مقدمة عمدة الطالب

360 paragraphs · vol. 2, p. 23

Page 3 of 9

  1. (بحديث: "كلّ أمرٍ ") بإضافة حديثٍ إلى ما بعدَه إضافةً بيانيَّة، أو إضافةَ أعمَّ لأخصَّ، وبالتنوين على إبدالِ ما بعدَه، و" كلُّ" بالحكاية على كلِّ حالٍ، وهذا الحديثُ دليلٌ لِكُبْرى قياس يُستدل به على طلبِ الابتداء في هذا التأليفِ، ونحوه، بأنْ نقولَ: هذا التأليفُ أَمْرٌ ذو بالٍ، وكلُّ أمرٍ ذي بالِ يُطلَب فيه الابتداء بالبسملةِ، ينتُج مِن الضَّرْب الأوَّل مِن الشكلِ الأوَّل أنَّ هذا التأليفَ يُطلب فيه الابتداءُ بالبَسمَلةِ، ودليلُ الصغرى المشاهدَة؛ لأنَّ ما في هذا التأليفِ من المسائلِ مشاهدَة الاهتمام به.

    vol. 2, p. 39
  2. واستشكل بعضهم ههنا ما حاصلُه أنَّ الحديث قضيَّةٌ كليَّةٌ تقتضي العمومَ في أفرادِها، ومِن جملةِ أفرادِها البسملةُ، فتحتاج إلى بسملةٍ أُخرى، فيلزم التسلسلُ؟ وأُجيب: بأنَّ البسملة تحصَّل البركةَ لنفسِها ولغيرِها، كالشاةِ مِن الأربعينَ تزكِّي نفسَها وغيرَها، وبأنَّ المرادَ: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ ليس وسيلةً إلى غيرهِ، والبسملهُ وسيلهٌ إلي غيرها، ونُقض بالوضوء والتيمم، فإنَّه وسيلةٌ إلى الصلاة مثلًا، ويُطلب الابتداءُ في أوَّله بالبسملة؟.

  3. الحمد للهِ

    ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فهو أَبترُ " أي: ذاهبُ البركةِ، رواه الخطيبُ بهذا اللفظِ في كتابهِ " الجامع" (١) .

    vol. 2, p. 40
  4. (الحمدُ لله) أي: الوصفُ بالجميل الاختياريِّ

    وأُجيب: بأنَّ الوضوءَ له اعتباران، فهو مقصودٌ في نفسِه، ووسيلةٌ إلى غيرِه، فطُلِبَ الابتداءُ فيه بالبسملةِ من حيث إنه مقصودٌ في نفسِه على أنَّ الوضوءَ ليس وسيلةً لنحوِ الصلاةِ دائمًا. شيخنا محمد الخلوتي.

  5. (ذي بال … إلخ) البَالُ يُطلَق ويُراد به الحالُ والشأنُ، يقال: أمْرٌ ذو بالٍ، أي: ذو شرفٍ وشأنٍ يُهتَمُّ به شرعًا، ويُطلَق ويُراد به القلبُ، فعليه إنْ حُمِل على معنى ذي قلبٍ، فوجْهُ الكلامِ أنَّ الأمرَ لكونِه شاغلًا قَلْبَ صاحبِه عن سائرِ الأمورِ، كأنَّه كان صاحبًا له ومالكًا إيَّاه. وإن حُمِلَ على معنى ذي خطرٍ وشرفٍ، فتوجيهُ الكلامِ أنَّه شبَّه الأمرَ بشخصٍ ذي قلبٍ، وذكرَ المشبَّه -وهو الأمرُ- وحَذف المشبَّه به- الذي هو الشخصُ- فالأمرُ أو الشخصُ أو التشبيهُ المضمَرُ استعارةٌ بالكنايةِ على الخلاف، ولازمُ المشبَّه به -وهو ذو بالٍ- وإثباتُه للمشبَّه استعارةٌ تخييليَّة، وذِكرُ ما يُلائم المشبَّه به -وهو الأبتر والاجذَم- في التشبيهِ البليغِ ترشيحٌ، إما باقيًا على حقيقتِه، أو أنَّه مجازٌ عن نقصانِ البركةِ على طريقةِ الاستعارةِ التصريحيَّة؛ لأنَّه أطلق لفظَ المشبَّه بهِ -وهو الأجذَم مثلًا- على نقصانِ البركةِ، على الخلاف في التشبيهِ البليغِ، هكذا ينبغي أن يُحقَّق لفظُ هذا الحديثِ الشريفِ. ياسين.

  6. (أي: الوصف) هو الذِّكْر باللسانِ.

  7. (بالجميلِ الاختياريِّ) يُوهِم أنَّه يُشتَرط في المحمودِ به كونُه اختياريًّا، مع أنَّه مردودٌ، إذْ لا يُشتَرط فيه الاختيارُ إلا في المحمودِ عليه، فلو قال: الوصفُ بالجميلِ الاختياريّ، لَكان

    vol. 2, p. 41. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  8. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  9. أوْلى، فيصيرُ معنى التعريفِ: إنَّ الحمدَ هو الوصفُ بالجميلِ؛ لأَجْل الفعلِ الجميلِ الاختياريِّ، فيكون الحمدُ مختصًّا بالفاعلِ المختارِ، وعليه فالاختيارُ قَيْدٌ لمحذوفٍ، بخلافِ المَدْح، فإنَّه يعمُّ الاختياريَّ وغيرَه، ومِن ثَمَّ اختير الحمدُ على المدحِ؛ لشعورِه بالاختيارِ، أو أنَّ الباءَ في الجميلِ، بمعنى "على" ، وأنَّه لم يتعرَّض للمحمودِ به؛ لاستلزامِ الوصفِ له، مثالُ المحمودِ به وعليهِ: زيدٌ عظيمٌ؛ لأنَّه أحْسَنَ إليَّ. فوَصْفك له بالعظمةِ محمودٌ به، وبالإحسان محمودٌ عليه؛ لأنَّ الأوَّلَ وصْفٌ قائمٌ به لا اختياريٌّ، ولذلك يُقال: مدحتُ اللؤلؤةَ على صفائِها، ولا يُقالُ: حَمدتُها على صفائِها؛ لأنَّ صفاءَها ليس اختياريًّا، فدخل في الذِّكْر باللسان المعرَّفُ وغيرُه؛ لأنَّه كالجنسِ؛ لاشتمالِه على الماهيَّاتِ الاعتباريَّة والحقيقيَّة، كالحيوانية، وخرَّج الثناءُ باللسانِ الثناءَ بغيرِه، كالثناء بالأركانِ والجَنَان، وذلك بعضُ أنواعِ الحمدِ العرفيِّ، وبالجميلِ الثناءَ باللسانِ على غيرِ الجميلِ كالقبيحِ، وبالاختياريِّ المدحَ؛ فإنَّه يعمُّ الاختياريَّ وغيرَه؛ لأنَّه لغةً: الثناءُ باللسانِ على الجميلِ مطلقًا اختياريًّا أو غيرَه، تقول بالنسبة لغيرِ الفعل الاختياريِّ: مَدَحتُ اللؤلؤةَ على حُسْنها، ومَدَحتُ زيدًا على رَشاقة قَدِّه، دون حمدتُهما؛ لأنَّ كلًّا من الحُسن واللَّطافة ليس فِعْلًا اختياريًّا، فلا تقول: حَمِدْتُ اللؤلؤةَ … إلخ؛ لأنَّ المحمودَ عليه -كما علمتَ- لا بُدَّ أن يكونَ فِعلًا اختياريًّا، وكلٌّ مِن ذلك غيرُ اختياريِّ، وهذا عند مَن قال: إنَّه غيرُ مرادفٍ للحمدِ، وعلى المرادَفةِ فقَيْدُ الاختياريِّ المقيَّد به الجميلُ المحمودُ عليه في تعريفِ الحمدِ بيانٌ لماهيَّة الحَمْد، لا للاحترازِ عن المدحِ، والراجحُ الأوَّلُ، على ما جزَم به ابنُ عبدِ الحقِّ.

  10. وقوله: "الاختياري" منسوبٌ للاختيارِ، فلا يَقع إلا عن اختيارِ، فيكون حادثًا، ومن ثَمَّ أُورِد على قيدِ الاختياريِّ بأنَّه يَلزم عليه عدمُ صحَّة حَمْدِ اللهِ، أي: حمدِ ذاتِه على صفاتِه الذاتيَّة، كالعِلْم والقُدرة والإرادة؛ لأنَّ تلك الصفاتِ الشريفةَ المقدَّسةَ ليست أفعالًا، ولا يُوصف ثبوتُها باختيارٍ، أي: لا يصحُّ أن يكون الاختيارُ وصفًا لثبوتِها؟.

  11. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 42
  12. على قصدِ التعظيمِ ثابتٌ

    وأُجيب: بأنَّا لا نُسلِّم أنَّها ليست مختارةً له تعالى، بل ندَّعي أنَّها مختارة، لا بمعنى أنَّه أوجدَها حتى يلزمَ المحذورُ، بل بمعنى أنَّ الذاتَ القديمةَ استلزمت وجودها على ما هِيَ عليه مِن صفاتِ الكمالِ، فنُزِّلت تلك الصفاتُ -بسببِ اقتصارِ الذاتِ لها واستلزامِها لها- منزلةَ أفعالٍ اختياريَّة، فأُطلِق عليها اختياريَّة مجازًا، أو بأنَّ تلك الصفاتِ الذاتيةَ لمَّا كانت مبدأ الأفعالِ اختياريَّةً ومنشأً لها، صار الثناءُ عليها باعتبار ما ترتَّب عليها مِن الأفعالِ الاختياريَّة حَمْدًا.

  13. (على قَصْد التعظيمِ) فيه أنَّ أهلَ اللغةِ لم يَعتبروا في اصطلاحِهم التعظيمَ الظاهريَّ فضلًا عن قصدِه؟.

  14. أجيب: بأن المقصودَ مِن التعريفِ الحمدُ المقيدُ به، لما قال صاحبُ "الكشافِ" : إنَّما يُعتدُّ بالحمدِ إذا واطَأَ القلبَ، وإلا فهو كذبٌ واستهزاءٌ، أو بأنَّ الثقاتَ نَفَوا ذلك عن اللُّغويين وهم معتمَدونَ في النَّقْل، ويكفي في صحَّة ما ادَّعوا ثبوتُ ذلك في الجملةِ، ولا يُنافيه ثبوتُ الأعمِّ عن اللغويين -إن سَلِمَ- لجوازِ الاشتراكِ.

  15. فقوله: لم يَعتبروا. لا موقعَ له في التحقيقِ؛ لأنَّه إنَّما يَرِدُ عليه إذا ثبتَ الاستقراءُ التامُّ لتصريحاتِهم وللأمورِ التي يُستنبَط منها ذلك، واستقراءُ الغالبِ ممتنعٌ، فضلًا عن التامِّ، وإنَّما لم يذكر في التعريف سوى تعلُّق بالفضائل … إلخ؛ لأنَّه ليس مِن التعريفِ، وإنَّما يُؤتَى بهذه الجملةِ للتعميمِ في التعريفِ بين المزايا المتعدَّية والقاصرةِ.

  16. (ثابت) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وأمَّا لامُ التحليلِ فهي متعلِّقةٌ بالحمدِ الذي هو المبتدأُ، فالظرفُ لغويٌّ.

  17. واعلَمْ أنَّ قولَهم: تقديرُ الحمدِ ثابثٌ للهِ. ليس معناه أنَّه قائمٌ به؛ لأنَّه حادثٌ قائمٌ بالحامدِ، بل معناه أنَّه مستحِقٌّ، بتقدير: أُثني على اللهِ، وبه يظهر قولُ بعضِهم: إنَّ مَنْ قدَّره

    vol. 2, p. 43. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  18. ومملوكٌ ومستحَقٌّ لله تعالى، وهذا هو الحمدُ لغةً.

  19. "ثابتٌ" ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ثبوتَه لا يَقتضي قيامَه به، فثبوت الدار لا يَقتضي قيامَها بذاتِه، وإنما يَقتضي اختصاصَه بها وعدمَ المشارِك له فيها، إلى غيرِ ذلك مِن الأمثلةِ. وقال الكافِيجيّ (١) : المرادُ منه تعلُّق الحمدِ به، ولا يَلزمُ مِن التعلُّق القيامُ به، كتعلق العِلْم بالمعلوماتِ. قال الدَّوَانيُّ في "أنموذجه" : ولا يلزم كونه تعالى محلَّ الحوادثِ؛ لأنَّ تلك الاختياراتِ أمورٌ اعتباريَّة إضافيَّة، ولا محذورَ في اتِّصافه تعالى بالإضافيَّات الغيرِ الأَزليَّة، فإنَّ له تعالى بالاضافةِ إلى كلِّ حادثٍ نسبةً.

    قال العلَّامة ابنُ قاسمٍ: نستفيدُ مِن هذا الكلامِ أنَّه لا يَلزم مِن الاتِّصافِ بالصفاتِ الإضافيَّة الاعتباريَّة الحادثةِ قيامُ الحوادثِ بالذاتِ، وكونها محلًّا للحوادثِ. محمد الخلوتي، ومن خطه نقلت.

  20. (ومملوك ومستحقٌّ) أشار بذلك الى الخلاف الواقعِ في "أل" في "لله" هل هي للتعليلِ أو للمِلك أو للاستحقاقِ؟ والمعنى على الأوَّل: جميعُ المحامدِ ثابتةٌ لأجل اللهِ تعالى، وعلى الثاني: جميعُ المحامدِ مملوكةٌ لله، أو مستحقَّةٌ له، كما يُرشِد لذلك ما سيأتي من قولِه: "واللام في لله" .

  21. لا يُقال: لا معنى لكونِ حَمْدِ العبادِ للهِ تعالى، لحدوثه، واللهُ تعالى قديمٌ، ولا يجوز قيامُ الحادثِ بالقديمِ؟ لأنَّا نقولُ: المرادُ منه تعلُّق الحمدِ، ولا يلزم مِن التعلُّق القيامُ، كتعلق العِلْم بالمعلومِ.

  22. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 44
  23. وأمَّا عُرفًا: فهو فعلٌ ينبئُ عن تعظيمِ المنعمِ من حيثُ إنَّه منعمٌ على الحامدِ أو غيرِه.

  24. (وأما عُرفًا) أي: في عُرف الناسِ؛ أَخْذًا مِن عدمِ اختصاصِ متعلَّقه باللهِ، بأَنْ كانت وصلت النعمةُ إلى الحامدِ مِن اللهِ أو مِنْ غيرِه.

  25. (فعل) المرادُ به الأمرُ والشأنُ على اصطلاحِ اللغةِ، فيشمل الاعتقادَ والأقوالَ، وإلا كان إطلاقُه على الاعتقادِ والأقوالِ مجازًا، فيكونُ استُعمل اللفظُ في حقيقتِه ومجازِه، وقد منَعه بعضُهم.

  26. (ينبئ) أي: يُشعِر، إذ معنى يُنبِئ: يُخبِر، مِن أَنْبأ، أي: أَخْبَر.

  27. أُوردَ أنَّ الإِنباء عن التعظيمِ لا يستلزمُ قَصْدَ التعظيمِ، مع أنَّه لا بُدَّ منه، فلو أَبدل الإِنباءَ بقَصْد التعظيمِ، كان أَولى، إذ لا يَلزم مِن إِنباء شيءٍ عن شيءٍ حصولُ ذلك الشيءِ المُنْبَأ عنه؟.

  28. أُجيب: بعد تسليم اشتراطِ قصدِ التعظيمِ بأنَّه المتبادرُ مِن الإِنباء عن التعظيمِ، واكتفوا بالمتبادِر. ابن قاسم.

  29. (عن تعظيم) متعلِّق بـ "فعل" .

  30. (مِنْ حيثُ إنَّه مُنعِم) أي: من أجلِ إنعامِه، فهي حيثيَّةُ تعليلٍ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ "فعل" هو الأظهرُ الأَحسنُ، واحتمالُ تعلُّقِهِ بـ "يُنبئ" أو "تعظيم" يَردُ عليه أنَّه يَلزمُ أن يُشترطَ في الشُّكر أن يَدلَّ ذلك الفعلُ على أنَّ الإِنباءَ عن التعظيمِ لأَجل الإنعامِ، أو على أنَّ التعظيمَ بسببِ الإنعامِ، واشتراطُ ذلك يحتاجُ إلى النَّقْل عن الأئمةِ. ابن قاسم.

  31. "إِنَّه مُنعِمٌ" بكسر الهمزة، ويجوز فتحها، خلافًا لِمَنْ عدَّه لَحْنًا. ابنُ عبدِ الحقِّ.

  32. (على الحامد أو غيره) لا على خصوصِ الحامدِ، فلا بدَّ أن يكونَ المحمودُ عليه خصوص الإِنعام مِن الأفعالِ الاختياريَّة، ولفظُ: "أو غيره" مِن زيادةِ شيخِ الإسلامِ ومَن

    vol. 2, p. 45. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  33. والشكر لغةً: هو الحمد العُرفيُّ.

  34. تبعه، وليس في كلامِ المتقدِّمين، كما يُعلم مِن كلامِ الغُنَيمي (١) في بعضِ تعاليقه، وإنما لم يُذكَر في التعريف سواء كان ذِكْرًا باللسانِ، أو اعتقادًا بالجَنان، أم عَملًا بالأركان؛ لأنَّه ليس مِن التعريف، بل يُؤتَى بذلك لبيانِ التعظيمِ في المورد، فموردُه عامٌّ، ومتعلَّقُه خاصٌّ، أعني: النعمةَ الواصلةَ الى الشاكرِ أو غيرِه، وذاك بالعكسِ، فبينهما العمومُ والخصوصُ الوَجْهيُّ؛ لاجتماعِهما في ثناءٍ بلسانٍ على نعمةٍ، أي: الحمدُ اللغويُّ وانفرادُ الحمدِ اللغويِّ في ثناءٍ بلسانٍ لا على نعمة، وينفردُ الحمدُ العرفيُّ في ثناءٍ بغيرِ لسانٍ على نعمةٍ.

  35. (هو الحمدُ العرفيُّ) أي: بعد إبدالِ الحامدِ بالشاكرِ، ويتحصَّل من ذلك ستَّةُ نِسَبٍ، وذلك بأنَّ الشُّكرَ الاصطلاحيَّ بينه وبين الحمْدَين والشكرِ اللغويِّ، عمومٌ وخصوصٌ مُطلَق، فهذه ثلاثُ نِسَبٍ، وبين الشكرِ اللغويِّ والحمدِ العرفيِّ التساوي، فهذه نسبةٌ رابعةٌ، وبين الحمدِ اللغويِّ والاصطلاحيِّ والحمدِ والشكرِ اللُّغوَييْن العمومُ والخصوصُ الوجهيُّ، فهاتان نِسْبتانِ، ونظَم ذلك على هذا المنوالِ العلَّامة الأُجْهوري (٢) فقال:

    إذا نُسبا للحمدِ والشكرِ رُمْتَها … بوجهٍ له عقلُ اللبيبِ يُوالفُ

    فشكرٌ لِذي عُرفٍ أخصُّ جميعها … وفي لغةٍ للحمدِ عُرفًا يُرادفُ

    عمومٌ لوجهٍ في سواهنَّ نسبةٌ … فذي نسبٌ ستٌّ لِمَن هو عارفُ

    "تنبيه" : النِّسبُ أربعٌ: التساوي، والتباينُ، والعمومُ والخصوصُ المُطلَق، والعمومُ

    vol. 2, p. 46. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  36. وعرفًا: صرفُ العبد جميعَ

    والخصوصُ الوجهيُّ. فالتساوي: هو أن يَصدُق كلٌّ منهما على كلِّ ما صَدق عليه الآخرُ. والتباينُ: هو أنْ لا يَصدُق واحدٌ منهما على شيءٍ ممَّا صَدق عليه الآخرُ. والعموم والخصوصُ الوجهيُّ: هو أن يَصدُق كلٌّ منهما باعتبار تلك الجهةِ على ما يَصدُق عليه الآخرُ باعتبارِها وزيادةٍ. والعمومُ والخصوصُ المُطلَق: هو أن يَصدُق أحدُهما على كلِّ ما صدَق عليه الآخرُ وزيادة.

  37. فإن قلتَ: لِمَ كان التعرُّض لِمَعنى الشُّكرِ بعد بيانِ الحمدِ كالمتفقِ عليه عند المصنِّفين، وإن كان الذي بُدئَ به الكتبُ هو الحمدَ خاصَّةً؟

  38. أجابَ البُرُلُّسيُّ: بأنَّه لمَّا كان قريبًا مِن الحمدِ في المعنى، وقرينًا له في غالب كُتب المصنفين، كان المقامُ بعد بيانِ الحمدِ مَظِنَّة أنْ يقعَ في ذهنِ السامعِ أنَّ الشُّكرَ ماذا؟ وهل هو هذا؟ فسَّروه وبيَّنوا الفَرقَ بينهما؛ تخليصًا للسامعِ مِن وَرْطَة الحَيرةِ.

  39. (صرف العبد جميع) أي: أن يستعمل العبدُ أعضاءَه ومعانيَه فيما طَلب الشارعُ استعمالَها فيه، مِن صلاةِ وصومٍ وسماعِ نحوِ عِلْمٍ وهكذا، سواءٌ كان ذلك في وقتٍ واحدٍ -إنْ أمكنَ- أو في أوقاتٍ متفرِّقة.

  40. أُورد على التعريفِ: أنَّه إِنْ أُريد أنَّ صَرْف جميعِ ما أَنعم اللهُ تعالى به الى جميعِ ما خُلِق لأجلِه في جميع الأزمانِ، لزمَ أنْ لا يُوجدَ شكرٌ أبدًا؛ إذ لا يَقدِرُ أحدٌ على ذلك، مع أنَّه تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] فأثبتَ وجودَ الشكرِ قليلًا، وإنْ أُريد إلى جنسِ ما خُلِقَ لأجلِه، فهذا أمرٌ سهلٌ لا يُوجِب قلَّةَ الشكرِ؛ لحصولِ المقصودِ بالصَّرْف إلى شيءٍ مما خُلِق لأَجله؟.