فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها
134 paragraphs · vol. 2, p. 109
Page 3 of 4
- vol. 2, p. 125
وهذا فاسد: فإن هذا صريح في الإثبات والنفي: فمن قال: "لا إله إلا الله" مثبت للإلهية لله -سبحانه- نافٍ لها عمن سواه.
-
وقولهم: "لا سيف إلا ذو الفقار" و "لا فتى إلا علي" نفي وإثبات
vol. 2, p. 126يقينًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي.
-
فهذا من صريح اللفظ، لا من مفهومه.
-
فأما قوله: "لا صلاة إلَّا بطهورٍ" ١ و "لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ" ٢ فإن هذه صيغة الشرط، ومقتضاها: نفي الصلاة عند انتفاء الطهارة.
-
وأما وجودها عند وجودها: فليس منطوقًا بل هو على وفق قاعدة المفهوم، فإن نفي شيء عند انتفاء شيء لا يدل على إثباته عند وجوده، بل يبقى كما كان قبل النطق.
-
فالمنطوق به: الانتفاء عند النفي فقط؛ فإن قوله: "لا صلاة" ليس فيه تعرض للطهارة، بل للصلاة فقط، وقوله: "إلا بطهور" إثبات للطهور الذي لم يتعرض له الكلام، فلم يفهم منه إلا الشرط٣.
- vol. 2, p. 127
الصورة الثانية، قوله: "إنما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" ١.
-
فهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة، وبعض منكري المفهوم على إنكاره. وقالوا: هو إثبات فقط، لا يدل على الحصر؛ لأن "إنما" مركبة
vol. 2, p. 128من "إن" و "ما" و "إن" للتوكيد، و "ما" زائدة كافة١، فلا تدل على نفي، كما لو قال: "إنما النبي محمد" .
-
وهذا فاسد٢، فإن لفظة "إنما" موضوعة للحصر والإثبات: تثبت المذكور، وتنفي ما عداه؛ لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات: "إن" للإثبات و "ما" للنفي فتدل عليهما.
-
ولذلك لا تستعمل في موضع لا يحسن فيه النفي والاستثناء منه، كقوله، تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ٣ و {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ٤ و {إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} ٥، كما قال: {وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ} ٦، وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ" ٧، مثل قوله: "لا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ" ٨
وقال الشاعر٩:
أنا الرجل الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
vol. 2, p. 129وقولهم: "إنها إثبات فقط" : غير صحيح١
وقولهم: "إنما النبي محمد" فهذا اختراع على اللغة لم يسمع به.
-
بلى لو قال: "إنما العالم زيد" : ساغ ذلك مجازًا، لتأكيد العلم في "زيد" كما قال: "ولا فتى إلا علي" يريد بذلك تأكيد الفتوة فيه، وهذا مجاز، لا تترك الحقيقة له إلا بدليل٢.
-
فالقول فيه كالقول في الاستثناء بإلا من النفي بلا فرق.
-
الصورة الثالثة٣: قوله، عليه السلام: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" ٤
و "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" ٥.
- vol. 2, p. 130
وهذا يلتحق بالصورة التي قبله، وإن كان دونه في القوة.
-
ووجهه: أن الاسم المحلى بالألف واللام يقتضي الاستغراق وأن خبر المبتدأ يجب أن يكون مساويًا للمبتدأ، كقولنا: "الإنسان بشر" أو أعم منه كقولنا: "الإنسان حيوان" .
-
ولا يجوز أن يكون أخص منه، كقولنا: "الحيوان إنسان" .
-
فلو جعلنا التسليم أخص من تحليل الصلاة: كان خلاف موضوع اللغة.
-
ولو جعلنا الشفعة فيما يقسم: لم يكن كل الشفعة منحصرًا فيما لم يقسم، وهو خلاف الموضوع١.
-
[درجات دليل الخطاب]
-
فأما ما هو من دليل الخطاب: فعلى درجات ست:
[مفهوم الغاية]
-
أولها: هو مد الحكم إلى غاية بصيغة "إلى" أو "حتى" . كقوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ٢، {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ٣.
- vol. 2, p. 131
أنكره بعض منكري المفهوم، لأن النطق إنما هو بما قبل الغاية، وما بعدها مسكوت عنه، وكل ما له ابتداء: فغايته مقطع ابتدائه، فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، وقبل البداية لم يكن فيه دليل على نفي ولا إثبات، فليكن بعدها كذلك.
-
ولنا: مع ما سبق من الأدلة١: أن {حَتَّى تَنْكِح} ليس بمستقل، ولا يصح حتى يتعلق بقوله: {فَلا تَحِلُّ لَه} ولا بد فيه من إضمار وهو "حتى تنكح زوجًا غيره فتحل له" .
-
ولهذا يقبح الاستفهام لو قال قائل: "فإن نكحت هل تحل له؟ "
-
ولأن الغاية نهاية، ونهاية الشيء مقطعه؛ فإن لم يكن مقطعًا: فليس بنهاية ولا غاية٢.
-
[مفهوم الشرط]
-
الدرجة الثانية: التعليق على شرط، كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} ٣.
-
أنكره قوم٤، لأنه يجوز تعليق الحكم بشرطين، كما يجوز
vol. 2, p. 132بعلتين١، فإن قوله: "احكم بالمال إن شهد به شاهدان" لا يمنع الحكم به بالإقرار، وبالشاهد واليمين. ولا يكون نسخًا، ولهذا جوّزناه بخبر الواحد.
-
ولنا: ما سبق٢.
-
وتعليقه بشرطين؛ لأن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في ثبوت الحكم به، لا يمنع من انتفاء الحكم عند انتفائهما، كما لو صرح فقال: "لا تحكم إلا بشاهدين أو إقرار" ٣.
-
وجوزناه بخبر الواحد؛ لأنه تخصيص، وتخصيص العام بخبر الواحد جائز.
-
[اقتران الاسم العام بصفة خاصة]
-
الدرجة الثالثة: أن يذكر الاسم العام، ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدلال٤ والبيان كقوله: "في الغَنَم السَّائمةِ الزَّكاةُ" أو: في
vol. 2, p. 133سَائِمةِ الغَنَم الزَّكاةُ " ١، و " مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثمَرتُهُ لِلْبَائِعِ" ٢ فهو حجة –أيضًا– طلبًا لفائدة التخصيص٣.
-
[مفهوم التقسيم]
-
وفي معنى هذه الدرجة: إذا قسم الاسم إلى قسمين، فأثبت في قسم منهما حكمًا، يدل على انتفائه في الآخر، إذ لو عمهما: لم يكن للتقسيم فائدة.
- vol. 2, p. 134
ومثاله: قوله، عليه السلام: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ" ١.
-
[مفهوم الصفة]
-
الدرجة الرابعة: أن يخص بعض الأوصاف التي تطرأ وتزول بالحكم، كقوله: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّها" ٢ فيدل على أن ما عداه بخلافه، طلبًا للفائدة في التخصيص٣.
-
وبه قال جل أصحاب الشافعي.
-
واختار التميمي٤: أنه ليس بحجة.