باب الحيض

122 paragraphs · vol. 2, p. 489

Page 3 of 4

  1. (وإن استُحيضت مَنْ) أي: امرأة (لها عادةٌ) مستقرَّة، واستحاضتها (بأن جاوز دمُها أكثرَ الحيض) وهو خمسةَ عشر كما تقدَّم (جلستْها) أي: عادتَها، ولو كان لها تمييزٌ صالح؛ لعموم قولِه ﷺ لأمِّ حبيبة إذ سألْته عن الدَّم:

    (وإن استُحضيت مَن لها عادةٌ) أي: وهي مَن تَعرفُ وقتَ حيضِها وطُهرِها وشهرِها وتكرَّر. ولمَّا فرغَ الشارحُ من الكلامِ على ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكامِ، شرعَ في الكلامِ على أقسام المستحاضةِ المعتادةِ فقال: "وإن استُحضيت إلخ" لا يقال: المتكلِّم مختلفٌ، فلا يُقالُ: لمَّا فرغ الشَّارحُ، شرعَ المصنفُ، لمغايرة المتكلِّمِ؛ لأنَّا نقول: نزِّلا منزلةَ شخصٍ واحدٍ (بأنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضَ) تصويرٌ للاستحاضةِ (جلسَتها، أي: ) قدْرَ (عادتِها) في مثلِ زمنِها، فإن كانت خمسًا من أوَّل الشهرِ، فاستُحضيت، فإنَّها تجلسُ خمسًا من أوَّل كلِّ شهرٍ (ولو كان لها تمييزٌ) لأن النبيَّ ﷺ أمر بالعادة غيرَ واحدةٍ من المستحاضات ولم يَفْصل، وفرَضَهنَّ كلَّهن غيرَ مميِّزات، والتمييزُ إنَّما جاءَ عنه في فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش (١) ، وقد صحَّ أنَّه ردها إليه، وفد نُقل عن الإمامِ أحمدَ أنَّها نَسِبت أيامَها، فعُلم أنَّه ردها إلى التَّمييز، لأنَّها ذكرت أنَّها ناسيةٌ، ويدلُّ عليه قولُه عليه الصلاة والسلام : "المستحاضةُ تدعُ الصلاةَ قدْرَ أيامِ أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لوقت كلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتصلِّي" رواه ابنُ ماجه (٢) . ولأنَّها معتادةٌ، فلم تلتفتْ إلى صفة الدَّم كغير المعتادةِ.

    vol. 2, p. 509
  2. واعلَمْ أن العادةَ على ضربين: متَّفقة، ومختلفة، بمداخَلةٍ ومباينَةٍ، فالمتفقةُ أن تكونَ

    vol. 2, p. 510. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  3. "امكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثُمَّ اغتسلي وصلِّي" رواه مسلم (١) . ولأنَّ

    أيَّامًا متساويةً، كسبعةٍ في كلِّ شهرٍ، فإذا استُحيضت جلستْها فقط. والمختلفةُ قسمان: إمَّا أن تكونَ على ترتيبٍ، مثلُ أنْ ترى في شهرٍ ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثَّالث خمسةً، ثم تعودُ إلى مِثلِ ذلك. فهذه إذا استُحيضت في شهرٍ أربعًا، فعرفت نَوْبَتَه، عَمِلت عليه، ثمَّ على الذي بعدَه، والذي بعدَه، على العادةِ، وإنْ نَسِيت نوبتَه، جلَسَت الأقلَّ من عادتها، وهو ثلاثةٌ في هذه الصُّورة، ثم تغتسلُ وتصلِّي بقيَّةَ الشهرِ، وإنْ عَلِمت أنَّه غيرُ الأولِ وشكَّت: هل هو الثَّاني أو الثَّالثُ، جلست أربعةً؛ لأنَّها اليقينُ، ثم تجلسُ في الشَّهرين الأخيرين ثلاثةً ثلاثةً، وتجلسُ في الرابع أربعةً أربعةً، ثم تعودُ إلى الثَّلاثة كذلك أبدًا. ويكفيها غُسلٌ واحدٌ عند انقضاء المدَّةِ التي جلسَتها، كالنَّاسية، وصحَّح في "المغني" (٢) و "الشَّرح" (٣) أنَّه يجبُ عليها الغسلُ أيضًا عند مُضيِّ أكثرِ عادتِها. وإمَّا أن تكونَ على غير ترتيبٍ، مِثلُ أن تحيضَ في شهرٍ ثلاثةً، وفي الثَّاني خمسةً، وفي الثَّالث أربعةً، فإنْ أمكنَ ضبطُه بحيث لا يختلفُ، فهو كالأوَّل، فتجلسُه حيث عرفت قَدْرَه، وإن لم يمكنْ، جلَسَت الأقلَّ من عادتِها في كلِّ شهرٍ، واغتسلَت عَقِبَه. وذكر ابنُ عقيل أنَّها تجلسُ أكثرَ عادتِها في كلِّ شهرٍ، كالنَّاسية للعَدَد، وبعَّده صاحبُ "المغني" (٤) ؛ إذ فيه أمْرُها بترك الصَّلاةِ وإسقاطِها عنها مع يقين الوجوبِ عليها، بخلاف النَّاسيةِ، فإنَّا لا نعلمُ عليها صلاةً واجبةً يقينًا، والأصلُ بقاءُ الحيضِ. والمذهبُ الأوَّل. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاحٍ.

  4. ( "أمكُثي قدْرَ ما كانت .. " إلخ) وهو عامٌّ في كلِّ مستحاضة، ولأنَّ العادةَ أقوى (حيضَتُك) بفتح الحاءِ: المرَّة. وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخِرْقةِ التي تستثفرُ (٥) بها المرأةُ،

    vol. 2, p. 511إنْ علمتْها.

  5. العادةَ أقوى؛ لكونها لا تبطلُ دلالتُها؛ بخلاف نحوِ اللون إذا زاد على أكثر الحيض، بطلت دلالتُه. ولا فرق بين أن تكونَ العادةُ متَّفقةً، أو مختلفةً. لكن إنَّما تجلسُ المستحاضةُ عادتَها (إن علمتْها) بأن تعرفَ شهرها، وهو ما يجتمع لها فيهِ حيضٌ وطهرٌ صحيحان، وأقلُّه أربعةَ عَشَرَ يومًا، وتعرفَ وقتَ حيضها منه، ووقتَ طُهرها، وعددَ أيامها، فإن لم تعلمْ عادتَها، بأن جَهِلت شيئًا مما ذُكر، عملت (١) بتمييزٍ صالح، بأن يكونَ بعضُ دمِها أسودَ، أو ثخينًا، أو مُنتنًا، ولم ينقضْ عن أقلِّه، ولم يجاوِز أكثرَه، فتجلسُه، وتتركُ ما عداه.

  6. والحالةِ. والفتحُ خطأٌ، والصوابُ الكسرُ؛ لأن المرادَ بها الحالةُ، قاله الخطَّابي (٢) ، وردَّه القاضي عياضٌ (٣) وغيرُه، قالوا: الأظهرُ الفتحُ، لأن المرادَ: إذا أقبل الحيضُ. وهو الذي في الفروعِ اليونينيَّة (٤) . اهـ. ق س.

  7. (لا تبطلُ دَلالتُها) دلالة: مثلَّثة الدالِ، والفتحُ أفصحُ. مصنِّف (إن عَلِمَتها) شرطٌ لقوله: "جلسَتْها" الذي هو جوابٌ للشَّرط، وجوابُ الشرطِ الثاني محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبلَه، كقوله تعالى: ﴿وَفَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] تقديرُه: وحيثُ قلنا: إنّ المستحاضةَ تجلسُ عادتَها، فمحلُّه (إن عَلِمَتْها بأنْ تَعْرفَ شهرَها .. إلخ) تصويرٌ للعلم بالعادةِ. (بأنْ جَهِلَت شيئًا) من ذلك، مِن شهرِها، ووقت حيضِها، وعددِ أيَّامها (عَمِلَتِ بتمييزٍ صالحٍ) أي: إن كان لها تمييزٌ، بأن يتميَّزَ بعضُ الدماءِ عن بعضٍ، كما لو كان بعضُها ثخينًا أو أسودَ أو منتِنًا، والبعضُ الآخَرُ رقيقًا أو أحمرَ أو غيرَ منتنٍ، فتجلسُ الثخينَ والأسودَ والمنتنَ فقط. والتمييزُ الصَّالح: ألا ينقصَ الأسودُ ونحوه عن أقل الحيضِ ولا يجاوزَ أكثرَه، ولا ينقصَ الأحمرُ ونحوه عن أقلِّ الطهرِ؛ ليُمكنَ أن يكونَ

    vol. 2, p. 512وصُفْرةٌ وكُدْرةٌ زمنَ عادةٍ حيضٌ.

  8. (وصُفرةٌ، وكُدرةٌ) أي: شيء كالصديد، يعلوه صفرةٌ وكدرة (زمنَ عادةٍ) أي: في أيام عادةِ حيضِها (حيضٌ) تجلسُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو يتناولُهما. ولأنَّ النِّساءَ كنَّ يبعثنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُفْرةُ،

    طهرًا فاصلًا بين حيضتين. قال في "المبدع" : وظاهرُه: لا فرقَ بين أنْ يكونَ التمييزُ متَّفقًا، مثل أنْ ترى في كلِّ شهرٍ ثلاثةً أسودَ، ثم يصيرُ أحمرَ، وتعبُرُ أكثرَ الحيضِ، أو مختلفًا، مثل انْ ترى في الأوَّل خمسةً أسودَ، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث ثلاثةً، أو بالزِّيادة فيهما، فالأسودُ حيضٌ على كلِّ حالٍ. ح ف.

  9. (أي: شيءٍ كالصديد) قال الجوهريُّ (١) : صديدُ الجُرحِ: ماؤه الرقيقُ المختلِط بالدَّم قبل أن تَغلُظَ المِدَّة (٢) (وهو يتناولُهما) الصُّفرةَ والكُدرةَ في أيَّامها (بالدرجة) قال في "النهاية" (٣) : هكذا يُروى: بكسر الدَّال وفتحِ الراءِ، جمع: دُرْج، وهو كالسَّفَط الصغيرِ تضعُ فيه المرأةُ خِفَّ متاعِها وطيبَها. وقال ق س: بالدِّرَجَة، بكسر الدَّالِ وفتحِ الراءِ والجيمِ، جمعُ: دُرْج، بالضمِّ مع السكونِ. وبضمِّ أوَّله وسكونِ ثانيه في قول ابنِ قُرْقُول (٤) ، وبه ضبطَه ابنُ عبد البرِّ في "الموطأ" (٥) ، وعند الباجيِّ (٦) بفتح الأوَّلين، ونُوزعَ فيه. وهو وِعاءٌ أو خِرْقةٌ. وقولُه: (فيها الصُّفرة) الحاصلةُ من أثَر دمِ الحيضِ بعد وضعِ ذلك في الفَرْج لاختيار الطُّهر؛ وإنَّما اختيرَ القُطن لبَيَاضه، ولأنه يُنشِّف الرُّطوبةَ، فيظهرُ فيه من آثار الدَّمِ ما لم يظهرْ في غيره.

  10. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 513
  11. والكُدْرةُ، فتقول: لا تعْجَلْنَ حتى تريْن القَصَّة البيضاء (١) . تريدُ بذلك الطُّهْرَ من الحيض. قال في "المصباح" (٢) ما معناه: والقَصَّة -بفتح القاف-: الجصُّ، وجاء هذا على التَّشبيه. قال أبو عبيد: معناه أن تخرجَ القطنةُ، أو الخرقةُ التي تحتشي بها المرأةُ، كأنَّها قَصَّة لا تخالطُها صفرة. انتهى. وفي "الكافي" (٣) : قال مالك وأحمد: هي ماءٌ أبيضُ، يَتْبعُ الحيضةَ.

  12. وعُلم من قوله: "زمَن عادة" أنَّها لو رأت صُفْرةَ، أو كُدْرةً في غيرِ زمنِ العادة، لم يكنْ حيضًا، ولو تكرَّرَ، فلا تجلسُه.

  13. وقولُه: (القَصَّةَ البيضاءَ. . . إلخ) بفتح القافِ وتشديدِ الصَّاد المهمَلة: ماءٌ أبيضُ يكون آخِرَ الحيضِ، يتبيَّن به نَقاء الرَّحم، تشبيهًا بالجَصِّ، وهو النَّورة - ومنه: قصَّص دارَه، أي: جصَّصها. وقال الهَرويُّ: معناه: أنْ تُخرِجَ ما تحتشي بها الحُيَّضُ نقيًّا كالقَصَّة، كأنَّه ذهبَ إلى الجُفوف. قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النِّساءِ وأهلِ المعرفةِ فرقٌ بيِّن.

  14. (هي ماءٌ أبيضُ) أي: القَصَّة البيضاءُ. مصنِّف (٤) .

  15. (لم يكن حيضًا ولو تكرَّر، فلا تجلسُه) يعني: ما رأته من الصُّفرة أو الكُدرةِ لم يكن حيضًا، فالتذكيرُ بهذا الاعتبارِ، أو أنَّه ذكر باعتبار الخبرِ، أي: لم يكن الصُّفرةُ أو الكدرةُ حيضًا في غير زمنِ عادتِها؛ لقول أمِّ عطيَّة: كنا لا نَعُدُّ الصفرةَ والكُدرةَ بعد الطُّهرِ شيئًا. رواه أبو داود، والبخاريُّ ولم يَذكر: بعدَ الطُّهرِ (٥) . "كشاف القناعِ" (٦) وإيضاح.

  16. ومَنْ حدثُه دائمٌ، يغسلُ محلَّه، ويشدُّه،

    (ومَنْ حدثُه دائمٌ) كمستحاضة، من به سلس بول، أو مَذْي، أو ريح، أو جرحٌ لا يرقأُ دمه (١) ، أو رعافٌ دائم (يَغْسِلُ) وجوبًا (محلَّه) أي: محلَّ الحدث الملوَّث به؛ لإزالة ما عليه من النجاسة، ويحشي المحلَّ بنحو قطنةٍ طاهرة (ويشدُّه) أي: المحلَّ، أي: يعصبْه بطاهرٍ يمنعُ النجاسة حسب الإمكانِ، إن لم يمتنع (٢) بالحشْو. فإن كثُرَ دمُ المستحاضة، اسْتَثْفَرتْ بخرقةٍ عريضةٍ، مشقوقةِ الطرفين، تتلجَّم بها، وتوثق طرفَيْها في شيء آخرَ قد شدَّتْه على وسطها،

    (ومَنْ حَدَثُه دائمٌ) أي: مستمرٌ، كمستحاضةٍ وما عُطف عليها، فهؤلاءِ حكمُهم حكمُ المستحاضة، إلَّا في الغسل، فإنَّ استحبابَه يختصُّ بالمستحاضة؛ لما تقدم في باب الغُسل تساويهم معنىً، وهو عدمُ التحرُّز من ذلك، فوجب المساواةُ حكمًا. والمستحاضةُ: هى التي ترى دمًا لا يصلحُ أنْ يكون حيضًا ولا نِفاسًا، حكمُها حكمُ الطَّاهرات في وجوبِ العبادات وفعلها، لأنَّها نجاسةٌ غيرُ معتادةٍ، أشبهت سلس البولِ، اهـ. دنوشري وزيادة. (أي: يَعصِبه) وجوبًا بشيءٍ يمنعُ الخارجَ (حَسَبَ) أي: قَدْرَ (الإمكان) فإذا أرادت المستحاضةُ الطَّهارة، فتغسل فرجهَا، وتحتشي بقطنٍ أو ما يقوم مقَامه، فإنْ لم يمنعْ ذلك الدمَ، عصبَتُه بشيءٍ طاهرٍ يمنعُ الدمَ حَسَبَ الإمكانِ (بخرْقةٍ عريضةٍ، مشقوقةِ الطرفين، تتلجَّم بها، وتُوثق طرفَيْها في شيءٍ آخرَ قد شدَّتْه على) جنبيهَا و (وسطها) على الفَرْج؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لحَمْنة حين شكت إليه كثرة الدَّم "أنعت لكِ الكُرْسُفَ -يعنى القُطن- تحشين به المكان" قالت: إنَّه أكثرُ من ذلك

    vol. 2, p. 515ويتوضَّأُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ.

    vol. 2, p. 514
  17. فإن غلَب وقطَر بعد ذلك، لم تبطل طهارتُها.

  18. (ويتوضأ) مَن حدثُه دائمٌ (لوقتِ كلِّ صلاة) إن خرج شيء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لفاطمةَ بنتِ أبي حبَيْش: "وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ، حتى يجيءَ ذلك الوقتُ"

    قال: "تلجَّمي" (١) قال في "المبدع" : وظاهرُه: ولو كانت صائمةً، لكن يتوجَّه أنْ تَقتصرَ على التَّعصيب فقط. "كشَّاف القناع" (٢) .

  19. (فإن غلبَ وقطَرَ. . إلخ) فإنْ كان ممَّا لا يمكنُ عصبُه، صلَّى على حسَب حالِه؛ لِفِعل عُمرَ (٣) . ولا يَلزم مَن حدثُه دائمٌ إعادةُ الغسلِ والتَّعصيبِ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ الحدثَ مع غَلَبته وقوَّته لا يمكنُ التحرُّز من خروجِه. ومحلُّ عدمِ لزومِ إعادةُ الغُسل والتعصيبِ لكلِّ صلاةٍ، إنْ لم يُفرِّط مَن به الحدثُ الدائم، أمَّا إذا فرَّط، فإنَّه يَلزمُه إعادةُ الغُسلِ والتعصيبِ لكلِّ صلاةٍ. "منتهَى" (٤) و "شرحُه" . (لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش. . إلخ) وفي لفظٍ قال: "توضَّئي لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (٥) قال الترمذيُّ: حديثٌ حسن صحيحٌ (٦) . وقولُه: "توضَّئي لكلِّ صلاةٍ" يجبُ حملُه على المقيَّد به؛ لأنَّها طهارةُ ضرورةٍ، فتقيَّدت بالوقت، كالتيمُّم، وعلى قياسه: إذا توضَّأتْ قبلَ الوقتِ لغير صاحبةِ الوقتِ، بطلَ بدخوله، كالتيمُّم؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه إذن، فتنوي استباحةَ الصلاةِ. وفُهم من قولِه: "إنْ خرج شيءٌ" أنَّه إذا لم يخرجْ شيءٌ، لم يجب الوضوءُ،

    vol. 2, p. 516. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  20. رواه أحمد (١) . وتتعَيَّن نيةُ الاستباحة لدائم الحدث، ولو قلنا: إنَّ طهارتَه ترفعُ الحدث. وظاهر ما تقدَّم: أنَّه لا تبطل الطهارةُ بخروج الوقت، كما لو توضَّأ قبل طلوع الشَّمس، فلا تبطل طهارتُه إذا طلعتْ. قال المجدُ (٢) وغيرُه: وهو أولى، وجزم به ناظم المفردات فقال:

    وبدخولِ الوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطلُ … لمنْ بها استحاضةٌ قد نقلوا

    لا بالخروجِ مِنْه لو تطهَّرتْ … للفَجْرِ لَمْ يبطل بشمسٍ ظَهَرتْ

    وقال أبو يعلى (٣) : تبطلُ بكلِّ واحد منهما، أي: بخروج الوقت ودخولِه. وجزم به في "الإقناع" (٤) . ولا تلزمُ إعادةُ غَسل وعَصْب لكلِّ صلاة إن لم يُفرِّط، فإن لم

    كما ذكره في "الفروع" (٥) نصَّ عليه فيمن به سَلَسُ البولِ. وتصلِّي بوضوئها ما شاءَت من الصَّلوات، حاضرةً، وفوائتَ، أو جمعًا، أو نذرًا، ما لم يَخرج الوقتُ، كما تجمعُ بين فرضٍ ونوافلَ اتِّفاقًا؛ لأنَّها متطهِّرة، أشبهت المتيمِّمَ. دنوشري.

  21. (ولو قلنا: إنَّ طهارته إلخ) غايةٌ لقوله: "وتتعيَّن" (وظاهرُ ما تقدَّم) مِن قوله: "يتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (وتتعيَّن نيةُ الاستباحةِ) ولو انتقضَتْ طهارتُها بطروءِ حَدَثٍ غيرِ الاستحاضةِ. "كشاف القناع" (٦) . (وقال أبو يعلَى: نبطلُ. . إلخ) قال الدنوشري: قلتُ: وهذا الخلافُ يكاد أنْ يكونَ لفظيًّا؛ إذ يَلزمُ على الأوَّل أنَّه إذا توضَّأ للظُّهر في وقته، ثمَّ دخلَ

    vol. 2, p. 517ولا تُوطأُ مستحاضةٌ إلا لخوفِ عَنَتٍ.

  22. يخرجْ شيء أصلًا، لم يلزمْ أن يتوضأَ لكلِّ صلاة. ويصلِّي دائمُ الحدث عَقِبَ طهارته ندبًا.

  23. (ولا توطأ مستحاضةٌ) بل يحرم (إلا لخوفِ عَنَتٍ) أي: زنًى منه أو منها؛ لقول عائشة: المستحاضةُ لا يغشاها زوجُها (١) . فإن خاف العَنَتَ أحدُهما، أُبيح وَطْؤُها، ولو لواجد الطَّوْل. وكذا إن كان به شَبَق شديدٌ؛ لأنّه أخفُ من الحيض، ومدَّتُه تطول بخلاف الحيض، ولأنَّ وطْءَ الحائض يتعدَّى إلى الولد، فيكون مجذومًا. وحيثُ حرُم وطءُ مستحاضة، فلا كفَّارةَ فيه.

  24. وقتُ العصرِ، لم يبطُل وضوءُه، مع أنه يبطلُ بدخول الوقتِ. قال المصنِّف على "الإِقناع" (٢) : قال في "الإنصاف" (٣) : وهي شبيهةٌ بمسألة التيمُّم، والصحيحُ فيه أنَّه يبطلُ بخروج الوقتِ. بل يحرُمُ، وهو من المفرَداتِ، ويَلزمُه التعزيرُ؛ لأنَّه فَعَلَ معصيةً لا حدَّ فيها ولا كفَّارة. وإنما حَرُمَ وطءُ المستحاضةِ في الفَرْج؛ لقول عائشةَ. . إلخ، ولأنَّ بها أذَى، فحَرُمَ وَطؤها، كالحائضِ. قال في "المبدع" : فإن وطئَ أثِم، ولا كفَّارة عليه في الأشهَر. (أي: زنًى منه أو منها) تفسيرٌ للعَنَت، وهو الوقوعُ في الزنى، قدَّمه غيرُ واحدٍ، وقال في "الرِّعاية" : أو عنت العُزوبةِ بعدم الطَّول لنكاحِ حُرَّةٍ، أو ثمنِ أمَةٍ، وإنما أُبيح النِّكاحُ مع خوفِ العنتِ، منه أو منها؛ لأنَّ حكمَه أخفُّ من حكمِ الحيضِ، ومدَّته تطولُ، بخلاف الحيضِ. دنوشري. (وكذا إنْ كان به شَبَقٌ) أي: أن الشبق مثلُ العَنَت في إباحة الوطءِ ولو لم يصل إلى حالٍ تُبيحُ وطءَ الحائضِ، بأنْ كان واجدَ الطَّولِ لنكاح غيرِها. مصنِّف على "الإِقناع" (٤) (لأنَّه أخفُّ من الحيض إلخ) أي: لأن حكمَ الاستحاضةِ أخفُّ من حكم الحيضِ، ومدَّته تطولُ. "كشَّاف القناع" (٤) بإيضاح.

  25. ويُستحبُّ غُسْلُها لكلِّ صلاةٍ.

    vol. 2, p. 518
  26. وأكثرُ النفاسِ

    (ويستحب غُسلها) أي: المستحاضة (لكلِّ صلاة) لأنَ أمِّ حبيبة استُحِيضت، فسألتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ. متفق عليه (١) .

  27. (وأكثر) مدَّة (النفاس) وهو: دمٌّ تُرخيه الرَّحم مع ولادةٍ وقبلَها بيومين، أو ثلاثة مع أمارةٍ على الولادة، كتألُّم، وهو بقيَّةُ الدَّمِ المحْتُبَس في مدَّةِ الحمل لأجله [وأصلُه لغةً: من التنفس، وهو الخروجُ من الجوف. أو مِن نفَّس الله كُربته: أي: فرَّجها] (٢)

  28. (وهو دمٌ تُرخيه الرَّحِمُ إلخ) هذا معنى النِّفاسِ إصطلاحًا، فاليومانِ والثلاثةُ نِفاسٌ، فتتركُ الصومَ والصلاةَ بالأمارة على قُربه، ولا تحتسبُ. قال في "شرح الهدايةِ" : وعلى أصلنا أن ما تراه الحاملُ قبلَ الوضعِ بيومين أو ثلاثةٍ نِفاسٌ، وإن لم تُحسب من المدَّةِ. نقله ح ف. واستشكَلَه الدنوشري فقال: فإن قلت: إن ابتداءَ مدَّةِ النفاسِ من ابتداءِ خروجِ بعض الولدِ، فكيف تتركُ الصومَ والصلاةَ قبل الولادةِ بيومين أو ثلاثةٍ (٣) … وهي التوجعُّ والتألُّم ألحقت به فصار حكمُها كحكمِها (من التنفُّس) قال الخطَّابي: وأصلُ هذه الكلمةِ مأخوذٌ من التنفس، وهو الدمُ، إلَّا أنَّهم فرَّقوا فقالوا: نَفَست، بفتح النونِ، إذا حاضت، وبضمِّ النونِ، إذا وَلَدت (٤) . "ثم سمِّي الدمُ الخارجُ إلخ" (٥) تسميةً مجازيةً، من تسمية المسبِّب -أعني الدمَ- باسم السَّبب، أى: الولادة. فهو مجازٌ مرسَلٌ، علاقتُه السببيَّة.

  29. أربعون يومًا، ولا حَدَّ لأقلِّه.

    vol. 2, p. 519
  30. (أربعون يومًا) من ابتداءِ خروج بعضِ الولد. (ولا حدَّ لأقلِّه) أي: النِّفاس؛ لأنَّه لم يَرد تحديدُه، فرُجع فيه إلى الوجود. ويثبت حكمُ النِّفاس بوضع ما يتبيَّن فيه خَلقُ إنسان.

  31. (أربعون يومًا) وعنه: ستون يومًا. والأوَّل المذهبُ. قال الترمذي: أجمعَ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبي ﷺ ومَن بعدهم على أن النُّفَساء تدع الصلاةَ أربعين يومًا، إلَّا [أن] ترى الطُّهرَ قبل ذلك، فتغتسلُ وتصلِّي (١) ؛ لقول عليٍّ: لا يَحِلُّ للنُّفساء إذا رأت الطهرَ ألا تصلِّي (٢) . ولأنَّه حكم بانقضاءِ نفاسِها، وذلك معلقٌ على مُطلَق الطُّهرِ، لكن قال (٣) : إذا كان أقل من ساعة، ينبغي أن لا يُلتفتَ إليه، وإنْ كان أكثرَ من ذلك، فظاهرُه أنَّها تغتسلُ وتصلِّي. ولم يقل بالستِّين أحدٌ من الصّحابة، وإنَّما قالَه مَن بعدَهم. دنوشري. (ولا حدّ لأقلّه) فيثبُتُ حكمُه ولو بقطرة، كما أنَّه لا حدّ لأكثر الطُّهر؛ لأنَّها قد تلد الولدَ عاريًا، ولأنَّه لم يَرِد الشرعُ بتحديده. وحكى البخاري في "تاريخه" : أن امرأةً وَلَدت بمكةَ، فلم تَرَ دمًا، فلقيَت عائشةَ، فقالت: أنتِ امرأةٌ طهركِ اللهُ (٤) . فعلى هذا لو وَلدت ولم ترَ دمًا، فهي طاهرٌ لا نفاس لها. صرّح به في "المغني" (٥) وغيرِه؛ لأنَّ النّفاس هو الدمُ، ولم يوجَدْ. وغالبُه -كما قال المجدُ وابنُ تميم وابنُ حمدان وغيرُهم- ثلاثةُ أشهرٍ. مصنّف (٦) . (ويثبتُ حكمُ النفاس بوضع ما) أي: شيءٍ (يتبيَّن فيه خلقُ إنسان) ولو كان الوضعُ بتعديها على نفسِها، كما سيأتي، نصَّ عليه. فلو وضعَت علَقَةً أو مُضغةً لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكمُ النِّفاس؛ لعدم تبينِ خلقِ الإنسانِ غالبًا في ثلاثةِ أشهر. قال بعضُ العلماءِ: إن المَنيَّ يمكثُ في الرحم مدّة

    vol. 2, p. 520فإنْ طهرتْ فيها، تطهرتْ، وصلتْ.

  32. ويُكْرَهُ وطؤُها فيها، فإن عاد الدمُ فيها، فمشكوك فيه،

    (فإنْ طهرت) النفساءُ بأن انقطعَ دمُها (فيها) أي: في الأربعين (تطهَّرت) وجوبًا، أي: اغتسلت، وتوضأت، أو تيمَّمَت (وصلت) وصامت، كسائرِ الطاهرات.

  33. (ويُكْرَه وطؤها) زَمَنَ الطُّهر (فيها) أي: في الأربعين بعد الغُسل. قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيَها زوجُها على حديثِ عثمان بن أبي العاص: أنَّها أتتْه قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقرَبِيني (١) . ولأنَّه لا يأمن عودَ الدَّمِ زمنَ الوطءِ.

  34. (فإن عاد الدَّمُ) بعد انقطاعه (فيها) أي: في الأربعين (فـ) ـذلك الدمُ العائد (مشكوك فيه) أي: في كونه نفاسًا، أو فسادًا؛ لتعارض الأمارتين فيه، كما لو لم تَرَهُ

    أربعين يومًا لا يتغيَّر، ثم يمكثُ مِثلَها علقةً، ثم يمكثُ مِثلَها مضغةً، ثم يُنفخُ فيه الروحُ. والولدُ يتغذى بدم الحيضِ حينئذٍ. ح ف مع زيادة.

  35. (تطهَّرت) ولو كان أقل من يوم، كالنقاءِ زمنَ الحيضِ. قال في "الإقناع" (٢) : فإن انقطعَ في مدته، فطاهر، تغتسلُ وتصلِّي؛ لأنَّه طهر صحيح. قلت: وتصومُ إن بلغ الطهرُ يومًا. وعنه: إن رأت النقاءَ أقل من يومٍ، لا يثبتُ لها أحكامُ الطاهراتِ. دنوشري. (على حديثِ عثمانَ) "على" بمعنى اللام (ولأنه لا يأمنُ عودَ الدمِ زمنَ الوطء) فيكونُ واطئًا في نفاس. ويجبُ عليها الصَّلاةُ والصومُ المفروضُ. وأمَّا النقاء زمنَ الحيضِ فلا يُكره وَطؤها فيه. وربّما يفرّق بينهما بأن يقالَ: إن النفساءَ ضعيفة جدًا بسبب الولادةِ، فعَظمُها ولحمُها في غاية الوَهنِ والضعف، بسببِ ما اعتراها من مرضِ الموتِ، وهو النّفاسُ مع التألم، فلا تتحملُ الوطءَ زمنَ الطهرِ، بخلاف الحائضِ. وفرّق الحفيدُ، ونظر فيه صاحبُ "المبدع" ، انظره فيه. (مشكوك فيه) أي: فهذا الدمُ الذي رأته بعدَ الولادةِ دم مشكوك فيه، أي: في كونه دمَ نِفاس

    vol. 2, p. 521تصومُ وتصلي، وتقضي الصومَ المفروضَ، وهو كحيضٍ فيما تقدَّم.

  36. مع الولادة، ثُمَّ رأته في الأربعين فـ (تصومُ وتصلِّي) معه؛ لأنَّ سببَ الوجوب متيقن، وسقوطُه بهذا الدم مشكوكٌ فيه. (وتقضي الصومَ المفروض) ونحوَه، مما فعلته مع الدم العائد؛ احتياطًا؛ لأنَّها تيقنت شَغْل ذِمتها به؛ فلا تبرأ إلَّا بيقين، ولا تُوطأ في هذا الدم.

  37. (وهو) أي: النِّفاس (كحيض فيما تقدَّم) مما يحرُمُ: كصلاة، وصومٍ، ووَطْءٍ في فرج. ويجبُ: كغُسلٍ، وكفارةٍ بوطءٍ فيه. ويسقط: كقضاء صلاة، ويحل: كاستمتاع بما دون فَرْج، إلَّا في اعتدال، وكونه لا يوجب بلوغًا، ولا يحتسبُ به في مدَّة إيلاء.

  38. أو دمَ فساد. فعلى المذهبِ، يجبُ عليها أن تصومَ وتصليَ ما فُرض عليها ولو مع وجودِ هذا الدم؛ لأنَّ ذمتها مشغولة بالعبادة المفروضةِ، فلا تسقُطُ بهذا الدَّمِ المشكوكِ فيه. دنوشري.

  39. (وتقضي الصومَ المفروض) الذي صامَته فيه؛ لأنَّ فِعلَه مع الشك ليس بمُبرئٍ لِمَا تُيقَّن شغلُ ذمتها به. ولا تقضي الصلاةَ المفروضةَ فيه؛ لأنَّه على تقديرِ كونِه دمَ نفاس، لا يجب عليها صلاة، فلا تقضيها. وإنما أوجبنا فِعلَهما فيه احتياطًا؛ لاشتغال ذمّتِها بما فُرض عليها. (ولا توطأ في هذا الدم) الذي عاوَدَها، كما لا توطأ المبتدأةُ في الدم الزائدِ على اليومِ والليلةِ قبلَ تَكرارِه. قال الشارح في حاشيته على "المنتهَى" (١) : والظاهرُ وجوبُ الكفارةِ، قياسًا على وجوبِ قضاءِ نحوِ الصَّوم، وقولُ المصنّفِ (٢) : إِنه كالدم الزائدِ على اليوم والليلةِ في المبتدأةِ قبلَ تَكراره. غيرُ ظاهرٍ؛ إذ المبتدأةُ لا تقضي ما فعلَته من الواجباتِ في الزائد قبلَ تَكرارِه. وقال الشَّيخُ مرعيّ في "غايته" : ويتجه: لا كفارةَ (كحيض) أي: حكمُ النفَساء حكمُ الحائضِ في وطئها، فيلزمُه به الكفارة الواجبةُ في وطء الحائضِ. نَقَله حربٌ، وقاله غيرُ واحدٍ من الأصحابِ. دنوشري.

  40. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 522