أمر هشام بن عبد الملك بن مروان

822 paragraphs · vol. 9, p. 367

Page 5 of 21

  1. وكان عامة الناس غزاة فقال: دعوني أردّ هذا الخارجي عنكم بشيء ولا نقاتله فإن عامة الناس غزاة، قالوا: جبنت وضعفت. فقال: كأني بكم منهزمين تكسع (٢) الريح أدباركم، وخرج إليهم وأخرج معه الوجوه والأشراف من العرب والموالي، فبيّت خالد عسكرهم فقتل من صبر وعامة من هرب، فلم ينج منهم إلاّ القليل، وأسروا ضرارا ثم قتلوه وأصحابه الذين بقوا معه، فقال منصور بن هبيرة التميمي ثم المازني قصيدة طويلة يرثيهم ويقول فيها:

    vol. 10, p. 10لقد تماصوا وقد آسوا أميرهم … عند اللقاء حذار الذمّ والعار

    وقال رجل من بني العنبر في قصيدة له:

    أأمام قد ذهب التجلّد والأسى … فانعى فوارس مازن وضرارا

    ثم إن خالدا مات من جراح كانت به، ويقال مات حتف أنفه.

    vol. 10, p. 9
  2. [أمر عباد المعافري]

    قال أبو الحسن المدائني: خرج باليمن في أول سنة ست ومائة عباد المعافري فقابله مسعود بن عوف الكلبي، فلم يظفر به، فلم يزل باليمن حتى وليها يوسف بن عمر الثقفي فقتله.

    vol. 10, p. 11
  3. وخرج على يوسف زحّاف بن عباد الحميري الأباضي فبعث إليه يوسف كثيرا أبا العاج السلمي فقتله فقال جرير بن عطية.

    الله أهلك عبادا وشيعته … عادات ربك في أمثال عباد

    لاقوا بعوث أمير المؤمنين لهم … كالريح إذ بعثت نحسا على عاد

    فيهم ملائكة الرحمن ما لهم … إلا التوكل والتسبيح من زاد (١)

  4. [خبر الأشهب العنزي]

    قالوا: خرج رجل من عنزة يقال له الأشهب بناحية الفرات في ستين فارسا، فوجه خالد بن عبد الله القسري: السمط بن مسلم البجلي في سبعمائة فلقيهم قريبا من الكوفة فقاتلهم فضرب السمط على يده فندر سيفه، وأسرع سيف الضارب في يده، وانهزم العنزي هو وأصحابه، فقتلوهم حتى دخلوا الكوفة، ورماهم الناس بالحجارة، ثم برئ السمط من الضربة وشلت يده، فكان يطلب سيفه عند قعد الخوارج بالكوفة.

    vol. 10, p. 13
  5. خوارج بموقوع (١) في أيام هشام ويوسف بن عمر على العراق

    قالوا: خرج خوارج بموقوع وكانوا تسعة عشر رجلا وامرأة، والقاسم بن محمد الثقفي على البصرة، فقتلوا وأسرت الامرأة فلما قدم بها على القاسم قالت: يا حسن الوجه إني خدعت. قال عمر بن سعيد:

    فأرسلني القاسم إلى يوسف بن عمر فقدمت عليه بالفتح وبالمرأة فقال:

    ما استبقاؤه هذه؟ وقتلها. ثم أرسلني يوسف بالرؤوس إلى الشام.

    وقال الهيثم: بعث بالرؤوس إلى الوليد، وكان هشام قد مات، فأقر الوليد يوسف على العراق، فلما قدم رسوله على يوسف قال: كيف الوليد الفاسق؟ ثم قال: إياك أن يسمع هذا منك أحد، فحلف له رسوله بالطلاق ألا يسمعه منه أحد فضحك يوسف.

    vol. 10, p. 15
  6. [أمر خارجي بالموصل]

    قال المدائني: وخرج خارجي يذكر من عنزة بالموصل في ثلاثة عشر رجلا، في أيام هشام، فوجه إليه الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم:

    المستنير بن عجلان العنزي، أحد بني يذكر، فقال المستنير: لا ألقاه إلاّ في عدّة من معه، فقاتلهم فظهر عليهم، فأوفده الحرّ إلى هشام، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: تخرجنا من ربيعة وتردّنا إلى بني أسد، فقال: نعم. فقال بنو يقدم بن عنزة: لا نتحوّل، وقالت يذكر بن عنزة: بلى. فاصطلحوا على أن صيّروا سبعا على حدة.

    vol. 10, p. 17
  7. [خبر البهلول بن بشر الشيباني]

    vol. 10, p. 19
  8. ويقال ابن عمرو، ويلقب كثارة.

    قال ابو الحسن المدائني: خرج البهلول بن بشر الشيباني أيام خالد بن عبد الله القسري في سبعين رجلا كان من أهل الديوان معروفا بالشجاعة، وكان سبب خروجه أنه حج، فلما كان ببعض قرى السواد أرسل غلامه ليأتيه بخلّ فأتاه بخمر فردّها فأبى الخمار أن يقبلها، فاستعدى عليه والي القرية وكان من أهل الشام فلم يعده، وقال: خارجي خبيث، والله لهي خير منك وإني لأنفس بها على مثلك، فتركه ومضى لحجه، وجعل يخبر من لقي من إخوانه ويعجبهم، ويدعوهم إلى الخروج، فلما قضوا حجهم رجع إلى القرية التي كان بها الشامي فقتله، ثم أتى الموصل فاتبعه قوم من أهلها وأهل الجزيرة.

  9. وأقبل خالد من الكوفة فلما كان في موضع يقال له قياض (١) ، وجه إليه

    vol. 10, p. 20خالد: يزيد بن قيس بن ثمامة الأودي أبو عافية بن يزيد الأودي القاضي، وكان على شرطة خالد، وكان في خف فلم يقاتله، فقال البهلول: إن صاحبكم هذا الأشجع الخلق وأحمق الخلق.

  10. ومضى البهلول إلى عين التمر ثم أتى لعلع (١) فأقام بها وهو في مائة وستين من الخوارج، وأقبل إليه عشرة نفر من الكوفة من أهل راية (٢) فعرض لهم قوم فقتلوهم قبل أن يصلوا إليه. وبلغه ذلك فسار إلى القرية التي قتلوا بها فقال لهم: من قتل هؤلاء الرهط فله عشرة آلاف درهم. فادعى قتلهم جماعة فقتلهم، فتنكّر له قوم من أصحابه وقالوا: غدرت بالقوم. فقال:

    أما كان لي أن أقتلهم وقد قتلوا إخوانكم؟ قالوا: بلى ولكنك كذبتهم.

    قال: إنا في دار حرب والحرب خدعة. قالوا: تب وإلا اعتزلناك. فتاب فقبلوا منه، ورجع فأقام بلعلع. وكان معه رجل يقال له أثال فتذكر أهله وولده فبكى، فقال بهلول:

    بكى جزعا بعبرته أثال … وليس بحين مكبى للرجال

    فلما أهل الديار لنا بأهل … ولا المال المراح لنا بمال

    وقال أيضا:

    من كان يكره أن يلقى منيته … فالموت أشهى على قلبي من العسل

    فلا التقدم في الهيجاء يعجبني … ولا الحذار ينجيني من الأجل

    فوجه إليه خالد رجلا من آل حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني، فارتحل بهلول عن مكانه فسار يصبح بأرض ويمسي بأخرى يجول بالسواد،

    vol. 10, p. 21حتى أحفى دوابهم، ثم لقيهم وقد ضجروا وكلّت خيولهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انكشفوا، وصبر الرويمي في نفير قتلوا، وأهوى له بهلول ليطعنه فقال: أسألك بالرحم فاذكرك الله إني مستجير جانح، فأمسك عنه وأتى فلّهم الكوفة، وقدم قائد من أهل الشام في تلك الأيام وهو من بلقين ليوجهه خالد إلى الهند، فقال له: سر إلى هذه المارقة فإن قتلتهم لم أغزكم الهند، فسار القيني في أصحابه وهم ألفان من أهل الشام، وضم إليه خالد جندا من أهل الكوفة، فكان في خمسة آلاف، منهم ثلاثة آلاف من أهل الكوفة. فجعل البهلول ينتقل في السواد حتى قطع خيولهم، ثم أتى لعلع فالتقوا بها فقتل القيني، طعنه البهلول طعنة هتكت سلاحه وأوجره الرمح، فقال: قتلتني. قال: أبعدك الله يا عدو الله، وانهزم الشاميون، فقال البهلول لأصحابه: عليكم بالشاميين فإن الكوفيين أخرجوا كرها.

  11. فاتبعوهم فكانوا إذا لحقوا الشامي قتلوه وإذا لحقوا عراقيا لم يقتلوه. فقال رجل ممن نجا من الشاميين:

    ما كنت أدري ما السيوف ووقعها … حتى لقيت فوارس البهلول

    يضحي بأرض والمبيت بغيرها … هيهات من ممساك حيث تقيل

    وقال البهلول لأصحابه لما قتل القيني: علام نقيم على خالد وندع الذي أمّره؟ فتوجه إلى الموصل وهو يريد الشام، فوجه إليه والي الموصل قائدا يقال له سفيان، فهزمه البهلول. فكتب صاحب الموصل إلى هشام يخبره خبر البهلول ويستمده، فكتب هشام إلى عامل الجزيرة أن يمده فسرح إليه قائدا من أهل الجزيرة في خمسمائة، ووجه هشام من الرصافة جندا، وكتب إليه أن ضم إليهم جند الموصل واستعمل عليهم كثارة، وهو لا يعلم

    vol. 10, p. 22أن كثارة هو الخارجي، فتوافت الجنود بالموصل وبهلول نازل إلى جانب دير بالكحيل (١) . فجعل عامل الموصل عليهم رجلا يقال له ابن أبي عطاء، فساروا حتى لقوا البهلول، فانهزم ابن أبي عطاء وأهل الشام، ولجأ بعضهم إلى الدير فحصرهم البهلول أياما. وقدم جند من أهل الشام، أيضا مددا، وانضم إليهم الفل فنزلوا بعقوة البهلول، وخرج إليهم من كان في الدير محصورا فتلا البهلول: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وحمل على أهل الشام فقتل منهم رجلا، ثم قال لأصحابه:

    يا أخلاء إنما خرجتم غضبا لله فلا تجزعوا ولا تكبروا القتل في الله، وناهضهم وقال: إن أصبت فأميركم دعامة بن عبد الله الشيباني. فعاجلوهم وكثر القتل والجراح في الفريقين، ثم ترجل البهلول وأصحابه عند المساء فشدّوا عليهم، فجال أهل الشام والبهلول يقاتل ويقول:

    من كان يكره أن يلقى منيته … فالموت أشهى إلى قلبي من العسل

    وكمن له أبو الموت الجدلي - جديلة قيس - فمر به فطعنه فأثبته، ويقال: الذي قتل البهلول عمرو بن ثوبان الحضرمي صاحب خيل الموصل، فقام بالأمر دعامة فانحازوا وتحاجزوا وقد أمسوا والجراح في الطائفتين فاشية، فقالت الخوارج لدعامة: فررت من الزحف وكفرت.

    فقال: إنما انحزت ولم أفرّ، فأبوا أن يرضوا به وبايعوا عمرو بن غالب اليشكري

    vol. 10, p. 23وأصبحوا فعاودهم القتال فقتل وقتل الخوارج غير نفير يسير انحازوا إلى العراق، وقال بعض الشعراء من الخوارج في دعامة:

    لبئس أمير القوم معترفا به … دعامة في الهيجاء شر الدعائم

    وكان الضحاك بن قيس - أحد بني محلم - جرح يومئذ فنزف وعطش، فرفع له خباء، فأتاه فوجد فيه امرأة، فاستسقى فسقته، وسقط فلم يقدر على النهوض، فلما أفاق مما كان به وبرئ أتى أصحابه من القعد فقالوا: فررت من الزحف. ولم يقرّ بالفرار واعتذر فلم يقبلوا عذره فكانوا لا يجالسونه ولا يكلمونه، فقال الضحاك: اللهم إني قد صدقتهم فكذبوني وبذلت نفسي فردّوني، اللهم أنت خير لي منهم. وقال:

    لا تطردوني إذا ما جئت زائركم … أرجو الفلاح وكونوا اليوم إخوانا

    بدّلت بعد أبي بشر وصحبته … قوما عليّ مع الأحزاب أعوانا

    في أبيات.

  12. ثم إنه أقرّ بالكفر واستتابوه فتاب.

    قالوا: وكان بهلول لين السيرة لا يقاتل إلاّ من قاتله ولا يعرض لأحد ولا يأخذ شيئا إلا بثمن.

  13. أمر ابن شبيب بن يزيد: ويكنى أبا الصّحارى

    قال أبو الحسن: وأتى ابن لشبيب بن يزيد الخارجي خالد بن عبد الله فقال: افرض لي، فقال: ابن شبيب ماله وللفريضة؟ فخرج وأرسل خالد في طلبه فأبى أن يرجع فتعلقوا به ومنعوه من المضي، فانتضى سيفه فهربوا، ومضى على فرسه الى الفرات فعقر فرسه، وركب سفينة وأتى ناسا من بني تيم اللات كانوا بجبل فدعاهم الى الخروج فخرجوا، فوجه اليهم خالد خيلا فقتلوا جميعا.

    vol. 10, p. 25
  14. [أمر وزير الخارجي]

    قال أبو الحسن المدائني وغيره: خرج على خالد بن عبد الله القسري وزير الخارجي، فحكّم بالكوفة في ثلاثة عشر رجلا، وخالد بالحيرة، فقتل من لقي وحرق وغلب على بيت المال، فتلقته الفرسان فقتل بعض الخوارج وأسر بعضهم وارتثّ وزير فأتي به خالد، فجعل يقرأ القرآن ويعظ خالدا حتى رقّ له واستبقاه، وأمر به فحبس فكان يخرجه من الحبس فيسامره، وبلغ ذلك هشاما فكتب إلى خالد: أتستحيي فاسقا مارقا قد قتل وحرق وفرق بيت المال فأحرقه، فلما أتاه كتاب هشام أخرجه ومن كان بقي معه من أصحابه فصبّ عليهم النفط ثم حرقوا في طنان (١) القصب وقد أشعلت فيها النيران، فلم يجزع وزير ولم يتحرك وجعل يقرأ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يعلمون﴾ (٢) . وجزع أصحابه واضطربوا.

    vol. 10, p. 27
  15. تمت أخبار الخوارج في أيام هشام.

  16. [ولد هشام]

    قال أبو اليقظان: ولد هشام:

    مسملة، ويزيد، ومحمدا، وأم هاشم، أمهم أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وأمها زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.

    vol. 10, p. 29
  17. وعبد الرحمن، ومروان، أمهما أم عثمان بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وأمها أم عمرو بنت مروان بن الحكم.

  18. وعائشة أمها عبدة بنت عبد الله بن الإسوار بن يزيد بن معاوية.

  19. ومعاوية، والوليد، وسليمان، وقريشا، لأمهات أولاد شتى.

  20. وكانت عائشة تسير مع هشام في موكبه لإعجابه بها، وكانت لها خيل تسبق، وتزوجها عبد الله بن مروان بن محمد، وأما معاوية فكان أكبر القوم.

  21. أمر خالد بن عبد الله القسري وغيره من ولاة العراق في أيام

    هشام

    قالوا: كان ابن هبيرة عاملا ليزيد بن عبد الملك على العراق، وولي هشام فأقره، وكان خالد بن عبد الله بن أسيد بن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق بن سعد بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر - واسم قسر: مالك - بن عبقر. وأخته بجيلة ابنة صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، ضرب وهو على مكة من قبل الوليد بن عبد الملك حبابة جارية ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وكانت قينة تسمى العالية فصارت ليزيد بن عبد الملك وسماها حبابة.

    vol. 10, p. 31
  22. فلما ولي يزيد خافه خالد، وخاف حبابة، وتبناها عمر بن هبيرة فسأله خالد أن يترضاها له وأهدى إليها هدايا ففعل. فقالت: قد وهبته لك، فلم يشكر له خالد ذلك وحبسه حين ولي العراق بعده.

    قالوا: وعزل هشام: عمر بن هبيرة، وولى: خالد بن عبد الله العراق في أول سنة من ولايته.

    vol. 10, p. 32وقالوا: قال عمر بن يزيد الأسيلمي - من بني تميم-: دخلت على هشام وخالد بن عبد الله القسري عنده يذكر طاعة أهل اليمن ووفاءهم، وذلك قبل ولايته العراق، وقال: فصفقت تصفيقة دوى منها البهو، وقلت: ما رأيت كهذا القول خطأ وخطلا، والله ما قبحت فتنة في الاسلام إلاّ باليمن فهم سعوا على عثمان أمير المؤمنين فقتلوه، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإن سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب.

  23. فلما خرجت لحقني رجل من أهل الشام. فقال: يا أخا بني تميم وريت بك زنادي، قد شهدت مقالتك، وأمير المؤمنين مولّ خالد العراق وليس هو لك بدار.

  24. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى عن عبد الله بن أسيد الكلابي: ان إياس بن معاوية قال: كنت عند ابن هبيرة في يوم جمعة وقد أذنوا فجاء غلام له يعدو فقال: إن قوما دخلوا علي البريد ووكلوا بالباب من يحفظه، قال إياس: فقمت فخرجت فمنعني الحرس، فقال وهو فزع منبهر: هكذا تقوم القيامة.

  25. وأقيمت الصلاة فصلى خالد بن عبد الله بالناس، وقرأ عهده، وكتبه، ثم أرسل إلينا فأتيناه، فقلت: أنا إياس بن معاوية، فأطلقني، وحبس ابن هبيرة.

    وقال اسماعيل بن عمار يعارض الفرزدق:

    عجب الفرزدق من فزارة أن رأى … عنها أمية بالمشارق تنزع

    فلقد رأى عجبا وأحدث بعده … أمر تراع له القلوب وتفزع

    vol. 10, p. 33بكت المنابر من فزارة شجوها … فاليوم من قسر تضج وتجزع

    وملوك خندف أضرعتنا للعدى … لله درّ ملوكنا ما تصنع

  26. فلما حبس خالد قال الفرزدق:
  27. لعمري لئن نابت فزارة نوبة … لمن حدث الأيام تسجنها قسر

    لقد حبس القسري في سجن واسط … فتى شيظميا لا ينهنه الزجر

    فتى لم تورّكه الإماء ولم يكن … غداء له لحم الخنازير والخمر (١)

    فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق: هجاني أميرا ومدحني أسيرا.

  28. وكان الفرزدق هجا ابن هبيرة فقال في أيام يزيد:

    أمير المؤمنين وأنت عفّ … كريم لست بالطبع الحريص

    أأطعمت العراق ورافديه (٢) … فزاريا أحدّ يد القميص

    ولم يك قبلها راعي مخاض … ليأمنه على وركي قلوص

    تفهق بالعراق أبو المثنى … وعلّم قومه أكل الخبيص (٣)

    وقال فيه بعد هذا الشعر:

    يلين لأهل الدين من لين قلبه … لهم وغليظ قلبه للمنافق (٤)

    فقال خالد: فأين أبو فراس، وطمع في أن يقع في يده فيعاقبه فحذره الفرزدق.

    vol. 10, p. 34قالوا: وكتب هشام إلى خالد في عذاب ابن هبيرة والاستقصاء عليه.

  29. وروي عن الصعق بن حزن أنه قال: رأيت خالدا لما قدم العراق يعذب عمر بن هبيرة فأخرج يوما من السجن وعليه عباءة فألقي فتكشف فنظرت إليه وقد رفع إصبعه إلى السماء يدعو فعلمت أنه سينجو.

    وقال أبو عبيدة: حدثني خالد بن جبلة بن عبد الرحمن عن أبيه قال:

    كنت مع ابن هبيرة في حبس خالد وكان ابن هبيرة قد ضربني قبل ذلك، فقال: يا جبلة، إن الحفظة تذهب الحقد وقد أمرت موالي أن يحفروا لي، وهم منتهون إليّ الليلة، فهل لك في الخروج؟ قلت: لست فاعلا. قال:

    فأشر علي. قلت: لا تخرجن في دار قوم، قال: لا. وكان أمر مولى له فاستأجر دارا الى جانب السجن واتخذ فيها ألف نعجة فكانوا يحفرون الليل ويتخذون التراب في الدار فيصبح الشاء قد وطئته ولبدته بأبوالها فأفضوا بنقبهم إلى جبلة، فقال لهم: لست بصاحبكم فأتوا عمر بن هبيرة فقام حتى دخل النقب فخرج منه.

  30. وكان جبلة أشار عليه أن يقدم كتابا إلى هشام ويبعث معه رسولا، فوجه بكتابه أبا الفوارس الباهلي الأعرج، فقدم به إلى الرصافة غدوة، وقدم ابن هبيرة عشية.

  31. المدائني قال: سمع ابن هبيرة في طريقه امرأة من قيس تقول:

    لا والذي أسأله أن ينجي عمر بن هبيرة فقال: يا غلام أعطها ما معك وأعلمها أني قد نجوت.

  32. ولما فقد الحرس ابن هبيرة من السجن أخبروا خالدا، فوجه في أثره سعيد بن عمرو الحرشي، لأن ابن هبيرة عزل سعيدا عن خراسان، وضربه

    vol. 10, p. 35حين قدم عليه مائة سوط ونفخ في دبره بكير، وحبسه فكان سعيد بن عمرو إذا ذكره قال: قبّح الله ابن هبيرة فإنه أوهى مني بصرا حديدا وساعدا شديدا، فلم يزل محبوسا حتى قدم خالد فأكرمه فلم يقدر سعيد على ابن هبيرة، فترك خالدا وتم على وجهه إلى الشام.

  33. وقدم ابن هبيرة فأشارت عليه قيس بأن يستجير بأم حكيم بنت يحيى امرأة هشام، فقال: امرأة؟ قالوا: فاستجر بأبي شاكر مسلمة بن هشام.

    قال: صبي، ولكني استجير بأبي سعيد مسلمة بن عبد الملك، قالوا:

    أتستجير به وقد وليت ما كان يليه ولم تبق عليه؟ فقال: هو كريم ولا يسلمني أبدا، فتوجه إليه ومعه وجوه القيسية، فلما رآه مسلمه كره مصيره إليه، وانطلق إلى هشام فكلمه فيه وقال: هذا رجل خاف تحامل خالد عليه للمضريّة، فأمنه هشام على أن يؤدي ما طولب به فأداه.

    وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: كنا في رصافة هشام ومعنا مسلمة بن عبد الملك وسليمان بن هشام وابن هبيرة، فخرج علينا رسول هشام فقال: ان أمير المؤمنين يعزم عليكم أن تتلقوا أبا الهيثم خالد بن عبد الله، وكان قدم على هشام للسلام عليه، ولمناظرته في أمور، لم تحتملها المكاتبة والرسل، وحمل معه أموالا وألطافا، فقال ابن هبيرة: وأنا أيضا؟ قال: ما أراد أمير المؤمنين غيرك، فركب الناس لتلقيه، وركب ابن هبيرة بغلته. قال عبد العزيز: فسرنا حتى لقينا خالدا فسلم علينا وسلمنا عليه، فلم يسلم خالد على ابن هبيرة فتقدم على بغلته، فصاح خالد: اباقا كاباق العبيد، قال ابن هبيرة: أنوما كنوم الأمة، ويقال إنه قال له: أبقت اباق العبد، فقال له: نعم حين نمت نوم الأمة.

  34. وقال الفرزدق في هرب ابن هبيرة

    لما رأيت الأرض قد سد ظهرها … فلم تر إلاّ تحتها لك مخرجا

    دعوت الذي ناداه يونس بعد ما … هوى في ثلاث مظلمات ففرّجا

    خرجت ولم تمنن عليك شفاعة … سوى ربذ (١) التعريب من آل أعوجا

    وظلماء تحت الليل قد خضت هولها … ولونا كلون الطيلساني أدعجا

    هما ظلمتا ليل وأرض تلاقيا … على جامح من همه ما تعوجا (٢)

    وقال:

    قد ضيّع السجن والتضييع عادته … حتى نجا سالما من سجنه عمر

    وانقضت من قوى القسريّ مرّته … وأحكمت من حبال غيرها مرر (٣)

    وقال أيضا:

    ألا قطع الرحمن ظهر مطيّة … أتتنا تخطّى من دمشق بخالد

    وكيف يؤمّ الناس من كان أمه … تدين بأن الله ليس بواحد (٤)

    قال: وجلس هشام لينظر فيما بين ابن هبيرة وسعيد بن عمرو الحرشي، وتظلم سعيد منه فخرج الربيع بن شابور مولى بني الحريش وهو حاجبه، فقال عمرو بن سعيد: لا يقم غيرهما. فقال سعيد: ولاني خراسان ففعلت ما يجب علي، وحمدني أهل البلاد، فكافأني بأن ضربني فأوهى بصري وأخذ مالي.

    vol. 10, p. 37فقال هشام: ما تقول يا عمر؟ قال: وليت العراق فوجدت هذا صعلوكا ليس له إلاّ فرسه ورمحه، لا يعرفه أحد إلا أن له حظا من نجدة، فوليته البصرة ثم عزلته ووليته خراسان، فسرق الفيء واحتجنه ولم يبعث إلي الا ببرذونين حطمين، فعزلته وضربته، وأخذت ماله، ووضعته في بيت المال.

    فقال: ألك يا سعيد حجة غير ما ذكرت؟ قال: لا. قال: فأنت يا عمر؟ قال: لا. قال: فليمسك كل واحد منكما عن صاحبه حتى يرى أمير المؤمنين رأيه، فأمسكا.

    قالوا: ولما قدم ابن هبيرة على هشام وأمنه، كاده الأبرش وأصحاب خالد بن عبد الله، فأعدوا مائة من خيل المضمار سياسها وقوامها فقدموها وأضمروها، وأمروا مجرّيها أن يعارضوا بها هشاما إذا ركب يوما، فعورض بها، فسأل عنها، ورأى خيلا لا يعرفها لنفسه، فقالوا: هذه لابن هبيرة. فاستشاط غضبا، وقال: وا عجبا، اختان ما اختان ثم قدم؟ فوالله ما رضيت عنه بعد وهو يوائمني في الخيل، عليّ بعمر، فدعي به وهو يسير في عرض الموكب فجاء مسرعا وقد بلغه الخبر، فقال له هشام: ما هذه الخيل؟ قال: خيل أمير المؤمنين اخترتها وطلبتها من مظانّها حتى جمعتها لك فمر بقبضها، وكان ذلك سبب نقاء قلبه له، وانشراح صدره بالرضا عنه.

    vol. 10, p. 36
  35. ثم لم يزل عمر يتأتى لهشام حتى أنس به، فقال له يوما: هل لك في أمر لم يطمع فيه أحد ولم يعرضه عليك قبلي أحد؟ قال: وما هو؟ قال:

    اعمل لك من قبل الوليد بن يزيد في البيعة لمسلمة ابن أمير المؤمنين. قال:

    أو تفعل؟ قال: نعم. قال: فإن فعلت وليتك العراق.

  36. فأتى ابن هبيرة الوليد فقال له بعد حديث طويل جرى بينهما: أيها الأمير لم تزل تلقى مثل ما تلقى من هذا الأحوال فيك، قد علم خؤولتنا لك وميلنا إليك فهو يجرعنا الغيظ بسببك لتصغيره إياك مرة وتهدده مرة، ولست آمنه عليك، فإن أذنت لي عملت لك في أمر تتعجل نفعه وتأمن به، ثم الأمر فيه إليك.

    قال: وما هو؟ قال: تدعو هشاما إلى أن يعقد الأمر بعدك لابنه أبي شاكر وتتعجل لك منه مالا رغيبا جليلا فإن حدث بهشام حدث نظرت في أمرك فإن شئت خلعت مسلمة وعقدت الأمر لمن أحببت، فقد علمت طاعتي في قيس وهم أخوالك، فالأمر منته الى ما رأيت وأردت. قال:

    فافعل.

    vol. 10, p. 38
  37. فأتى هشاما فقال: قد حكمت الأمر فهات العهد على العراق فإذا بويع لمسلمة مضيت. فأعطاه عهدا، وكان خالد يخاف ابن هبيرة خوفا شديدا، فيقال إنه دس رجلا فضرب مضربا في طريق ابن هبيرة إلى هشام، فلما مر به قام إليه فقال: أنا مولاك وقد لغبت فهل لك في شربة عسل تخوض بماء بارد، فشربها ثم نهض يريد منزله، وقوض الرجل مضربه وانشمر، ومات ابن هبيرة من يومه ويقال انه فلج فمات.

    وقال المدائني: كان يقال: رجل أهل الشام عمر بن هبيرة، ورجل أهل البصرة عمر بن يزيد الأسيدي، ورجل أهل الكوفة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. فذكر ذلك لعمر بن يزيد فقال: صدقوا ولكن بلالا حية، فقيل ذلك لبلال فقال: رمتني بدائها وانسلت.

    vol. 10, p. 39وقال المدائني: لما ولي خالد بن عبد الله العراق ولى البصرة أبان بن ضبارة من أهل اليمن، ثم عزله وولى عقبة بن عبد الأعلى الكلاعي، من أهل الشام، ثم عزله وولى عامر بن نفيل الكلاعي أو الكلابي، فكلهم كانوا على الصلاة بالبصرة. وعلى الشرط والأحداث مالك بن المنذر بن الجارود العبدي من قبل خالد (١) .

    وقال المدائني: أخذ الفضل بن برجان اللص العطاردي من بني تميم أخذه شعيب بن الحبحاب الفقيه في العتيك، فرفعه الى مالك فضربه حتى مات ثم صلبه، وأخذ مالك بن المنذر سهما الصّبيري أحد بني صبير بن يربوع بن حنظلة فقتله، وكان سهم لصا، وقتل جماعة من اللصوص فقال خليفة الأقطع:

    إن كنت لم تسألي سهما وصاحبه … عن مالك فسلي فضل بن برجان

    في أبيات.

  38. وذكروا أن ابن المنذر سأل الحسن عن امرأة عذبت جاريتها حتى ماتت، فأمره أن يعزرها ولم ير عليها قودا.

  39. حدثني عمر بن شبه وغيره عن أبي عاصم النبيل قال: صلى مالك بن المنذر في ثوب رقيق، فقال له البتي (٢) : لا تصلّ في ثوب واحد رقيق، فلما ولي أرسل إليه فضربه عشرين سوطا فقال: علام تضربني؟ قال: لأنك تأمر الناس ألا يصلوا إلاّ في الحجاب.

    vol. 10, p. 40قالوا: وبعث مالك إلى الحسن: ما هذه الجموع؟ لئن جلست مجلسك لأضربنّك ثلاثمائة سوط، فقال: يكفيني من ذلك سوطان، فجلس في بيته وأمسك عن ذكر الأمراء.

  40. حدثنا خلف عن عبد الوارث عن محمد بن ذكوان قال كان مالك بن المنذر على الشرط، فضرب ثابتا البناني، وشتم الحسن وقال: اعتزل مجلسنا وإلا ضربتك مائة سوط على ظهرك وبطنك فإنك تعيب أمير المؤمنين، والأمير، وتحرم القبالات.