باب نواقض الوضوء

143 paragraphs · vol. 2, p. 349

Page 1 of 4

  1. ينقضُه خارجٌ من سبيلٍ.

    vol. 2, p. 349
  2. [باب نواقض الوضوء]

  3. أي: مفسداته، جمعُ ناقضة أو ناقض؛ فإنَّ فاعلًا يُجْمَعُ على فواعل إذا كان وصفًا لما لا يَعْقِلُ، كما هنا. والنقضُ حقيقةٌ في البناءِ، مجازٌ في المعاني، كنقضِ الوضوء، وعلاقتُه الإبطال.

  4. وهي: ثمانيةٌ بالاستقراء، أشار إلى أحدِها بقوله:
  5. (ينقضُه) أي: الوضوء (خارجٌ من سبيلٍ) قُبُلٍ أو دُبُرٍ، إلى ما يلحقُه حكمُ التطهير؛

  6. بابُ نواقضِ الوضوء

    لمَّا فرغَ من الكلامِ على الوضوءِ ومسحِ الحوائلِ وكان له مبطِلاتٌ، ناسَبَ ذِكْرُها بعدَها، فقال: "باب" إلخ.

  7. (أي: مفسداتُه) إنَّما فسَّر الشارحُ -رحمه اللهُ تعالى- النواقضَ بالمفسِدات؛ لأنَّ النقضَ حقيقةٌ في البناء ونحوِه، واستعمالُه في المعاني، كالعهد ونقضِ الوضوءِ ونحوِهما، مجازٌ، علاقتُه الابطالُ. (إذا كان وصفًا لما لا يَعْقِل) كما اختاره جماعةٌ منهم ابنُ مالك.

  8. (وهي ثمانية) أي: نواقضُ الوضوء، بمعنى: مفسدات. وقولُه: (بالاستقراء) أي:

    تتبع (١) … (خارجٌ من سبيل) إلى ما هو في حكم الظاهرِ؛ ويلحقه حكمُ التطهيرِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية. والغائطُ: المكانُ المطمئنُّ من الأرض تُفضَى فيه الحاجةُ. سمِّي باسم الخارجِ؛ للمجاوَرة، من باب إطلاقِ اسمِ المحلِّ على الحالِّ فيه. وواحدُهما: سبيل، وهو الطريقُ، وهما مَخرجُ البولِ والغائطِ، كثيرًا كان ذلك الخارجُ أو قليلًا. (إلى ما يلحقه حكمُ التطهير) أي: ما يجب غَسلُه من نجاسةٍ وجَنابةٍ، وهو متعلِّقٌ

    vol. 2, p. 350. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  9. لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة:] ، وقولِه عليه الصلاة والسلام : "ولكنْ مِنْ غائطٍ وبولِ" (١) الحديث. وقولِه في المذي: "يَغْسِلُ ذكرَه ويتوضَّأ" (٢) وقولِه: "لا ينصرف حنى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا" (٣) قليلًا كان الخارجُ أو كثيرًا، نادرًا كدمٍ ودُودٍ،

    بالخارج. ومفهومُه أنَّه إذا خرجَ إلى ما لا يلحقه حكمُ التطهير من الخبث، لا يلحق بسببه حكمُ التطهيرِ من الحدث. ولا يُشترط انفصالُ الخارجِ عن المحلِّ، فينقُضُ ولو لم ينفصلْ. وإلى ذلك أشار صاحبُ "المنتهى" (٤) بقوله: ولو بظهورِ مَقعَدةٍ عُلم بَلَلُها. قال أبو الحارث: سألت الإمامَ أحمدَ عن رجل به عِلَّةٌ ربَّما ظهرت مقعدتُه، قال: إنْ عَلِمَ أنَّه يظهرُ معها نَدًى، توضَّأ، وإن لم يعلمْ، فلا شيءَ عليه. وكذا طرفُ مُصْرانٍ أو رأسُ دودةٍ وجزم الزركشيُّ أنَّه لا ينتقضُ إذا خرجت مقعدتُه ومعها بِلَّةٌ لم تنفصلْ عنها، ثمَّ عادت. وكلامُ الزركشيِّ مخالفٌ لنصِّ الإمامِ. دنوشري.

  10. (الحديثَ) بالنصب مفعولٌ لفعل محذوفٍ. أي: اقرأ الحديثَ.

  11. (لا ينصرف حتى يسمعَ صوتًا) أي: لا ينصرف من الصلاةِ.

  12. (قليلًا كان الخارجُ إلخ) هذا تعميمٌ للخارج من السبيلين. (نادرًا) خبر كان المحذوفة مع اسمِها. أي: أو كان الخارجُ نادرًا من السبيلين كريح من القُبُل لذَكَرٍ أو أُنثى. قال أبو

    vol. 2, p. 351. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  13. أو معتادًا كبولٍ وغائِطٍ، طاهرًا كولدٍ بلا دَمٍ، أو نجسًا كمذيٍّ، ولو ريحًا من قُبُلِ أنثى أو ذَكَرٍ، أو قَطر في إحليله نحوَ دُهْنٍ، ثمَّ خرج، فلو احتمل في قُبُلٍ، أو دبر قطنًا، أو مِيلًا،

    الحسن: قياس المذهب النقض بالريح من قُبل المرأةِ دون قُبل الرجلِ، وعلَّله ابنُ عقيل بأن قُبُلَ المرأة ينفُذُ إلى الجوفِ، بخلافِ الرجل. وريح الدُّبُرِ إنما يَنقضُ لاستصحابه جزءًا لطيفًا من النجاسةِ، بدليل نَتَنِها. أو الدود والحصى من الدبر؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" . رواه الترمذي (١) … فالذي عليه جماهير الأصحاب أنَّ ذلك ينقضُ الوضوءَ؛ لأنَّه خارجٌ من سبيل، أَشبهَ المعتادَ. وقال مالكٌ: لا ينقض النادرُ. وقال أبو حنيفة: لا ينقضُ الريحُ من القُبل. حفيد مع زيادة.

  14. (أو معتادًا) عطفٌ على "نادرًا" . (طاهرًا) خبرُ "كان" المحذوفة مع اسمِها. أي: أو كان الخارجُ طاهرًا، كالولد العاري عن الدَّمِ، فإنَّه ينقضُ الأصحِّ (ولو ريحًا) غايةٌ لقوله: "نجسًا" . (أو قطَّر) بفتح الطاءِ وتشديدِها، يصحُّ أن يكونَ خبرًا لـ "كان" المحذوفة مع اسمها. أي: أو كان الخارجُ مقطَّرًا، كدُهنٍ يقطَّر في الإِحليل، بكسر الهمزةِ: مَجرى البولِ، ثم يخرج، فإنَّه ينقضُ الوضوءَ على الصَّحيح من المذهبِ. جزم به في "المغني" (٢) ، وابنُ رزين، وصحَّحه في "مَجمع البحرين" ، وقالوا: لأنه لا يخلو عن بِلَّة نَجِسةٍ تصحبه. وقال القاضي في "المجرَّد" : لا ينقضُ. والمذهبُ الأوَّل. وفُهم من هذا لو قطره في غير السبيلِ ولم يصِلْ الى محل محكومٍ بنجاسته ثم خرجَ، لم ينقضْ. قال في "الفروع" (٣) : ولو صبَّ دُهنًا في أُذُنه، فوصل دماغَه ثمَّ خرج منها، لم ينقضْ، وكذا لو خرجَ من فمه، في ظاهرِ كلامِهم، كنُخامة الحَلْقِ، مع أنَّها جرت على مَخرجِ القيءِ، وِفاقًا لأبي حنيفةَ. دنوشري. (فلو احتملَ في قُبُل إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "أو قطر" يعني: لو احتشَى قُطنًا وابتلَّ، أو نحوَه في ذَكَره، ثم أخرجه وعليه بلل، انتقضَ

    vol. 2, p. 352. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  15. ثمَّ خرج ولو بلا بللٍ، نقض. كما في "الإقناع" (١) . وقيل: لا ينقضُ إِنْ خرج بلا بللٍ. قال صاحبُ "المنتهى" في "شرحه" (٢) : وهو المذهب، وعلَّله بأنَّه ليسَ بين المثانةِ والجَوْفِ مَنْفَذ، ومقتضى هذا التعليل أنَّ المُحْتَشَى (٣) في الدُّبُرِ ينقضُ مطلقًا، كما ذكره المصنِّف.

  16. ولو ظهر طرفُ مُصْران، أو رأسُ دودةٍ، نقض. ولو ظهرت مقعدتُه، فإن عَلِمَ بللَها، بطل وضوءُه، لا إن جَهِلَ.

    وضوءُه. ومفهومُه أنَّه لو خرجَ ناشفًا، لم ينقضْ. وهو المذهبُ، ولأنه ليس بين المثانةِ والجوفِ منفذٌ ولم تصحبه نجاسةٌ، فلم ينقضْ، ومال في "الإقناع" (٤) أنَّه ينقضُ ابتلَّ، أَوْ لا. والأصحُّ الأوَّل. دنوشري (٥) … ابتلَّ، أَوْ لا.

  17. (ولو ظهر طرفُ مُصْرانٍ أو رأسُ دودةٍ، نقض) مطلقًا عند "الإقناعِ" ، ومع البِلَّةِ، على ما قدَّمه في "الفروع" (٦) . والله أعلم. (ولو ظهرتْ مَقعدَتُه) غايةٌ لقول المصنِّف: "خارجٌ من سبيل" لأنَّه تقدَّم أنَّ الخارجَ من السَّبيلين لا يُشترط انفصالُه ولو بظهورِ مقعدةٍ علم بللها. (لا إن جهل) فلا شيء عليه، ومتى استدَّ المخرج المعتاد وانفتح مخرجُ غيرِه، ولو كان المنفتحُ أسفلَ المَعِدَة -على وزن كَلِمَة- وهي موضعُ الطعامِ قبل انحدارِه إلى الأمعاءِ، وهي لنا بمنزلة الكَرِشِ لذات الأَظلافِ والأَخفاف، لم يثبت للمَخرج المنفتِحِ حكمُ المخرجِ المعتادِ بالكليَّة.

  18. [ "فلا نقضَ بريحٍ منه" ] (٧) أي: من المنفتح. ولا ينتقضُ الوضوءُ بلمسه بغير شهوةٍ إذا

    vol. 2, p. 353وكذا مِنْ باقي البدنِ، إنْ كان بولًا، أو غائِطًا، أو كثيرًا نجسًا غيرُهما، كقيءٍ ودمٍ.

  19. الثاني من النواقض: ما أشار إليهِ بقولِه:
  20. (وكذا) ينقضُ الوضوءَ خارجٌ (من باقي البدن) أي: ما سِوى السَّبيلين (إن كان) الخارجُ من بقيَّة البدن (بولًا، أو غائطًا) مطلقًا (أو) كان (كثيرًا نجسًا غيرُهما) أي: غيرُ البول والغائط (كقَيْءٍ) ولو بحاله (ودمٍ)

  21. كان من بدنِ امرأةٍ. ولا نقضَ بخروج نجِسٍ يسيرِ منه غيرِ بولٍ وغائطٍ، وتكفي فيه الأحجارُ. ولا يجب مهرٌ بإيلاجِ الذَّكَرِ فيه. والمسدودُ صار كعُضو زائدٍ من الخُنثى، وصار المنفتِحُ سبيلًا بالنسبة للحدثِ الذي هو البولُ أو الغائطُ. دنوشري مع زيادة.

  22. (مطلقًا) أي: سواءٌ كان البولُ أو الغائطُ كثيرًا أو قليلًا، وسواءٌ كان من السَّبيلين أو غيرِهما، وسواءٌ كانا مسدودَين أو مفتوحَين. ولا يختلف المذهبُ في نقض الوضوءِ بخروج البولِ أو الغائطِ مطلقًا، سواءٌ كان من مَخرجه أو من غيرِه، ويستوي في ذلك قليلُها وكثيرُها. دنوشري. (أي: غيرُ البولِ والغائطِ) من باقي البدنِ (كقَئءٍ ولو بحاله) كما لو شربَ ماءَ عرقِ السُّوس (١) ، أو شربَ ماءً، فقذفه في الحالِ بصفته، فنجسٌ. وينقضُ كثيرُه دون قليلِه؛ لِمَا رُويَ عن أبي الدرداءِ أنَّ رسول الله ﷺ قاءَ فتوضَّأ (٢) ، قال (٣) : فلقيتُ ثَوْبانَ في مسجدِ دمشقَ، فسألته، فقال: صدقَ، أنا سكبتُ له وضوءَه. رواه الترمذي، وقال: هذا أصحُّ شيءٍ في البابِ (٤) . قيل للإمامِ أحمدَ: حديثُ ثوبانَ ثبتَ عندك؟ قال: نعم. ولأنَّ نجاستَه بوصوله إلى الجوفِ لا باستحالته. ولا ينقضُ بَلْغَمُ معدةٍ وصدرٍ ورأسٍ؛ لِطهارته. ولا جشاءٌ، نصًّا،

    vol. 2, p. 354. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  23. وقيحٍ، ودودِ جُرْحٍ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث فاطمةَ: "إنَّه دمُ عِرْق، فتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ" رواه الترمذي (١) .

  24. وعُلم من قوله: "كثيرًا" أنَّه لو كان غيرُ البولِ والغائطِ قليلًا، لم ينقضْ؛ لمفهوم قولِ ابنِ عباس في الدَّم: إذا كان فاحِشًا، فعليه الإعادة (٢) . والكثير: ما فَحش في نفس كلٌ أحدٍ بحسبه. فلو مصَّ علقٌ أو قُرادٌ (٣) -لا ذُبابٌ وبعوض- دمًا كثيرًا، نقض.

  25. وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن أصابه قيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، فلينصرفْ فلْيتوضَّأ" رواه ابنُ ماجه والدارقطني (٤) . والقَلَس، بتحريك اللامِ، وقيل: بالسُّكون: ما خرج من الجوف مِلءَ الفمِ أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو قيءٌ. دنوشري. (إنه دم عرق) فهي مستحاضةٌ حينئذٍ. (والكثيرُ ما فَحُشَ) يعني: ينتقض الوضوءُ بخروج نجاسةٍ من باقي البدنِ. "فاحشةٍ" (٥) بالجرِّ صفة لـ "نجاسةِ" أي: نجاسةٍ كثيرةٍ حيث كانت، غير بولٍ وغائطٍ؛ لأنَّه خارجٌ نَجِسٌ فاحشٌ، فنقضَ، كالخارج من السَّبيلين. وفُحشُها ليس له حدٌّ، وإنَّما هو (في نفس كلِّ أحدٍ بحسَبه) أي: بحسب حالِه واعتقادِه، فإن اعتقدَ أنَّها فاحشةٌ، انتقضَ وضوءُه، عملًا باعتقاده، وإلَّا، فلا؛ وذلك لقول ابنِ عباس: الفاحشُ: ما

    vol. 2, p. 355وزوالُ عقلٍ، ولو بنومٍ،

    الثالثُ من النواقض: أشار إليه بقوله: (وزوالُ عقلٍ) بجنون أو بِرسام (١) ، أو تغطيتُه بإغماءٍ أو سُكرٍ، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا (ولو) كانت تغطيتُه (بنومٍ) لحديث

    فَحُشَ في قلبِك (٢) . ولقول النبيِّ ﷺ : "دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" (٣) ولأنَّ اعتبارَ حالِ الإنسانِ بما يستقبحه غيرُه حرجٌ، فيكونُ منتفيًا عنه. وعن الإمامِ: تُعتبر نفوسُ أَوساطِ الناسِ. اختاره القاضي وجماعةٌ كثيرةٌ، وجزمَ به في "التلخيص" . قال في "الإنصاف" (٤) : والنفسُ تميل إلى ذلك.

  26. إذا تقرَّر هذا، فتنقُضُ النجاسةُ الفاحشةُ إذا خرجتْ من بدن المتوضِّئِ ولو بقطنةٍ ونحوِها، كخِرقةٍ صغيرةٍ ونحوِها، أو بمصٍّ عَلَقٍ أو قُرادٍ؛ لأنَّه لا فرقَ في نقضِ الوضوءِ بين ما يخرجُ بنفسه أو بمعالجةٍ حيث كان كثيرًا، إلَّا أنَّه لا ينقضُ ما خرجَ بمصٍّ بعوضٍ ونحوِه، كبَقٍّ وذبابٍ وبراغيثَ؛ لقلَّتة ومشقَّةِ الاحترازِ عنه. دنوشري مع زيادة.

    (وزوالُ عقلٍ) أي: تمييزٍ (بجنون، أو بِرسامٍ، … أو سكر، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا) وهذا بالإجماع على كلِّ الأحوالِ؛ لأنَّ هؤلاء لا يشعرون بحال.

  27. والعقلُ لغةً: المنعُ. وقيل: التثبُّتُ في الأمور. وقيل: سمِّي عقلًا؛ لأنَّه يعقِلُ صاحبَه عن التورُّط في المهالك، أي: يحبِسُه. والجنونُ: زوالُ الشعورِ من القلبِ مع بقاءِ حركة الأعضاء وقوَّتها. والإغماء: زوال الشعور من القلب مع فتورِها. وكلاهما ناقضٌ للوضوء؛ لزوال عقلِهما. حفيد مع زيادة.

  28. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 356
  29. عليٍّ: "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمَنْ نام، فليتوضأ" رواه أحمد (١) . والسَّهُ: حلْقة الدبر (٢) ؛ ولأنَّ النومَ مظنَّةُ الحَدَثِ، فأقيم مقامَه.

  30. والنومُ رحمةٌ من الله على عبدِه؛ ليستريحَ بدنُه عند تعبه، وهو غشيةٌ ثقيلةٌ تقعُ على القلب، تمنعُ المعرفةَ بالأشياء؛ فينقض النومُ الوضوءَ، إلا نومَ النبيِّ ﷺ على أيٍّ حالٍ كان؛ لأنَّه تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه (٣) .

  31. (العينُ وِكاء السِّهِ) العين: كنايةٌ عن اليقظةِ. والوِكاءُ - مثل: كِتاب-: حبلٌ يشدُّ به رأسُ القِربةِ. "مصباح" (٤) ، ففيه استعارةٌ لطيفةٌ؛ لأنَّه جعلَ العينَ بمنزلة الحبلِ؛ لأنه يضبِطها، فزوالُ اليقظةِ كزوال الحبلِ؛ لأنَّه يحصل به الانحلالُ. والسَّهُ: اسمٌ للدُّبُر. ووِكاؤه: حفاظُه عن أن يخرجَ منه شيءٌ لا تشعر به العينان. (ولأنَّ النومَ مَظِنَّةُ الحدث .. إلخ) وغيرُ النومِ مما ذكر أَبلغُ منه في الذُّهولِ الذي هو مظنَّةٌ لخروج شيءٍ من الدُّبُر، كما أشعر به الحديثُ.

  32. وفي إيجاب الوضوءِ بالنوم تنبيةٌ على وجوبه لما هو آكَدُ منه، كالسُّكْر والإغماءِ إلَّا نومَ النبيِّ ﷺ ؛ لخبر الصَّحيحين: "إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينامُ قلبي" . وفي البخاريِّ (٥) في خبر الإسراءِ عن أنسٍ: "وكذلك الأنبياءُ عليهم السلام تنام أعينُهم ولا تنام قلوبُهم" .

  33. فإنْ قيل: هذا مخالفٌ للحديث الصحيحِ أنَّه ﷺ نام في الوادي عن صلاة الصُّبحِ حتى

    vol. 2, p. 357إلَّا يسيرًا من قاعدٍ، وقائمٍ غيرِ مستنِدٍ، ونحوهِ.

  34. و (إلا) نومًا (يسيرًا) عُرفًا (من قاعدٍ وقائمٍ غيرِ مستندٍ) كلاهما (ونحوِه) أي: نحو المستند، كمتكئ ومُحتَبٍ؛ لقولِ أنسٍ: "كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ ينتظرون العشاءَ الآخرةَ (١) حتى تخفِقَ رؤوسُهم، ثمَّ يصلُّون ولا يتوضؤون" رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح (٢) . ولقولِ ابنِ عباسٍ في قصَّة تهجُّدِه ﷺ : فجعلْتُ إذا أَغْفَيْتُ يأخُذُ بشَحْمَةِ أُذني. رواه مسلم (٣) .

  35. طلعت الشمسُ (٤) ، ولو كان غيرَ نائمٍ، لَما ترك صلاةَ الصُّبحِ؟

  36. فجوابُه من وجهين: أَحدهما -وهو المشهورُ-: أنَّ القلبَ يقظانُ يُحِسُّ بالحَدَث وغيرِه فيما يتعلَّق بالبدن ويشعرُ به القلبُ، وليس طلوعُ الفجرِ والشمسِ من ذلك؛ لأنَّه إنَّما يُدرَك بالعين، وهي نائمةٌ.

  37. والثاني: أنَّه كان له ﷺ نومان: أَحدُهما: تنام عينُه وقلبُه. والثاني: عينُه دون قلبهِ. وكان نومُ الوادي من النوم الأَوَّلِ. مصنِّف في حاشية "الإقناع" في كتابِ النِّكاح (٥) .

  38. (وإلَّا نومًا يسيرًا عُرفًا) يعني: أنَّ مرجعَ الكثرةِ والقلَّةِ العرفُ؛ لأنَّه لا حدَّ له في الشَّرع. وقيل: ما لم يتغيَّر عن هيئته، كسقوطه. ومَن لم يُغلبْ على عقلِه، فلا وضوءَ عليه. وإنْ خطر بباله شيءٌ لا يدري أرؤيا أو حديثُ نفسٍ، فلا وضوءَ عليه. وإنْ شكَّ في النوم الكثيرِ، لم يلتفتْ إليه. وإنَّما استثنى المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- النومَ اليسيرَ إذا كان من جالسٍ وقائمٍ،

    vol. 2, p. 358. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  39. وقوله: "حتى تخفِقَ رؤوسُهم" ، قال في "المصباح" (١) : خفقَ برأسه خفقةً: أخذته سِنَةٌ من النُّعاس، فمال رأسُه دون سائرِ جسده، وبابُه ضرب. وقوله: "أَغْفَيتُ" أي: نمتُ نومةً خفيفة. قال ابن السِّكِّيت (٢) وغيرُه: ولا يقال: غفوت. وقلَّله الأزهريُّ كما في "المصباح" (٣) .

  40. وعُلِم منه أنَّ الكثيرَ من قاعدٍ وقائمٍ ينقض

    فالقائمُ كالقاعد؛ لاشتراكهما في انضمامِ محلِّ الحدثِ، فلا ينقض يسيرُه، وحديثُ أنس محمول على الكثير؛ لأنه اليقين، ولأن النوم اليسير يكثُرُ وقوعُه من منتظري الصَّلاةِ، فعُفي عنه؛ لمشقَّة التحرُّز. وأمَّا عدمُ انتقاضِ الوضوءِ بالنوم اليسيرِ من القائم، فما رُوي عن ابن عباسٍ في قصَّة تهجُّدِه إلخ، ولأنَّ الجالسَ والقائمَ يشتبهان في الانخفاضِ واجتماعِ المَخرجِ، وربَّما كان القائمُ أبعدَ من الحدثِ؛ لكونه لو استثقلَ في النوم، لَسقط.