أمر هشام بن عبد الملك بن مروان

822 paragraphs · vol. 9, p. 367

Page 7 of 21

  1. ويقال إنه قال: أرسول أحدكم أكرم عليه أم خليفة؟. ويقال إن الحجاج قال ذلك (٣) .

    vol. 10, p. 60
  2. حدثني عمر بن شبه عن أبي نعيم عن سفيان الثوري قال: كان أول سلطان خالد يقال له العرس.

  3. المدائني قال: لحن خالد في خطبته فقال: إن تكونوا رجبيّون فإنا رمضانيّون، وكان يقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك هشام أمير المؤمنين.

    وقال خالد للفرزدق وقد مدحه: ما بالك لم تقل فيّ كما قلت في قوم سمّاهم من قريش وغيرهم؟ فقال: هات أنسابا كأنسابهم وشرفا كشرفهم حتى أقول فيك كما قلت فيهم. فأراد السطوة به ثم كف عنه لكبر سنه.

    قالوا: وكان عاصم ابن راعي الإبل أتى خالدا ومعه ابنان له فوصله، ومات أحد ابنيه فدخل على خالد فقال: أتيناك ثلاثة ونؤوب

    vol. 10, p. 61اثنين. قال: وما ذاك؟ قال: مات ابني. قال: ذاك مالا أقدر على منعه. قال:

    فديته تدفعها إلى. قال: نعم. فدفع إليه دية فقال:

    سننت من الموت الوداء ولم يكن … مقاديره يودى لحيّ مثيلها

    فما سنّها من حميري متوّج … ولا من معدّ حيث يلقى فضولها

    وقال الكميت ليوسف بن عمر:

    حلفت بربّ البيت ما أم خالد … بأمك إذ أصواتنا الهال والهب

    وإذ خالد يستطعم الماء قائما … يرى الحرب والداعي إلى الموت ينعب (١)

  4. وهجاه زياد الأعجم فقال:
  5. لعمرك ما أدري وإني لسائل … أمختونة من بظرها أم خالد

    فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها … فما ختنت إلا ومصّان قاعد

    (٢) المدائني قال: لما أتى رسول هشام خالد بن عبد الله لتوليه العراق قال:

    رويدا يجفّ قميصي، فقال الرسول: انطلق أيها الرجل فإنك تدعى إلى قمص كثيرة.

  6. حدثنا بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن حماد بن سعيد الصنعاني عن زياد بن عبيد الله قال: أتيت الشام فبينا أنا على باب هشام إذ خرج رجل من عند هشام فقال: من أنت يا فتى؟ قلت: رجل من أهل اليمن، أنا زياد بن عبيد الله بن عبد الله الحارثي. فتبسم وقال: قم معي، ثم قال لي: قل لأصحابي - وأشار إليهم-: إن أمير المؤمنين ولاني وأمرني بالمسير ووكل بي من يزعجني، قلت: من أنت رحمك الله؟. قال: خالد بن عبد الله القسري. ثم

    vol. 10, p. 62قال: يعطى منديل ثيابي وبرذوني الأصفر، فأعطيت ذلك، وقال: إذا سمعت إني قد وليت العراق يوما فالحق بي، فما أمسى بعسكر هشام أجود ثوبا ولا أكرم مركبا مني، ولم ألبث إلا يسيرا حتى قيل: قد ولى هشام خالد بن عبد الله العراق فخرجت ووكلت العريف بقبض أرزاقي على أنها له إلى قدومي، وشخصت إلى العراق، فلما قدمت على خالد الكوفة وسلمت عليه أمر لي بدنانير وكسوة بقيمة ستمائة دينار.

    وقال لي يوما هل تكتب يا زياد؟ قلت: لا أنا أقرأ ولا أكتب. فضرب بيده على جبينه وقال: إنا لله، سقط تسعة أعشار ما كنت أريده بك وبقي لك واحد، واشترى غلاما كاتبا حاسبا وبعث به إلي فعلمني الكتاب حتى قرأت قراءة جيدة وكتبت، فدفع إليّ كتابا من عامله، عامل الري فقرأته فسرّ بذلك وقال: قد وليتك عمله، فخرجت حتى قدمت الريّ، فأخذت عامل الخراج فأرسل إليّ: إن أمير المؤمنين هشاما لم يولّ قط عربيا الخراج، فتغطرست عليه، فقال: خذ مني ثلاثمائة ألف درهم وأمسك عني، وأقمت على عملي، ثم كتبت إلى خالد: إني قد اشتقت إلى الأمير فليرفعني إليه. فلما قدمت عليه ولاني شرطه.

    قالوا: وكان خالد أقرّ الصقر بن عبد الله على شرطه أشهرا، وكان ابن هبيرة ولاه الشرط ثم عزله، واستعمل خالد على الكوفة عبد الملك الأزدي، من أهل فلسطين، ثم عزله، وولى رجلا يقال له عبد الله بن عمرو من بجيلة، ثم عزله، واستعمل أخاه عاصم بن عمرو، وولى زياد بن عبيد الله بعد عدّة عزلهم، فلم يزل عليها إلى أن ولي يوسف بن عمر العراق.

    vol. 10, p. 63وقال بعضهم: كتب خالد بن عبد الله إلى أمه حين ولي العراق يدعوها إلى الاسلام ويسألها أن تقرب منه ليكون ذلك أقوى له على برّها، فلما قرئ عليها كتابه دعت بداوة وقرطاس وقالت للرسول: اكتب: «قد قرأت كتابك، فأما دعاؤك إياي إلى دينك فقد نصحت لي فيه بجهدك لأنك ارتضيت لي ما ارتضيت لنفسك، وديني لي ودينك لك.

  7. وأما برّي فلعمري إنك قادر عليه حيثما كنت، واعلم بأني قرأت في بعض الكتب أن الرجل إذا أتى كبيرة اسودّ ثلث قلبه، وإذا أتى أخرى اسودّ ثلثا قلبه، فإذا أتى الثالثة اسودّ قلبه كله، فأتى ما أتاه من قبيح وهو يراه حسنا، وأكبر من ذلك كله الدماء».

  8. فلما جاءه كتابها يئس منها، فأرسل إليها بمال اتخذت به بيعة بالشام تدعى بيعة أم خالد.

  9. وحدثني عبد الله بن صالح عن قوم من أهل الكوفة قالوا: اتخذ خالد طستا في مسجد الكوفة ميضأة، وحفر لها قناة من الفرات، ثم أخذ بيد أسقف النصارى يمشي به في المسجد حتى وقف على الطست ثم قال للأسف: ادع لنا بالبركة، فوالله لدعاؤك أرجى عندي من دعاء علي بن أبي طالب.

    قال: واتخذ كنيسة لأمه في قصر الإمارة، وكانت امتنعت من القدوم عليه فلم يزل بها حتى قدمت الكوفة، وأمر المؤذنين ألا يؤذنوا حتى يضرب النصارى بنواقيسهم.

    وقال هشام ابن الكلبي والهيثم بن عدي: لما بنى خالد البيعة بالكوفة لأمه، كتب نصارى البصرة إلى من كلم أمه، فكتبت إليه أن يبني لهم بالبصرة بيعة، فكتب إلى بلال يأمره ببنائها فكتب بلال: إن أهل البصرة لا يقارّوني

    vol. 10, p. 64على ذلك، فكتب إليه: ابنها لهم فلعنة الله عليهم إن كانوا شرا منهم دينا، فبنى بيعة في اللبادين فقال الفرزدق.

    بنى بيعة فيها الصليب لأمه … وتهدم للبيعات فينا المساجد (١)

  10. وحفر خالد النهر المعروف بالمبارك فقال الفرزدق، ويقال الموج التغلبي:

    كأنك بالمبارك بعد شهر … تخوض غموره بقع الكلاب

    كذبت خليفة الرحمن عنه … وسوف يرى الكذوب جزا الثواب (٢)

    وقال الفرزدق في شعر له:

    أعطى خليفته بقوة خالد … نهرا يفيض له على الأنهار

    إن المبارك كاسمه يسقى به … حرث السواد وناعم الجبار

    وكأن دجلة حين أقبل مدّها … ناب نمد له بحبل قطار

    إن كان أجرى ماء دجلة خالد … فلطالما أعيت على الإجرار

    يا دجل كنت عزيزة فيما مضى … حتى أصابك خالد بصغار

    (٣) وكتب خالد إلى هشام يستأمره في عمل منظرة على دجلة، فكتب إليه هشام: لو كان هذا ممكنا لسبق الفرس إليه: فراجعه فكتب إليه هشام: إن تيقنت أنها تتم فاعملها. فعملها فلم يلبث أن قطعها الماء فأغرمه هشام ما أنفق عليها.

  11. وكان الفرزدق قال حين لم يثبه خالد على الشعر الذي قاله في المبارك:

    أهلكت مال الله في غير حقه … على نهرك المشؤوم غير المبارك

    وتضرب أقواما صحاحا ظهورهم … وتترك حق الله في ظهر مالك

    أإنفاق مال الله في غير حقه … وتركا لحق المرملات الضرائك (١)

    vol. 10, p. 65
  12. يعني مالك بن المنذر بن الجارود.

  13. حدثني أبو مسعود الكوفي قال: بنى خالد لأمه بيعة هي اليوم بسكة البريد بالكوفة، وكانت أمه نصرانية، فقال الفرزدق.

    لعمري لئن كانت بجيلة زانها … جرير لقد أخزى بجيلة خالد

    بنى بيعة فيها الصليب لأمه … ولم تبن فينا إذ بناها المساجد

    ويروى: وتهدم للبيعات فينا المساجد.

    قالوا: وبنى خالد حوانيت أنشأها، وجعل سقوفها أزاجا معقودا بالآجرّ والجصّ وحفر خالد النهر المعروف بالجامع، واتخذ في القرية قصرا يعرف به.

    قال الأصمعي وغيره: خرج خالد يوما يتصيد فإذا هو بأعرابي على أتان له ومعه عجوز، فقال له خالد: ممن الرجل؟. قال: من أهل المآثر والحسب.

    قال: فأنت إذا من مضر، فمن أيها؟ قال: من الطاعنين على الخيول، المعانقين في النزول. قال: فأنت إذا من بني عامر، فمن أيها؟ قال: من الطالبين الثار، والمانعين الجار، قال: فأنت إذا من بني كلاب، فمن أيها؟ قال: من بدرها وشمسها وليوثها في خيسها. قال: فأنت إذا من بني

    vol. 10, p. 66الأحوص. قال: نعم. قال: فما أقدمك هذه البلاد؟. قال تتابع السنين وقلة الرافدين، قال: فمن أردت بهذا البلد؟. قال: أميركم هذا الذي ترفعه امرته، وتضعه أسرته. قال: وما أردت منه إذ كان كذلك؟. قال: كثرة دراهمه لا كرم آبائه. قال: أفتوصلت إليه بشعر؟ قال: نعم. قال:

    فأنشدناه. فقال: يا أم جحش أنشديه. قالت: هيه كم تسومنا اليوم مدح اللئيم. قال: إنه لا بد منه. فأنشدت:

    إليك ابن عبد الله للحمد جاوزت … بنا البيد عيس كالقسي عياهم

    عليهنّ بيض من ذؤابة عامر … حدتهم سنون مجحفات مشائم

    يزرن امرأ يعطي على الحمد ما له … تهون عليه للثّناء الدراهم

    فإن يعطنا شيئا فهذا ثناؤنا … وإن تكن الأخرى فما لك لائم

    فقال خالد: ما أعجب أمرك، تقول فيه ما قلت ثم تمدحه بهذا الشعر، أفتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا خالد وسأعطيك ولا أكافئك. فقال: يا أم جحش اصرفي وجه الأتان راجعة. قال: إني مغنيك. قال: ما كنت لأسمع رجلا مكروها ثم أرزؤه شيئا. فقال خالد: بمثل صبر الشيخ أدرك آباؤه من الشرف ما أدركوا.

  14. ويقال إن خالدا خرج ومعه بعض ولد المغيرة، وبعض ولد جرير بن عبد الله، فرأى هذا الأعرابي وكان مسنا فقال له: ما تقول في المغيرة بن شعبة؟ قال: أعور زنّاء. قال: فما تقول في الأشعث؟ قال: لا يعتزى (١) قومه ما بقي

    vol. 10, p. 67أحد من ولده. قال: فما تقول في خالد بن عبد الله؟. قال: ترفعه إمرته وتضعه أسرته. قال: فهذا من ولد المغيرة وهذا من ولد جرير وأنا خالد. فقال:

    يا أم جحش انصرفي عنهم. فقالوا له: صر معنا إلى الكوفة نرفدك ونصلك ولا نؤاخذك بقولك. فقال: ما كنت لأستمنح قوما أسمعتهم كلاما. وانصرف (١) .

  15. حدثنا عبد الله بن صالح قال: بلغنا أنه دخل على خالد بالكوفة شيخ كبير فمثل بين يديه فقال: شيخ كبير ضرير، حدته إليك سنة أبدت العظام وألزمت الغني الإعدام، ذهب ماله، ودعدت (٢) آباله، وغيرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يجبره بفضله، وينعشه بسجله، ويردّه إلى أهله. فقال خالد: ممن الرجل؟ وإياك أن تكذب فإن الكذب عار لازم وذل دائم. قال: رجل من بني تميم. قال: لا قرب الله دارك، ولا سهل محلك، ولا حيّا مزارك. فقال الأعرابي: ما رأيت كاليوم منطقا أقطع، ولا كلاما أشنع، ولا ردّا أوجع، لقد سمعت قولا أمرّ من الحنظل، وأيبس من الجندل، وأحرّ من المرجل، ما أعطيت من قدرة ولا نعشت من عثرة، ولا أقلت من صرعة.

    قال خالد: هل لك في أن أقارعك وإن قرعتك لم أعطك شيئا، وإن قرعتني أعطيتك؟. فقارعه خالد فقرعه فقال: أقلني فأقاله. ثم قارعه فقرعه خالد فقال: أقلني فأقاله، ثم قارعه فقرع خالدا فقال: أقلني. قال: لا أقالني الله إذا. قال: أعطوه بدرة يدخلها في حر أمه، فقال الأعرابي: وأخرى في استها، فضحك وأمر له ببدرتين.

  16. وأتت امرأة من بني قشير خالدا فمثلت بين يديه فقالت:

    إليك يا بن السادة الأماجد … يعمد في الحاجات كل عامد

    أشبهت يا خالد خير والد … أشبهت عبد الله في المحامد

    فالناس بين صادر ووارد … مثل حجيج البيت نحو خالد

    ليس طريف المجد مثل التالد

    فقال لها خالد: من أنت؟. قالت: امرأة أكبّ عليها الزمان فلم يدع لها سبدا ولا لبدا ولا صافنا ولا ماهنا. فقيل لها: هل لك أن يتزوجك الأمير؟. قالت: والله لئن فقدت نشبا ما فقدت حسبا وما كنت لأتزوج دعيا، وإن كان مثريا غنيا.

    vol. 10, p. 68
  17. الهيثم بن عدي قال: ألقيت بين يدي خالد تراس فقال لمن عنده:

    اغمزوها أيها أصلب. فغمز رجل منهم يقال له عامر ترسا فضرط، فقال خالد: ما على رجل أمر رجلا بأمر فأضرطه؟. قالوا: أربعون درهما. فأمر له خالد بأربعين ألف درهم فقال شاعر من بني تميم:

    أيضرط عامر من غمز ترس … فيحبوه الأمير بها بدورا

    فيا لك ضرطة عادت بخير … ويا لك ضرطة أغنت فقيرا

    فودّ القوم لو ضرطوا جميعا … فنالوا من عطيته عشيرا

    أتقبل ضارطا ألفا بألف … فترخص أصلح الله الأميرا

    فقال: خالد: ما سررنا بواحدة لما جاءتنا فما حاجتنا إلى ألف. أعطوه ألفي درهم. وقد قيل إن هذا كان عند بشر بن مروان، وهو الثبت.

    وقال بعضهم:

    أيقبض أربعين معا ألوفا … لقد أعطي بضرطته كثيرا

    vol. 10, p. 69وقال خالد حين أنشد قول الكميت:

    إن الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم (١)

  18. يعني مسلمة بن هشام أبا شاكر، فقال خالد: أنا كافر بكل خليفة يكنى أبا شاكر.

  19. وبلغ أبا شاكر قوله فحقده عليه، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد كتب مسلمة إلى خالد كتابا فيه شعر لا بن نوفل، وكان معه، لحق به هاربا من خالد.

    أراح من خالد وأهلكه … رب أراح العباد من أسد

    أما أبوه فكان مؤتشبا … عبدا لئيما لأعبد قعد

    يرى الزّناء والصّلب والخمـ … ـر والخنزير حلا والغيّ كالرّشد

    وأمه همّها وبغيتها … همّ الإماء المواهن الشرّد

    كافرة بالنبيّ مؤمنة … بقسّها والصليب والعمد (٢)

  20. فلما قرأ خالد الكتاب قال: يا عباد الله من رأى كهذه تعزية رجل عن أخيه.

  21. المدائني قال: بصق خالد يوما فقصر عن حيث أراد، فقام عنبسة بن سعيد بن العاص فأخذ بصاقه بمطرفه حتى اقتلعه، فقال خالد: لحسن والله ما صنع، ثلاث لا تعاب على الشريف: خدمته أميره وقيامه بنفسه، وخدمته ضيفه. ثم قال: ما مالك يا أبا خالد؟ فقال: وهل تركت لي دار أبي بالكوفة وواسط مالا. فقال خالد: والله لعلالتنا أمثل من علالتك،

    vol. 10, p. 70قد أمرنا لك في دارك بواسط بمائة ألف درهم وفي دارك بالكوفة بخمسين ألفا.

  22. المدائني وعبد الله بن صالح قالا: قال خالد بن عبد الله يعرض بعنبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وكان عنبة يستدين: إن الرجل لا يزال يستدين في ماله حتى إذا انفده استدان في دينه.

    فقال عنبة: إن الرجل يكون ماله أكثر من مروءته فيبقى له ماله، وتكون مروءته أكثر من ماله فيفنى ماله وتبقى له مروءته، فقال خالد: صدقت وإنك لمنهم.

    قال عبد الله بن صالح: أراد عبد الرحمن بن عنبسة بناء داره بظاهر الكوفة، فركب معه خالد بن عبد الله القسري ومع خالد: العريان بن الهيثم، وهو يومئذ على شرطة خالد فجعل خالد يطوف ويقول: قدّم الحبل أيها الغلام، فيقول العريان: أنشدك الله أن تضيق على أحيائنا وأمواتنا.

    فقال عبد الرحمن بن عنبسة: اسكت فوالله ما أنطقك إلا السيف الذي قلدناك. فقال العريان: بل سيف عمي الذي أخرج به أباك حتى ألحقه بالمدينة قال: أما والله لأبشرنّك بشر الأديم، فقال: شفرتك أكلّ من ذاك.

  23. فقام اسماعيل بن واسط البجلي فقال: يا عريان، أترفع صوتك على صاحب الأمير؟ فقال: اسكت.

    يا مالك بن مالك بن سيف … ذميم يجهل حقّ الضيف

    سلح حباري سلحت في صيف

    vol. 10, p. 71وتكلم عبد الله بن عياش فقال له العريان: إنما قيمة همدان كلها رغيف. فقال ابن عياش: اسكت فإنما تشبع النخع في كل أضحى، وسار خالد وبنى عبد الرحمن داره.

  24. حدثني عمر بن شبة، حدثنا ابو عاصم النبيل، حدثني نصر بن أشرس الباهلي قال: دخل العريان على القسري فقال: مكرمة لم تسبق إليها. قال: وما هي؟ قال: تمنع الموالي من أن يشربوا في عساس الخلنج (١) ، وأن يتكلموا بالعربية، وأن يشربوا لبن اللقاح. فقال جبلة بن عبد الرحمن: أما الخلنج فإنا غرسناه في أرضنا رطبا ونجّرناه يابسا فنحن أولى به، وأما ألبان العرب فإن لنا في البان البخاتي غنى عنه، وأما العربية فقد صدق هم أولى بها، ولكن ليدعوا الخزّ، وركوب البراذين، وأكل الشبارقات (٢) ، وأما الكلام فلن نتكلم إلاّ بالزنجية.

    وقال يحيى بن نوفل للعريان:

    أعريان ما يدري امرؤ سيل عنكم … أمن مذحج تدعون أم لإياد

    فإن قلتم من مذحج إنّ مذحجا … لبيض الوجوه غير حر (٣) جعاد

    وأنتم صغار الهام سود كأنما … وجوهكم مطلية برماد

    وقال أيضا:

    سمّتك أمك عريانا وقد صدقت … عرّيت من صالح الأخلاق والدين

    زعمت أنك عدل في إمارتكم … وأنت أسرق من ذئب السراحين

    vol. 10, p. 72وقال أيضا:

    هل أنت يا عريان ويحك مخبري … بأبيك دون الهيثم بن الأسود

    وله فيه شعر أيضا. فحلف العريان ليضربنّه حتى يسلح من سوط أو أكثر، فلم بزل يحتال له حتى أتي به، وقد كان صار إلى مسلمة بن هشام، وبلغ ابن نوفل يمينه فضربه فجعل يقول: قد فعلت، فقال العريان: لا والله أو يفضح بها، فافتضح فقال: قد خريت أو قال قد سلحت فقال العريان:

    محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

    وقال العريان:

    تيمّم حميرا واترك ثقيفا … فهم جلدوك يوم الدار حدّ

    فلما أن جلدت وكنت فسلا … سلحت ولم تجد من ذاك بدّا

    قالوا: وأرسل بلال عون بن عبيد وآخر من أصحابه إلى هنادة بنت عيينة بن أسماء بن خارجة يخطبانها فقالت: والله ما كنت لأتزوج رجلا أنتما خدناه وأليفاه من هذا المصر.

  25. وهجا ابن نوفل خالدا بصحبته عون هذا فقال:
  26. ولو كنت عونيا لأدنيت مجلسي … إليك أخا قيس ولكنني فحل

    رأيتك تدنى ناشئا ذا عجيزة … يحجر عينيه وحاجبه الكحل

    فوالله ما أدري إذا ما خلوتما … وأرخيت الأستار أيّكما البعل

    أأنت الذي يعلو عليك إذا خلا … بك الأقمر المولى أم أنت الذي تعلو

    vol. 10, p. 73وقال ابن نوفل في خالد:

    ألا أيهذا الذي نفسه … إلى كل منكرة تائقه

    رضيت من العيش والعالمين … بعون اليفا وبالرائقه

    بضخم المآكم (١) … في كمه دنئ مودّته مائقه

    وكفاك كف تحوز العطاء … وكف لأرزاقنا سارقه

    وقال ابن نوفل:

    ونبّئت عونا وتبّا له … ونبئت عن خدنه خالد

    بأنهما عند وقت العشاء … يبيتان في نمط واحد

    ويغتبقان الشراب الذي … يحلّ به الجلد للجالد

    شرابا يوافق شرب اليهود … ويكره للناسك العابد

    قالوا: وبعث خالد محمد بن عبد الرحمن بن اسعد بن زر الأنصاري إلى اسماعيل بن جرير بن عبد الله يخطب إليه ابنته أم إسحاق بنت اسماعيل، فقال: أبلغ الأمير السلام واعلمه أن عمه جريرا أوصى ألا تخرج واحدة من بناته إلاّ إلى رجل من قريش وهو أحق من لم يثرب وصية عمه، ولم يحاول نقضها مع أنا أمّلناه لعيالنا وأعقابنا، فوالله ما كان عنده ما ظننا به ما سهل في أذن ولا رفع من قدر، فلما أتت خالدا رسالته أمسك. وبلغ الخبر ابن نوفل فقال:

    لعمري لقد أصبحت حاولت خطة … ممنّعة والدهر يقذف بالعجب

    أتخطب جهلا إن وليت إمارة … بنات جرير في المكارم والحسب

    vol. 10, p. 74وأنت دعيّ ليس يعرف أصله … منوط بقسر كالعلاقة في الحقب

    فردّك ردّ العبد إذ جئت خاطبا … وهل ينكح الأحرار عبدا إذا خطب

    في أبيات. وقال أيضا:

    أخالد لا جزاك الله خيرا … وأير في حر امّك من أمير

    تمنى الفخر في أولاد قسر … كأنك من سراة بني جرير

    وكنت لدى المغيرة عبد سوء … تبول من المخافة للزبير

    وقد قلت اطعموني الماء جبنا … ولؤما إذ خريت على السرير

    vol. 10, p. 75وكان المغيرة بن سعيد (١)

  27. هذا ظهر أيام خالد وكان يظهر التشيع لآل علي فروي عن جعفر بن محمد أن المغيرة بن سعيد كان يأتي محمد بن علي فيستفتيه ثم يمضي فيكذب عليه، فقتل بالكوفة، قتله خالد بن عبد الله القسري.

  28. حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي عن أبي بكر بن عياش عن عيسى بن المغيرة قال: كان الشعبي يقول للمغيرة بن سعيد مولى بجيلة: ما فعل الإمام؟ فيقول: لا تهزأ به. فيقول: لست أهزأ به، إنما أهزأ بك.

  29. ودخل المغيرة على عبد الله بن حسن بن حسن فقال: إنا نجد المهدي ابنك محمدا فأرنيه، فأراه إياه، فقال: هو هو.

  30. حدثنا محمد بن الصباح البزار عن يحيى بن المتوكل عن كثير النّواء قال: قال أبو جعفر: فعل الله بالمغيرة وبيان فإنهما كذابان علينا أهل البيت.

    vol. 10, p. 76قالوا: وأتى المغيرة جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقال له: أقرّ بعلم الغيب حتى أجبي لك العراق. فقال: أعوذ بالله. ثم أتى محمد بن علي بن الحسين فقال له مثل ذلك فزجره وشتمه.

  31. حدثني الحسين بن علي بن الأسود عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن ادريس عن جار له قال: سمعت مغيرة بن سعيد يقول: مات عثمان بن عفان وهو يعبد سبعة آلهة، فأخبر خالد بن عبد الله بذلك، فأرسل إليه فأخذه فاعترضته فقلت: في أي شيء أخذت؟ قال: لا أدري إلا أن يكون حميمات لأنبي.

    قالوا: وكثر تبع مغيرة وتنبأ، وتنبأ بيان فخرج على خالد فقتله وصلبه فيقال إن خالدا أحرقهما. وقال خالد حين بلغه أمر المغيرة وبيان: اطعموني ماء. فقال ابن نوفل في ذلك ما قال. وقال مالك بن أسماء بن خارجة:

    طال التجاوز من بيان واقفا … ومن المغيرة فوق جسر العاشر

    يا ليته قد سال جذعا نخلة … ببنىّ درّ وابن قيس الماصر (١)

    وقال الأصمعي وأبو عبيدة:

    كان خالد على مكة.

  32. ولاه الوليد بن عبد الملك سنة خمس وتسعين فكان عليها حتى مات الوليد، وولي سليمان فأقرّه أشهرا ثمانية أو سبعة ثم تنازع الأعجم عبيد الله بن شيبة بن عثمان ومصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان

    vol. 10, p. 77العبدريان، فكان هوى خالد مع مصعب، فكتب الأعجم إلى سليمان مع ابن ابنه محمد بن طلحة بن الأعجم يشكو تحامل خالد عليه، وعلى ولده، فكتب سليمان إلى خالد انه لا سبيل لك على الأعجم وولده، فقدم طلحة بالكتاب على خالد وهو بفخ مستنقع في ماء، فلما رآه قال: صيدك إن لم تحرمه (١) ، ثم ضربه مائة سوط، وقال أبو عبيدة: ضرب الأعجم نفسه فخرج بنفسه وثيابه التي ضرب فيها فألقاها بين يدي سليمان، وقال: إنه لما قرأ كتابك ضربني، فكتب سليمان إلى داود بن طلحة بن هدم الحضرمي، وكان عامله على قضاء مكة، بولايته على مكة وبقطع يد خالد. فكلم يزيد بن المهلب سليمان، وكان حاضرا، فقال: إن كان ضربه قبل أن يقرأ كتابك ضرب فكتب سليمان: إن كان ضربه بعد قراءته كتابي فاقطع يده، وإن كان ضربه قبل قراءته فاضربه مائة سوط كما ضربه، فقدم بالكتاب عشية عرفة وخالد واقف بالناس، فدفع الكتاب إلى داود الحضرمي، فقرأه وأمر بخالد فنحي عن مقامه، ووقف بهم داود. فلما انقضى الموسم وخالد محبوس قعد له وللأعجم، فادعى أنه ضربه بعد قراءته الكتاب فخاف خالد على يده أن تقطع فجعل يصيح: نشدت الله رجلا شهد ضربي إياه قبل أن اقرأ الكتاب إلاّ قام بشهادته، فقام داود بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان على السقاية يومئذ فشهد له بذلك، وشهد له عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز، فأمر داود بن طلحة بجلد خالد فضرب مائة سوط، فجزع جزعا شديدا وجعل يمد يده والفرزدق حاضر فقال: اضمم

    vol. 10, p. 78إليك جناحك يا بن النصرانية. فضم خالد يده فكان ذلك أهون للضرب عليه. فقال: والله ما أراد الفرزدق نصيحتي.

    وقال الفرزدق:

    سلوا خالدا لا قدس الله خالدا … متى وليت قسر قريشا بدينها

    في أبيات قد ذكرناها.

  33. ويقال إن خالدا أمر الأعجم بفتح البيت فأبى ذلك عليه فكان ذلك في نفسه على الأعجم حتى ضربه به، وسمّي الأعجم لرتّة كانت في لسانه.

    وقالت أم الضحاك النضرية من بني نضر بن معاوية:

    لعمري لقد باع الفرزدق عرضه … بخسف وصلّى عرضه حامي الجمر

    وكيف يسامي خالدا ويسبّه … خميص من التقوى بطين من الخمر

    فلم يزل خالد محبوسا بمكة حتى حج سليمان سنة سبع وتسعين فكلمه فيه المفضل بن المهلّب، فقال له سليمان: يا أبا عثمان، أطّت بك الرحم ولا رحم بينكما، إنه قبحه الله قد جرّعني غيظا، قال: فليهب ذلك أمير المؤمنين لي. قال: قد فعلت وأيم الله، ليخرجنّ إلى الشام راجلا، فمشى خالد إلى الشام وشكر ليزيد والمفضل ما كان منهما، فأجاز عبد الرحمن بن يزيد حين ولي العراق بمائة ألف.

  34. وكتب هشام إليه يأمره أن يستنفر الناس إلى الغزو مع الجرّاح بن عبد الله، فقدم عليه ناس من آل المهلب فردّهم ولم يغزهم إلاّ عثمان بن المفضل فإنه وصله وأغزاه، وقال: لولا مخافة ألاّ يحتملها لي أمير المؤمنين لعقدت له على البصرة.

    vol. 10, p. 79وقالوا:

    كان أسد بن عبد الله على خراسان من قبل أخيه، وكان شديد العصبية لا يملك نفسه، فأخبر عن نصر بن سيار، ومنصور بن أبي الخرقاء السّلمي، والبختري بن مجاهد مولى بكر بن وائل، وعبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحرّ أنهم يصغّرونه ويقولون أمير، فدعا بهم وضربهم في جوانب مجلسه، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وأرسل بهم إلى خالد، فلما أتي بهم خالد سبّ أسدا أخاه حين لم يبعث برؤوسهم وقال: أشبه أمه. وكانت من عرينة، ثم أمر بهم خالد فحبسوا، ثم أمر ابنه يزيد أن يكلمه فيهم ليشرفه بذلك فكلمه فأخرجهم وأجازهم وخيّرهم أين ينزلون، فاختاروا أن يردهم إلى خراسان، إلاّ نصر بن سيار، فإنه قدم البصرة فابتنى مسجدا بحضرة بني يشكر، وهو يعرف به، ولم يأت خراسان حتى عزل عنها أسد، وولي أشرس السلمي، فقال الفرزدق:

    أخالد لولا الله لم تعط طاعة … ولولا بني مروان لم توثقوا نصرا

    إذا لوجدتم دون شد وثاقه … بني الموت لا كشف اللقاء ولا ضجرا

    مصاليت أبطالا إذا الحرب شمرت … أمرّوا بأطراف القنا مررا شزرا (١)

  35. في أبيات.

    قالوا: وبعث خالد إلى هشام بمال، وبعث إلى علي بن عبد الله، ومحمدا ابنه بمال، وكان يتعهدهما بصلته.

  36. حدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن ابن كناسة وغيره قالوا: كتب خالد إلى مالك بن المنذر أن خذ الفرزدق فاحبسه، وكان يحقد عليه أشياء، وأظهر أنه إنما حبسه لأنه هجا نهر هشام، فأمر مالك أيوب بن عيسى الضّبي، فاحتال له حتى أخذه. وكانت ضبة أخوال الفرزدق فهجا أيوب بشعر فيه:

    ستأتي ابن زبّ الخنفساء قصيدة … يكون له مني عذابا يباشره

    متتّ له بالرحم بيني وبينه … فألفيته مني بعيدا أواصره

    وقلت امرؤ من آل ضبّة فاعتزى … إلى غيرهم جلد استه ومناخره

    فلو كنت ضبّيا عرفت قرابتي … ولكنّ زنجيا غليظا مشافره (١)

    vol. 10, p. 80
  37. فلما ورد بالفرزدق على مالك أمر أن يوقر حديدا ويجلس فقال، وكان يصلي قاعدا:

    خذا بيديّ فارفعاني إليكما … لعلّي أصلّي قائما غير قاعد

    لئن قارب القسريّ خطوي لطالما … تناولت أطراف الهموم الأباعد

    بمأمومة الأعضاد خوص من السّرى … خفاف الأداوي ناقصات المراود (٢)

    وقال أبو عبيدة: أخبرني أعين بن لبطة بن الفرزدق عن أبيه قال:

    كنت آتي مالك بن المنذر لأنشده شعر أبي فأحجب، ويرسل إليّ: إنّ أمر أبيك إلى غيري، فالتمسوا له وجها سواي. فكتب الفرزدق مع ابن أخ له، ومعي إلى هشام بشعر يقول فيه:

    vol. 10, p. 81بعثت إليك ابني يا خير من مشى … ويا خير مطلوب إليه الخائف

    فلو كنت أخشى خالدا أن يروعني … لطرت بواف ريشه غير جاذف

    كما طرت من مصري زياد وإنه … لتصرف لي أنيابه بالمتالف

    ألم يك منكم آل مروان منعم … عليّ بنعمى بادئ ثم عاطف

    ألم يكفني مروان لما أتيته … زيادا وردّ النفس بين الخوالف

    عجبت لقومي إن رأوني تضرعوا … وإن غبت كانوا بين واش وقاذف (١)

    وقال لسعيد بن الوليد الأبرش الكلبي:

    إلى الأبرش الكلبي أسندت حاجة … تواكلها حيا تميم ووائل

    على حين إن زلّت بي النعل زلّة … وأخلف ظني كل حاف وناعل

    فدونكها يا بن الوليد فقم بها … قيام امرئ في قومه غير حامل

    فإنك من قوم كرام أعزة … إذا عضّ يوما شره بالكواهل (٢)

  38. فكلم فيه هشاما، فكتب إلى خالد بتخلية سبيل الفرزدق، فقال الفرزدق:

    لقد وثب الكلبي وثبة ماجد … إلى خير خلق الله نفسا وعنصرا

    أبى حلف كلب في تميم وعقدها … لما سنّت الآباء أن يتغيرا (٣)

  39. ويقال إن هشام بن عبد الملك أنفذ كتابه إلى خالد مع جرير بن عطية، فلما قدم عليه أنشده جرير:

    vol. 10, p. 82لقد كان داء بالعراق فما لقوا … طبيبا شفى أدواءهم غير خالد

    سقاهم برفق خالط اليمن والتّقى … وسيرة مهديّ إلى الحق قاصد

    فهل لك في عان وليس بشاكر … فتنقذه من طول عض الحدائد

    يعود وكان الخبث منه سجية … وإن قال إني معتب غير عائد

    بني مالك إن الفرزدق لم يزل … كسوبا لعار المخزيات الخوالد (١)

  40. ويقال: كان الرسول غير جرير.