باب التيمم

155 paragraphs · vol. 2, p. 425

Page 1 of 4

  1. باب التيمُّم

    (باب) بالتنوين، أي: هذا باب يُذْكر فيه شيءٌ من أحكام التيمم.

    vol. 2, p. 425
  2. (التيمُّمُ) لغةً: القصد.

  3. (باب. بالتنوين) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ. ويصح عكسُه.

  4. لما فرغَ المؤلفُ من الكلام على الطَّهارة الواجبةِ بطريق الأصالةِ، عقبه بذِكر ما يجبُ على سبيل البدلِ، وهو التيمُّم. وإنما قدّم المسحَ على الخف، فذكره تلوَ صفةِ الوضوء، مع كونه بدلًا عن غَسل الرجلين؛ لاختصاصه بالوضوء بخلاف التيممِ، فإنه يكونُ بدلًا عن الوضوءِ والغُسل.

  5. (التيممُ لغةً: القصدُ) قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: اقصِدوا. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين. قال الشاعر (١) :

    وما أدري إذا يممتُ أرضًا (٢) … مريدَ (٣) الخيرِ أيُّهما يليني

    أألخيرُ الذي أنا أبتغيه … أم الشر الذي هو يبتغيني

    وهو ثابت بالكتاب والسنة. أما الكتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وأمّا السنة، فقولُه ﷺ : "الصعيد الطيب طهورُ المسلمِ وإنْ لم يجد الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ، فأمسَّه جِلدَك" . أخرجه أبو داودَ والنسائي (٤) ، ولما

    vol. 2, p. 426. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  6. وشرعًا: مسحُ وجهٍ ويدين بترابٍ طَهُور على وجهٍ مخصوصٍ (١) . وهو ثابتٌ بالإجماع (٢) ، وسندُه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية [النساء: ٤٣] . وحديثُ عمَّار (٣) وغيره.

  7. روى عِمرانُ بن حُصَين رضي اللهُ تعالى عنه قال: كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في سَفَر، فصلَّى بالناس، فإذا هو برجل معتزلٍ، فقال: "ما منعك أنْ تصلَّي" . فقال: أصابتني جَنابة ولا ماءَ. قال: "عليكَ بالصعيد، فإنَّه يكفيك" . متفق عليه (٤) . وفُرض في السنة السادسةِ من الهجرةِ. حفيد.

  8. (وشرعًا: مسحُ وجهٍ إلخ) عبارةُ "المنتهى" (٥) : استعمالُ ترابٍ مخصوص لوجه ويدين. قال شارحُه: لأجل رفعِ حكمِ ما يمنعُ الصلاةَ، مِن حديث، ونجاسةٍ على بدن. والمرادُ بالتُّراب المخصوصِ أن يكونَ ترابًا طَهورًا، مباحًا، غيرَ محترق، له غبار يعلَقُ باليدِ. وكان على المؤلف -رحمه اللهُ تعالى- أن يقول: بنيَّة مخصوصة، مِن شخص مخصوصٍ، وهو مَن عَدِمَ الماء، أو مَن يتضرَّرُ باستعماله. ولكَ أن تقولَ: تعريفُ التيمم: مسحُ الوجهِ واليدين بشيءٍ من الصعيد. كما ذكره في "المبدِع" . دنوشري. عُلم مِن ذلك أن الشرحَ "على وجهِ مخصوص" متعلقٌ بقوله: "مسحُ وجهٍ" وذلك الوجهُ هو صفتُه الآتي ذِكرُها، فاندفعَ بذلك ما يقال: كان على الشارح أنْ يزيدَ في التعريف: بنية مخصوصة مِن شخصٍ مخصوصِ. فيكونُ التعريفُ جامعًا مانعًا لا غبارَ عليه ليدل على (٦) … فعله عند عدمه، وقال في "الإقناع" (٧) :

    vol. 2, p. 427بل عن طهارةِ ماءٍ عندَ عَجْزٍ عنه شرعًا،

    وهو من خصائصِ هذه الأمَّة، لم يجعلْه الله تعالى طَهورًا لغيرها؛ توسعة عليها وإحسانًا إليها (١) .

  9. وهو (بدلٌ عن طهارة ماءٍ) لأنّه لا يجوزُ عند وجودِ الماء، وتمكنِه من استعماله، بل (عند عجْزٍ عنه) أي: عن الماء (شرعًا)

  10. ويجوزُ لكل ما يُفعل بالماءِ، من صلاةٍ، وطوافٍ، وسجودِ تلاوة، وشكر، وقراءةِ قرآنٍ، ومسَّ مصحفٍ - قال بعضُهم: إن احتاجَه- ووطءِ حائضٍ انقطعُ دمُها، ولُبثٍ بمسجدٍ- قال الدنوشري: قلتُ: لأجل الغُسلِ فيه، كما هو مصرَّح به في هذه الصورةِ- ونجاسةٍ على بدن بعد تخفيفِها إنْ أمكن.

  11. (عند عجز عنه شرعًا) لاحِسًّا؛ لصِحة التيممِ في بعض الصورِ مع وجود الماءِ. والظرفُ متعلّق بقوله: "بدلٌ عن طهارةِ ماءٍ" قال في "المنتهى" (٢) : سوى نجاسة على غير بدنٍ، ولُبث بمسجدٍ لحاجة. ولم يذكرها المصنَّف هنا؛ لذِكرها في باب الوضوء قال شارحُه: الاستثناءُ منقطع من محلِّ النجاسةِ التي يتيممُ لها؛ لأن البدنَ لبس من جنس الثوبِ والبُقعةِ. ويصح أن يكونَ متصلًا بالنظر الى قوله: "لكلِّ ما يُفعل به عند عجز عنه شرعًا" . وغيرُ البدنِ، كالثوب والبقعةِ، فلا يصح التيمَّمُ لها إذا كانت على غير البدنِ. فإنْ قلتَ: لأي شيء إذا كانت النجاسةُ على البدن يصح التيمم لها، وإذا كانت على غيرِه لا يصح، فما الفرقُ بينهما؟ قلتُ: لأن النجاسةَ التي على البدنِ تُشبهُ الحدثَ القائمَ بالبدن، وقد عُهد التيممُ عنه، بخلافِ ما إذا كانت على غيرِه، وأيضًا يمكنُ التعري عن الثوبِ ويصلي عُريانًا للضرورة، يومئ استحبابًا فيها، وإن صلَّى قائمًا أو جالسًا وركعَ وسجدَ بالأرض، جازَ، ولا يمكن التعري عن البدنِ. وقولُه: "ولبثٍ بمسجدٍ لحاجة" أي: [وسوى لُبثِ جنب وحائضٍ] (٣)

  12. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 428
  13. أي: من جهة الشرعِ، وإن لم يعجزْ عنه حسًّا كما سيأتي، وهذا شأنُ البدل.

  14. ونفساءَ انقطع دمُها، واحتاجوا إلى اللبث بمسجدٍ لحاجةٍ، أي: لحاجة اللُّبث فيه لغير الغُسل. وهو معطوفٌ على المستثنَى. أعني قولَه: " نجاسة على غير بدنٍ" والتقدير: وسوى لُبث بمسجدٍ في إحدى الصورتين. وهي ما إذا تعذَّر الغُسلُ واحتيج إلى اللُّبث فيه فإنه يجوز (١) … الحاجة الضرورية الداعية الى ذلك وهي خوف اللصوص أو أعوان الظلمة بخروجه من المسجد بعد الغسل، فاغتفر لمن ذكر ذلك بغير تيمم. وهو مستثنى من قوله: "لكل ما يُفعل به" فهو مستثنى متصل من الحكم الثابتِ للمبدَل منه، وهو الوجوبُ أو عدمُه؛ لأنه لمَّا ذكر أن التيممَ بدلٌ عن طهارة الماءِ لكل ما يُفعل به عند العجزِ عنه، فُهم منه أن التيممَ يجبُ حيث تجبُ الطهارةُ بالماء، ويستحب حيث تستحب، فتناول وجوبَ التيمم في الحالة المذكورةِ، فأخرجه بهذا الاستثناءِ من الحيثية المذكورةِ، لا من حيث عدمُ الصحَّةِ كما في النجاسةِ على غير البدنِ. والمتقضي لهذا الحملِ أن الخلافَ بين الأصحابِ في وجوب التيممِ في الحالة المذكورةِ لا في صحّته، فاختار الموفق في "المغني" (٢) وجوبَه، وخالفه غيرُه. وممَّن نصِّ على جوازِه المجدُ. قلت: وهذا الخلافُ لفظيُّ، لا يترتَّب عليه كبيرُ فائدةٍ؛ لأنه يلزمُ من الوجوبِ الجوازُ، وقد يُستعمل الجوازُ مكانَ الصحَّةِ، وقد تُستعمل الصحةُ في محلّ الجوازِ. واللهُ تعالى أعلمُ. دنوشري.

  15. (أي: من جهة الشرع) أشار الشارحُ بهذا التفسيرِ إلى أن "شرعًا" منصوب على التمييز، كـ: طابَ محمد نفسًا. (وهذا شأنُ البدلِ) بأن التيممَ لا يجب إلا عند عدمِ الماءِ، ولا يجوزُ مع وجودِ الماءِ إلا لعذرٍ، فاسمُ الإشارةِ راجعٌ لذلك، فشرطُ إباحةِ التيممِ عدمُ وِجدانِ الماءِ.

  16. (ويجوزُ حَضَرًا، وسفرًا، ولو غيرَ مباح، أو قصيرًا؛ لأنه عزيمةٌ) أي: لأن التيممَ عزيمةٌ.

  17. فإذا دخلَ وقتُ فرضٍ، أو أبِيحَ نفلٌ،

    ويجوز حضرًا، وسفرًا ولو غيرَ مباحٍ، أو قصيرًا؛ لأنَّه عزيمة.

    vol. 2, p. 429
  18. إذا علمتَ ذلك (فـ) إنَّه يجوز التيممُ بشرطين: أحدُهما: دخولُ وقتِ ما يتيممُ له، وإلى هذا أشار بقوله: (إذا دخل وقتُ) صلاةِ (فرضٍ) أو نفلٍ مقيدٍ بوقتٍ (أو أُبِيحَ نفل) مُطلَقٌ بخروج وقتِ النَّهْي، فلا يصحُّ تيمم لفرضٍ، أو نفلٍ معين، كسُنَّةٍ راتبةٍ قبل وقتهما، نصًّا، ولا لنفلٍ في وقت نُهِيَ عنه، بخلاف ركعتي طوافٍ، فيصح فعلُهما كلَّ

    وتقدَّم الكلامُ على معناها في بابِ مسحِ الخفين. فيجوزُ في سفر المعصيةِ، كالمسحِ على الجبيرةِ. ولا يجوزُ تركُه، بخلاف الرخص، كالمسحِ على الخفِّ، والفِطرِ في السَّفر، والقصرِ فيه، فإنه يجوز له غَسلُ الرجلين، والصومُ، والإتمامُ في السفر؛ لأنه رجوع إلى الأصل، بخلاف التيمم؛ لأن الماءَ مفقودٌ حسًّا أو شرعًا، فتعذَّر الرجوعُ فيه إلى الأصلِ، فلا يُتركُ.

  19. (فإنَّه يجوز التيمم بشرطين إلخ) الفاءُ في جوابِ شرط مقدَّر، أشارَ إليه الشارحُ بقوله: "إذا علمتَ ذلك" . فلا يصح التيمم إذا فُقد واحدٌ منهما. وزادَ في "المنتهى" (١) ثالثًا: وهو الترابُ، ولم يجعله المصنفُ شرطًا، انظر لماذا، تبَعًا لصاحبِ "الإقناع" (٢) ؟!

  20. (فلا يصح تيمم لفرض إلخ) مفرع على قوله: "إذا دخل وقتُ صلاةِ فرضٍ" ، "ولو" كانت الصلاةُ "منذورةً بمعين" (٣) أي: بزمن معيَّن، كما لو نذرَ على نفسِه لله تعالى أنْ يصلِّيَ ركعتين في وقتِ الظهر، أو وقتِ العصر مِن يومِ كذا، أو بعدَ طلوعِ الشمسِ بعشرِ دَرَج، فلا يصحُّ التيممُ لهذه الصلاةِ المنذورةِ قبل دخولِ الوقتِ الذي عيَّن إيقاعَها فيه، أي: لصاحبة الوقتِ التي ستحضرُ أو سوت تحضرُ. وأطلق عليها حاضرةً (٤) ؛ لكونها قريبةً. دنوشري. (ولا لنفلٍ في وقت نهي عنه) لأنه ليس بوقت لها، ولا يصحُّ فعلُها فيه شرعًا، ولو جهلًا، حتى ما

    vol. 2, p. 430. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  21. وقت؛ لإباحتهما إذن. ويصحُ لفائتةٍ إذا ذكرها وأراد فعلَها، ولكسوف عند وجوده، ولاستسقاءٍ إذا اجتمعوا، ولجنازةٍ إذا تمَّ تغسيلُ ميتٍ، أو يُمِّمَ لعُذرٍ، ولعيدٍ إذا دخلَ وقتُه، ولمنذورةٍ بمعين إذا دخل، لا قبلَ ذلك في الكل، ولمنذورةٍ مطلقةٍ كل وقت.

  22. له سببٌ، كسجودِ تلاوةٍ، وسنَّة راتبةٍ، وصلاةِ كسوفٍ، وتحية مسجدٍ في غير حالِ خُطبةِ الجُمُعة، وفيها تفعل إذا دخلَ والإمامُ يخطبُ ولو كان وقتَ قيامِ الشمسِ، بلا كراهة.

  23. (ويصح لفائتةٍ إذا ذَكرها وأَراد فعلَها) أي: ولا يصح تيمم أيضًا لفائتةٍ من الصّلوات المفروضةِ إلا بشرطين، نبَّه على الأول منهما بقوله: "إذا ذكرها" ، وعلى الثاني بقوله: "وأراد فعلَها" فلو تذكرها ولم يُرِد فعلَها، لا يصح له التيممُ بمجرّد التذكر، بل لابدّ لصحّة التيممِ من العزمِ على فِعلها عند التذكر، كما هو الواجبُ شرعًا. ولو قال الشارحُ رحمه الله تعالى: إلا إذا أراد فعلَها. لأغنَى عن قوله: "ذكرها" لأنه يلزمُ من إرادة الفعلِ التذكرُ، ولكان أقصرَ. (ولكسوفٍ عند وجودِه) عطفٌ على قوله: "لفائتة" فلا يصحُّ التيممُ لصلاةِ كسوفٍ قبل وجودِه، ويستمرُّ وقتُه إلى التجلِّي، ولا يُعتمدُ قولُ المقوِّمين في أنّه سيوجدُ في وقتِ كذا. (ولاستسقاءٍ إذا اجتمعوا) عطف على قوله: "لفائتة" فلا يصح التيممُ لصلاة استسقاءٍ ما لم يجتمع الناسُ للصَّلاة لها. (ولجنازة إلخ) عطفٌ على "لفائتة" فلا يصح التيممُ لصلاة جنازة إلا إذا غُسِّلَ الميتُ أو يُمِّمَ لعذر وفُرغَ من طهره. ويُلغز ويُقال: شخصٌ لا يصح تيمُّمه حتى ييمِّمَ غيرَه؟! (ولعبدٍ إذا دخل وقتُه) أي: وقت صلاةِ عيدِ الفطرِ والأضحى (لا قبل ذلك في الكل) أي: لا يصحُّ التيممُ فيما ذُكر إلا بعد دخولِ الوقتِ. وإنما لم يصح التيممُ في المسائل المتقدِّمةِ قبل دخولِ الوقتِ؛ لأنّه طهارةُ ضرورة، فلم تَجُزْ قبل الوقتِ، كطهارة المستحاضَة، وهو مبيح لا رافع، بخلاف الوضوءِ؛ ولأنَّ ما قبل الوقتِ مستغن عن التيمم فيه، فأشبة ما لو تيمَّم عند عدمِ العذرِ. دنوشري. (ولمندورةٍ مطلَقةٍ) عطفٌ على قوله: "لفائتة" أي: ويصح التيممُ لمنذورةٍ مطلَقةٍ، كأنْ نذر أربعَ رَكَعاتٍ، لأن المعاطيفَ إذا تكررت بالواو، تكون على الأول.

  24. وعَدِمَ الماءَ، أو زاد على ثمنهِ كثيرًا،

    الشرط الثاني: عجزُه عن استعمال الماء حسًّا، كأنْ عدمَ الماء، أو شرعًا، كأنِ احتاجَ إلى الماء في نحوِ شُربٍ، وإلى هذا أشار بقوله: (وعدم الماء) حضرًا، أو سفرًا، بحبسٍ لمتيمِّم عن الماء أو عكسه، أو غيرِ الحبس، كقَطع عدوٍّ ماءَ بلده؛ لعمومِ حديث أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ قال: "الصَعِيدُ الطيبُ طَهُورُ المسلم وإنْ لم يَجِدِ الماءَ عشرَ سنين، فإذا وَجَدَهُ، فلْيُمِسه بَشَرَته؛ فإن ذلك خير" رواه أحمد (١) .

    vol. 2, p. 431
  25. (أو زاد) الماءُ (على ثمنِه) أي: ثمنِ مِثْلِه قدرًا (كثيرًا) عُرفًا، فيصحُّ التيمُّم.

  26. (وعدم الماء) بابُه: علم. فِعل وفاعلٌ. فتعذَّر استعمالُه (بحَبسٍ) لمتيمِّم، بأن حُبس المتيممُ عن الخروجِ في طلب الماء، (أو عكسُه) بأن حُبس الماءُ عن المتيمِّم بوضعه في مكانٍ لا يصلُ إليه (كقطعِ عدوٍّ ماءَ بلدِه) مصدرٌ مضاف لفاعله، و "ماءَ بلدِه" مفعولُه (أو زادَ الماءُ على ثمنه إلخ) أي: أو عدم بذله إلَّا بزيادةٍ كثيرة عادةً على ثمنِ مثلِه في مكانه. فقولُه: "أو زاد الماءُ إلخ" معطوفٌ وهو (٢) مقدّرٌ مِن لفظه وحذفِ أداةِ الاستثناءِ وحرفِ (٣) الجر. والمعنى: إذا دخل وقتُ فرضٍ وعدم الماء أو عدم بذله إلا بزيادة إلخ؛ لأن عليه في رفع الزيادةِ الكثيرةِ ضررًا كثيرًا؛ فلم يلزمه أن يتحمله، كضرر النفس. قال في "المبدع" : أو ثمنٍ يعجزُ عن أدائه؛ لأن العجزَ عن الثمن يُبيح الانتقالَ إلى البَدَل، دليلُه العجزُ عن ثمنِ الرقبةِ في الكفارة. وفُهم من قوله: "زيادة كثيرة" أن الزيادةَ اليسيرة تُتحمَّل، ولا تكونُ مبيحةً للتيمم.

  27. "فرع" : قال في "المبدع" : إذا بذل ماءٌ بثمنٍ في الذِّمَّة يَقدر على أدائه في بلده، لم يلزمه في الأصح، واختاره أبو الحسنِ الآمدي؛ لأن عليه ضررًا في بقاءِ الدَّين في ذِمته، وربَّما

    vol. 2, p. 432. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  28. وعُلم منه أنَّه يلزمُه شراءُ ماءٍ بثمنِ مِثْلِه، أو زائد يسيرًا عرفًا؛ لأنه قادر على استعمالِه إذن من غيرِ ضررِ. فإن عجز عن ثمنِ الماء، أو احتاجَه لنحوِ نفقةٍ، تيمَّم، وكذا يلزمُه شراءُ حبلِ ودَلْوٍ.

  29. تلف مالُه قبل أدائه، وقال القاضي: يَلزمه كالكفارة في شراءِ الرَّقبة إذا كان مالهُ غائبًا وأمكنه شراؤها بِنيته، وأجيب: بأن الفرضَ متعلق بالوقتِ، بخلاف المكفِّرِ، وظاهرُه أنّه إذا لم يكن له في بلدِه ما يوفيه، لم يلزمه شراؤه، وصرَّح به في "المغني" (١) وغيرِه؛ لأن عليه ضررًا.

  30. (قدرًا كثيرًا) قدّر الشارحُ "قدرًا" ، إشارة إلى أنَّ "كثيرًا" صفة لموصوفٍ محذوفٍ.

  31. (فإن عجَزَ عن ثمن الماء … إلخ) مفرَّع على قوله: "أو زاد الماءُ على ثمنه كثيرًا" . (حبل ودَلْوٍ) أي: ومثلُ ما في الحكم المذكورِ حبلٌ ودلوٌ. يعني: يلزم شراءُ ماء بثمنِ مثلِ الماءِ، وشراءُ حبل بثمنِ مثلِ الحبلِ، وشراءُ دلو بثمن مثلِ الدَّلو، احتيجَ إليهما لاستقاء الماء، أو بزائدٍ عن ثمن المثلِ شيئًا يسيرًا إذا كان معه ما يشتري به فاضلٌ عن حاجته، من نفقةِ نفسِه، وعيالِه، وقضاءِ دينه، ونفقةِ حَيَوان محترمٍ، فحينئذٍ يلزمُه شراؤه؛ لأنّه قادر على استعماله من غيرِ ضررٍ، ولأنه يلزمه شراءُ ستر عورته للصلاة، فكذا هنا. فإذا كثرت الزيادةُ على ثمن المثلِ، فلا يلزمُه الشراءُ؛ لانها تجعل الموجودَ حسًّا كالمعدومِ شرعًا، ولأن ضررَ الزيادةِ اليسيرةِ مغتَفَر على الأصح. وقد اغتُفر الضررُ اليسيرُ في بدنه، مِن صُداع وبردٍ، فهنا أولى. وعنه: لا يلزمُه شراؤه مع زيادة مطلقًا؛ لأنّ عليه ضررًا بالزيادة، كما لو خاف لصًّا يأخذ من مالِه. والمذهبُ الأول. فلا يلزمُه الشراءُ بما يحتاجُ إليه، ولا بثمنٍ في ذمَّته ولو وجده يباعُ نسيئة وقَدَرَ عليه في بلده، على الصَّحيح من المذهبِ. قاله في "الإنصاف" (٢) . ومتى عدم واشترى، كان ذلك أفضلَ، ولم

    vol. 2, p. 433أو خافَ باستعمالهِ ضررَ بدنِه، أو رفيقهِ،

    (أو خاف باستعماله) أي: الماءِ (ضررَ بدنِه) بعطشٍ ولو متوقَّعًا، أو بجرحٍ، أو مرضٍ يخشى زيادتَه، أو تطاولَه، أو بقاءَ أثرِ شَين، تيمَّم؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] .

  32. (أو) خاف باستعماله ضررَ (رفيقه) المحترَم بعطشه، تيمَّم؛ لأن حرمتَه تُقدَّم على الصّلاة، بدليل ما لو رأى غَرِيقًا عند ضِيقِ وقتِها، فيتركُها ويُنقِذه، فتقديمُها على الطهارة بالماء أولى، ولا فرقَ بين رفيقِه المزاملِ، أو واحدٍ من أهل الرَّكب. ويلزمُه بذلُ ماءٍ لعطشِ رفيقِه، لا لطهارته بحال.

  33. يُعد إسرافًا؛ لأنه بذلَ مالَه في تكميل عبادتِه، بخلاف العطشانِ لو توضأ ولم يشربْ، فإنه يكونُ عاصيًا؛ لأنه ألقى نفسَه إلى التهلُكة. قاله المجدُ في "شرحِه" . ويلزمه أيضًا استعارةُ الحبلِ والدَّلوِ، بأنْ يطلبَهما ممن هما معه على وجه العاريةِ. ويلزمُه قَبولُهما عارية إذا بُذلا له على وجه العاريةِ. ويلزمُه قَبولُ ماء قرضًا وهبةً. ويلزمُه قبولُ ثمنِه فرضًا، بشرط أن يكونَ له قدرة على الوفاءِ؛ لأن المِنة في ذلك يسيرة في العادةِ، فلا يضر احتمالهُما. وإن استغنَى صاحبُ الماءِ عنه ولم يبذله ليتوضَّأ به، لم يكن له أخذُه قهرًا؛ لأن له بَدَلًا. دنوشري مع زيادة.

  34. (أو خافَ باستعماله ضررَ بدنِه) يعني أن الإنسانَ إذا خاف الضررَ من استعمال الماءِ في بدنه، إمّا بسبب عطشِ نفسِه، أو بسبب جُرحٍ في بدنه، أو بسبب مرض يخشَى باستعمال الماءِ زيادته في بدنه، أو يخافُ باستعمال الماءِ في بدنه تطاولَ المرضِ، بأن يتأخرَ حصولُ شفائه فورًا بسبب استعمال الماءِ؛ لعموم قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] ولأنه يجوز له التيممُ إذا خاف فواتَ شيء من مالِه، أو ضررًا في نفسِه، من لصٍ، أو سَبُع، أو لم يجد الماءَ إلَّا بزيادة كثيرة على ثمن مثلِه، فَلَأنْ يجوزُ هاهنا أولى. فإنْ لم يخف، لَزِمه استعمالُ الماءِ كالصحيح (أو خافَ باستعماله ضررَ رفيقِه المحترمِ بعطشه) أو رفيقٍ مزاملٍ له، أو من أهل الركب لأنَّه يُخِلُّ بالمرافقة، دَفعُه إلى عطشانَ يخشى تلفه واجب، صرّح به في "المغني" (١) وغيرِه. (فتقديمُها على الطهارة بالماء أَولى) تفريع على الدليل، يعني: حيث

    vol. 2, p. 434أو بهيمةٍ مُحترمة، تيمَّمَ.

  35. ومَنْ وجدَ ماءً يكفي بعضَ طُهْرِهِ، استعمَلَه، ثمَّ تيمَّمَ.

  36. [وخرج بقولنا: "المحترم] (١) زانٍ محصَنٌ، ومرتدٌ، وحربيٌّ، فلا يلزم بذلُه له ولو خِيْفَ تلفُه.

  37. (أو) خاف باستعماله ضررَ (بهيمةٍ محترمةٍ) له أو لغيره، بخلافِ نحوِ عَقُور (٢) ، وخنزيرٍ. وقوله: (تيمَّمَ) جوابُ قوله: "فإذا دخل وقتُ فرضٍ " وما عُطِفَ عليه. يعني: أنَّه إذا وجِدَ الشرطان المذكوران، وجب التيمَّمُ لما يجبُ له الوضوءُ أو الغُسل، وسُنَّ لما يُسَنُ له ذلك.

  38. (ومن وجد ماءً) طَهورًا (يكفي بعضَ طهره) في وضوءٍ، أو غُسْل (استعمَلَه) وجوبًا (ثم تيمَّم) للباقي؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم " رواه

    إنَّ حرمة الآدمي المحترمِ تُقدَّم على الطَّهارة بالماء بطريقِ الأولى.

  39. (أو خافَ باستعماله ضررَ بهيمة محترمة) حتى كلب الصيدِ، سواء كانت المحترَمةُ له أو لرفيقه المحترمِ. (تيمَّم. جواب قوله: "فإذا دخل .. " إلخ). قال في " المنتهى" (٣) : ولا إعادة في الكل. قال شارحُه: أي: في كل ما تقدّم من الصُّوَر؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عُهدته؛ ولأنه وجبَ عليه طهارة ناب عنها التيمم، فلم تجب الإعادةُ.

  40. (ومَن وجدَ ماء طهورًا يكفي بعضَ طهرِه .... إلخ) أي: وإن وجدَ مَن يريد الطهارةَ -حتى المحدثُ حدثًا أصغرَ فقط- ماءً قليلًا، أو ترابًا لا يكفي لطهارته، استعمله وجوبًا، ثم تيمّمَ للباقي؛ لأنَّه قَدَرَ على بعض الشرطِ، فلَزِمه، كالسترة، وكما لو كان بعضُ بدنِه صحيحًا وبعضُه جريحًا، فإنه يلزمه غَسلُ الصحيحِ، ويمسحُ أو يتيمَّم عن الجريح. ولا يصحَّ تيمُّمُه قبل استعمالِ الماءِ؛ لتحقق العدمِ الذي هو شرطُ التيممِ. فلو وجدَ الجُنُبُ ما يكفي أعضاءَ

    vol. 2, p. 435والجريحُ يغْسِلُ الصحيحَ، ويتيمَّمُ لِمَا يضره الماءُ

    البخاريّ (١) . ولا يصحُّ أن يتيمَّمَ قبلَ استعمال الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فاعتبر استعماله أوَّلًا؛ ليتحقق عدم الماء وليتميَّز ما تيمَّم له.