المعمر:
رأيت اليشكري بنا فرورا … فرار العود لجّ به النداد (١)
-
وأتى شيبان الأهواز ومعه سليمان بن هشام ومنصور بن جمهور، ثم أتى فارس ومنصور معه فكانا مع عبد الله بن معاوية، وندم المعمّر على فراق شيبان، وقال لأصحابه: قد وليته فتولوه فقد صدق ما كان قال.
- vol. 10, p. 275
ولقي المعمر عامر بن ضبارة فقاتله، فأصابت معمرا جراحات مات منها، وتفرق أصحاب ابن معاوية عنه، فمضى إلى هراة، ومضى سليمان إلى عمان، ومنصور بن جمهور إلى السند، وتوجه شيبان إلى جزيرة ابن كاوان (١) فأقام بها حتى قدم عليه المسيح بن الحواري من قبل أبي العباس فقاتله فانهزم أصحاب المسيح والمسيح، وأتى شيبان عمان فكره الجلندى بن مسعود قدومه وقال: تركت مهاجر الضحاك وجئت إلينا؟ فقال: يا أهل عمان ما تكرهون مني؟ أما والله لئن ركبت المزنوق وشددت عليكم لأكثرنّ فيكم القتل، فنافره الجلندى فقاتلهم حتى قتل.
-
وكان يزيد بن سالم الجحدري قال له: هذا الليل فلا تقاتل. فأبى وقاتل ورمي، وأمسكوا عن القتال فوجد ميتا. وقيل طعنه رجل في عينه، ثم جاءه سهم فمات في موضعه، واحتزّ رأسه رجل فنظر إليه يزيد بن سالم فقال: ثكلتك أمك، أتدري أيّ رأس تحتزّ؟ وكان سليمان بن هشام قد تزوج ابنة شيبان فلما قتل شيبان رجع سليمان إلى البصرة، ثم تزوج امرأة بالكوفة واستؤمن له أبو العباس فأمنه، ثم أنه قتل بعد ذلك.
-
المدائني قال: قال بشر بن محدوج: قد مت من عمان وشيبان بجزيرة ابن كاوان، فأخذت فأتي بي شيبان فإذا رجل أهتم طويل على رأسه رجل يظلّه، ثم قال: ما فعل الشيخ الأزدي؟ - يعني الجلندي بن مسعود - قلت: على ما تحبّ في سمعه وطاعته. فتبسّم ثم قال: لئن بقيت له لألقينّه بفتية يقولون اللهم لا ترجعنا إلى أهلينا.
- vol. 10, p. 277
[خبر يزيد بن عمر بن هبيرة والخوارج حين قدم العراق]
قال أبو الحسن المدائني وغيره: كان الضحاك ولى الكوفة سعدا الخصي، وإنما قيل له الخصي لأنه كان أثطّ (١) وهو من الأزد ثم عزله وولى الكوفة المثنى بن عمران العائذي من قريش وكان خارجيا.
-
ووجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة في ستين ألفا وأمره أن ينزل نهر سعيد، ثم إنه أمره بإتيان العراق وولاه إياه.
-
وبلغ الضحاك ذلك فوجه الضحاك عبيدة بن سوار إلى الكوفة واليا عليها ومعه منصور بن جمهور وغيره، وقال قوم: وجهه إلى العراق بعد قتل الضحاك، فبلغ عبيدة مسيره إلى العراق فسرح إليه المثنى بن عمران ومنصور بن جمهور ومطاعن بن مطيع الأزدي وجحشنة العجلي، فقاتلوه بالأنبار وعليهم منصور بن جمهور، فهزمهم ابن هبيرة، وقتل المثنى بن عمران، وقال قوم: لم يقاتلهم بالأنبار ولكنه نزل الأنبار، ثم مضى إلى عين التمر فعارضه منصور، فالتقوا فقتل المثنى وانهزم منصور وأصحابه فدخلوا
vol. 10, p. 278الكوفة، فجمع منصور جمعا من اليمانية، ثم خرج إلى ابن هبيرة فالتقوا بالروحاء فقتل البرذون من مورق وانهزم منصور فدخل الكوفة، ثم خرج من ليلته فأتى عبيدة بن سوار وهو بالبصرة وأقام ابن هبيرة أياما ثم أقبل يريد الكوفة، فلقيه نصر بن فراس عامل عبيدة فقتل نصر، قتله أبو عثمان صاحب ابن هبيرة وانهزم أصحاب نصر، وظهر ابن هبيرة على الكوفة وأقام بالنخيلة أياما فبلغه أن عبيدة، يريد أن يسير إليه، فشخص من النخيلة وولى الكوفة رجلا ومضى يريد عبيدة، ووجه عبيدة مطاعن بن مطيع، فوجه إليه يزيد بن عمر بن هبيرة عطية التغلبي فالتقوا على قناطر السيب، فقتل مطاعن وابنه مجاهد، وقام بأمر عسكر مطاعن رجل يقال له شيبان بن عبد العزيز الصغير، فقاتل عطية شهرا وأتاهم عبيدة، واحتفر ابن هبيرة خندقا بين عسكر عبيدة وشيبان هذا، وأظهر أنه يتحول إليه فغلبه عبيدة وشيبان على ذلك الخندق فنزلاه، وعقدا جسرا على الصراة.
-
وعزم ابن هبيرة على تبييتهم فلما صار إليهم وجدهم نياما، فكبّر أهل الشام فثار الخوارج إليهم وهم يحكّمون، وجعل أهل الشام يحكّمون أيضا. وقتل بعض الناس بعضا ثم اقتتلوا أياما فقال عبيدة لأصحابه: حتى متى نحن كذا قبّح الله العيش بعد مطاعن، فقال له منصور: أذكرك الله في نفسك. فلم ينته وخرج هو وأصحابه، وعقر أصحاب عبيدة دوابهم ولم يعقر عبيدة فرسه ثم اقتتلوا وعلى ميمنة ابن هبيرة ابنه داود بن يزيد، على الميسرة نباتة بن حنظلة، فلقي أهل الشام منهم شرا حتى كادوا يستعلون، وعبيدة على تل قد وقف على فرس له.
وقال داود بن يزيد لنباتة: يا أبا المقدام تأخر لي قليلا أحمل عليهم.
vol. 10, p. 279فقال له: يا بن أخي أن الرجوع بعد التقدم قبيح بمثلي، فتقدم داود فحملوا عليه فولّى، فأرسل ابن هبيرة إلى خالد بن الغزيل: اضرب داود ثلاثة أسواط فقنعه، ودنا نباتة من التل فانحدر عبيدة عن التل ونزل عن فرسه فغار الفرس، فلما رأوا الفرس غائرا اضطرب الناس فقاتلوا قليلا ثم جالوا فقتل عبيدة وقتل جحشنة العجلي، وانهزم فلّ الخوارج نحو الكوفة، وهرب أبو طالب الحنفي نحو البصرة، وقدم ابن هبيرة وهرب منصور بن جمهور فأتى المدائن فنزل على عون بن عتاب الجرمي، فأودعه جارية له، وأودع حميدا الأزرق مالا، وأقام بالمدائن حتى قدم شيبان الأصغر المدائن، ثم رجع معه إلى فارس، ثم أتى منصور السند فغلب عليها، ثم هلك بها.
وقال غيلان:
لقد جلبت الخيل من مغارها … من غوطة الشام وأقصى دارها
في لجب أرعن من جرارها … لا يعرف البلق من اعتكارها
كأنها الرايات في أقمارها … عقبان دجن الظل في أقطارها
حتى بعثت الخيل من مغارها … إلى الصراة وإلى أنبارها
لشيخ شيبان وأصل دارها … ولصّها الداعي إلى بوارها
في أبيات. وقال أيضا:
يا صاحبي ابشر بما منّيتا … من ملك لخيره دعيتا
تريد يا بن الأربعين صيتا … في بيت مجد تجمع الشّتيتا
سمّيت بالزائد إذ سمّيتا … رآك مروان إذ انتضيتا
أهلا لما ولّيت إذ ولّيتا … نقاوة كنت لما انتقيتا
أبليت إحسانا فما نسيتا … إذ جئت بالصراة مستميتا
vol. 10, p. 280جند ابن جمهور بهم أغريتا … إذا خبت نارهم حميتا
حتى ثنوا قسرا وما ثنيتا … يقول من مرّ به خزيتا
إن كنت عطشانا فقد رويتا
وكان منصور وقع في الماء ثم أخرج وقال غيلان:
لما رأيت الملحدين أسرفوا … وقادهم للحين دين أحنف
رميتهم بذي دهاء تزحف … قواعد الأرض له وترجف
عمرا أصابوا والمثنى أتلفوا … وأم كردوس نساها ينطف (١)
ويوم روحاء العذيب ذفّفوا (٢) … على ابن موروق فأضحى ينزف
وهرب المجدول ركضا يزحف
يعني منصور بن جمهور. وأم كردوس امرأة عبيدة.
-
وقال مسلم حاجب ابن هبيرة.
ألا هل أتى قيسا وخندف وقعنا … بأكناف عين التمر في حمير الحرب
قتلنا بها عمرو النفاق بكفره … وأُبْنا بأسرى من تنوخ ومن كلب
وبالجسر أردينا المثنى وجمعه … على حنق والخيل تجري على لجب
أذقنا ابن سوّار عبيدة حتفه … وألحقن منصورا بمنقطع التّرب
وقال رجل من غطفان:
إذا لواء أبي عثمان صبّحهم … ظنوا بأنّ المنايا تسبق القدرا
لاقوا لدى الحرب آجالا معجّلة … وبالنخيلة ضربا يجتلي القصرا (٣)
- vol. 10, p. 281
[أمر شيبان الصغير بن عبد العزيز]
-
ومضى شيبان إلى فارس فسار إليه عامر بن ضبارة لكتاب يزيد بن عمر بن هبيرة إليه في محاربته ومواقعته بأقاصي فارس، ثم صار شيبان إلى جيرفت من كرمان ففضّ عسكره، فهرب شيبان إلى سجستان، ثم صار من سجستان إلى خراسان، فكتب إليه جديع بن علي - ويقال ابن سعيد - الأزدي وسعيد أثبت، وهو المعروف بابن الكرماني، وقد خالف على نصر بن سيار وخلع مروان. «إنك ونحن خالعون لمروان، فسر إليّ لنجتمع على محاربة أوليائه أولياء الشياطين» . فصار إليه فكانا يحاربان نصر بن سيار، وأظهر أبو مسلم الميل إلى ابن الكرماني، وبعث إلى نصر بن سيار وإلى ابن الكرماني وشيبان: «إني رجل أدعو إلى الرضا من آل محمد، ولست أعرض لكم، ولا أعين منكم أحدا على صاحبه» .
-
وقوي أمر أبي مسلم، فوجه إلى ابن الكرماني - وقد كان آنسه حتى اغترّ به - من أتاه به فحبسه. وكان أبو مسلم قد وادع شيبان إلى مدة، فوجّه إليه جيشا فواقعوه فكشفوه، فصار إلى ناحية أبيورد وأهلها أول من سوّد،
vol. 10, p. 282فكتب أبو مسلم إليه أن بايع للرضا من آل محمد حتى لا أعرض لك، فبعث إليه: بل بايعني أنت. فكتب أبو مسلم إلى بسام بن ابراهيم مولى بني ليث من كنانة وهو بأبيورد يأمره بمناهضته فناهضه وقتله وأصحابه إلاّ عدّة يسيرة تفرقوا في البلاد، ويقال: بل صاروا إلى نصر قبل هربه ثم تقطعوا.
- vol. 10, p. 283
[أمر عمر بن سالم الشيباني]
قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني وغيره: اعتقد عمر بن سالم بمسكن السواد وخرج إلى العامل بقطربلّ، وهو الحجاج بن عمارة، فهرب فاتبعه فأخذه فقتله رجل من أصحاب عمر يقال له شنطيز، ورجع عمر إلى مسكن فأقام شهرين، فأتاه أهل الأنبار يشكون عاملهم علي بن عمر الأسدي، وكان ابن هبيرة استعمله عليها فسار إليه، فلما عاينه العامل رمى بنفسه وفرسه في الفرات فهرب.
-
ثم أتى عمر بن سالم كرخ بادوريا، وعليها رجل يقال له مروان، فقاتله فانهزم وتفرق أصحابه وقد قتل عمر منهم عشرين، وأصاب عمر بالكرخ متاعا فقسمه، وأقام بالكرخ في مائة، فبعث إليه ابن هبيرة أبا بكر الكلاعي في ألف فقاتله عمر بن سالم فقطعت يد عمر، فلم يزل ينزف حتى مات، وقتل من أصحابه ثلاثون وانهزم الآخرون، واحتز رأس عمر وحمل إلى يزيد بن عمر بن هبيرة فأنفذه إلى مروان.
- vol. 10, p. 285
خبر عبد الله بن يحيى بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو بن الأسود
الكندي وعبد الله بن يحيى هو طالب الحق
أبو الحسن المدائني وغيره عن رجالهم قالوا: كان عبد الله بن يحيى الكندي، أحد بني عمرو بن معاوية بحضر موت، وكان مجتهدا عابدا، وكان أعور ورأيه رأي الإباضية يقول: قومنا كفار نعمة وليسوا بكفار بالله، نقاتلهم على بغيهم ولا نغنم لهم مالا، فرأى باليمن جورا وعسفا شديدا وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: لا يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه، فكتب إلى أبي عبيدة مسلم كورين مولى بني تميم وإلى غيره من إباضية البصرة يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل فإنك لا تدري متى يبلغ أجلك، ولله خيرة من عباده يبتعثهم إذا شاء لنصر دينه، ويخصّهم بالشهادة إكراما لهم بها.
-
وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف بن عبد الله بن مازن بن مجاشر أحد بني سليمة، وبلج بن عقبة، وكان قبل ذلك في الشّرط بالبصرة وهو حدّاني في رجال من الإباضية وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، فقدموا عليه حضرموت فحثّوه على الخروج، وأتوه بكتب أصحابه فقال:
إذا خرجتم فلا تغلّوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا
vol. 10, p. 286سيرتهم، فقد علمتم أنه إنما أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم فدعا أصحابه فبايعوه، فأتى دار الإمارة بحضرموت، وعلى حضرموت إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فأخذوه فحبسوه يوما، ثم أطلقوه فأتى صنعاء.