باب إزالة النجاسة الحكمية
143 paragraphs · vol. 2, p. 461
Page 4 of 4
- vol. 2, p. 483
(ومَنِيُّ آدميٍّ) طاهرٌ؛ لقولِ عائشة: كنتُ أفركُ المنيَّ من ثوبِ رسول الله ﷺ ، ثمَّ يذهبُ فيصلِّي فيه. متفقٌ عليه (٣) . وقال ابنُ عباس: "امسحْهُ عنك بإذْخِرَةٍ (٤) ، أو
(وكان ﷺ يُصَلِّي في مرابضِ الغنمِ وأمر بالصلاة فيها) وهي لا تخلُو من أبعارِها، وأبوالِها، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونَها في صلاتِهم، ولأنَّه (٥) لو كانت أبوالُها وأرواثُها نجسةً، لتنجَّسَت الحبوبُ التي تدوسُها البقرُ؛ فإنَّها لا تسلمُ من ذلكَ، فيتنجَّس بعضُها، فيختلط النجِسُ بالطاهرِ، فيصيرُ حكمُ الجميعِ حكمَ النجِس.
-
وكذا ما لا نفسَ له سائلة، إلَّا أنْ يكون متولِّدًا من نجاسةٍ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام أمرَ بغمسِ الذبابِ في المائعِ المفضي إلى قتلِه (٦) ، مع أنَّ بدنَه لا يَسْلَمُ من بولِه، ولأنَّه طاهرٌ حيًّا وميتًا، فدلَّ على طهارةِ رطوباتِه، وما يتولَّدُ منه، وأنَّه في معنى النبات، ولأنَّ دمَه طاهرٌ فرجيعُه أولَى، ألا تَرى إلى أنَّ دمَ غيرِه من الطاهرات نجسٌ إجماعًا، ورجيعُه مختلَفُ فيه. ح ف.
-
(لقولِ عائشةَ: كنتُ أفركُ … إلخ) لا يقال: إنَّ المنيَّ من الاحتلام، مع أنَّ الأنبياءَ لا يحتلمون؛ لأنَّه من الشيطان، إلا أنْ يقالَ من أثرِ الجماع، ولما رَوى ابنُ عباسٍ قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن المنيِّ يصيبُ الثوبَ، فقال: "إنَّما هو بمنزلة البُصَاقِ والمُخَاط، وإنَّما
vol. 2, p. 484وعرقُه، وريقُه طاهرٌ.
-
وكذا سؤْرُ هِرٍّ، وما دونه خِلْقَةً،
خِرْقَةِ، فإنَّما هو بمنزلة المُخَاط والبُصَاق " رواه سعيد (١) ، ورواه الدارقطني مرفوعًا (٢) . وفارقَ البولَ والمذيَ بأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدميٍّ.
-
(وَعَرَقُهُ) أي: عرقُ ما يُؤكلُ لحمُه طاهرٌ (ورِيقُهُ طاهرٌ) كبولهِ وأَولى. (وكذا) أي: كما تقدَّم في طَهارته (سُؤْر هِرٍّ) بضمِّ السِّين (٣) وبالهمزة: وهو فَضلةُ طعامِه وشرابه. (و) سُؤْر (ما) أي: حيوانٍ (دونَه) أي: دونَ الهِرِّ أو مِثلَه (خِلْقَةً) بالنَّصبِ على التمييز، أي: من جهة الخِلْقَة، سواءٌ كانَ طيرًا أو غيرَه.
-
فلو أكلَ هِرٌّ أو نحوه، أو طفلٌ نجاسةً، ثمَّ شَرِب -ولو قَبْلَ أنْ يغيبَ- من ماءٍ
يكفيكَ أنْ تمسحَه بِخرقَةٍ أو إذخِرَةٍ". رواه الدارقطنيُّ (٤) .
-
ولو كان نجسًا لمَا أجزأَ فركُه، كسائرِ النجاسات، فعُلِم أنَّ ما وردَ من فركِه، وغسلِه، ومسحِه بالإِذْخِر، فلاستقذارِه، لا لنجاستِه، ولأنَّه مبدأُ خَفقِ آدميٍّ، فكانَ طاهرًا، كالجنين (٥) .
-
وظاهره طهارتُه، ولو خرج قبل الاستجمار، وهو ظاهرُ قولِ ابن قندس في "حاشية المحرر" .
- vol. 2, p. 485
وسباعُ البهائمِ والطَّيرِ مما فوقَ الهرِّ،
يسيرِ، فطهور. قال ابنُ تميم (١) : فيكونُ الرِّيق مطهِّرًا لها. انتهى. فدلَّ على أنَّه لا يُعفَى عن نجاسةٍ بيدِ بهيمةٍ أو رِجْلِها. نصَّ عليه. وكذا هِرٌّ وطِفْلٌ.
-
(وسباعُ البهائم) مبتدأ، خبرُه مع ما عطف عليه قوله الآتي: "نَجِسٌ" . (و) سباعُ (الطَّير) أي: السباعُ من النوعين (مما فوقَ الهرِّ) خلقةً، نجسٌ، وذلك كالأسدِ، والنَّمِر، والذِّئب، والفَهد، والخِنزير، والعُقَاب، والصقر.
-
وقيل: منيٌّ المستجمِر، يعني: طاهرٌ وغيرُه نجِسٌ (٢) .
-
وإذا قُلنا بطهارةِ منيّ الآدميِّ، فمنيُّ مأكولِ اللحم أَولى؛ لأنَّه أخفُّ نجاسةً من الآدميِّ؛ بدليلِ طهارةِ بولِه وروثِه، وأمَّا نجاسةُ منيِّ ما لا يؤكَل؛ فلأنَّ لبنَه نجسٌ، فكذا منيُّه، وأَولى. انتهى. ح ف.
-
والمذيُّ مما لا يُؤكَلُ نجسٌ، وهو ماءٌ أبيضُ رقيق لَزِجٌ، كماءِ السيْسَبان (٣) ، يخرجُ عند فتورِ الشهوةِ، والإنعاظُ وهو الانتشارُ من غيرِ إحساسٍ بخروجِه؛ قاله المجد في "شرحه" ، وفي عبارةٍ له أخرى: يخرجُ بمبادئِ الشهوة. قلت: ولعلَّه يختلفُ باختلافِ أمزجةِ الناس. دنوشري.
(وسباع البهائم … إلخ) من كلِّ ما لا يؤكل، وهو أكبرُ من الهرِّ خلقةً، نجسةٌ؛ لمَا تقدَّمَ من أنَّه ﷺ سُئِل عن الماءِ وما ينوبُه من السباع، فقال: "إذا بلغَ الماءُ قلَّتينِ، لم ينجُسْ" ، ولو
vol. 2, p. 486والحمارُ الأهلي، والبغلُ منه، وعرقُه، وريقهُ.
(والحمارُ الأهليُّ) نجسٌ (والبغلُ) المتولِّد (منه) أي: من الحمار الأهليِّ، نجسٌ، وعُلِم منه أنَّ الحمارَ الوحشيَّ والبغلَ منه، طاهران (وَعَرقُه) أي: عرقُ ما ذُكِر من سباعِ البهائم والطَّير … إلخ، نجسٌ (وريقُه) نجِسٌ؛ لتولُّدِهما من النَّجس.
-
كانت طاهرةً لم يحدَّه بالقلِّتين. قال في "المنتهى" و "شرحه" : وما لا يُؤكَلُ من الطير والبهائم ممَّا فوق الهرِّ خِلْقَة، نجسٌ كالعُقابِ والصقرِ والحِدَأَةِ، والبُومَةِ والنَّسْرِ والرَّخَمِ (١) ، وغرابِ البين والأبقعِ، والفيل، والبغلِ والحمار، والأسدِ والنَّمِرِ والذئب والفهدِ، والكلبِ والخِنزيرِ، وابنِ آوى والدُّبِّ والقرد والسِّمْعِ (٢) والعِسبارِ (٣) .
-
وأمَّا ما دونَ ذلك في الخِلْقَةِ، فهو طاهرٌ، كالنمسِ، والنَّسْناسِ، وابنِ عُرْسٍ، والقُنْفُذِ، والفأر (٤) .
-
فالعُقَابُ -وما عُطِفَ عليه من سباعِ البهائمِ، والبغلِ والحمارِ- وجوارح الطيرِ نجسان؛ لتولُّدهما من النجس، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ دمِهما، ولأنَّه لا يُعفَى عن شيءٍ من فضلاتِهما.
-
[قال في "المبدع" : وأمَّا ريقُ البغلِ والحمار الأهليين، وعرقُهما فيُعفَى عن يسيرِه إذا قيل بنجاستهما، وهو الصحيح؛ لأنَّه يَشقُّ التحرُّزُ منه. قال في "الشرح" (٥) : وهو الظاهرُ عن الإمام أحمد. قال الخلَّال: وعليه مذهبه] (٦) . دنوشري.
- vol. 2, p. 487
وكلُّ مُسْكِرٍ نَجِسٌ.
-
(وكلُّ مسكرٍ) خمرًا كان أو نبيذًا (نجسٌ) ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة:٩٠] . ولأنَّه يَحرُم تناولُها من غيرِ ضررٍ، أشبهَ الدم، ولقوله ﷺ : "كل مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرام" رواه مسلم (١) . ولأنَّ النبيذَ شرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبةٌ، أشبهَ الخمرَ. قال في "شرح المنتهى" (٢) : وكذا الحشيشةُ المسكِرة.
-
[قال المصنف (٣) : والمرادُ بعد علاجها، كما يَدلُّ عليه كلام الغَزِّيّ (٤) في شرحه على منظومته. انتهى. ووجهُه أنَّها قبلَ ذلكَ نباتٌ طاهرٌ، والله أعلم] (٥) .
-
(وكلُّ مسكرٍ، خمرًا) أي: المائعُ، كما قدَّرَهُ بعضُ مشايخنا، وصرَّح به الشافعيَّةُ (٦) ، فعلى هذا البَنْجُ ونحوه طاهرٌ، إلا أنَّ الحشيشةَ المسكرةَ نجسةٌ أيضًا، كما اختاره الشيخ تقيُّ الدين، والحكمةُ في تنجيسِ المسكرِ الإبعادُ عن تناوله، والتشديدُ فيه. حفيد.
-
(والميسرُ) نوعٌ من آلاتِ اللهوِ. منه.
-
(﴿رِجْسٌ﴾) مستقذرٌ خبيثٌ.