أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 3 of 21
- vol. 9, p. 391
فشكر له أبو جعفر ذاك فولاه دار الضرب بدمشق.
-
وكان عمر بن عبد العزيز ولاه (١) بيع خزائن بني مروان، فباع متاع عبد الملك، والوليد فنودي على جورب فبلغ مائة دينار، فقال غيلان:
ما لهؤلاء لعنهم الله، جورب بمائة دينار؟ فحقد ذلك عليه هشام.
وقال جعفر بن سليمان بن علي: قال لي عبد الله بن علي: جمعت بين دواوين بني مروان فلم أر ديوانا أصح ولا أصلح من ديوان هشام في أمر الخاصة والعامة والسلطان.
-
المدائني عن غسان بن عبد الحميد قال: لم يكن أحد من بني مروان أسدّ نظرا في أمر أصحابه ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عن أموره من هشام.
قال: ودخل نسطاس على هشام، وعلى نسطاس جبة يسحبها، فقال له: من أين هذه الجبة لك؟ قال: بعث بها إليّ فلان. قال: ولم بعث بها إليك؟ فما زال يبحثه ويفتشه عنها حتى علم أنها مصانعة، فحجبه أياما ثم كلم فيه فأذن له.
وقال الهيثم: خرج الفرزدق مع هشام حين حج في سنة ست ومائة، فأمر له هشام بخمسمائة درهم فقال:
vol. 9, p. 392تحبّسني بين المدينة والتي … إليها قلوب الناس يهوى منيبها
فقلت كفاكم لم تكن كفّ سيّد … وعينا له خوصاء جمّا عيوبها (١)
قالوا: وكان مع هشام حجر جوهر فقال: من شاء فليسبّني ويأخذه، فقال له الأبرش الكلبي: هاته يا أحول. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال هشام: أنعم الناس عيشا رجل له امرأة صالحة قد غضت بصره عمن سواها، وسداد من عيش يقيمه، فهو مقبل على أمر معاده، ولا يعرفنا ولا نعرفه.
وقال هشام بن عمار: كان هشام بناحية من الشام، فوقع الطاعون هناك فقيل: يا أمير المؤمنين إنه لم يمت ههنا خليفة قط، قال: أفبي تجربون.
-
حدثنا محمد بن الأعرابي عن المفضّل الضبّي قال: دخل قرواش بن حبيب على هشام في غمار الناس فقال: إنا أنضاء سفر، وفلّ سنة (٢) ، وعندكم أموال فإن تكن لله فبثّوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تمنعونهم إياها، وإن تكن بينكم وبينهم فقد أسأتم الأثرة وتركتم النّصفة. فقال هشام: نحن أقفال عند الله مفاتيحها، فإذا أذن في شيء فتحنا له.
-
المدائني عن عبد الله بن محمد القرشي قال: أتى ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله هشام بن عبد الملك حين حج فمر بالمدينة فقال له:
vol. 9, p. 393اعدني يا أمير المؤمنين على نافع بن علقمة فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك غير طريق الحق.
قال: أفلا رفعت إلى الوليد. قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال:
فعمر بن عبد العزيز. قال: عوجل رحمه الله . فغضب هشام وقال:
لا يزال أحدكم يتكلم بما يستحق به أن يدقّ أنفه ويسحب برجله. فقال:
إذا يسبق خيرك شرك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، أما والله إن اقتضاء ليتعقّب. فقال هشام: لو كان فيك مضرب لضربتك، قال:
فيّ والله مضرب. فقال هشام: اكتمها علي.
-
وحدثني أبو عدنان عن الأصمعي قال: دخل أعرابي على هشام فقال: يا أمير المؤمنين ان يكن المال الذي في أيديكم لله فبثوه في عباد الله، وإن كان بينكم وبينهم فلقد أسأتم الأثرة عليهم، وأثمتم في حرمانكم إياهم، وإن كان لكم دونهم فتصدقوا فإن الله يحب المتصدقين. فقال:
والله ما ترك واحدة من ثلاث، فأعطاه فخرج وهو يقول: ما أكزّ يده بالمعروف.
-
حدثني أبو عدنان عن هشام بن محمد، والهيثم بن عدي عن عوانة قال: أتى خالد بن صفوان باب هشام، فطلب له مسلمة الإذن فقيل: قد ركب أمير المؤمنين متنزها. قال خالد: وكان العام عاما قد بكر وسميّه (١) وتتابع وليّه (٢) ، فكأن على الأرض زرابيّ مبثوثة من نورها ووشيها، فأشار إلي
vol. 9, p. 394مسلمة أن تكلم، فنظرت إلى الثمار والشجر فوالله ما دريت ما أقول، فقلت: قاتل الله عدي بن زيد حيث يقول:
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملو … ك الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر (١) … إذ بناه وإذ
دجلة تجبى إليه والخابور
لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور (٢)
قال هشام: قبح الله رأيك يا مسلمة فليس هذا بأول يوم غممتني فيه وقام مغضبا وتفرقوا، قال خالد: فأتاني بعض الشاميين فقال: أين هذا العراقي الذي أغضب أمير المؤمنين؟. قلت: خرج. فخرجوا يسعون فأخذت في ناحية أخرى، وكان هشام لا يكاد يذكر في مجلسه الموت تطيرا منه.
-
وحدثني أبو عدنان عن الهيثم بن عدي وهشام ابن الكلبي عن عوانة قال: وفد على هشام بن عبد الملك وفد كلهم من قريش، وكلهم خطيب، فتكلموا ثم قال اسماعيل بن محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي أو غيره من ولد أبي الجهم: يا أمير المؤمنين هذه خطباء قريش قد نطقت فأطنبت وتكلمت فأسهبت، فوالله ما بلغ متكلمهم قدرك، ولا جاوز أبلغهم فضلك أفأوجز أم أطيل؟. قال: بل أوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين
vol. 9, p. 395بالحسنى، وزيّنك بالتقوى، ويسرك لليسرى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي يا أمير المؤمنين حوائج أفأذكرها؟. قال: نعم. قال:
كبرت سني، وكثر عيالي فإن رأى أمير المؤمنين أن يصلني بصلة يجبر بها كسري، وينفي بها فقري فعل. قال: وما صلتك التي تفعل بك هذا الذي ذكرت؟. قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار. قال:
هيهات، هيهات، رمت مراما صعبا، هذا والله ما لا يحتمله بيت مال المسلمين.
-
ثم نكس هشام واسماعيل ماثل بين يديه، فرفع رأسه ثم قال: هيه.
قال: وما هيه يا أمير المؤمنين كأنك آليت إلا تقضي لي حاجة في مقدمي هذا، أما والله إن الأمر لواحد، إلا أن الله آثرك بهذا المجلس، فإن تعطني فحقي أعطيت، وإن تمنعني فإني أسل الله الذي بيده ما حويت، فإن الله جعل العطية محبة والمنع مبغضة، ووالله لأن أحبك أحبّ إليّ من أن أبغضك. قال: فألف دينار لماذا؟. قال: أقضي بها دينا، فدحني حمله، وأضرّ بي أهله. قال: نعم المسلك أسلكتها تؤدي حقا وتضع عنك ثقلا، أو قال تؤدي عن أمانتك، وتحط حملا ثقيلا عن ظهرك. وألف لماذا؟ قال:
أزوج بها من أدرك من ولدي. قال: تغضّ بصرا، وتعفّ فرجا، وترجو نسلا، نعم المسلك أسلكتها. وألف لماذا؟ قال: أشتري بها أرضا يكون فضلها لنفقتي في حياتي ويبقى عقده لعقبي. قال: فإنّا قد أمرنا لك بما سألت، قال: المحمود على ذلك الله، فلما ولى قال هشام: إذا كان القرشي فليكن مثل هذا، ثم قال هشام: أما والله ما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرا، وإنما نحن خزّان الله على بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا شاء
vol. 9, p. 396أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلا، ولا رددنا سائلا.
-
حدثني عبد الله بن صالح عن الهيثم، أخبرني الضحاك بن زمل قال: بلغ هشام قول الحسن البصري: لا يعدل أحد عن قصد، ولا يبقى كثير على إسراف، فقال هشام: صدق لله أبوه.
-
حدثني محمد بن أنس الأسدي عن ابن كناسة الأسدي قال: قدم رصافة هشام رجل من بني أسد، ثم من بني فقعس على هشام، فدخل عليه حين جلس للعامة، فقال: يا أمير المؤمنين أتت علينا سنون ثلاث أجحفت بالأموال ونحبت قلوب الرجال، فأما الأولى منهنّ فأذابت الشحم، وأما الثانية فنحضت (١) اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحظرونها عنهم وتمنعونها ذوي خلّتهم، وإن تكن لكم فتصدقوا ف ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢) قال هشام: هذه حاجتك في خاصتك، فما حاجتك في عامتك؟. قال: مالي حاجة في خاصة دون عامة، فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله أن أنفق على من أقحمته السنة حتى يأتي الله بالحيا والخصب. وكتب بمثل ذلك إلى ابراهيم بن هشام عامله بالمدينة فأنفقا، فاحتسب بألفي ألف درهم، واحتسب إبراهيم بسبعين ألف دينار فسميت السنة سنة خالد.
- vol. 9, p. 397
ويروى عن الأصمعي أن عراقيا قال لبعضهم - هشام أو غيره-: إن كان هذا المال لكم فقد بخلتم به، وإن كان بينكم وبين رعيتكم فقد أسأتم الأثرة ومنعتم الحق، وإن كان لكم أن تعطوا ولكم أن تمنعوا فأنتم كما قال الله: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (١) .
-
المدائني عن أبي محمد القرشي قال: كان يفطر عند هشام قوم في شهر رمضان فسأله رجل منهم حاجة فقال هشام: ألم أنهكم عن أن يكلمني أحد في حاجة في هذا الشهر؟. فقال له رجل يكنى أبا نوح من بني تميم، ممن كان يفطر معه: والله لقد أمر لي أمير المؤمنين بخصي فما منعني من تنجز ذلك إلاّ هذا الشهر. قال هشام: ما أعلمني أمرت لك بشيء، قال: بلى يا أمير المؤمنين قد أمرت لي به ولكنك نسيت. قال: فمن يعلم ذلك؟. قال:
إبراهيم بن هشام خالك، قال: أكذلك يا إبراهيم؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين وما كنت أرى نسيانك يبلغ هذا، فأمر له هشام بالخصي. فلما خرج أبو نوح وقف لإبراهيم، فلما خرج ابراهيم قال: جزاك الله خيرا، قال:
لكن لا جزاك الله خيرا، ويحك ألا أعلمتني أنك تريد هذا قبل أن تقوله، ثم قال: إياك أن تعود لمثلها.
-
المدائني قال: استأذن المهاجر بن عبد الله هشاما في الحج فأذن له، وحج هشام فشكاه الناس، فراح إلى رواق هشام، فقال هشام لجارية له:
انظري من في الرواق، فخرجت ثم رجعت فقالت: فيه أجمل الناس وآدب الناس، فقال: انطلقي إلى هذا الذي زعمت أنه أجمل الناس فادعيه
vol. 9, p. 398فخرجت إلى المهاجر فقالت: أجب أمير المؤمنين. قال: انطلقي فإن للأمير حاجبا غيرك، فأرسل إليه خصيا فدعاه فقال: دونك هذه الجارية فاطلب ولدها فإنها نعمت أم الولد.
قالوا: وكان المهاجر بن عبد الله يمر في مسجد دمشق فيعدل عن القناديل لئلا يكسرها بطوله، وقد مدحه جرير فقال:
إنّ المهاجر حين يبسط كفّه … سبط البنان طويل عظم الساعد
ولقد حكمت وكان حكمك مقنعا … وجعلت بين منابر ومساجد (١)
وقالوا: قدم عمرو بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص على هشام فجفاه فقال:
لعمرك للرّبيع أقلّ دينا … وأكثر صامتا مني مرارا
وأكثر زائرا مني كثيرا … وأجدر بالرصافة أن يزارا
قالوا: وكان هشام يقف على القصاب فيسأله عن سعر اللحم، ورأى رجلا من خاصته يبتاع لحما فغمزه فأتاه فقال: بكم تشتري؟. قال:
بدرهم، قال: أحسنت، وأكثر من هذا سرف، وقال هشام: لا يلام المرء على إصلاح ماله والقصد فيه.
قال المدائني: دخل هشام بستانا له فأقبل من معه يأكلون من ثمرته ويقولون: اللهم بارك لأمير المؤمنين، فقال: كيف يبارك في شيء تأكلون منه هذا الأكل، فقلع شجر ذلك البستان وجعل مكانه زيتونا.
- vol. 9, p. 399
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: قال هشام: ما ندمت على شيء ندامتي على ما أهب. إن الخلافة تحتاج إلى الأموال كما يحتاج المريض إلى الدواء.
-
حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة، حدثني أبي أن رجلا من قريش دخل على هشام فقال له: ما أقدمك؟. قال: حاجة جليلة، وفضل أمير المؤمنين أجلّ منها. قال: وما هي؟. قال: تصلني بألف دينار وألف دينار وألف دينار. قال: ألف لماذا؟. قال: أصرفها في قضاء ديني. قال:
حسن جميل، تقضي حقا، وتحط ثقلا، وتؤدي أمانة. وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها ولدي. قال: حسن جميل. تعف فرجا، وتصل سببا، وترجو عقبا. وألف لماذا؟ قال: استعين بها على نوائب الزمان وجفوة الإخوان، قال: حسن جميل، تستر بها نفسك، وتصون وجهك، وتصلح معاشك. ثم سكت فخرج من عنده.
-
ثم عاد في اليوم الثاني فقال له: قد أمرنا لك بثلاثة آلاف دينار، وإنما نحن خزان الله، فإن أذن لنا في عطاء شيء أمضيناه، وإذا لم يأذن فيه منعناه.
قالوا: وكتب هشام بخطه: «من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى رياح مولى مسلمة ابن أمير المؤمنين، أما بعد، فقد قرئ على أمير المؤمنين كتابك بما ذكرت من تكلفك من المؤونة في القراطيس، وسيرى أمير المؤمنين في أمر القراطيس لك ولغيرك رأيه، إن شاء الله» .
-
وكتب هشام إلى يوسف بن عمر: أما بعد فقد وليت عبد الله بن نافع ما كان سعيد يليه من عمل بعلبك، وأمرته بقبض العهد الذي كان
vol. 9, p. 400لسعيد، والأخذ بما فيه، فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وأحسن جوار عبد الله، وأعنه على ما استعانك عليه فيما وافق الحق، وما هو له، ولما تحت يده صلاح، ولا تجعل له إلى شكيتك سبيلا إن شاء الله».
قالوا: بعث خالد بن عبد الله القسري إلى هشام بمال، وأرسل قوما يشهدون أنه طيب أخذ من حلّه، فصانع رجل بألفي درهم حتى جعل مع الشهود، وصيّر آخرهم، فقدموا على هشام فقال: أين المزكّون، فدعا رجلا رجلا فحلفوا بالله أنه ما أخذ شيئا من ذلك المال إلا من حلال، ولا حمل إليه خالد إلا الفضل بعد أن أعطى كل ذي حق حقه، حتى قام ذلك الرجل المصانع بالألفين فحلف بالله لقد شهدوا بزور وفجور. فقال هشام: أراك مستأجرا؟ فقال: والله لقد صانعت بألفي درهم حتى ألحقت بالشهود، قال: أفأنت خارجي؟ قال: لا والله ما أنا بخارجي، ولكني نظرت لك فاتق الله. فقال هشام لمن حضره: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقتله فإن له مذهب سوء، وإلا فلم صانع ليخبث بنفس أمير المؤمنين، ويجرح شهادات مثل هؤلاء فقتله وصلبه، ويقال بعث به إلى خالد فقتله وصلبه بواسط.
-
وقال بعضهم كان خالد بن عبد الله أبلغ عن الكميت بن زيد تنقصا له، وكان متهما بالرفض عندهم، وأنشد قصيدته الهاشمية التي يقول فيها.
إلى النفر الغرّ الذين بحبّهم … إلى الله فيما نابني أتقرب
وقالوا ترابيّ هواه ورأيه … بذلك أدعى فيهم وألقّب (١)
- vol. 9, p. 401
فحبسه خالد فلبس ثياب النساء وخرج فعاذ بمسلمة بن هشام وقال:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل … على الرغم من تلك النوابح والمشلي (١)
عليّ ثياب الغانيات وتحتها … عزيمة رأي شبّهت سلّة النصل
فأصبحت مغبوطا ومحسود أمة … بأبيض محسود على مثله مثلي
من النّفر البيض الذين أكفّهم … سمام العدى والشافيات من النبل (٢)
-
وأخبرني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: بلغ هشام بن عبد الملك أمر عابه به، وأنشد قصيدته الهاشمية البائية، فكتب إلى خالد في حبسه، فحبسه فكان أبان بن الوليد يعده ويمنيه ويضمن له عن خالد ما يحب، وخالد يومئذ بواسط، وكان المستهل بن الكميت يعمل في أمره من قبل عبد الرحمن بن عنبسة، فجاء كتاب هشام بقطع يدي الكميت ورجليه ولسانه، فأخبر خالد بن عنبسة بذلك، فأخبر ابن عنبسة المستهل بذلك ليعلمه إياه فيوصي ويعهد، فأخبر المستهل أمه فلبست درعين وخمارين ونطاقين، ثم أتت الكميت فأخبرته فلبس أحد درعيها، وأحد خماريها، وأحد نطاقيتها، ثم خرج على البوابين فلم ينكروه ومضى من فوره إلى مسلمة بن هشام فأجاره مسلمة وأخواه. وقال في أبان بن الوليد:
أخلق وابل أبا الوليـ … ـد فقد لبست ثياب غادر
وكتب خالد إلى هشام بخبره، فكتب إليه هشام: أما امرأته فخاطرت بنفسها لزوجها فلا سبيل عليها فأطلقها. وأما أنت فقد ضيّعت.
وقال الكميت:
vol. 9, p. 402خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل
الأبيات.
-
وقال الكميت يحذّر هشاما غدر خالد - ويذكر ما تدّعى اليمانية من مصير الأمر إليهم، فإن ابن الأشعث كان ادعى ذلك لنفسه، ثم يزيد بن المهلب بعده، وأن خالدا أطمع نفسه في ذلك - قصيدة، وقال في ذلك.
أنوّاما يقول بني لؤيّ … عن الأمر المرشح ذي البزول
أرى أمرا سيعظم أصغراه … لتمّ لقاح مبسقة (١) حفول
دفوع للفصال بمنكبيها … خبوط عند درّتها ركول
كما لقيت ثمود ولا يكونوا … لكم مثلا براغية الفصيل (٢)
-
فيقال إن مسلمة بن هشام دخل على هشام فلم يفارقه حتى عزل خالدا، وأمسك عن الكميت لأنه كذّب ما قيل فيه:
وقال الكميت في مسلمة أبي شاكر بن هشام:
إن الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم (٣)
فقال خالد: أنا اكفر بخليفة يكنى أبا شاكر، فكأنّ مسلمة قد حقد ذلك عليه.
وقال الكميت في هشام قصيدة يقول فيها:
وكنا متى ما ندع مروان للتي … نخاف نذد عن حوضنا أن يفجّرا
وأنتم أناس يجمع الله دينه … بكم ويقيم الله من كان أصورا (٤)
vol. 9, p. 403وجدنا أبا العاصي أبا أبويكم … ومجدكم المستقدم المتأخرا
كساه من المجد الهشامان حلة … مغيرية منها ارتدى وتأزّرا
وقال الكميت:
أبني أمية إنكم … أهل الوسائل والأياصر
أنتم معادن للخلا … فة كابرا عن كل كابر
وإلى القيامة لا يزا … ل لشافع منكم وواتر
الأطيبون الأكثرو … ن من الأطايب والأكابر
الآن صرت إلى أميـ … ـة والأمور إلى المصائر
يا مسلم ابن أبي الوليـ … ـد لميّت إن شئت ناشر
علقت حبالي من حبا … لك ذمة الجار والمجاور
والناس قد علموا رجا … ئي فيك من باد وحاضر
أنت المقابل في أميـ … ة في قوادمها الفواقر
الضامنين الدهر للحدثـ … ـان والجار المجاور
حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني الراوية، قال: لم يزل مسلمة بهشام حتى أمن الكميت وأنشده شعره فيه، وكان يحب أن يشرف ابنه مسلمة، ويرفع ذكره، فأظهر الرضا عنه، وتشفيع ابنه فيه.
وقال الكميت لعبد الملك بن هشام:
من عبد شمس لك السّنا … م ومن عبد مناف لبيتك الطّنب
وأنت في البيت ذي الدعا … ئم من مخزوم في بيت علا به النّسب
فما لحيّ مجد ولا مكر … مة إلا لكم فوق مجده رتب
وقال في مسلمة بن هشام:
vol. 9, p. 404أمسلم إنّ الحلم والحزم والندى … ببابك ما يزداد إلا تجدّدا
وأنتم نجوم الناس والمهتدى بهم … وأكرم أهل الأرض كهلا وأمردا
وقال يرثي معاوية بن هشام تقربا بذلك إلى هشام وولده وقد كان ممن دفع عنه:
أتانا بموت ابن الخليفة حادث … به نهلت منا القلوب وعلّت
فإن تك أرض يا معاوي غيّبت … جداك وأرض منك أخرى تجلّت
فنعم فتى الهيجا ونعم شهابا … إذا البيض تحت المشرفيات صلّت
ربيع إذا ضنّ الشتاء بقطرة … وليث إذا ما المشرفية سلّت
سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيت يد المعروف بعدك شلّت
وغلّق أبواب الندى وتنغّصت … إلى الناس أخرى عيشهم وتقلّت (١)
-
المدائني عن زيد بن الحارث قال: كان سعيد بن هشام يركب متنزها فإذا برز عن الناس نزع ثيابه حتى يبقى في قميص فيضعه على عاتقه ويعدو فيقول: أرسلت كلبي يبتغي ما يأكله، فلا يلقى امرأة إلا غصبها نفسها، وكان ماجنا، وكان يخالف إلى امرأة عمرو بن قيس، وكان على حمص، فقال فيه الشاعر وهو من طيّئ ثم من بني بحتر:
بلّغ لديك أمير المؤمنين فقد … خصصتنا بأمير غير عنّين
طورا يخالف عمرا في حليلته … وعند تاجة يبغي البرّ في الدين
وقال الكلبي: عمرو بن قيس بن ثور بن حمران السكوني، وهو أبو عيسى عمرو بن قيس، وعيسى هو أبو الجمل الحمصي وتاجة بنت عمرو الغنوي امرأة عمرو بن السليل من الرباب.
vol. 9, p. 405وقال يزيد بن الحارث: كنا نعرف شبهه في قوم بحمص نرى أنهم ولده، قال فخرج مرة متنزها فلم أخرج معه، وخرج معه صفوان بن عمرو الكلاعي، فلما رجع خرجت أتلقاه. فقال: ما منعك من الخروج معنا؟ فاعتذرت إليه، فسايرته ثم نزلنا فقال: أترى هذا الخلق ما فيهم أشبق مني. قلت: إن مثلك لا يقول مثل هذا. قال: اسكت أنا أعلم بنفسي منك.
-
ورفع عليه عند هشام أنه يزني فعزله وقال: لا تلي لي عملا أبدا لعنك الله، أيزني القرشي، إن مثلك لا يزني، أتدري ما فسق القرشي وفجوره، إنما هو أن يأخذ مال هذا فيعطيه هذا: ويقتل هذا ويظلم هذا.
قالوا: وخرج سعيد يوما بحمص في غبّ مطر يسير، وقد التحف بطيلسانة، وهو على فرسه: وقد كادت صنعة طيلسانة تصيب الأرض، فمر برجل وهو لا يعرفه، فقال: يا عبد الله قد أفسدت ثوبك وما يضرك لو رفعته؟ فقال: وددت أنك وثوبك في النار. فقال: وما ينفعك؟ وقال أبو محمد السفياني: حبس سعيد بن هشام معنا، فكان في بيت على حده فكنت أسمع صوت أوتار عود، فخرجت يوما إلى البيت الذي هو فيه، فإذا هو قد أخذ جفنة فثقبها، وعلق عليها أوتارا، فقلت: ويحك، على هذه الحال؟ قال: لا أبا لك لولا هذه لمت غما.
-
المدائني عن اسماعيل بن ابراهيم قال: سمعت شيخا يقول: خطب هشام حين ولي فقال: «الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام» .
-
فأخبرت محمد بن عمرو بن حزم فقال: لكن عمر بن عبد العزيز كان إذا
vol. 9, p. 406خطب بكى ثم قال: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ (١) .
-
حدثني العمري قال: ولى هشام ابنه سعيدا حمص، فكان يرسل إلى تاجة بنت عمرو الغنوي، وهي امرأة عمرو بن السليل من بني تيم الرباب، فشهد بذلك عند أبيه، فحدّه أبوه وقال: يا بن الخبيثة أتزني وأنت ابن أمير المؤمنين، لا جرم. لا ولّيتك عملا أبدا، إنما فجور قريش منع هذا ما يستحق، وإعطاء ذاك ما لا يستحق، فيقال إن سعيدا مات من ذلك الضرب، والثبت أنه بقي بعد موت أبيه.
قالوا: وقدم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس على هشام فكره ذلك وأمر بفسطاطه فقوض وقال: قولوا له إلحق بمنزلك، وانتظر دولتكم التي تتوقعونها. فقال له الأبرش الكلبي: يا أمير المؤمنين إن كان الذي يقال حقا فقد ينبغي أن تصانعهم، وإن كان باطلا فعلام تقطع رحم هذا وقد قصد إليك.
-
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم قال: كتب هشام لابنه محمد بن هشام، وأراد أن يبعثه على الصائفة كتابا نسخته: «إني رأيت أن أعهد إليك في أشياء من أمر خاصتك، أحب أن أحملك فيها على أدبي، ليكون حجة عليك وتأدية لحق الله عليّ لك، وأنا أرجو أن يتولى الله حفظك بالتنزيه عن كل قبيح، والعصمة من كل مكروه، والتحصين من كل آفة أخشاها عليك في دينك وبدنك ورأيك وعرضك، وأن يبليني في جميع ذلك أجمل ما عوّدني
vol. 9, p. 407فيك، فحميد هو على ما يولي، مشكور على ما يبلي، وليس امرؤ وإن ظوهرت له العظة ونخلت له النصيحة بمنتفع بشيء من ذلك حتى يكون له من توفيق الله داع، ومن نفسه عليه معين يبصره فضل ما يوعظ به على ما يوعظ عليه، فإنه لا يوفق للخير ويعين عليه إلا الله وحده لا شريك له.
-
وقد كان مما أحدث الله لي فيك من النعمة، ما أسأل الله تمامه، وحسن المزيد فيه، والعون على أداء شكره عليه، فإنه قد أراني فيك من معالم الفضل وأمارات الخير ما قذف به في نفسي توجيهك لما وجهتك له من الأمر الذي أرجو أن يجعله الله لك إلى قصوى غايات الفضل سببا وسبيلا، فيما يعرفنا من بصرك بالأمور واستقلالك بالقيام لله بالنصيحة، وحسن السياسة، والرفق في مستقبل أمرك، ومفتاح عملك، فليكن أول ما تبدأ به إيثار تقوى الله ربك بالاجتهاد في طاعته، والحيطة لدينه وعباده ليجزيك بذلك جزاء كريم سلفك الماضين، وصلحاء أهلك الباقين، فإنّ به تمام كل نعمة، وإليه منتهى كل رغبة».
-
حدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: دخل أعرابي على هشام في غمار الناس، فقال هشام لحاجبة: أكلّ من شاء أن يدخل دخل؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إن دخولي عليك لا ينقص من قدرك، وهو يزيد في قدري. فقال: لا بأس إذا، أذكر حاجتك، فتظلم من واليهم، فكتب بإنصافه.
-
ويقال إن هشاما - أو الوليد بن عبد الملك - كان يقف على البقال قبل الخلافة فيقول: ناولني تلك الحزمة، فيناوله حزمة من البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلسين، فيقول: زد فيها.
- vol. 9, p. 408
وفي هشام يقول الشاعر:
باتصال دعوت يا عبد شمس … بعد ما نابهنّ أو يا مغيرا
قمري مكة المضيء دجاها … يجلوان الدّجنّة الدّيجورا
وقال الواقدي: خرج عشرون ألفا من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة فنزلوا على ملطية، فأغلق أهلها أبوابها. وخرج رسولهم مستغيثا فلحق بهشام وهو بالرصافة، فندب هشام الناس إلى ملطية، وتقلد سيفا ثغريا، وركب يطوف على الناس بالرقة، وأتاه الخبر بأن الروم قد قفلوا فأخبر الرسول بذلك، وبعث معه بشرا ليرابطوا بملطية.
-
حدثني أبو الوليد هشام بن عمار قال: سمعت من يحدث أن هشاما قال: لسان المرء من خدم عقله وأول واحد يخبر ما عنده.
قال: وبلغني أن هشام بن عبد الملك قال: إن اللسان في حكايته صادق عن عقل صاحبه.
قال المدائني: كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز يفد إلى هشام فيتكلم عنده، فيعجب مسلمة بن عبد الملك كلامه ويقول:
والله إني لأرفع كور العمامة عن أذنيّ لاستفرغ كلام ابن عامر، وكان مسلمة يقول: إنّ الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فكأنه يقضمني حب الرمان الحامض حتى يسكت فأردّه عنها، ويكلمني الرجل في الحاجة ما يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها.
قالوا: وحضر الوليد بن يزيد مجلس هشام: ثم خرج فوثب على فرسه وقال لأبي شاكر بن هشام: أيحسن أبوك أن يركب كذا؟ فقال: لأبي
vol. 9, p. 409مائة عبد يفعلون أكثر من هذا. فقال هشام: لله مسلمة ابني ما أظرفه لولا مجونه.
-
المدائني قال: حج هشام: فأخذ الأبرش قوما معهم برابط، فقال:
احبسوهم وبيعوا متاعهم هذا وصيّروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردوا الثمن عليهم.
وقال بشر مولى هشام: أتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه، وضربه فجعل الشيخ يبكي. قال بشر: فقلت له عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي لضرب أمير المؤمنين إياي، إنما أبكي لاحتقاره العود حين سماه طنبورا.
وقال هشام بن محمد الكلبي: دخل الوليد بن يزيد المقتول على هشام بن عبد الملك وعنده ولده، وفيهم مسلمة بن هشام، المكنى أبا شاكر، فقال الوليد لمسلمة، وكان ظريفا: ما اسمك؟ - كأنه لا يعرفه - فقال: شارزنجي. يعرّض بأنه يكثر شرب النبيذ إكثار الزنج ويطرب طربهم، وقد كتبنا خبر شارزنجي مع أخبار عبد الملك بن مروان.
وقال المدائني: استأذن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأخوه عبد العزيز معه على هشام، فأذن لمحمد قبل عبد العزيز، فقال عبد العزيز: يرحم الله حسينا - من غير أن يجري للحسين ذكر - فأنكر هشام ذلك وقلب عينه وقال: ما ذاك؟ قال: ذاك لأني ومحمدا أبناء عبد الله، وأمي أموية بنت خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأم محمد فاطمة بنت حسين، وقد قدّم عليّ وأنا أسنّ منه لأن فاطمة ولدته. فقال هشام لآذنه:
قدّمه بعد مرّته هذه.
- vol. 9, p. 410
وحضر محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الله بن الحسن بن الحسن باب هشام فخرج الآذن فقال: محمد بن عبد الله. فلم يقم. فدنا الآذن فقال: ادخل، فقال: عبد الله بن الحسن ههنا. فرجع إلى هشام فأخبره بقوله، فقال: محمد بن عبد الله، فلم يقم. ففعل ذلك مرات، فقال هشام: ائذن لعبد الله، فخرج الآذن فقال: عبد الله بن حسن. فقام وقام معه محمد بن عبد الله.
-
المدائني: أن هشاما قال لمسلمة بن عبد الملك: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر لحرب شهدتها، أو لعدو كادك؟ قال: ما سلمت من ذعر لا يذهلني عن حيلة ولم يغشني ذعر يسلبني رأيي، فقال هشام. هذه البسالة.
قال المدائني: قال ابراهيم بن هشام لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أقبل عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص يوما، وعندي ابراهيم بن عبد الله بن مطيع، وعلى عبد الرحمن بن عنبسة ثياب خضر:
الجبة والمطرف والعمامة، فقال ابراهيم: قد أقبل ابن عنبسة في زينة قارون. فضحكت، فقال عبد الرحمن: ما أضحكك أيها الأمير؟ قلت:
قال ابراهيم حين أقبلت كذا وكذا. فقال عبد الرحمن: لولا أني أخافه علي وعليك وعلى المسلمين إن هو غضب لأجبته. قلت: وما تخاف من غضبه؟ قال: بلغني أن الدّجال يخرج لغضبة يغضبها، وابراهيم أعور وأنا أظنه الدجال، فقال ابراهيم: لولا أن له عندي يدا عظيمة لأجبته، قلت:
وما يده؟ قال: سعى عليه غلام بمدية فأصابه فأشواه، فلما نظر إلى الدم جعل لا يدخل عليه مملوك إلاّ قال له: أنت حر، ودخلت عليه عائدا له
vol. 9, p. 411فقلت له: كيف تجدك؟ قال: أنت حر، قلت: أنا ابراهيم بن عبد الله، قال: أنت حر، فأعتقني في ظنه فهذه يده.
قالوا: وهرب هشام من الطاعون، فانتهى إلى دير فأدخله الراهب بستانا على أربعة أجربة، وجعل يأتيه بأطايب الفاكهة والبالغ منها، فقال هشام: أتبيعني بستانك؟ فسكت. فأعاد عليه القول وهو ساكت فقال:
مالك لا تتكلم يا راهب؟ قال: وددت أن الناس ماتوا غيرك. قال: ولم؟ قال: حتى تشبع إذا بقي كل شيء في الدنيا لك. فضحك وقال: أما تسمع يا أبرش. قال: ما لقيك حرّ غيره.
-
المدائني قال: دخل جديع الكرماني على هشام فقال له: من أنت؟ قال: جديع. قال: الكرماني؟ فكأنه كرهها، فقال هشام: لا تفعل وإذا شهرت بلقب تكرهه فإنه نسب.
قالوا: ووقف هشام يوما بحائط له فيه زيتون ومعه عثمان بن حيان، فسمع هشام نفض الزيتون، فقال لعثمان: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا فتتفقأ عيونه وتتكسر غصونه.
قالوا: وأدخلت على هشام جارية أعجبته، فاشتط صاحبها في الثمن، فأعطاه هشام عشرة آلاف فأبى فاشتراها الأبرش بحكم صاحبها وسومه، وبعث بها إلى هشام.
-
وأتي هشام بمال فقسمه على ولده وأهله، وقال لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم، وقد عزل مائة وعشرين ألف درهم: من أحقّ بهذا المال؟ قالت: أنا. قال: قد أخذت قسمك.
vol. 9, p. 412وقال لعبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية: قولي فإنكم آل أبي سفيان تدّعون الرأي؟ قالت: أحق الناس بهذا المال من جاد لك بما بخلت به على نفسك، قال: صدقت، وأمر بحمل ذلك المال إلى الأبرش، وقال: هذا الآن في هذا الموضع أحسن منه في ذلك الموضع.
قالوا: وقدم على هشام وفد وفيهم ابن عمار بن ياسر، فقال له هشام: من أنت؟ فأخبره. فقال:
ترجو الصغير وقد أعياك والده … وفي أرومته ما ينبت العود
لا والله ما نال مني خيرا أبدا ما بقيت.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة ماؤها يغمر الكعبين، وقد وضع له كرسي فجلس عليه، فلما رآني دعا لي بكرسي، ثم جلس يسائلني فأقبلت أحدثه، ثم قال: يا خالد لربّ خالد جلس مجلسك كان أحب إلي منك - يعني خالد بن عبد الله القسري - قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لو تفضّلت عليه بصفحك وتغمّدته بحملك؟ فقال: إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، فسكتّ.