أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 17 of 21
- vol. 10, p. 286
وأقام عبد الله بن يحيى بحضر موت، وكثر جمعه، وسمّوه طالب الحق، ويقال بل هو سمّى نفسه. وكتب إلى من بصنعاء من أصحابه: إني قادم عليكم، ثم استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرمي، وتوجه إلى صنعاء سنة تسع وعشرين ومائة في ألفين.
-
وبلغ القاسم بن عمر أخا يوسف بن عمر الثقفي، وهو عامل مروان على صنعاء مسير عبد الله بن يحيى، فاستخلف على صنعاء الضحاك بن زمل السّكسكي، وخرج يريد ابن يحيى والإباضية، فلقوه بلحج، وهي قرية، وكان القاسم في عدد كثير، وعدّة ظاهرة، وسلاح شاك، فقتل من أصحاب القاسم بشر كثير، ومضى هو إلى صنعاء، ثم خرج منها واستخلف عليها ابن زمل، وأقبل عبد الله بن يحيى فنزل على ميلين من عسكر القاسم، فوجه إليه القاسم يزيد بن الفيض الثقفي في ثلاثة آلاف من أهل الشام واليمن فكانت بينهم مشاولة ثم تحاجزوا، ثم قاتلهم الصّلت بن يوسف فقتل في المعركة، ثم قاتلهم يزيد بن الفيض ثم انهزم أهل صنعاء، فأراد أبرهة بن شرحبيل بن الصباح اتباعهم فمنعه عبد الله بن يحيى، ولحق يزيد بن الفيض بالقاسم فأخبره بقتل الصّلت فقال القاسم:
ألا ليت شعري هل أذودنّ بالقنا … وبالهندوانيات قبل مماتي
وهل أصبحنّ الحارثين كلاهما … بطعن وضرب يقطع اللهوات
vol. 10, p. 287ودخل عبد الله بن يحيى صنعاء، فأخذ الضحاك بن زمل، وابراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فحبسهما، ثم جمع الخزائن والأموال فأحرزها، وأرسل إلى الضحاك وإبراهيم فأطلقهما، وقال: إنما حبستكما مخافة عليكما من العامة، وليس عليكما مكروه، فأقيما أو اشخصا، فخرجا.
-
ولما استولى عبد الله بن يحيى على بلاد اليمن خطب فقال: «الحمد لله المتحمّد بالآلاء، المنّان بالنعماء، ذي الأمر الغالب، والدين الواصب، أحمده في الضرّاء، وأشكره في السرّاء، واستعينه على احتجاجه علينا، وأستهديه لما يرضيه، وأؤمن به إسلاما وإيمانا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ونبيّه المرتضى، أرسله بالحق على حين فترة من الرسل وكفر من الملل، واختلاف من الدول، والتباس من الحقّ، وانسحاق من الصدق، وظهور من الأعداء، وبعد من الألفة، وأنزل عليه الكتاب، وشرع له الشرائع، وفرض له الفرائض، فقام بأمر الله صادعا بالحق ناطقا به، زاجرا عن الشبهات، داعيا إلى النجاة، مجاهدا للمعاندين، رؤوفا بالمؤمنين، عزيزا عليه عنتهم، حبيبا إليه صلاحهم، حتى كمل الإيمان، وأخسئ الشيطان، وظهر النور، وزهق الباطل، وذل الكفر، وانقطعت الأحقاد، وسلمت الصدور، فجمعهم بعد التفرق، وأمنهم بعد الخوف، فأصبحوا على نعم مذكورة، وكرامة مشهورة، ودين مقبول، وعلم محمول. ثم قبضه الله إليه فقيدا، واختار له ما عنده حميدا، صلى الله عليه وعلى ذكره السلام، ورحمة الله وبركاته.
- vol. 10, p. 288
أيها الناس إنكم حذّرتم عظيما، وخوّفتم جسيما، لا تبلغه الصفات، ولا تحيط به الأوهام، العذاب الأليم جهنم، وسعير ولظى والهاوية والحامية، وسقر التي لا تبقي ولا تذر، نسأل الله مولانا وليّ الإحسان أن يجيرنا من عذابه الذي خوفنا، أيها الناس إنا نخيّركم بين ثلاث خصال أيّها شئتم فخذوا لأنفسكم، رحم الله امرأ أخذ الخيار لنفسه: إما قال امرؤ بقولنا، ودان بالدين الذي دنّا فحملته نيّته على أن يجاهد معنا بنفسه، فيكون له من الأجر ما لأفضلنا، ومن قسم الفيء ما لبعضنا، أو قال هذا القول ثم أقام في داره، فدعا الناس إليه بقلبه ولسانه فعله، إلاّ يكون ذلك أخسّ منازله، أو كرهنا فليخرج بأمان إلى ماله وأهله، ويكفّ عنا يده ولسانه، فإن ظفرنا لم يكن عرض لنا نفسه، ولم يحملنا على سفك دمه، وإن قتلنا كان قد كفي مؤونتنا، وعسى ألا يعمّر بعدنا إلا قليلا.
-
ندعو: إلى الله، وإلى كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، ونجيب من دعا إليها، الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بدلا، ولا نشتري به ثمنا، ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل.
-
ندعو: إلى فرائض بيّنات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم.
-
ندعوا: الى توحيد الرب، واليقين بالوعيد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، وإن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى ويصبرون على الألم في حب الله، يقتلون في سالف الدهر فما نسيهم ربّهم
vol. 10, p. 289﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ١،﴾ أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم بالقيام به، قابلوا الله حسنا في أمره وزجره».
-
وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا حسن السّيرة، ليّن الجانب كافّا عن الناس، فكثر جمعه، وأتوه من كل وجه، فلما كان في وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف السّلمي، وبلج بن عقبة الأزدي، وأبرهة بن الصباح الحميري إلى مكة في تسعمائة، ويقال في ألف ومائة وأمره إذا صدر الناس أن يقيم بمكة، ويوجه بلجا إلى الشام. فأقبل المختار إلى مكة فقدمها يوم التروية وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأمه ابنة عبد الله بن خالد بن أسيد، فكره قتالهم، فقال لعبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب: إني لا آمن أن تفسد هذه العصابة على الناس أمرهم، فلا يتم للناس في عامهم هذا حج فلو لقيتهم فسألتهم أن يكفّوا حتى ينقضي الموسم وأخرج لهم عن مكة، فأتاهم عبد الله بن الحسن في رهط معه، فقال لأبي حمزة: أيها الرجل إنك أتيت بلدا حراما في يوم عظيمة حرمته فأمّ أصحابك، ويؤمّ الوالي أصحابه، فإذا أفاض الناس وقضوا مناسكهم رأيت رأيك في الحرب وخرج عنك. فأجابه إلى ذلك، فصلى عبد الواحد ووقف بالجماعة، وصلى أبو حمزة بأصحابه ووقف بهم، ولم يعرض لأحد حتى صدر الناس، وخرج عبد الواحد بن سليمان إلى المدينة فقال مولى لعثمان بن عفان - ويقال قاله موسى شهوات - يعيب عبد الواحد لتركه البلاد وخروجه عنها:
جاء الذين يخالفون بدينهم … دين الإله ففر عبد الواحد
vol. 10, p. 290ترك القتال وما به من علة … إلاّ الوهون وعرقه من خالد
وكان النبي ﷺ دعا على آل خالد بن أسيد أن يلزمهم العجز ويحرمهم النصر.
لو أن والده تخيّر أمه … لصفت مضاربه لعرق صاعد
وقال بعضهم أن هذا الشعر لابنة عمر بن عبد العزيز.
-
وقال عبد الحميد بن يحيى بن فالح بن عباس بن مرداس السّلمي:
طوى الخيل طي العصب حتى إذا انطوت … أياطل منها وهي وار فصيدها
فشدّ على أهل الحصاب وكاثروا … ببطن منى والبدن صرعى خدودها
في أبيات.
-
وأقام أبو حمزة بمكة، ووجه رجلا إلى الطائف، فخرج أهل الطائف عن القرية والحصن، فقال عامل الطائف: يا أهل الطائف أين رجالكم؟ فقال له أبو ولهية مولى بني علاج: أصلحك الله رجالنا غيب ونحن مغيبات فاحفظنا فيهم، فأمنهم وقال: هم آمنون. فرجعوا إلى الطائف.
-
ونادى منادي أبي حمزة أربعة أيام، في كل يوم: الناس آمنون إلا من حاربنا. ولم يزل مقيما حتى خرج إلى قديد.
-
ولما أخذ أبو حمزة مكة صعد المنبر متوكئا على قوس عربية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان لا يقدم ولا يحجم إلا بأمر الله ووحيه، أنزل عليه كتابه وبيّن له ما يأتي وما يتّقي فيه، فلم يكن في شيء من دينه شبهة حتى قبضه الله إليه، وقد علّم المسلمين معالم دينه، وولى أبا بكر صلاتهم وهي عماد دينهم، فولاه المسلمون أمر دنياهم فقاتل أهل الردّة، وعمل بالكتاب والسنة حاسرا عن ذراعيه حتى قبضه الله إليه رحمة الله عليه.
- vol. 10, p. 291
وولي عمر بعده، فسار سيرة من كان قبله، وجبى الفيء، وأعطى الأعطية، ومصّر الأمصار، ودوّن الدواوين، وجمع الناس على قيام شهر رمضان، وجلد في الخمر ثمانين، وغزا العدو في ديارهم، ثم مضى لسبيله على منهاج صاحبه، وقد جعلها شورى، فرحمة الله عليه.
-
ثم ولي عثمان فسار دون سيرة صاحبيه ست سنين، ثم أحبط فيما مضى له ومضى لسبيله.
-
ثم ولي علي بن أبي طالب، فكان على سداد، حتى حكّم في كتاب الله، وشكّ في دينه فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارا.
-
ثم ولي معاوية لعين رسول الله ﷺ وابن لعينه (١) ، فاتخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، ودينه دغلا، ثم مضى لسبيله ناكبا عن الحق، مداهنا في الدين.
-
ثم ولي يزيد ابنه فصيص لعنة رسول الله ﷺ ، وفاسق في بطنه وفرجه، فمضى على منهج أبيه، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
-
ثم ولي مروان وبنو مروان، فسفكوا الدم الحرام، وأكلوا المال الحرام، فأما عبد الملك فجعل الحجاج له إماما وإلى النار قائدا. وأما الوليد فسفيه أحمق منهوك في الضلال يخبطها عشواء مظلمة. وسليمان وما سليمان همه بطنه وفرجه فالعنوهم لعنهم الله، إلا أنه قد كان منهم عمر بن عبد العزيز همّ فلم يفعل وقصّر عما همّ به.
-
ثم ولي بعده يزيد بن عبد الملك فاسق لم يؤنس منه رشد، وقال الله في
vol. 10, p. 292اليتامى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ (١) فأمر أمة محمد أعظم من مال اليتيم، مأبون في بطنه وفرجه، حيك له بردان فارتدى بأحدهما واتزر بالآخر، ثم أقعد حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره، وقال:
يا حبابة غنيني، ويا سلامة اسقيني حتى ثمل سكرا، وأخذت الخمر مأخذها منه شق ثوبيه، وقد اتخذ بألف دينار بعد أن ضربت فيهما الأبشار، وحلقت الأشعار، وهتكت الأستار، وأخذ ما أنفق عليهما من غير حلّه، ووضع في غير حقه، ثم التفت إلى إحداهما فقال: ألا أطير. بلى، فطر إلى النار، أفهكذا صفة خلفاء الله؟! وقد حضرت كتابا كتبه إليكم هشام في حطمة (٢) كانت، أرضاكم به وأسخط ربه ذكر فيه أنه قد ترك لكم صدقاتكم فزادت الغنيّ غنى والفقير فقرا، فقلتم جزاه الله خيرا، بل لا جزاه الله إلا شرا، فلقد كان بخيلا بماله سخيا بدينه، فهؤلاء بنو أمية، فرق الضلالة، بطشهم بطش جبرية يأخذون بالظنّ، ويحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويقضون بالشفاعة، ويأخذون الصدقة من غير موضعها. ويجعلونها في غير أهلها، وقد بيّن الله أصنافها الثمانية (٣) ، فجاء صنف تاسع ليس له منها شيء، فأخذها كلها، فهي الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله، وأما هذه الشيع فشيع جهلت كتاب الله، وأعظمت الفريّة على الله، لم يقاربوا الناس بعمل بالغ
vol. 10, p. 293في الدين، ولا ببصر نافذ في القرآن، ينكرون المعصية على من عملها، ويرتكبون أعظم منها، يبصرون الفتنة ولا يعرفون المخرج منها، يؤملون الدول فيما بعد الموت، ويؤمنون ببعث إلى الدنيا قبل يوم القيامة، جفاة عن الدين أتباع كهان، قلدوا دينهم من لم ينظر لهم ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
-
يا أهل مكة إنكم تعيّروني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا، أما إني عالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم ما تركت الأخذ فوق أيديكم، نعم شباب متكهلون في شبابهم، غيبة عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في حنادس الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة حتى كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلالهم بكلالهم كلال ليلهم بكلال نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفّرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم، أنضاء عبادة مستقلّون لذلك في الله، موفون بعهده ومتنجزون لوعده، إذا رأوا سهام العدو وقد فوّقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم وقد انتضيت، وبرقت الكتيبة، ورعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه، وقد زملت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه بالثرى، وأسرعت إليه سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف بائنة طالما اعتمد عليها
vol. 10, p. 294صاحبها في سجوده في جوف الليل لله، وكم من خدّ رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان».
- - وقعة قديد:
-
قالوا: وكتب عبد الواحد بن سليمان إلى مروان يعتذر من خروجه عن مكة ويخبر أن الناس خذلوه، ويقال بل خرج إلى مروان بن محمد فشافهه بهذا، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة يأمره أن يوجه جيشا إلى مكة، فوجه ثمانية آلاف من قريش والأنصار وغيرهم من التجار، واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمه ابنة عبد الله بن خالد بن أسيد، فخرجوا في المصبّغات ومعهم الملاهي لا يكترثون بالخوارج، ولا يرون إلا أنهم في أكفهم.
-
وسقط لواء عبد العزيز حين خرج من المدينة فتطير الناس وغمّهم ذلك فقال رجل من قريش: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هذه المارقة، أما والله لئن ظفرنا لنسبينّ أهل الطائف. من يشتري مني سبي أهل الطائف؟ فلما التقوا بقديد، حين التقوا، وانهزم أهل المدينة قال لخادمته: غاق باق - يريد أغلقي الباب دهشا وذلك بعد أربعة أيام يرى أنهم خلفه - فلما كان أهل المدينة بذي الحليفة عرضهم عبد العزيز، فمر به أمية بن عنبسة بن سعيد بن العاص فرحّب به وضحك في وجهه، ومرّ به حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه ولم يلتفت إليه، فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع:
سبحان الله، مرّ بك شيخ من شيوخ قريش فلم تلتفت إليه، ومرّ بك غلام
vol. 10, p. 295من بني أمية فضحكت إليه وألطفته؟ أما والله لئن التقى الجمعان لتعلمنّ أيهما أصبر.
-
فلما التقوا وانهزم الناس قال أمية بن عنبسة لغلامه: يا مجنب أدن مني فرسي فلعمري لئن أجررت نفسي بسبب هؤلاء الأكلب إني لعاجز، وركب فرسه فمضى، وصبر حمزة حتى قتل.
قال الهيثم: وشد رجل من الخوارج فجعل يقاتل وهو يقول:
وخارج أخرجه حب الطمع … فرّ من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع
قالوا: وبلغ أبا حمزة المختار بن عوف إقبال أهل المدينة إليه، فاستخلف على مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح الحميري، وسار إليهم وعلى مقدمته بلج بن عقبة، وصار بإزائهم، وهو بقديد، فقال لأصحابه:
إنكم لاقون قوما أميرهم عثمان بن عفان أول من خالف سيرة الخلفاء، وبدّل السنّة، قد بين الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله وتلاوة القرآن.
-
وصبّحهم غداة الخميس لسبع - أو تسع - بقين من صفر سنة ثلاثين ومائة، فقال عبد العزيز لغلامه: ابغنا علفا. قال: هو غال. قال:
ويحك البواكي علينا غدا أغلى.
-
وأرسل المختار إليهم بلج بن عقبة ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكبا، فذكّرهم الله، وسألهم أن يكفوا أيديهم عنهم حتى يسيروا إلى مروان وقال: خلّو سربنا لنلقى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم ولا تجعلوا حدّنا بكم، فإنا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة وقالوا: نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض، فقالت الخوارج: يا أعداء الله، ونحن نفسد في الأرض؟ وإنما خرجنا لنكفّ الفساد، ونقاتل من استأثر بالفيء عليكم
vol. 10, p. 296فانظروا لأنفسكم واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة، فإنه لا طاعة لمن عصى الله، وادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق.
فقال عبد الرزاق (١) : ما تقول في عثمان؟ قال: قد برئ المسلمون منه قبلي وأنا متّبع آثارهم ومقتد بهم وبهديهم، فقال عبد العزيز: فارجع إلى أصحابك فليس بيننا إلا السيف فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال: كفّوا عنهم حتى يبدأوكم بالقتال.
-
ورمى رجل بسهم في عسكر أبي حمزة فأصاب رجلا، فقال أبو حمزة:
شأنكم فقد حلّ قتالهم، فحملوا عليهم ولافّ بعضهم بعضا ساعة ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، فكرّوا فاقتتلوا قليلا ثم هزمهم أبو حمزة.
وقال رجل من الأنصار من بني زريق: الحمد لله الذي أذلّ قريشا.
-
وإلى جنبه عمارة بن حمزة بن مصعب، فضربه عمارة فقتله.
-
وكانت راية قريش مع ابراهيم بن عبد الله بن مطيع، وقتل من أهل المدينة من الأنصار ثمانون، ومن قريش ثلاثمائة ويقال أربعمائة وخمسون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة. ويقال كان القتلى أربعة آلاف.
-
وعرض أبو حمزة من أسر في المعركة فمن كان قريشا قتله، ومن كان أنصاريا خلّوا سبيله، وأتوه بمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو أخو عبد العزيز، فقال: أنا أنصاري، وشهد له قوم من الأنصار، فقال رجل من اليمانية: والله ما هذا بدن أنصاري، وما هو إلاّ بدن قرشي.
-
وقتل من آل الزبير جماعة، وهرب أمية بن عبد الله بن عمرو بن
vol. 10, p. 297عثمان، وهرب عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أمير القوم، ومضى بلج إلى المدينة، فدخلوا جميعا في طاعته وبايعوه، فكف عنهم ورجع أبو حمزة إلى مكة.
-
وخاصم بنو زريق آل الزبير في صاحبهم الذي قتله عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقال لهم آل الزبير: إن حمزة قد قتل في المعركة ففيم الكلام، ولم يبق بيت في المدينة إلا وفيه مصيبة، فكانوا يقولون: لعن الله السراقي ولعن بلجا العراقي فإنهما أهل شقاق، وضلال ونفاق. والسراقي أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمرو، من آل سراقة بن المعتمر بن أنس بن أذاه بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب من بني عدي بن كعب، كان مع بلج بن عقبة، وكان السراقي على شرطة حمزة.
وقال ابن الكلبي: كان مع طالب الحق أبو بكر الأشل بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مؤمل بن حبيب بن تميم بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وإنما قيل السراقي لأن سراقة كان شريرا. قال النبي ﷺ فيه: «أشد الناس عذابا كل جعّار نعّار صخّاب في الأسواق مثل سراقة بن المعتمر» (١) ، ويقال إن اسم السراقي أيوب بن محمد ويكنى أبا بكر، ويقال إنه أيوب بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن سراقة بن المعتمر.
وقالت نائحة تبكيهم:
ما للزمان وماليه … أفنى قديد رجاليه
فلأبكينّ سريرة … ولأبكينّ علانية
vol. 10, p. 298ولأبكينّ إذا خلوت … مع الكلاب العاويه
ولأثنينّ على قديد … بسوء ما أبلانيه
وقال بعضهم:
أصابوا على وادي قديد مناسرا … أتتها مناياها فخفّت وفودها
جنائز صدق لم تصب بجريرة … ولم تنتقض بعد الرسول عهودها
وقال عمرو بن الحسن مولى من أهل الكوفة كان إباضيا:
وما بال همّك ليس عنك بعازب … يمري سوابق دمعك المتساكب
وتبيت تكتلئ الهموم بمقلة … عبرى تسرّ بكل نجم آئب
أخشى معاجلة المنون بداهة … لم أقض من دمع الشراة مآربي
فأقود فيهم للعدى شنج النّسا … محض الشّوى أشران ضمّ الحالب (١)
متجددا كالسّيد أخلص لونه … ماء الحشيك من الجلال اللاتب (٢)
أرمي به من جمع قومي معشرا … بورا ألى جبرية ومعايب
فتجول نحن وهم وفيما بيننا … كأس المنون تقول هل من شارب
فنظل نسقيهم ونشرب من قنا … سمر ومرهفة الشفار قواضب
بينا كذلك نحن جالت طعنة … نجلاء بين رهائبي وترائبي (٣)
جوفاء منهرة مرى تامورها (٤) … ظبتا سنان كالشهاب الثاقب
vol. 10, p. 299يا رب أوجبها ولا تتعلّقن … نفسي المنون لدى أكفّ قرائبي
في فتية صبر ألفّهم بهم … لفّ القداح يد المفيض الضارب (١)
-
في أبيات:
[وقعة وادي القرى]
قالوا: وسار أبو حمزة إلى المدينة، وولى مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح، وبلغ مروان خبر قديد فوجه عبد الملك بن محمد بن عطية، أحد بني سعد بن بكر في أربعة آلاف وفيهم فرسان أهل الشام، منهم رومي بن ماعز القيسي، ومنهم من أهل الجزيرة ألف اشترطوا على مروان فقالوا: إذا قتلنا الأعور قفلنا إلى الجزيرة، فقال الشاعر:
فلما أتى مروان بالصدق عنهم … رصين من الأخبار لا يستزيدها
دعا أين من يحمي المساجد فاعترت … مصاليت من قيس كرام جدودها
يداوون داء أو يفيئون مغنما … ومجدا عليها حين تندى لبودها
- وسار عبد الملك وأصحابه مسرعين فحدا حاديهم:
-
حرّم مروان عليهنّ النوم … إلا قليلا وعليهنّ القوم
حتى تبين أو يقلن بالدّوم (٢) …
-
وهاب الناس عبد الملك وأصحابه فتفرقوا في المياه، فلما أتى بلاد خثعم هربوا ومعهم غلام من كنانة، فلما أمنوا قالوا: من يغنّينا ويسوق بنا؟. قال الكناني: أنا. فنزل فساق وهو يقول:
vol. 10, p. 300ألا إنني بال على جمل بال … يقود بنا بال ويحدو بنا بال
فتغيروا وقالوا: قبحك الله ويحك ما تريد بنا؟.
-
وقال أبو صخر الهذلي حين بلغهم قدوم عبد الملك بن محمد وسرهم قدومه:
قل للذين استضعفوا لا تعجلوا … أتاكم النصر وجيش جحفل
عشرون ألفا كلّهم مسربل … يقدمهم جلد القوى مستبسل
دونكم ذا أيمن فأقبلوا … وواجهوا القوم ولا تستعجلوا
عبد المليك القلّبيّ الحوّل … أقسم لا يفلى ولا يرجّل
حتى يبيد الأعور المضلل … ويقتل الصباح والمفضّل
الأعور: عبد الله بن يحيى طالب الحق.
وقال أبو وجزة:
قل لأبي وجزة هيد هيد (١) … أتاك بالغادية الصنديد
فارجع كما قد جئت من بعيد
فبعث أبو حمزة بلج بن عقبة في ستمائة ليقاتل عبد الملك، فلقيه بوادي القرى في جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، وتواقفوا ودعاهم بلج إلى السنة والعمل بكتاب الله، وذكروا ظلم عبد الملك وحكمه بالهوى فشتمهم أهل الشام، وقالوا: أنتم أولى بما ذكرتم.
-
ثم حمل عليهم بلج وأصحابه فانكشف أهل الشام، وصبر عبد الملك في عصيبة ونادى: يا أهل الشام وأهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم وأميركم، فكرّوا وصبروا وقتل بلج وأكثر أصحابه، واعتصم رجل من همدان يقال له
vol. 10, p. 301الصباح في مائة من الإباضية فجعل يقاتلهم عبد الملك ثلاثة أيام فقتل منهم سبعون، ورجع إلى المدينة ثلاثون، ونصب عبد الملك رأس بلج على رمح فقال أبو وجزة أحد بني ظفر:
ورأس بلج مجتلى محزوز … في عمد من خشب مرزوز
وقالوا: قدم الذين فروا من وادي القرى إلى أبي حمزة وقالوا: فررنا من الزحف، فقال أبو حمزة: أنا لكم فيئة، وخرج أبو حمزة عن المدينة إلى مكة واستخلف عليها رجلا يقال له المفضل، فقاتلهم العبيد وأهل السوق، فقتل المفضل وعامة أصحابه، وهرب الباقون فلم يبق من الإباضية بالمدينة أحد، فقال أبو البيضاء شميل مولى زينب، من ولد الحكم بن أبي العاص:
ليت مروان دنا … يوم الاثنين عشيّة
إذ غسلنا العار عنا … وانتضينا المشرفيّه
ثم إن عبد الملك بن محمد بن عطية قدم المدينة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مكة والمختار بن عوف بها فقال: يا أهل مكة، هؤلاء الذين سألناكم عنهم فقلتم يجورون ويظلمون فلا تعينوهم علينا.
-
ولقي عبد الملك الخوارج من وجهين وقد جعل أصحابه فرقتين فصيّر طائفة بالأبطح، وصار هو والطائفة الأخرى بأسفل مكة، فاقتتلوا وهزم أهل الشام حتى انتهوا إلى عقبة منى، ثم كرّوا فقاتلوهم وصبروا فقتل أبرهة، كمن له ابن هبّار القرشي عند بئر ميمون فقتله، ويقال قتله بالأبطح، وتفرق الخوارج.
-
ولقي أبو حمزة عبد الملك بن محمد بأسفل مكة فاقتتلا فقتل المختار بن عوف أبا حمزة على فم الشعب، وقتلت معه امرأته وهي تقول:
vol. 10, p. 302أنا ابنة الشيخ الكريم الأعلم … من سال عن اسمي فاسمي مريم
بعت سواريّ بسيف مخذم (١) …