أمر هشام بن عبد الملك بن مروان

822 paragraphs · vol. 9, p. 367

Page 4 of 21

  1. حدثني العمري عن الهيثم قال: أهدى خالد بن عبد الله وهو على العراق إلى ولد هشام وحشمه هدايا، وأغفل خادما له، فأخذ الخادم ابنا له صغيرا فوقف به حيث يسمع هشام الكلام، ثم قرصه قرصة أبكته فقال:

    والله لو كنت من ولد خالد بن عبد الله القسري ما عدا، فسمع هشام قوله فكان ذلك أول ما وقر في قلبه.

    vol. 9, p. 413قالوا: ولما غضب هشام على خالد أرسل إليه يذكّره حرمته، فقال:

    إنّ الإفراط في الدالّة يفسد الحرمة.

    vol. 9, p. 412
  2. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال هشام: أرخى الناس بالا من تخلّى عن الدنيا ومتاعها فدافع الأيام، وأصبح أجله أحبّ قادم إليه.

    وقال هشام للأحوص: ما لنا وللفرزدق، حفر لنا خالد نهرا. فقال:

    أنفقت مال الله في غير حقه … على نهرك المشؤوم غير المبارك (١)

    فقال الأحوص: ما هذا من كلامه. قال هشام: قاتلهم الله، إذا جاءت الحقائق نصر بعضهم بعضا.

  3. المدائني عن سحيم بن حفص قال: مرّ ابن هشام بن عبد الملك على اسماعيل بن يسار وقد اتخذ منزلا وهو يصوّره (٢) ، فقال: يا اسماعيل ما هذا من منازلك، قال: بلى والله إنه لمن منازلي ومنازل آبائي ولكن منزلك خباء مضروب من شعر أو صوف على عمود من خشب.

    قالوا: وتفقد هشام بعض ولده فلم يره يحضر الجمعة فقال له:

    ما منعك من الصلاة في يوم الجمعة في مسجد الجماعة؟ فقال: نفقت دابتي فعجزت عن المشي إلى الجمعة.

    وقال هشام لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال: أنت فوق الخلق وليس فوقك إلا الله، وأنت صائر إلى الله، فاتّق الله.

  4. المدائني عن حمزة بن ابراهيم قال: قال الحجاج لمعبد الجهني: يا معبد أتتكلم في القدر؟ قال: نعم، زعم فسّاق أهل العراق أن الله قضى وقدر أن يقتل عثمان، فقلت: كذبتم. فقال: صدقت. فبلغ هشاما قوله فقال:

    لقد قدر الله قتل عثمان لما كتب على قاتليه من الشقاء، وكذب معبد والحجاج.

    قالوا: وقدم رواية الفرزدق وجرير والأخطل على هشام، فدخل رواية جرير في فرو، ودخل الآخر في خزّ، فأنشد رواية الفرزدق شعرا:

    كأنّ مفالق الرّمان فيه … وجمر غضى قعدن عليه حام (١)

    vol. 9, p. 414
  5. فغضب هشام ولم يصل راوية الفرزدق والأخطل، ووصل راوية جرير.

  6. المدائني عن عبد الرحمن بن خالد قال: رأيت هشاما وهو يقول لغلمانه وهم يلقطون زيتونا في أرض له: القطوا لقطا، ولا تخبطوا خبطا، فإن الخبط يفقأ عيونه ويكسر غصونه، وكان معه عثمان بن حيان فوجّهه من وجهه إلى العراق للمسألة عن خالد فقدم عليه فأخبره، فكان ذلك سبب عزل خالد.

  7. حدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن هشاما حدّث بأن خالدا يعطي من جاءه من قومه، فازداد غيظا عليه وغضبا وقال: إني أبخل بهذا المال عن نفسي وأهلي وولدي، وخالد يفرقه في قومه، فحدثه بعض حضره أن رجلا من بجيلة دخل عليه فسأله فمنعه فقال:

    vol. 9, p. 415إذا المرء أثرى ثم قال لقومه … أنا السيد المفضى إليه المعمّم

    ولم يولهم خيرا أبوا أن يسودهم … وهان عليهم رغمه وهو أظلم

    فردّه وأعطاه فقال هشام: والله لأنقضنّ كور عمامته، ولأدعنّه وهو لا يفضى إليه.

  8. حدثني أبو مسعود عن ابن كناسة قال: اختلف هشام ومسلمة في إعراب حرف أو معنى حرف من الغريب، فحكما رجلا فقال: القول قولك يا أمير المؤمنين، فقال مسلمة: هذا حكم الجهّال وقولهم.

  9. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: هدم ابراهيم بن هشام المخزومي دار عبد الله بن عامر بن الزبير بأمر هشام، فمر به وهو يصلي فقال: اصبر، فقال: إني أعرضكم على الله في كل يوم خمس مرات - يعني الدعاء-.

  10. أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن محمد عن أبيه عن عامر بن عبد الله قال: أراد هشام الحج فقال: من بقي من رجال قريش في المدينة ممن يتكلم؟ فقالوا: لم يبق أحد يردّ على السلطان، فحج فأتاه عبد الله بن عروة بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على خالك ابراهيم بن هشام، فإنك وليته ما بين المدينة واليمن فلم يمنعه كثير ما في يديه عن قليل ما في أيدينا، فأنشدك الله أن تصل رحما بقطيعة أخرى.

    قال: لا أعديك عليه قال: ولم فوالله ما منعنا أن نموت مع عبد الله إلاّ هذه الأموال، وقد أخذت ولأن يموت الرجل عزيزا خير له من أن يموت ذليلا، فقال هشام: هذا واحد.

  11. ثم آتاه ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على نافع بن علقمة، فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك بي غير طريق الحق، قال:

    أفلا أتيت الوليد؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال: أفلا رفعت إلى سليمان؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه وأخيه. قال: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: عوجل رحمه الله ، فغضب هشام وقال: لا يزال الرجل يتكلم عند أمير المؤمنين بما يستحق من يتكلم بمثله أن يدقّ أنفه ويسحب على وجهه. قال: إذا يسبق خيرك شرّك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، وأمر الله من ورائك، أما والله، ان القضاء ليتعقب وإن الفاسق ليصلح.

    فقال هشام: قبح الله من زعم أن قومي قد ذهبوا، هذا زعم إنّ قضائي يردّ، وابن عروة يتهددني.

    ثم قال لإبراهيم: لو كان فيك مضرب لضربتك مائة، قال ابراهيم: فيّ مضرب ألف، قال هشام: سوءة اكتمها علي. قال: فما أخبرت بها أحدا حتى مات، فلما مات حدثت بها لأنها مكرمة.

    vol. 9, p. 416
  12. وقال الفرزدق وقد خاف خالدا.

    ألم تعلموا يا آل مروان نعمة … لمروان عندي مثلها تحقن الدّما

    وما كان عني ردّ مروان إذ طغى … عليّ زياد بعد ما كان أقسما

    ليقتطعن حرفي لساني الذي به … لخندف أرمي عنهم من تكلما

    vol. 9, p. 417وكنت إلى مروان أسعى إذا جنى … عليّ لساني بالمقال وأجرما

    وما تركت كفّا هشام مدينة … بها عوج في الدّين إلا تقوّما (١)

    وقال الكميت في خالد بن مسلمة:

    الشمس أدتك الا أنها مرة … والبدر أداك إلا أنه رجل

    الغالب النفس حلما عند طيرتها … والمستثيب حلوم القوم إن جهلوا

    ما أنت في الجود إذ عدّت فواضله … ولا ابن مامة إلاّ البحر والوشل

    قال: ولم يقدم جرير على هشام فيمن أتاه من الشعراء عشر سنين، ثم تهيأ للخروج إليه وقال:

    وكيف ولا أشدّ إليك رحلي … أروم إلى زيارتك المراما (٢)

  13. فمات قبل أن يخرج إلى هشام.

    قالوا: وقدم عروة بن أذينة الليثي على هشام، فسأله: ألست القائل:

    لقد علمت وما الإسراف من خلقي … أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

    أسعى له فيعنيني تطلّبه … ولو صبرت أتاني لا يعنّيني

    وإني لأحسبك ممن يفضل قوله فعله، فقال عروة: فإني استغفر الله وأستقيله ولا أرغب إلا إليه، فخرج من عنده ولم يبت إلاّ في الطريق منصرفا إلى أهله.

  14. وتذمم هشام مما استقبله به حين بلغه انصرافه، فبعث إليه بألف دينار، فلما أتاه بها رسوله قال: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له إني

    vol. 9, p. 418رضيت بالله ورغبت إليه فأتاني برزقي على فراشي، فقال هشام: صدق.

  15. إنما نحن خزان الله، فإذا أذن في شيء أمضيناه على محبة منا وكرامة.

  16. المدائني قال: قال هشام لسعيد الأبرش: أوضعت أعنزك؟ قال:

    أي والله قال: لكن أعنزي تأخر ولادها فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها، قال: نعم. وقدّم خباء فضرب وغدا هشام والأبرش وغدا الناس فقعد هشام والأبرش على كرسيين، فقدموا الى كل واحد منهما شاة فحلب هشام الشاة بيده ثم قال: يا أبرش إني لم أنس الحلب.

  17. ثم أتي بخبزة أمر الأبرش بها فعملت بين يدي هشام، فأوقد هشام النار بيده وفحصها، وألقى الخبزة فيها وجعل يقبلها في النار بالمحراث ويقول: يا أبرش كيف ترى رفقي، حتى نضجت، ثم أخرجها فجعل يضربها بالمحراث ويقول: جنبيك، جنبيك والأبرش يقول: لبيك لبيك، وهذا شيء كان يقوله الصبيان إذا خبزت لهم الخبز، ثم تغدى وتغدى الناس وانصرف هشام.

  18. المدائني قال: قال رجل من أهل المدينة: انتقص الناس بعد هشام، ما كان أحد يشد رحله إلى رجل إلاّ وجد عنده رأيا وعقلا وسخاء، فلما مات هشام انتقص ذلك.

  19. وسئل هشام يوما عن مكحول، فذمه فقال مسلمة: مه يا أمير المؤمنين فقد سمعته يقول: اللهم لا تبقني بعد هشام.

  20. المدائني عن شيخ من جرم أنه قال: إني لباقريتين، وبينها وبين دمشق مرحلتان على الإبل، إذ نزلت قافلة جاءت من أرمينية فيها خلق، فجاء رجل من كلب من قبل هشام، ورجل آخر معه فقالا: أيتها النازلة

    vol. 9, p. 419أفيكم غيلان بن مسلم؟ فقام رجل أحمر عليه قباء نصيبي مجلد الأزرار فقال: أنا غيلان أبو مروان. فقالا: أين صالح، فقام رجل ربعة حسن الوجه فقال: أنا صالح أبو عبد السلام فشداهما في الحديد وحملاهما إلى هشام، فقال هشام لغيلان: ويلك ما هذا الذي يبلغني عنك من القول؟ فسبقه صالح فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (١) ، فقال له هشام:

    أتركت أن تتلو كتاب الله محكمه، وتلوت متشابهه، إن هذا ليحقق ما قيل فيكما، قال: أو هذا متشابه؟ قال: أخرجوهما فاضربوهما سبعين سبعين، فضربا، وجاء قوم فشهدوا عليهما بأنهما قالا: ما ولّى الله هشاما شيئا قط، وإن الناس يتغالبون على الأرزاق، وتأتيهم بالإتفاقات. فقال: لعلكم شهدتم لأمر وجدتم عليهما فيه، أو لعداوة واجبة؟ فقالوا: لا، ولكنك إمام وقد خرجنا إليك مما في أعناقنا، فقطع أيديهما وأرجلهما، فمر عليهما عثمان بن حيّان المرّي فقال: يا غيلان، كان هذا بقضاء الله وقدره؟ فقال:

    كان في علم الله.

  21. ثم أمر هشام باخراج ألسنتهما من أقفيتهما أو قطعها فلم يلبثا أن ماتا.

  22. وقيل إن غيلان وصاحبه كانا بأرمينية يتكلمان في هشام، فلما شخصا عنها، وكان قد وضع عليهما عيونا فأخبر بنزولهما حيث نزلا، فدس شهودا شهدوا عليهما، فصنع بهما ما صنع ثم صلبهما.

    قالوا: وعمل هشام منجنونا (٢) وكتب إلى صاحب الرقة يأمره أن يبتاع

    vol. 9, p. 420له ثور المنجنون فاشتراه بثلاثين درهما، وبعث به إليه مع بعض الشرط، فلما رأى هشام الثور أعجبه وقال: بارك الله فيك وفيمن وجّه بك، أعطوا الرسول عشرة دراهم. فقال: يا أمير المؤمنين زدني في عطائي خمسة دنانير فقال: جئت بثور اشتري بثلاثين درهما وإنما بيننا وبين الرقة ثلاثون ميلا، وأنت تنال خمسة دنانير في عطائك، أنت أحمق. إذهب بارك الله فيك.

  23. المدائني قال: قال عمرو بن عتبة المخزومي: أذن هشام يوما إذنا عاما، فدخل أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين قد كبرت سني، ورقّ عظمي فأعنّي بالفرض لابنيّ فإنهما كما يحب أمير المؤمنين في طاعتهما وجلدهما قال:

    ما ذاك لك عندنا، قال: فأقطعني دارا إلى جانب داري كانت ليهودي هلك، ولا وارث له أوسّع بها منزلي. قال: بيت المال أحقّ بها، قال:

    فأزرعني مزرعة إلى جانبي تخفف من خراجها عني. قال: لا. فولّى الرجل وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ رجلا أفحش بخلا ولا أسوأ ردّا، وسمع هشام كلامه فنكس، ورفع الشرط عليه العمد، قال عمرو: فضممت إلي ثوبي مخافة أن يقتل فيصيبني دمه، أو يشدخ فينتضح علي من دماغه، فقال الأعرابي: ما ينبغي أن ألومك وإني لأعلم أنك عبد من عبيد الله لا تعطي ولا تمسك إلا بإذنه، قال هشام: ردوه، كيف قلت؟ فأعاد قوله فقال:

    صدقت، أعد عليّ حوائجك، فقضاها.

    قالوا: وأهدى إلى هشام حسان النبطي هدايا كثيرة، وركب هشام فعرضها عليه وأرضى حسان كل من يطيف بهشام غير خادمين له صغيرين احتقرهما، فدخل هشام المتوضأ وجاء الوصيفان بالماء، فقال أحدهما أما تعلم أمير المؤمنين أن حسان لم يهد ما أهدى حتى أخذ لنفسه مثله؟ قال

    vol. 9, p. 421الآخر: بل لنفسه عشرة أمثاله، أفمن بيت أمه أهدى هذا؟ وسمعهما هشام، فلما دخل عليه حسان قال: وهبت لهذين شيئا؟. قال: لا ولقد أغفلتهما. قال: فأحسن إليهما. فبعث إلى كل واحد منهما بألفي درهم.

  24. وخلا به هشام وهما على باب البيت، فقال أحدهما: نحن نتكلم في أمر هذا الرجل بما لا نعلم، وأمير المؤمنين أعلم بنصيحته وتوفيره، وقال الآخر: ما صارت له عند أمير المؤمنين هذه المنزلة إلا بفضل نصيحته وما فعل أحد مثل فعله، عماله يأكلون الدنيا ولا يهدون شيئا. فقال هشام لحسان: أرضيتهما؟ قال: نعم. فضحك هشام وقال: ما أخبثهما قد رأينا أثر ذلك. المدائني قال: لما اشتد وجع هشام بكى نساؤه وولده، فقال جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، فترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له، ثم فاظت نفسه.

  25. المدائني قال: أتى هشاما محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله فقال: لست معطيك شيئا، فإياك أن يغرك الناس فيقولون إن أمير المؤمنين لم يعرفك، قد عرفتك، أنت محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقم فينفق ما معك، والحق بأهلك.

  26. حدثني على الأثرم عن الأصمعي قال: حج هشام فأراد سالم بن عبد الله الدخول عليه بالمدينة فقال له بنوه: لو اعتممت فاستعاروا له عمامة، ولما دخل على هشام قال له: يا أبا عمر العمامة لا تشبه الثياب.

    قال: انا استعرناها. قال: ما طعامك؟ قال: الخل والزيت. قال: أما تأجمهما؟ قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما. ثم قام فخرج فقال

    vol. 9, p. 422هشام: ما رأيت قط ابن سبعين أقوى كدنة (١) منه. فما وصل إلى بيته إلا محموما، فقال: أترون الأحول لعقني بعينه. ولم يبرح هشام المدينة حتى صلى عليه، وقد كتبنا خبره من جهة أخرى.

  27. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: دخل زيد بن علي بن الحسين على هشام، فلما مثل بين يديه لم ير لنفسه موضعا يجلس فيه، فعلم أنه إنما فعل ذلك به على عمد، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يأمر بها. قال: اسكت لا أم لك.

    قال: أمّ لم تلدني؟ قال: أنت الذي تنازعك نفسك الخلافة وأنت ابن أمة؟. قال: يا أمير المؤمنين إن لك جوابا، قال: هاته فما أنت وجوابك.

    قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجل دون بلوغ الغايات، كانت أم اسماعيل أمة، فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيا، وجعله أبا العرب وأخرج من صلبه محمدا ﷺ ، أفتقول هذا لي وأنا ابن فاطمة وجدي علي؟. قال: صدقت، ثم خرج فقال هشام لمن بقي عنده من أهل بيته: زعمتم أن أهل هذا البيت قد بادوا. لا لعمري ما انقرض قوم هذا خلفهم.

    قالوا: وخرج زيد على هشام بالكوفة، وقتل ودفن ليلا، فدل على قبره عامل الكوفة فنبش وصلب، وكان فيمن نبشه خداش بن حوشب أخو العوام بن حوشب المحدث.

  28. وكتب هشام إلى عامله بالعراق: إنّ زيدا قدم عليّ فرأيت حوّلا قلّبا خليقا لصوغ الكلام وتنميقه، وقد كتبت خبر زيد ومقتله في نسب آل أبي طالب وأخبارهم.

    vol. 9, p. 423
  29. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال: قال هشام: إني لأرى الرجل فأعرف عقله من حسن سماعه، وكان يقول: أنا أعرف الجاهل الأحمق بسرعة جوابه بالخطأ، وكثرة تلفّته، وتدويمه نظره إلى جليسه بغير علة يصوّب ويصعّد فيه.

  30. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسماعيل بن عبد الملك بن نافع عن أبي عبيدة بن محمد قال: شرق ما بين ربيعة الرأي وأبي الزناد وكانا قديما يجالسان القاسم بن محمد بن أبي بكر، فلما ولي خالد بن عبد الله بن الحارث بن الحكم المدينة من قبل هشام، ولى أبا الزناد الخراج وما وراء بابه، وكان خالد قد علم الذي بينهما، فأرسل إلى ربيعة، وخثيم بن عراك، ومحمد بن عطاء الليثي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد، فوجد عبد الرحمن قد تغيب فضرب هؤلاء وحلقهم، وقال: إنهم يطعنون على الأئمة ويرون رأي الخوارج.

  31. وكتب خالد إلى هشام يعلمه ضرب هؤلاء النفر، وأنه طلب عبد الرحمن فوجده قد تغيب، وتوجه إلى ابن شريح بخراسان يدعو إليه، فجاء الكتاب إلى هشام وهو يومئذ بالرصافة فقال: أي رجل عبد الرحمن بن القاسم؟. فقال ابراهيم بن هشام: يا أمير المؤمنين، من أهل السنّة والجماعة، فرمى بالكتاب فقرأه فقال: باطل والله يا أمير المؤمنين، وما خرج ابن القاسم إلا إليك. فأفرخ روع هشام، فقال: أرى ذلك، ووكل

    vol. 9, p. 424ابراهيم غلاما له يتفقد عبد الرحمن عند مسلحة عليها طريق من قدم من المدينة إلى هشام، فكان مقيما عندها أياما، ثم طلع عليه عبد الرحمن على بغلة له وهو معتمّ فسلّم فقالوا: من الرجل؟. قال: رجل من قريش.

    قالوا: من أي قريش أنت؟ فأخبرهم، فأتى عبد الرحمن ابراهيم بن هشام، فأتى به إبراهيم هشاما، فأدخله إليه فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، كيف أنت يا عبد الرحمن، كيف أهل بيتك؟. قال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: أحب أن يكونوا بخير، فما أقدمك يا عبد الرحمن؟. قال: ظلامتي، خاصمت إلى خالد: ابن أبي عتيق، فمال علي ميلا بينا، فرحلت إلى أمير المؤمنين مستغيثا به لينصرني.

  32. فكتب إلى خالد: «أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فأحضر رجالا من أهل الفضل والستر والصدق والعفاف ممن يخيرهم عبد الرحمن بن القاسم، ثم اجمع بينه وبين خصمه، ثم مرهم أن يجزموا القضاء على أحدهما، ولا تعرض لعبد الرحمن في خصومة ولا غيرها، فإن لعبد الرحمن فضلا، ومكان أبي بكر في الاسلام مكانه» .

  33. ثم ختم الكتاب ودفعه إلى عبد الرحمن فقال عبد الرحمن: قد بررت وقضيت الحاجة وأعفيتني من الظلم وعليّ أربعمائة دينار. فقال: يا عبد الرحمن، لو جمعنا لأحد أن نرد ظلامته ونقضي دينه لفعلنا ذلك بك، ولكنا لا نفعله بأحد فامض لشأنك.

    قال عبد الرحمن: فلحقني حسان النبطي فقال: قد سمعت كلامك في دينك، وهذه أربعمائة دينار من مالي فخذها واقض بها دينك. فقال عبد

    vol. 9, p. 425الرحمن: ما أستجيز أخذها منك وأنا استجيزه من الخليفة، وأنا أقبلها على أن تكون قرضا، فأخذها على هذه الجهة فقضاه إياها ورثة عبد الرحمن بعد ذلك.

  34. قال ابن شوذب يمدح أبا الزناد نصر بن ربيعة وأصحابه:

    حتى إذا ما دخيل الهمّ أرّقني … فوق الفراش وكاد النوم يمتنع

    وقلت حين أناجي النفس من رجل … والرأي مشترك والهم ملتفع (١)

    فصرت نحوك من أرضي لتنفعني … إذا بلغتك والمعروف متبع

    أبا الزناد فلا تقعد بحاجتنا … إن الكريم إذا ما هز ينخدع

    تحوي من العلم ما يشقي السقيم به … ويجبر العظم منه حين ينصدع

    ما زلت بالحق إذ ضلت عقولهم … حتى ردعت إلي الأهواء فارتدعوا

    vol. 10, p. 7[الخوارج في أيام هشام بن عبد الملك]

  35. أمر صبيح الخارجي (١) :
  36. قال أبو الحسن المدائني: اشترى سوّار بن الأسعر المازني غلاما من سبي الأزارقة غلاما يقال له صبيح، فكان عنده حينا فلما صار رجلا أعتقه، وكان يرى رأي الخوارج، فخرج في حاجة لسوار وصحبه رجل من طيّئ فحضرت الصلاة فصلّى صبيح ولم يصلّ الطائي فقال له: ألست مسلما؟ قال: بلى! قال: فما بالك لم تصلّ؟ فقال: وما أنت وهذا؟ أقبل على شأنك. فحكّم صبيح وقتل الطائي.

  37. واجتمع إليه رجال فخرج وسار إلى هراة وأغار على إبل لبني سعد وقتل رجالا، فأتى السعديون ضرار بن الهلقام بن نعيم التميمي، وهو عامل للجنيد بن عبد الرحمن المرّي على بعض خراسان، فخرج ضرار إلى الخوارج فسار في المفازة ولقيه صبيح في أربعمائة، وضرار في جمع كثير من بني

    vol. 10, p. 8تميم وغيرهم، ومعهم البختي بن ضبيعة المرّي، فاقتتلوا فقتل من أصحاب صبيح خمسون، وقتل عامة من كان مع ضرار، ورجع صبيح إلى سجستان فقال سوار

    لعمري لئن أغفلت من خشية الردى … زرنج (١) ولم أخرج حذار صبيح

    لبئس إذا حامي الحقيقة بعدها (٢) … ولابس ثوبي ذلة وفضوح

    فكتب خالد بن عبد الله إلى عبد الله بن أبي برده بطلب صبيح رجاء أن يظفر به دون الجنيد، ونزل صبيح قرية كانت صلحا، فأخذوه أسيرا وأتوا به ابن أبي بردة، وقالوا: ما تجعل لنا إن أخذنا صبيحا؟ قال: ما شئتم.

  38. فاشترطوا عليه الحطيطة من الأتاوة وشيئا غير ذلك، فدفعوه إليه فبعث به إلى خالد، وبعث به خالد إلى هشام، فأراد قتله وصلبه فقيل له: إذا تتخذ الخوارج الرصافة (٣) دار هجرة، فردّه إلى خالد فقتله وصلبه، وأخذ الجنيد الخوارج ممن كان مع صبيح وعلى رأيه بخراسان فجعل يقتلهم حتى قتل مائة.

  39. ويقال إن الجنيد أخذ رجلا منهم أعمى فقال: أنا أدلك عليهم، فجعل يدلّه على رجل رجل من أهل السنّة فيقتله حتى قتل مائة ثم قال:

    لعنك الله يا أحمق. تزعم أن دمي حلال لك، وأنا أدلك على قوم فتقتلهم، والله ما قتلت إلا أصحابك وما دللتك من أصحابي على أحد. فقدمه فقتله.

  40. [أمر خالد الخارجي]

    قال أبو الحسن المدائني: خرج خارجي من قبيل بوشنج (١) وهراة في جمع عظيم فكان لا يأتي قرية إلا افتدوا منه بمال، ومضى إلى مرو الروذ وعليها ضرار بن الهلقام فأراد أن يعطيه شيئا وينصرف عنه فجبّنوه وعجّزوه.

    vol. 10, p. 9