أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 6 of 21
- vol. 10, p. 40
المدائني قال: كتب مالك بن المنذر إلى خالد يذكر له أمر الحسن وعيبه الأمراء، فكتب اليه: انك لست من الشيخ في شيء، فاله عن ذكره وإياك أن تعرض له، فأتاه رسول مالك فقال له: إن أبا غسان يقرئك السلام ويقول إن رأيت أن تأتي المقصورة. فجعل يقول: إن أبا غسان يقرئك السلام ويقول: إن رأيت أن تأتي المقصورة فافعل، يردد ذلك ثلاثا: لا، لا، لا. ثم دخل على مالك فوعظه وقال: اتق الله ولا تترجح في هذه الأماني فإن أحدا لم يعط شيئا بأمنية دون عمل.
وقال هشام ابن الكلبي: ضرب مالك عمر بن يزيد الأسيدي بالسياط حتى قتله.
قالوا: وكان عمر لمالك صديقا فوشى به بالكوفة الى عبد الحميد بن عبد الرحمن في أيامه فأزعجه من عنده، ووشى به الى العباس بن الوليد بن عبد الملك حتى أزعجه، ثم وشى به الى مسلمة بن عبد الملك فلم يقبل منه، فلما رأى عمر أن مسملة لا يقبل صالح مالكا، فلما ولي مالك أحداث البصرة ذكر عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر، فنفاه من أبيه وعنده
vol. 10, p. 41عمر بن يزيد، وحفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وغيره، فأتى عمر بن يزيد عبد الأعلى فأبلغه قول مالك، وقال: أنا أشهد لك عليه فشخص عبد الله إلى خالد وهو بواسط، وأشخص معه عمر بن يزيد وحفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر فشهدا على مالك بما قال فكذبهما خالد وتهددهما وقال لعمر بن يزيد: أنا أعرف شرارتك ومحلك وحبسه عنده ودس شهودا فشهدوا أنه يشرب الخمر فضربه خالد حدا وحدره إلى مالك فضربه بالسياط حتى وقذه، ثم أمر به فحمل الى السجن فلويت عنقه فمات، وادّعي انه مصّ خاتمه فمات، وانما أشاع ذلك أصحاب خالد. فلما مات عمر جزعت بنو تميم، وتنمرت لربيعة، وحدبت ربيعة على مالك ومالت إليه، واشرأب الناس للفتنة فقمعهم السلطان.
-
وحدثني عمر بن شبه، حدثني أحمد بن معاوية عن المشجع قال:
دخلت على عمر بن يزيد بن عمير السجن فقال: ما فعلت داري؟ قلت:
هدمت. قال: فنخلي؟ قلت: قطع. قال: ما أهون ذلك عليّ إن سلمت نفسي.
-
المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال الحسن: إن مالكا قتل عمر بن يزيد ليعزّ، فلم يزده الله إلا ذلا، وإن عمر بن يزيد قتل شهيدا، وكان مالك شاور بشير بن عبد الله بن أبي بكر وعمرو بن مسلم الباهلي في أمر عمر بن يزيد، فقال له بشير: إن قتلته قتلت عصفورا، وإن تركته تركت أسدا، وقال عمرو: أقتله، فقال الفرزدق:
vol. 10, p. 42لله قوما شاركوا في دمائنا … وكنا لهم عونا على العثرات
فجاهرنا بالغش عمرو بن مسلم … وأوقد نارا صاحب البكرات (١)
وقال الفرزدق:
يا لتميم ألا لله أمكم … لقد رميتم باحدى المصمئلات
(٢) واستشعروا بثبات الذل واغتربوا … إن لم تروعوا بني أفصى بغارات
أو تقتلوا بفتى الفتيان قاتله … وتقتلوا بصعيد غير أشتات
لله درّ فتى راحوا به أصلا … مهشم الوجه مهشوم الثنيات (٣)
-
فخرجت رجال تميم وخرجت عاتكة بنت الملاءة امرأة عمر فدخلت على امرأة هشام، فجعلت لا ترى معها شيئا حسنا من جارية أو غيرها إلاّ قالت: ما أحسن هذا، فتقول: هو لك، فلما جهدت وجهد القوم نزلوا على عثمان بن حيان المري.
قالت ابنة الملاءة: فأتيناه وهو في مزرعة له فشكونا إليه أمرنا، فقال: قد والله بلغنا أمركم فساءنا وأحفظنا، ولبس ثيابه ثم أقبل معنا إلى هشام وكان لا يحجب عنه، وأطفنا به، فصاح عثمان: قبح الله طاعة لا تعرف لأهلها، ونصيحة لا تشكر لمن عرف بها، فأسمع هشاما فخرج الخدم يقولون: من هذا؟ فقيل عثمان بن حيان. فدخلوا فأعلموا هشاما ثم خرجوا إليه فقالوا: ليدخل عثمان، فدخل فأعلم هشاما وكلمه فقال
vol. 10, p. 43هشام: ويحك اتتهمني في أمر عمر؟ والله لولا أن السماء والأرض قامتا بالعدل لقتلت قاتل عمر وعشيرة قاتله.
-
ثم أقبل على الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص فقال:
ما رأيت الرجل الصبيح الفصيح عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي فإنه قتل، والله ما كنت أحب أن أمي ولدت رجلا من العرب غيره، قال: يا أمير المؤمنين فمثل هذا يقتل دونك، قال: قد كتبت في حمل قاتله.
قالت عاتكة بنت الملاءة: فقدمنا ومالك قاعد على ضفة النهر فأخبر بمقدمنا ومقدم رسول هشام معنا فركب سفينة ثم أتى الكوفة فلم يفارقه الرسول حتى حمله إلى هشام.
-
حدثني عمر بن شبه عن أبي عاصم النبيل، أخبرني العذافر بن يزيد قال: لما قدم مالك بن المنذر واسطا، أتيته أنا وأبي فجاءه رسول لأمير المؤمنين فكلمه على باب خالد، فقال: يا دكين اكسر أنفه، فدخل الرسول على خالد فقال: كسر أنفي على بابك. فقال: مالك له يا مالك؟. قال:
منعني الدخول. فلما أراد الخروج قال: ما يسرني أن الله عافاني من النقرس ورجعني من وجهي سليما وإني لم أكن فعلت به الذي فعلت.
-
المدائني قال: لما قتل مالك عمر دله أو كاد يدله (١) ، حتى كان يسلك الطريق من طرق البصرة فيقول: أين أنا؟. وكان عمر يقول لما ضربه مالك: يا هشام يا هشام.
وقال الفرزدق:
vol. 10, p. 44ألم يك قتل عبد القيس ظلما … أبا حفص من الكبر العظام
قتيل جماعة في غير جرم … ينادي وهو يضرب يا هشام (١)
-
المدائني وغيره قالوا: أدخل مالك بن المنذر على هشام فقال:
لا مرحبا ولا أهلا، لا قرّب الله دارك ولا سهّل محلّتك، أقتلت عمر بن يزيد، فوالله لهو كان خيرا منك حسبا ونسبا وريشا وعقبا، فقال مالك: ولم يا أمير المؤمنين؟ ألست ابن المنذر بن الجارود ومالك بن مسمع؟. فأمر به فوجئت عنقه، ثم أمر بحبسه وإثبات البينة عليه، فمات في السجن، فيقال إن القيسية دسوا إليه من قتله في السجن، ويقال، مصّ خاتمه، ويقال:
مرض ومات حتف أنفه.
وقال الفرزدق:
لئن مالك أمسى قد انشعبت به … شعوب التي يودي بها كل ذاهب
وإن مالكا أمسى ذليلا لطالما … سعى في التي من صادفت غير آئب (٢)
-
في أبيات. وقال أيضا:
ألم تر أن الله ربي بحوله … وقوّته أخزى ابن عمرة مالكا
فمن يك عنه سائلا بصنيعة … فقد ظلّ في أرض الرصافة هالكا
تظل الضباع العاويات بنشنه … إذا جنّ مسودّ من الليل حالكا (٣)
vol. 10, p. 45وقال أبو اليقظان: كان مالك حبس الفرزدق، وذلك أن خالدا حين كان على مكة من قبل الوليد بن عبد الملك ضرب محمد بن طلحة بن عبيد الله أو عبد الله بن شيبة مائة سوط، فكتب سليمان بن عبد الملك إلى طلحة بن داود الحضرمي، وكان على قضاء مكة يأمره أن يقصّه منه، فضربه مائة سوط فمر به الفرزدق وهو يضرب فقال له: اضمم إليك جناحيك يا بن النصرانية، وقال:
لعمري لقد صبّت على ظهر خالد … شآبيب ما استهللن من سيل القطر
وعمري لقد صال ابن شيبة صولة … أرتك نجوم الليل مظهرة تجري
أتضرب في العصيان تزعم من عصى … وتعصى أمير المؤمنين أخا قسر
فنفسك لم فيما أتيت فإنها … جزيت جزاء بالمجدرجة السّمر
ولولا يزيد بن المهلب حلّقت … بكفك فتخاء (١) الجناح إلى الوكر (٢)
قالوا: وكان سليمان أمر بقطع يده، فسأله يزيد أن يضرب كما ضرب الرجل.
قال هشام ابن الكلبي: هو عبيد الله الأعجم بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ضربه القسري فضرب له.
وقال الفرزدق:
سلوا خالدا لا أصلح الله خالدا … متى وليت قسر قريشا بدينها
vol. 10, p. 46أبعد رسول الله أم قبل عهده … أم اضحت قريش قد أغثّت سمينها
أردنا هداه لا هدى الله قلبه … وما أمّه بالأمّ يهدى جنينها (١)
-
كانت أم خالد سوداء نصرانية، فكتب خالد إلى مالك: خذ الفرزدق فإنه هجا نهر أمير المؤمنين فأمر مالك أيوب بن عيسى الضبي فتلطف له حتى أخذه، فلما قيل لمالك: قد أخذ الفرزدق، انتفخ وريده غضبا، فلما وقف بين يديه أنشده قوله:
أقول لنفسي حين غصّت بريقها … ألا ليت شعري ما لها عند مالك
لها عنده أن يرجع الله روحها … إليها وتنجو من عظام المهالك
وأنت ابن جبّاري ربيعة أدركا … بك الشمس والخضراء ذات الحبائك (٢)
قال: فسكن غضبه وأمر به إلى السجن فقال وهو في السجن:
رأيت أبا غسان علّق سيفه … على عاتقي شغب على من يشاغبه
ترى الناس كالدّمعى له وقلوبهم … تنزّى وما فيهم عريب يخاطبه
أذلّ به الله الذي كان ظالما … وعزّ به المظلوم واشتد جانبه
وقد علم المصر الذي ضاع أنه … سيحمى وتمشي بالسيوف كتائبه (٣)
وقال في السجن:
يا مال هل لك في كبير قد أتت … تسعون فوق يديه غير قليل
يا مال هل هو مهلكي ما لم أقل … وليعرفنّ من القصائد قيلي
vol. 10, p. 47لا تأخذن عليّ قول محرّش … ضغن عليّ وترته متبول
إني بذمة مالك وبمنذر … أبويك محترس لكل محول (١)
-
وأم مالك عمرة بنت مسمع، ولم يطلقه حتى حبس عمر بن يزيد معه ثم قتله وأشاع أنه مصّ خاتمة فمات، فقال له الفرزدق:
لقد قيل قد مصّ الأسيديّ خاتما … وقد دقّ منه عظمه ومفاصله
وإني لأخشى مثلها منه إنه … إذا علقت أنيابه وحبائله
بقرن أصاب القلب منه بمخلب … ترمّل منه أنفه وجحافله (٢)
- فلما حمل مالك قال الفرزدق:
-
ستعلم عبد القيس إن زال ملكها … على أيّ حال يستمر مريرها
وكان يجير الناس من سوط خالد … فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكنت كعنز السوء قامت لحينها … إلى مدية مدفونة تستثيرها (٣)
وقال الفرزدق:
وزهّدني في شرطة المصر أنني … رأيت عليها مالكا عقب الكلب
وما مالك إلاّ عجوز كبيرة … مضببة الأنياب توجف في الركب (٤)
وقال أيضا:
لعمرك ما أشبهت جدك مالكا … ولا جدك الجارود يا عقب الكلب (٥)
- vol. 10, p. 48
ولم يزل الفرزدق محبوسا حتى ولي النّضر بن عمرو فقال:
ألا طال ما رسّفت في قيد مالك … فأصبح في رجليه فيدي محوّلا
واطلقني النّضر بن عمرو وربما … بكفّيه قد فكّ الأسير المكبلا (١)
قالوا: ولما هلك مالك ولى خالد بن عبد الله شرط البصرة:
بلال بن أبي بردة بن أبي موسى (٢) .
-
وولى صلاتها النّضر بن عمرو، وذلك في سنة عشر ومائة.
-
المدائني عن الوضاح بن خيثمة قال: رأيت النضر بن عمرو، وبلال بن أبي بردة، يمشيان في جنازة الحسن بن أبي الحسن والنضر على الصلاة، وبلال على الأحداث.
قال أبو بكر الهذلي: بعثني النضر إلى الحسن أسأله عن يوم عرفة ما كان الناس يصنعون فيه، فقال: وما لهذا وليوم عرفة؟ قلت: إنه لمن خيرهم، قال: صدقت إنه لمن خيرهم.
قالوا: ذكر الحسن من تقدم من هذه الأمة ثم أقبل على النضر بن عمرو فقال: قد أصبحت والله مخالفا للقوم في هديهم وسيرتهم، وأنت تتمنى على الله الأماني، وتترجح فيها، فإن أخاك من صدقك ونصح لك في دينك، ولمن صدقك ونصح لك في دينك خير لك ممن غشّك وغرّك، وكان ثمامة بن أنس على القضاء من سنة ست ومائة إلى سنة عشر ومائة.
vol. 10, p. 49قالوا: وكتب خالد إلى بلال بعهده على البصرة، وولاه القضاء، فولى بلال الأحداث عبد الأعلى من الأزد، وكان بلال يقضي بين الناس وهو أمير، فقال رؤبة بن العجاج:
بلال يا بن الشرف الأمحاض … والثابت النعل على الإدحاض
أنت ابن كل سند فياض … وأنت يا بن القاضيين قاض
معتزم على الطريق ماض (١) …
-
وكان ثمامة موضحا (٢) وكان مخلطا استعدته امرأة على رجل ولم تقم البينة، فأراد إحلافه فقالت المرأة: إنه رجل سوء يحلف ليذهب حقي، ولكن استحلف إسحاق بن سويد فإنه جاره، فأرسل إلى إسحاق بن سويد ليستحلفه فقال خلف بن خليفة الأقطع يذكر بلالا:
وكنا قبل مقدمه علينا … من الشيخ المولع في بلاء
يعني ثمامة بن أنس.
-
ومدح بلالا رؤبة، وذو الرمة، وكان رؤبة بخيلا، فقال رؤبة لبلال: علام تعطني؟ فقال ذا الرمة: والله ما يمدحك إلا بمقطعاتنا هذه، يعمد إليها فيوصلها ثم يمدحك بها، فقال: لو لم أعطه إلاّ على تأليفها لأعطيته.
-
المدائني قال: بثق بلال نهر معقل في الفيض، واحتفر نهر بلال، وبنى عليه الحوانيت، ونقل اليه السوق وجعله ليزيد بن خالد القسري، ومدحه الفرزدق، فمن شعره:
vol. 10, p. 50ومظلمة علي من الليالي … جلا ظلماءها عني بلال
بخير يمين مدعوّ لخير … تعاونها إذا نهضت شمال
ترى الأبصار شاخصة إليه … كما ينظرن حين يرى الهلال (١)
-
حدثنا عمر بن شبه عن أبي عاصم النبيل قال: قال يزيد بن طلحة الطلحات لبلال، واستبطأه في عيادته، وعاد الزعل الجرمي:
أفي حمّى ثلاث زرت جرما … وتترك شيخ قومك يا بلال
وقال أبو عاصم: أوصى يزيد فجعل للإناث من ولده مثلي ما للذكور، ولعن في وصيته من غيّرها، فأتي بها بلال فقال: أنا أول من غيرها فعلى يزيد لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
-
حدثنا عباس بن هشام الكلبي عن خراش بن اسماعيل قال: ولى خالد بلالا البصرة فانحدر إليها ابن بيض (٢) وكان له صديقا واقام على بابه أياما لا يؤذن له فكتب إليه.
قل للأمير جزاه الله صالحة … أهل التقى والذي يحيا به الدّين
يا هل ترى حرجا في شرب خابية … صهباء يكسر عن خرطومها الطين
وهل ترى حرجا في نيك أرملة … مسكينة ناكها قوم مساكين
vol. 10, p. 51فلما قرأها قال: هذا والله ابن بيض، ادخلوه الفاسق، فلما دخل عليه قال: والله يا فاسق ما كنت لأصل إليك إلاّ بالشر.
-
وأرسل بلال علي بن يزيد إلى هند بنت المهلب يخطبها فقالت: مالي عنه رغبة، وهذا كتاب خالد بن عبد الله يخطبني ولو أردت التزويج ما عدوته.
-
المدائني قال: كتب خالد بن عبد الله إلى بلال أن ولّ نصر بن حسان العنبري ولاية، فأرسل إليه بلال يدعوه فقال للرسول: قل له أصلّي ثم آتيك. فقال للرسول: قل له: إن الذي كنت تصلي له قد جاءك فدع الصلاة وأقبل.
وقال رجل من بني صبير: جيء بابن عون إلى بلال فتحدثنا بيننا أنه إنما جيء به بسبب قتادة فجاء قتادة فقام إليه ابن عون فقال: يا أبا الخطاب اتق الله فقد وجدتها بدار مضيعة.
تعدو الذئاب على من لا كلاب له … وتتقي صولة المستأسد الحامي
ثم لم نلبث أن دخلنا على بلال فقال لنا: اخرجوا، فبقي ابن عون وقتادة فقال له بلال: طلقها، قال: هي طالق. قال: طلقها ثلاثا.
قال: واحدة تبينها مني. قال: أتعلمني وأنا ابن أبي موسى صاحب رسول الله ﷺ ؟. قال: فهي طالق ثلاثا. قال: يا أبا الخطاب في هذا شيء أكبر من هذا. قال: قد كانت الولاة تؤدب في هذا، أو قال: تعزر في هذا السوطين والثلاثة، فأمر بضربه ونحن نراه، فضربه أربعة وأربعين نعدّها ثم خرج والدم يسيل.
vol. 10, p. 52قال أبو عبيدة: أخبرني يونس بن حبيب قال: زعم بلال أنه لو كان مكان أبي موسى ما خدعه عمرو بن العاص، وقد خدعه يوسف بن عمر مجنون من ثقيف، كتب إليه: لا سبيل عليك إنما وليت الصلاة والقضاء فأقم بمكانك وخذ العمال قبلك بالاستخراج، فأقام واستخرج له ما أراد ثم عدا عليه فحبسه حتى مات في حبسه.
قالوا: وكان بلال إذا غربت الشمس، أو كادت تغرب، وضع طعامه، فإذا مدّ الناس أيديهم نودي بالصلاة فقام وقاموا، فنودي مرة بالصلاة وقتادة يأكل فلم يقم ولم يقم رجل آخر معه فلحظه، قال الرجل فلم يؤذن لي بعد ذلك أشهرا، ثم إن امرأتي استعدته علي وادعت أني أضربها وأضرّ بها، فقال: صدقت وضربني أربعين سوطا، وإنما ضربني لأكلي طعامه مع قتادة.
-
وكان الناس يتفرقون عن طعام بلال للصلاة، فيأخذه العسس والخدم، فكان من حوله يشترون ذلك، فكان من قرب منه يقولون:
ما رأينا جارا خيرا من بلال.
وقال بكر بن حبيب الباهلي: حكمت بلالا في حاجة فقلت: أنت في كرمك وعدلك أحق من فعل هذا. فقال: وأنت في بلاغاتك وفصاحاتك لا تنقلب اليوم بحاجاتك. فقلت: لو علمت أن اللحن ينفعني عندك لخضرمت خضرمة أبي شيخ الفقيمي وكان لحانا، فقال له أبو شيخ: كيف
vol. 10, p. 53ذكرتني وتركت ابن عمك الذي يقرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالون، ويقال لحضجت بها حضجات (١) أبي شيخ.
-
وقال العريان بن الهيثم لبلال بن أبي بردة إنه ليريبني بياض راحتيك، وروح قدميك، وانتشار منخريك، وجعودة شعرك - يعرض له بالزنجية - فقال بلال: إني لأكره أن أجعل أبا موسى ندّا للأسود، وأبا بردة ندا للهيثم ونفسي ندا لك، ثم تمثل:
أنا مسكين لمن يعرفني … ولمن ينكرني جدّ نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني … لو أبيع الناس عرضي لنفق
قالوا: ودخل مسلم بن الشمردل الباهلي على بلال فتربع، فقال له بلال: جلست جلسة بغي، فقال له مسلم: وإنك بجلوسهن لعالم.
فقال: يا بن اللخناء.
وقال أبو نوفل لبلال:
أبلال إني رابني من أمركم … قول تزيّنه وفعل منكر
ما لي أراك إذا أردت خيانة … جعل السجود بحرّ وجهك يظهر
متخشعا طبّا بكل عظيمة … تتلو القران وأنت ذئب أغبر
وقال الجارود بن أبي سبرة لبلال: أتدري ما قال حارثة بن بدر لعبد الرحمن بن أم الحكم؟ قال: ما قال له؟. قال: قال:
نهاره في قضايا غير عادلة … وليله في هوى سعد بن عباد
vol. 10, p. 54فأمر صاحب الجالية فأغرمني ثلاثمائة درهم وما في أرضي ذمي واحد.
وقال ابن نوفل:
أقول لمن يسائل عن بلال … وعبد الله عند ثنا الرجال
بلال كان ألأم من علمنا … وعبد الله ألأم من بلال
هما أخوان أما ذا فجون (١) … وأما ذا فأحمر ذو سبال
وقال بلال وهو في حبس يوسف بن عمر: لو سئلت مائة ألف، أو مائتي ألف، أو ألف ألف لأدّيتها، ولكني دفعت إلى مجنون، فقال لصاحب عذابه من آخر الليل: إن أدى عشرة آلاف ألف درهم قبل طلوع الشمس وإلا فأزهق نفسه، فقلت: لو كان عندي بدر مهيئة ما فرغت من استيفائها في هذه المدة.
وقال بعضهم: ما قتل بلالا إلا دهيه، قال للسجان: خذ مني مائة ألف وأعلم يوسف بن عمر أني قد متّ.
-
وكان يوسف بن عمر إذا سمع بموت محبوس قال: ادفعوه إلى أهله، فأتى السجان يوسف فقال: قد مات بلال، فقال: أرنيه ميتا فإني أحب أن أراه وهو ميت، فجاءه السجان فألقى عليه شيئا غمه به حتى مات، ثم أراه يوسف.
قالوا: وخاصم عيسى بن عمر النحوي إلى بلال وجعل يعرب وخصمه ينظر إليه متعجبا، فقال بلال: أقبل على حجتك ودع النظر إلى خصمك فلأن يذهب حقه أحب إليه من أن يلحن.
vol. 10, p. 55قالوا: وحبس بلال بن أبي بردة ثلاثة نفر اتهمهم بالزندقة، فبلغ خبرهم ابن برهمة، وكان من أخص الناس بخالد بن عبد الله، فاستأذنه في إتيان البصرة فقدمها فأتاه الناس ولم يأته بلال وجعل يوهم الناس أنه قدم ناظرا من قبل خالد فأتاه ابن أبي العوجاء وعنده عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب، فرفع ابن أبي العوجاء وعبد الرحمن جالس على البساط، فقال ابن صديقة وكان ماجنا: عبد الرحمن على البساط وابن أبي العوجاء على الفراش، ثم جاءه فكلمه في الذين حبسهم فخلاهم، فقال يحيى بن نوفل:
زعم الزاعمون أن حسين بن عبيـ … ـد بن برهمة زنديق
ولعمري لئن هم زعمـ … ـوه ما اشتطّوا وإنّه لخليق
إن من يشرب الخمور ويزنـ … ـي في خلاء بما رمي لحقيق
قال: وكان بلال سكيرا يعلن بشرب النبيذ.
قال أبو الحسن المدائني: أرسل بلال رسولا إلى قصاب في جواره بالسحر، قال: فدخلت عليه وبين يديه كانون، وفي صحن الدار تيس، فقال للقصاب: اذبحه. قال: فذبحه وسلخه وشرّحه وأنا بين يديه فأكله إلا عظامه، وبقيت مضغة على الكانون فقال لي: كلها، وجاءت جارية بقدر فيها دجاجتان وناهضان (١) وأرغفة فأكل ما فيها، ثم دعا بشراب فشرب منه أقداحا ثم أمر لي بقدح فشربته ثم قال: الحق بأهلك.
قالوا: واتخذ بلال حوانيت كانوا يبيعون فيها النبيذ فقال بعضهم:
لله در عصابة نادمتهم … في كل بيت من بيوت بلال
باتوا موتّرة عليّ قسيّهم … يرمونني رشقا بغير قتال
vol. 10, p. 56الأصمعي عن أبي الزناد عن أبي الزناد عن أبيه قال: عاتبت ابن هبيرة في بلال بن أبي بردة، وقلت: أراك تجفوه وتقصيه فقال: ويلك إن قربته أخذني فجعلني في كمه.
-
حدثني عمر بن شبه عن أبي عاصم، أخبرني أبي قال: كان كاتب يكتب خلف بلال فأقطر على ثوبه قطرة فقال: أتراني أحبك بعد هذا أبدا.
-
المدائني قال: كان بلال يخاف الجذام، فوصف له السمن، فكان يستنقع فيه، ثم يبيعه فترك أهل البصرة أكل السمن إلا أن يسلأه رجل في بيته.
-
وروي عن الجارود بن أبي سبرة قال: قال لي بلال بن أبي بردة: أتأتي صديقك اليوم عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر؟ قلت: نعم.
قال: فما تصنعون؟ قلت: نأتيه وهو متصبّح (١) فنقعد حتى يستيقظ فإن حدثناه أحسن الاستماع، وإن سكتنا ساقطنا أحسن الحديث، ثم يأتي خبازه فيخبر بما عنده مما أعد، فإذا وضعت المائدة أخوى تخوية الظليم وعذّر في الأكل، ويجيء من عند بناته ونسائه ألطاف، حتى إذا أمعن القوم في الأكل حسر عن ذراعيه وجثا على ركبتيه واستأنف الأكل.
-
على بن محمد المدائني قال: استرضع أبو موسى لابنه أبي بردة في بني فقيم في العراق في آل الغرق، فلما قدم بلال البصرة قيل له: لو وليت أبا العجوز ابن أبي شيخ بن الغرق، فقال: رأيت منه ثلاثا: رأيته يحتجم في بيوت أخوانه، ورأيت عليه مظلة وهو في الظل، ورأيته يبادر إلى بيض البقيلة.
قال أبو الحسن المدائني: لما ولي بلال قال خالد بن صفوان: «سحابة
vol. 10, p. 57صيف عن قليل تقشّع» فدعا به فقال له: أنت القائل: سحابة صيف عن قليل تقشّع؟. أما والله لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب (١) برد فضربه مائة سوط.
-
ويقال إن خالدا كان يغشاه في سلطانه ويغتابه إذا غاب عنه، ويقول:
ما في قلب بلال من الإيمان مثل ما في بيت أبي الزرد من الجوهر، وكان أبو الزرد الحنفي مفلسا، فأخذه بلال، وخاف خالد أن يقتله، فقال بلال: والله لا أتركك إلا بكفالة عشرة فيهم نعيم أخوك، فكفلوا به على أنه إن غاب فعليهم مائة ألف، فهرب خالد وأحضرهم فأخذ منهم بلال المائة الألف، فقال خالد:
فلا تحسبني يا بن واهصة (٢) … الخصى
ضعيف القوى لا يستطيع التحولا
أتيح لنا من أرضه وسمائه … بلال أراح الله منه فعجّلا
فلما أخذ يوسف بن عمر بلالا وثب عليه خالد فقال: أصلح الله الأمير، هذا بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، وكان جده حلاقا فاكتنى بموساه، وكانت جدته طهفة بنت ذمون حالكة الجلدة، قردة الشعر (٣) ، وكانت أمّه أمة لأبيه يضربها في الدرهم، وتطوف في الأسواق وكأنّ رجليها حوافر حمار، يغمز العبيد شواكلها (٤) . فقال بلال: أنت تكلمني والأمير عنك راض وعليّ ساخط، وأنا غريب، وأنت على باب منزلك.
-
وكان يوسف بالحيرة يومئذ فنسبه إلى أنه من أهل الحيرة. قال: ألست
vol. 10, p. 58خالد بن صفوان بن الأهتم القائم على برثنه (١) ، وإنما أنت بمنزلة الكلب يجترئ على باب أهله، علق أبوه وعمه محررتين من محررات أهل البصرة، حتى إذا خاف أهلوهما فضيحتهما زوجوهما بهما، فأنت ابن أمة بني زياد، فقال خالد ليوسف: أيها الأمير، هذا أحمق الناس والله ما يدري أين دار اعرابيته من دار هجرته، فقال بلال: بلى والله إن دار أعرابيتي اليمن ودار هجرتي المدينة، وأخبرك عن دار اعرابيتك وهجرتك، أما دار أعرابيتك فالحيرة وأما دار هجرتك فالبصرة.
-
ولم يزل بلال على البصرة حتى عزل هشام:
خالدا (٢) عن العراق في سنة عشرين ومائة، وولى يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي. وكان خالد جوادا.
-
حدثني عمرو بن محمد الناقد وعمر بن شبه قالا: حدثنا أبو نعيم، أنبأ فضيل بن الزبير قال: سمعت خالدا يقول: زمزم لا تنزح ولا تذمّ، بلى والله انها لتنزح وتذم، هذا أمير المؤمنين قد ساق لكم قناة بمكة من حالها وحالها.
-
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده أن خالدا قال: إن نبيّ الله اسماعيل استسقى ربه فسقاه ملحا أجاجا، وسقي أمير المؤمنين عذبا زلالا، بئرا احتفرها له.
وقال أبو عاصم النبيل: ساق خالد الماء إلى مكة فنصب طستا إلى جانب زمزم، ثم خطب فقال: قد جئتكم بماء الغادية لا يشبه ماء أم الخنافس - يعني زمزم-.
- vol. 10, p. 59
وخطب خالد فأرتج عليه، فقال: إن الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، وربما طلب فأبى، وكوبر فعصى، والتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيّه، وقد يختلج من الجريء جنانه، ويعتاص على الذرب لسانه، ثم قال:
لا يكابر القول إذا امتنع، ولا يردّ إذا اتّسع، وسأعود فأقول إن شاء الله.
-
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة قال: ارتج على خالد في خطبته فقال: أيها الناس إن الكلام يجيء أحيانا ويذهب أحيانا، فينطلق اللسان إذا أتى ويعجز إذا أبى، ولم يقصر بنا عن القول عيّ، ولا عرض لنا دون بلوغ الإرادة إفحام، وللجواد كبوة، وللصارم نبوة، وسنعود فنقول إن شاء الله.
-
حدثني عمرو بن محمد الناقد وغيره قالوا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن رجل أخبره عن سفيان بن أبي عبد الله قال: سمعت خالدا يقول اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم زوج فاطمة وأبا الحسن والحسين، هل كنّيت (١) .
-
المدائني قال: صعد خالد المنبر فأرتج عليه فقال: إن الكلام يعرض أحيانا فيتيسّر ويمتنع عند عزوبه، وأولى من عذر على النبوة من عرفت سهولته عليه. ثم نزل.
-
أبو عاصم النبيل عن عمر بن قيس انه سمع خالدا يقول حين أخذ سعيد بن جبير وطلق بن حبيب بمكة: كأنكم أنكرتم ما صنعت، والله لو كتب إليّ أمير المؤمنين أن أنقضها حجرا حجرا لفعلت - يعني الكعبة-.
vol. 10, p. 60قالوا: وأمر خالد ببناء بيعة لأمه (١) فكلم في ذلك فقال: نعم يبنونها فلعنهم الله إن كان دينها شرا من دينكم.
قالوا: وكلم في عامل له ضرب رجلا، وسئل أن يقتص منه، فقال:
أقتص من عامل؟ فوالله لئن اقتصصت منه لأقص من نفسي، ولئن اقتصصت من نفسي ليقصنّ أمير المؤمنين من نفسه، ولئن أقص أمير المؤمنين من نفسه ليقصن رسول الله ﷺ من نفسه، ولئن أقص رسول الله من نفسه ليقصن هاه هاه - يريده تبارك وتعالى (٢) -.