أمر هشام بن عبد الملك بن مروان

822 paragraphs · vol. 9, p. 367

Page 2 of 21

  1. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان هشام إذا أحدث قال: القوا عني مؤونة التحفظ. قال: ودخل سليمان بن سعيد الخشني (١) ، أو ابنه على هشام، ومعه كتب يريد عرضها، فقال هشام: أخّرها فإني محموم، وناوله

    vol. 9, p. 379يده فمسّ عرقه ثم قال: ما أرى بك حمى، ثم قال: يا بن اللخناء تكذبني. لا تقربني، وأمر بعزله عن الديوان.

    vol. 9, p. 378
  2. المدائني عن شبيب بن شيبة قال: كان المنصور إذا ذكر بني مروان يقول: أما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما أقدم عليه، وأما الوليد فكان مجنونا، وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، ورجل القوم هشام.

    قالوا: وكان الجعد بن درهم مؤدب مروان ومعلمه، وكان دهريا، ويقال كان معتزليا شهد عليه ميمون بن مهران أنه قال له ووعظه: لشاة قياد أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله وهو قاتلك، ويقال إن ميمون بن مهران وعدة شهدوا عند هشام على الجعد بن درهم بالكفر، فطلبه هشام فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري وهو عامله على العراق بأن يحبسه فلم يزل محبوسا حينا، ثم إن امرأته رفعت إلى هشام في أمره تعلمه طول حبسه وسوء حاله وحال عياله، فقال: أو حيّ هو؟ وكتب إلى خالد في قتله، فقال خالد في يوم أضحى: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فإني مضحّ بعدو الله الجعد بن درهم، وكان الجعد مولى سويد بن غفلة الجعفي.

    قالوا: وكان غيلان يقول: كلمت الجعد فوجدته معطلا.

  3. المدائني عن ريسان الأعرجي عن عقال بن شبّة قال: دخلت على هشام، وعليه قباء أخضر، فجعلت أتأمله، فقال: مالك تتأمل قبائي؟ قلت: رأيت عليك قبل الخلافة قباء أخضر شبهته بهذا القباء، قال: هو

    vol. 9, p. 380هو، والذي لا إله غيره، ومالي قباء سواه، وما ترون من جمعي المال وصونه إلا لكم.

    وقال المدائني: كان عقال بن شبة مع هشام، وكان شبه أبو عقال مع عبد الملك، وكان عقال يقول: دخلت على هشام فدخلت على رجل محشو عقلا.

    قالوا: وقال هشام لنسطاس أبي الزبير: أترى الناس يرضون بعدي بالوليد بن يزيد؟ قال: قلت: يطيل الله عمرك يا أمير يا أمير المؤمنين ويبقيك بعده، قال: لا بد من الموت. أفترى الناس يرضون به؟ قلت:

    يا أمير المؤمنين البيعة له في أعناق الناس، قال: لئن رضي الناس بالوليد إنّ الحديث الذي روي: «إنّ من ولي الخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار» ، باطل.

    قال الهيثم بن عدي: بعث يوسف بن عمر إلى هشام ياقوتة حمراء يخرج طرفاها من الكف، وحبة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ، قال الرسول: فدخلت على هشام فدنوت منه فلم أر وجهه من طول السرير وكثرة الفرش. فلما تناول الحجر والحبة قال: أكتب معك بوزنهما؟ قلت:

    يا أمير المؤمنين هما أجلّ من أن يكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما؟ قال:

    صدقت.

  4. وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار.

  5. المدائني وغيره أن هشاما أنشد بيت حسان بن ثابت الأنصاري:

    أتانا رسول الله لما تجهمت … له الأرض إذ يرميه كل مفوّق (١)

    vol. 9, p. 381
  6. وهو يروي «حين تنكرت له الأرض إذ يرميه كل مفوق» .

  7. وأنشد أيضا شعر أبي قيس:
  8. ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكّر لو يلقى صديقا مؤاتيا

    فقال: ما رأيت أحد أشد امتنانا على الله ورسوله من هؤلاء اليهود - يعني الأنصار-.

  9. ومات هشام بالذبحة فروي عن سالم أبي العلاء أنه قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، يعرف ذلك فيه، مسترخي الثياب، وقد أرخى عنان دابته فقال: ادعو الأبرش، فدعي فسار بين الأبرش وبيني، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك ما غمني. قال: ويحك كيف لا أغتم وقد زعم أهل العلم إني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما، قال الأبرش:

    فلما انصرفت إلى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين أتاني رسول هشام فقال: أجب واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عرضت له مرة فتداوى بذلك الدواء فانتفع به فأتيته ومعي الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شدة، ثم سكن، فقال: قد سكن بعض السكون فانصرف إلى أهلك وخلف الدواء عندي، ففعلت، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ فقالوا:

    مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه، حتى استعاروا قمقما.

  10. وكان الوليد شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلف عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه، بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه بالأخبار، فعتب عليه هشام فضربه وحبسه وألبسه المسوح، فلما صار هشام إلى الحدّ الذي لا ترجى له فيه الحياة، أرسل عياض إلى الخزّان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء.

    vol. 9, p. 382
  11. وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد.

  12. ثم مات هشام من ساعته، فخرج عياض من الحبس، وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها، فما وجد له كفن، حتى كفنه غالب مولى هشام.

    وقال مروان بن شجاع مولى مروان: كنت مع محمد بن هشام، فأرسل يوما إليّ فدخلت عليه وقد غضب وهو يتلهف، فقلت: مالك؟ قال: رجل نصراني شجّ غلامي، وجعل يسبّه، فقلت: على رسلك.

    قال: ما أصنع؟ قلت: نرفعه إلى القاضي، قال: أما غير هذا؟ قلت:

    لا. فقال خصيّ له: أنا أكفيك. فذهب فضربه. وبلغ ذلك هشاما فطلب الخصيّ فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، وقال الخصي: قد والله أمرني، فضرب هشام الخصي، وشتم ابنه وهجره أياما ثم رضي عنه.

    قالوا: وكان في موكب هشام ثمانمائة فارس: أربعمائة من الشرط، وأربعمائة من الحرس، ولم يكن أحد يسير في موكب إلا مسلمة بن عبد الملك.

  13. ورأى هشام ذات يوم سالما كاتبه في موكب فزجره، وقال: لا أعلمنّ ما سرت في موكب، فكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم ويقول: ما حاجتك، ويمنعه أن يسير معه.

    vol. 9, p. 383
  14. وكان سالم عظيم القدر عند هشام، وكان يتمثل بشعر النعمان بن بشير في غلام له، كان يقال له سالم وهو:

    يذودونني عن سالم وأذودهم … وجلدة بين العين والأنف سالم

    وكان حاجب هشام يسير وحده، ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ عطاء إلا وعليه الغزو، فمنهم من يغزو بنفسه، ومنهم من يخرج بديلا، وكان لهشام مولى يقال له يعقوب فكان يأخذ عطاء هشام، وهو مائتا دينار ودينار، يفضّل بدينار، فيأخذ يعقوب ذلك ويغزو عنه.

  15. وكانوا يصيّرون أنفسهم في أعوان الديوان، وفي بعض ما يجوز لهم معه المقام، فيوضع عنهم الغزو. فكان داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وعيسى بن علي، وهما لأمّ في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله القسري، فأقاما عنده ووصلهما، ولولا ذلك لم يقدر على تصييرهما عنده، ولأخذا بالغزو فجعلهما في الأعوان، وكانا يسامرانه ويحدثانه.

    قالوا: وكان هشام أراد أن يصيّر ابنه مسلمة ولي عهده بعد الوليد بن يزيد، فقال الكميت بن يزيد الأسدي:

    إنّ الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم

    قالوا: فأضرّ هشام بالوليد بن يزيد، فدخل عليه يوما فقال له العباس بن الوليد بن عبد الملك: يا أبا العباس كيف حبك للروميات؟ قال: إني لأحبّهن، وكيف لا نحب من لا يزال يأتي بمثلك. فترك الوليد

    vol. 9, p. 384الرصافة وخرج، فكان بالأزرق من أرض بلقين وفزارة، فكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك يكتب إلى الوليد بما أجمعوا عليه من خلعه.

    قالوا: وضم هشام إلى ولده: سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، وقالوا: ولى هشام مولى له ضيعة فعمرها حتى جاءت بغلّة كثيرة، وعمرها أيضا فأضعفت غلتها وحمل ما ارتفع من مالها مع ابنه، فقدم به على هشام فجزى أباه خيرا، فلما سمع ذلك انبسط فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: زيادة عشرة دنانير في عطائي. قال: ما يظن أحدكم أن زيادة عشرة دنانير في العطاء إلا نقد الجوز، لا لعمري لا أفعل.

  16. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة قال: قال هشام:

    لو أشاء أن أقول الشعر لقلته، وما يمنعني منه إلاّ قول معاوية، أو قال عبد الملك: إن الشعر أسرى خلال الدنيء، وأدنى خلال السريّ، قال: فقلت له: قال رسول الله ﷺ : «إن من الشعر حكمة» فهل تكون حكمة من دنيء.

  17. حدثني أبو محمد النحوي عن أبي عبيدة قال: حج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة، فأتى الكوفة فحج منها، فقال يزيد بن المر قال:

    كنت في اكرياته، فلم يأمر لنا بشيء، فقلت لأصحابه: أنا أكلمه.

  18. فوضعت غرائر وقمت عليها فقلت: يا أمير المؤمنين نحن أكرياؤك وخدامك. فأمر لنا بصلة.

    قالوا: وقال إبراهيم بن هشام المخزومي: ما كان من هشام في حجه شيء أنكرناه، إلا حاديا حدا بين يديه وهو يسير فقال:

    vol. 9, p. 385إنّ عليك أيها البختي … أكرم من تحمله المطيّ

    فقال: صدق فوك لعمر الله، وزوج ابنا له بالكوفة.

  19. حدثني التوزي النحوي عن أبي عبيدة عن الزعبل بن الكلب العنبري قال: خازمت - يقول: عارضت - إلى هشام حين قدم يريد الحج فأهديت له ناقة فلم يقبلها، فلما قوّضت سرادقاته ورفعت حجره واستوى في غرز (١) ناقته ناديت فقلت: يا أمير المؤمنين جعلت فداءك إنها مرباع هلواع مقراع حلباة ركباة. فضحك وأمر لي بصلة.

    قال: المرباع: التي تربع إلى الصوت، مرباع: سريعة الحمل.

  20. هلواع: حديدة القلب من الهلع. مقراع: تقر للفحل حتى يقرعها.

  21. ويقال: ناقة حلباة ركباة وحلبانة ركبانة وحلبوت ركبوت.

  22. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: قال هشام بن عبد الملك: اثنان يتعجلان النصب ولعلهما لا يظفرا بالبغية: الحريص في حرصه ومعلّم البليد ما لا يبلغه فهمه.

  23. المدائني قال: قال هشام لرجل متصل به سرقت له عشرة آلاف درهم: هل حدثت نفسك أن تفعل بها شيئا من أنواع البر؟ قال: لا.

    قال: فهل حدثت نفسك أن تنفقها في شيء تتمتع به في الدنيا؟ قال: لا، قال: فخذ حجرا يزن عشرة آلاف درهم فضعه موضعها، فإن الحجر وتلك العشرة الآلاف سواء.

    vol. 9, p. 386قالوا: وخطب هشام بنت القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأم القاسم فاطمة بنت الحسين، وكان القاسم جلدا من رجال قريش فقال لرسوله: لا أزوجه حتى يقضي ديني ويأمر لي بعشرة آلاف درهم، ويعطي أخي عبد العزيز عشرة آلاف درهم، وآمنة أختي عشرة آلاف درهم.

  24. فأدى الرسول قوله إلى هشام، فغضب هشام وشتمه، ثم بعث القاسم رسوله الى هشام في حوائج له فقال: لا ولا نعمة عين لا تقضى له حاجة، فوالذي أكرمني بخلافته ما هممت بظلم مسلم ولا معاهد مذ وليتها ولا ظلم القاسم، ولم يقض حاجته.

  25. فلما مات القاسم تزوج هشام امرأته، وزوج ابنه ابنة القاسم، وحملها إلى الشام، فبكى أهل المدينة جزعا على القاسم.

    قالوا: وأهدى حسان النبطي لهشام بن عبد الملك هدايا كثيرة من ثياب وجوهر وغير ذلك فاستكثرها هشام، وقال: بيت المال أحق بهذه الهدايا، فأمر ببيعها فبلغ ثمنها خمسمائة ألف درهم فابتاعها حسان ممن اشتراها وحملها إلى هشام وقال: قد طابت لك فمر بقبضها. فأمر هشام فنودي: ألا إن حسان سيد موالي أمير المؤمنين.

    قالوا: ودخل هشام الكوفة فنزل الحيرة فسمع أصوات المؤذنين بالكوفة للغداة فقال لخليفة خالد بن عبد الله القسري - وكان خالد عامل هشام على العراق، وخليفته بالكوفة العريان بن الهيثم-: ما هذه الأصوات؟ أتراهم فعلوها؟ قال: يا أمير المؤمنين هذه أصوات المؤذنين، فقال هشام:

    vol. 9, p. 387إن بلدا تبلغ أصوات مؤذنيه ما أسمع لبلد يجب حفظه وحفظ أهله. وكان جبانا.

  26. وحج هشام فدخل على سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو مريض فقال له: يا أبا عمر ألك حاجة؟ قال: اتق الله. قال: أوصني بأهلك. قال: هم في سعة من فضل الله. فمات في سنة ست ومائة وصلى عليه هشام.

  27. حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: لما حج هشام فدخل المدينة قال لرجل من أصحابه: انظر من ترى في المسجد، قال: أرى رجلا طوالا أدلم. قال: هذا سالم بن عبد الله بن عمر، ادعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين. فأرسل من يأتيك بثيابك. قال: ويحك يزور بيت الله زائره في ثوبين ولا أدخل على هشام فيهما. فلما دخل على هشام وصله بعشرة آلاف درهم.

  28. ثم قدم المدينة منصرفا من الحج فقيل له إن سالما شديد الوجع، فدخل عليه فسأله عن حاله، ومات سالم فصلى عليه هشام وقال: ما أدري أي الأمرين أنا أشد به سرورا، إتمام حجي أم صلاتي على أبي عمر.

  29. حدثني عمر بن بكير عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: حج هشام فلما قدم المدينة دعا سالم بن عبد الله فآنسه، ودعا له بصلة وقال: هذا بقية الناس وابن الفاروق وخير أهل زمانكم، ثم انصرف وقد حمّ فقال:

    أترون الأحول لعقني بعينه، فكان هشام يقول: سروري بالصلاة على أبي عمر كسروري بتمام حجي أو كما قال.

    vol. 9, p. 388قالوا: وكان مما أنكر على هشام قوله لأشكونّ سليمان أخي يوم القيامة لاختياره يزيد بن عبد الملك علي.

    قالوا: وأراد هشام أن يبايع لمسلمة بن هشام، ويخلع الوليد بن يزيد، فكاتب أهل الشام في ذلك فأجابه إلى إرادته خلق كثير، فكان ممن أجابه: سعيد بن عبد الملك، ومحمد، وابراهيم ابنا هشام المخزومي، والوليد وعبد الملك ابنا القعقاع بن خليد العبسي، وغيرهم من بني أمية، فأضرّ بالوليد وأقصاه وكان يشتمه ويسفهه ويعيره بالشراب، وولى مسلمة بن هشام الموسم وأعطاه مالا عظيما أمره أن يقسمه فقسمه فقال مولى من أهل المدينة:

    يا أيها السائل عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر

    الواهب الجرد بأرسانها … ليس بزنديق ولا فاجر

    يعرض بالوليد، وقال قوم أن هشاما عاب الوليد ووبخه في الشراب فقال:

    يا أيها الباحث عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر

    نشربها صرفا وممزوجة … بالسخن أحيانا وبالفاتر (١)

    فقال هشام لمسلمة: يعيرنا الوليد بشربك، فالزم الأدب، واحضر الصلوات، والزم مجلسي غدوة وعشية.

  30. ويقال إن الذي قال هذا الشعر عبد الصمد بن عبد الأعلى أخو عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر.

    vol. 9, p. 389قالوا: وكان الخلفاء وأبناء الخلفاء من بني أمية يتبدون ويهربون من الطاعون، فينزلون البرية خارجا عن الناس، فلما أراد هشام أن يترك الرصافة قيل له: لا تخرجن فإن الخلفاء لا يطعنون ولم نر خليفة قط طعن، فقال: أبي تريدون أن تجربوا، الرصافة - وهي قرية - وابتنى قصرين وأقام بها، والرصافة رومية بناها بعض ملوك الروم، وهي تنسب إلى هشام.

  31. ويقال إنه أراد أن يخرج من الرصافة إلى البادية فرارا من الطاعون، فقيل إنه لم يطعن بها أحد فقال: أبي تجربون.

    قالوا: وأنشد أبو النجم هشاما أرجوزته اللامية حتى بلغ:

    والشمس قد همّت ولما تفعل … فهي على الأفق كعين الأحول

    فغضب هشام وأمر به فأخرج، وروي أيضا أن خالدا بعث الى هشام بحاد فحدا بهذين البيتين فغضب هشام وطرده.

  32. المدائني عن مسلمة أن الفرزدق حج عام حج هشام فوصله ابراهيم بن اسماعيل المخزومي بخمسمائة درهم فقال:

    أميركم شرّ الولاة علمته … وشرّ ولاة المؤمنين هشام (١)

  33. فأراد ابراهيم أن يضربه فقيل: تضربه ثم تخلي عنه فيهجونا.

  34. المدائني عن أبي عاصم عن رجل من بني ضبة قال: مرّ بي معاوية بن هشام وأنا في مزرعة لي قد اختبزت خبزة، فوقف علي فقلت: الغداء.

  35. فنزل فأخرجتها ووضعتها في لبن فأكل، ثم جاء الناس فركب وثار بين يديه

    vol. 9, p. 390ثعلب فركب في إثره، وعثر فرسه فسقط فاحتملوه ميتا. فقال هشام:

    أرشحه للخلافة ويتبع كلبا.

  36. وكانت عند معاوية امرأتان: إحداهما ابنة اسماعيل بن حربي فأخرج كل واحدة منهما من نصف الثمن بأربعين ألف درهم.

  37. ورثى الكميت معاوية بقصيدة قال فيها:
  38. سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيت يد المعروف بعدك شلّت

    المدائني قال: قال هشام لغيلان أبي مروان: ويحك يا غيلان قد أكثر الناس فيك، فتنازعنا في أمرك، فإن كان حقا اتبعناك، وإن كان باطلا نزعت عنه.

  39. وكان غيلان كاتبا من كتّابهم، وهو مولاهم، فترك خدمتهم وبسط لسانه فيهم بسوء القول، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلمه فقال له:

    يا ميمون سل فأقوى ما تكونون إذا سألتم، فقال ميمون: أشاء الله أن يعصى؟ قال: لا. قال: فعصي كارها؟ قال: هو كاره للعصيان الذي نهى عنه وليس هو بالمحمول على أمر يكرهه، ويقال إنه لم يجب بشيء وقال:

    أقلني. فقال هشام: لا أقالني الله إن أقلتك، وأمر بقطع يديه ورجليه وسل لسانه، وألقي على مزبلة يراه الناس.

  40. وكان من أصحاب الربيع (١) : خطبان، والوضين بن عطاء، وهما من أهل اليمن، فأما الربيع فرآه المنصور أمير المؤمنين بالبصرة عند عمرو بن

    vol. 9, p. 391عبيد قبل الخلافة، فذكر محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فقال الربيع:

    ما ندري ما محمد لم نره، وأما أنت فرجل منا نقول بما تقول به من الحق والتنزيه لله، قد عرفنا مذهبك وما أحد أحق بالخلافة منك.