باب الحيض
122 paragraphs · vol. 2, p. 489
Page 2 of 4
- vol. 2, p. 498
ولا حيضَ قبلَ تسعِ سنين، ولا بعدَ خمسينَ سنةً،
لأنَّهما نُسُكٌ لا آخرَ لوقته، فَيُعَايَى (١) بها. انتهى. يعني: لو حاضتْ بعدَ الطَّوافِ قَبْلَ صلاةِ ركعَتيه، فإنَّها تصلِّيهما إذا طَهرتْ. وتسميةُ ذلك قضاءً تجوُّزٌ؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِهما (٢) .
-
(ولا حيضَ قَبْلَ) تمامِ (تسعٍ سنين) هِلاليَّة. فمتى رأتْ دمًا قبلَ بلوغِ التِّسْعِ، لمْ يكنْ حَيْضًا؛ لأنَّه لم يوجَدْ من النِّساءِ مَنْ تحيضُ قبلَها. قال الترمذي (٣) : قالت عائشةُ: إذا بلغتِ الجاريةُ تِسْعِ سنين، فهي امرأةٌ.
-
(ولا) حَيضَ (بعدَ) تمامِ (خمسين سنةً)
-
(ولا حيضَ قبل تمامِ تسع سنينَ) هذا هو أقلُّ سِنِّ حيضٍ تحيضُ فيه المرأةُ، على المشهورِ من المذهبِ. فإذا رأت الدمَ لدون تسع سنين، فليس بحيضٍ، بغير خلافٍ بين الأصحاب؛ لأنَّه لم يثبتْ في الوجود والعادةِ لأُنثى حيضٌ قبل استكمالِها. ولا فرقَ بين البلاد الحارَّةِ والباردةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خلقَ دمَ الحيضِ لحِكمة تربيةِ الولدِ في بطن أُمِّه، وهذه لا تصلحُ للحَمْل، فلا توجدُ فيها حكمتُه، فينتفي لانتفاءِ حِكمته.
-
ومَن رأَت من الدَّم ما يصلحُ أنْ يكونَ حيضًا، وقد بلغت هذا السنَّ، حُكم بكونه حيضًا، وحُكم ببلوغها، وثبتَ في حقِّها أحكامُ الحيضِ كلُّها؛ لأنَّه رُوي عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها قالت: إذا بلغت الجاريةُ تسعَ سنينَ، فهي امرأةٌ. والمراد أن حكمَها حكمُ المرأةِ. وعنه: لا حيضَ قبل تمامِ اثنتي عشرَة سنة. قال في "الشرح" : والأوَّل أصحُّ. ا هـ. دنوشري.
-
(ولا حيضَ بعد تمامِ خمسينَ سنةً) وهو أكثرُ سنٍّ تحيضُ فيه النساءُ. أي: ينتهي زمنُ
vol. 2, p. 499ولا مع حَمْلٍ.
-
لقولِ عائشةَ: إذا بلغتِ المرأةُ خمسين سنةً، خرجتْ من حدِّ الحيض. ذَكَرَهُ الإمامُ أحمد (١) . ولا فرقَ بَيْنَ نساءِ العربِ وغيرِهن.
-
(ولا) حَيضَ (مع حَمْلٍ) نصًّا؛ لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا في سَبْي أوْطاسٍ: "لا توطأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتَّى تحيضَ" رواهُ أحمدُ، وأبو داود (٢) . فجعل الحيضَ عَلَمًا على براءة الرَّحم، فدلَّ على أنَّه لا يجتمعُ مَعَه. فإذا رأتِ الحاملُ دمًا، فهو دمُ فسادٍ، لا تتركُ له الصَّلاةَ، ولا يُمنعُ زوجُها مِنْ وطئِها. ويُسْتَحبُّ أنْ تغتسلَ بعد انقطاعِه، نصًّا.
-
الحيضِ إلى خمسينَ سنةً، ثم تصيرُ آيِسةً.
-
(لقول عائشةَ إلخ) وعنه: سِتُّون في نساءِ العربِ. وعنه: أنَّها لا تيئَسُ من الحيضِ يقينًا إلى ستِّينَ سنةً، فما تراه من الدَّم فيما بين الستِّين والخمسين، فهو حيضٌ مشكوكٌ فيه، تصومُ وتصلِّي، وتقضي الصومَ المفروضَ فيه؛ لأنَّ وجوبَهما متيقّن، فلا يسقطُ بالشكِّ. دنوشري. (فجُعل الحيضُ عَلَمًا) أي: علامةً، لا العَلَمُ المعهودُ عند النُّحاة. (ولا يمنعُ زوجُها من وَطْئها) قيَّده في "الإقناع" (٣) : إذا خافَ العَنَتَ. قال المصنِّف (٤) : هذا القيدُ لم أرَه في كلام غيرِه من الأصحاب. قال الشَّارح (٥) : أقول: لعلَّه مرادُ مَن أطلق، بل هو أمِينٌ على نقلِه.
- vol. 2, p. 500
وأقلُّه: يومٌ وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشر،
(وأقلُّه) أي: أقلُّ زَمَنٍ يصلحُ أن يكونَ دمُه حَيْضًا (يومٌ وليلةٌ) لقولِ عليٍّ رضي الله عنه (١) . والمرادُ مقدارُ ذلكَ، أي: أربعٌ وعشرون ساعةً، فلو انقطعَ لأقلَّ منه، فدمُ فَسَادٍ.
-
(وأكثرُه) أي: الحيضِ (خمسةَ عشر) يومًا بلياليها؛ لقول عليٍّ رضي الله عنه : ما زادَ على خمسةَ عشر استحاضةٌ، وأقل الحيضِ يومٌ وليلةٌ (٢) .
-
(يومٌ وليلةٌ) على المشهورِ. واختاره عامَّةُ المشايخِ؛ لأنّه المفهومُ من إِطلاق اليومِ؛ ومِن ثمَّ قال (٣) : يمكن حملُ كلامِ الإمامِ أحمدَ: أقلُّه يومٌ بليلته، فتكون المسألةُ روايةً واحدةً. وقال مالكٌ: لا حدَّ لأقلِّه، فلو رأت دَفعةً واحدةً، كان حيضًا. دنوشري.
-
(وأكثرُه خمسةَ عَشَر يومًا) في ظاهرِ المذهبِ. يؤيِّده ما رواهُ عبدُ الرحمن بن أبي حاتمٍ في "سُننه" عن ابن عمرَ مرفوعًا أنَّه قال: "النساءُ ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ، أمَّا نقصانُ العقل، فشهادةُ امرأتين تعدل شهادةَ رجلٍ، وأمَّا نقصانُ دينِها، فتمكثُ إحداهنَّ شطرَ عُمرِها لا تصلِّي" (٤) . قال في "شرح الهداية" : وهذا يدلُّ على أنَّه الأكثرُ، ولأن حيضَ الخمسةَ عشَرَ قد
vol. 2, p. 501وغالبُه: ستٌّ أو سَبْعٌ.
-
(وغالبُه) أي: الحيضِ (سِتٌّ، أو سبعٌ) لقولِه عليه الصلاة والسلام لِحَمْنَة (١) : "تحيَّضي في عِلْمِ الله ستَّةَ أيام، أو سبعةً، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعةً وعشرين يومًا، أو ثلاثةً وعشرين يومًا، كما تحيضُ النِّسَاءُ، وكما يَظهُرنَ لميقات" (٢) .
-
وأقلْ طُهْرٍ بين حَيْضتين: ثلاثةَ عَشَر،
ثبتَ بالعادة، وصحَّ عن العلماءِ، واستيقَنوا ذلك من نسائهم وغيرِهنَّ، بخلاف ما زادَ عليه، فإنه إنَّما نُقل عن امرأةٍ أو امرأتين، فلا يُبنى عليه. قال عبدُ الرحمن بن مَهديٍّ: لم يبلغنا أن امرأة حاضت أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، فيما وصف لنا عنها (٣) . وقال إسحاقُ في الخمسةَ عشَرَ: هي إجماعُ أهلِ العلمِ وما عقلوه (٤) . فعلى هذا، ما زادَ على الخمسةَ عشَرَ استحاضةٌ، كما نُقل عن عليٍّ رضي الله عنه . اهـ. ح ف.
-
(لحَمْنة) قال في "المِصباح" (٥) : حَمْنة: وِزانُ تَمْرة، من أسماء النساءِ، منه: حَمنةُ بنتُ جحشٍ بنِ رئابٍ الأسديِّ، وأمُّها أميمةُ بنت عبدِ المطَّلب، عمَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ . (في عِلم اللهِ) أن تحيضي القدرَ الذي عَلِمه اللهُ.
-
(وأقلُّ طهرٍ بين حيضتين ثلاثة عشَرَ) يومًا. هذا هو المختارُ في المذهبِ، وجزمَ به في "الوجيز" ؛ لِما روى الإمامُ أحمدُ، واحتجَّ به عليٍّ: أن امرأةً جاءته وقد طلَّقها زوجُها،
vol. 2, p. 502. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
وغالبُه: بقيَّةُ الشَّهْر، كما في حديثٍ حَمْنةً، ولا حدَّ لأكثرهِ.
-
فزعَمَت أنَّها حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيض، فقال عليٌّ لشُرَيح: قل فيها، أي: اِقضِ فيها، فقال شريحٌ: إن جاءت ببيِّنة من بِطانة أهلِها ممَّن يُرضى دينُه وأمانتُه، فشهدت بذلك، وإلَّا فهي كاذبةٌ، فقال عليٌّ: قالون (١) . أى: جيِّد، بالرُّوميَّة. وهذا لا يقولُه إلا توقيفًا، وهو قولُ صحابيٍّ انتشر، ولم يُعلم خلافُه، ووجودُ ثلاثِ حِيَضٍ في شهرٍ دليلٌ على أنَّ الثلاثةَ عشَرَ طهرٌ صحيحٌ يقينًا. قال أحمدُ: لا يختلف أن العدَّةَ يصحُّ أنْ تنقضيَ في شهرٍ إذا قامتْ به البينةُ. وعنه: خمسةَ عشَرَ يومًا، وهي روايةٌ عن الإمامِ، حكاها في "المحرَّر" و "الفروع" (٢) وهي قولُ أكثرِ العلماءِ؛ لما تقدَّم من قوله: "تمكثُ إحداكنَّ شطرَ عمرِها لا تصلِّي" وذكر أبو بكر أنَّهما مبنيَّان على أكثرِ الحيضِ، فإنْ قيل: خمسة عشَرَ يومًا، فأقل الطُّهر مثلُه، وإنْ قيل: سبعةَ عشَرَ يومًا، فأقلُّه ثلاثةَ عشَرَ يومًا، والمشهورُ عند أصحابِنا أن أكثرَ الحيضِ خمسةَ عشَرَ يومًا، وأقلَّ الطهرِ ثلاثةَ عشَرَ يومًا، ثم إنَّما يلزم ذلك أنْ لو كان شهرُ المرأةِ لا يزيدُ على ثلاثين يومًا، فإذا زاد، تُصوِّر أنْ يكونَ حيضُها سبعةَ عشَرَ يومًا وطهرُها خمسةَ عشَرَ يومًا وأكثرَ. وقيل: يُزاد على كلِّ عددٍ ليلةٌ. وعنه: لا توقيتَ في الطُّهر بين حيضتين، وهي ما تَعْرفه مِن عادتها. دنوشري.
-
(وغالبه) أي: غالبُ الطهرِ بين حيضتَين (بقيَّةُ الشهرِ) وذلك ثلاثةٌ وعشرونَ يومًا، أو أربعةٌ وعشرون، إذا كانت عادتُها غالبَ الحيضِ، وهو ستٌّ، أو سبعٌ. والشهرُ هو ما يجتمعُ لها فيه حيضٌ وطهرٌ صحيحان. دنوشري. (ولا حدَّ لأكثره) أي: لأكثر الطهر بين الحيضتين؛
- vol. 2, p. 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
واعلمْ أن المبتدأةَ بدمٍ، أو صُفْرةٍ، أو كُدْرةٍ، وهي التي ابتدأ بها شيءٌ من ذلك بعد تسعِ سنين فأكثر، تجلسُ بمجرَّد ما تراه أقلَّه، ثُمَّ تغتسل وتصلِّي.
-
لأنّه لا يرِدُ لأكثره تحديدٌ من الشَّرع، ولا نعلمُ له دليلًا؛ ولأنَّ من النساءِ مَن لا تحيضُ أصلًا. قال في "شرح الهداية" : نعم يُحَدُّ أكثرُه عند الضَّرورة -في حقِّ مَن استمرَّ بها الدمُ ولا عادةَ لها ولا تمييزَ- بما دون الشَّهر، وهو بقيَّتُه بعد القدْر الذي تجلسه. ح ف. مع زيادة.
-
(واعلَمْ أن المبتدأَة إلخ) إنَّما تُذكر كلمةُ "اِعْلَم" في أوَّل الكلامِ؛ تنبيهًا للمخاطَب إلى أن ما بعدَه واجبُ الحفظِ، واهتمامًا بشأنه. والغرضُ منه بيانُ ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكام. وهي التي رأت دمَ الحيضِ في زمنٍ يُمكن أنْ يكونَ حيضًا، وهو تمامُ تسعِ سنين، ولم تكن حاضت من قبلُ؛ ولذا سمِّيت مبتدأةً، ولا فرقَ بين الأسودِ والأحمرِ والصُّفرةِ والكُدْرةِ. (تجلس) أي: تدعُ الصلاةَ والصيامَ والطوافَ، وكلَّ فعلٍ يُشترط له الطهارةُ، بمجرَّد ما تراه، أي: برؤية الدمِ أو الصُّفرة أو الكُدرة. وهو من المفرَدات. قال ابنُ نصرِ اللهِ في "حاشية الزَّركشي" : ظاهرُ كلامِ المصنِّف -أعني "المنتهَى" (١) - والأصحابِ أن المبتدأةَ تجلس يومًا وليلةً، سواء كان دمُ حيضِها متميِّزًا أو لا، وقد "يقال: إنما تجلسُ يومًا وليلةً إذا لم يكن دمُها متميِّزًا، فإنْ كان متميِّزًا، جلست مدَّتَه، فإن انقطعَ لدون خمسةَ عشَرَ يومًا عَمِلت عليه، وإنْ زاد عليها، كانت مستحاضةً. ح ف. (ثم تغتسلُ) عقبَ اليومِ والليلةِ ولو لم ينقطعْ دمُها (وتصلي) لأنَّه آخرُ حيضِها حكمًا، أشبهَ آخِرَه حِسًّا؛ لأنَّ المانعَ منها هو الحيضُ، وقد حُكم بانقطاعه، ولأن العبادةَ واجبةٌ في ذمَّتها بيقين، وما زادَ على أقلِّ الحيضِ مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال أن يكونَ استحاضةً، فلا نُسقطها بالشكِّ، ولو لم تجلسْ [الأقلَّ] (٢) لأدَّى إلى عدم جلوسِها أصلًا. وليس لها أن تصلِّيَ قبل اغتسالِها للحيض؛ لكونه
vol. 2, p. 504. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
فإذا انقطع ولم يجاوز أكثرَه، اغتسلتْ أيضًا، تفعلُه ثلاثًا (١) . فإن لم يختلفْ،
بلغَ يومًا وليلةً، وهو أقلُّ الحيضِ، وظاهرُه أنَّه إذا كان أقلَّ من يومٍ وليلةٍ، لا تلتفتُ إليه؛ لأنه دمُ فسادٍ، ولا تجلسُ لذلك؛ لأنَّه لا يصلحُ أن يكونَ حيضًا، إلا إذا قلنا: أقلُّه يومٌ. والصحيحُ الأوَّل. دنوشري.
-
قولُه: (فإذا انقطعَ) أي: بعدَ ذلك، بأنْ جاوزَ الدمُ أقلَّ الحيضِ ثم انقطع. مصنِّف.
-
قولُه: (لم يجاوز أكَثرَه) أي: أكثرَ الحيضِ، وهو خمسةَ عشَرَ يومًا كما مرَّ، بأن انقطع لستَّة أيامٍ، أو سبعةٍ، أو نحوِ ذلك. دنوشري. قولُه: (اغتسلتْ أيضًا) أي: غُسلًا ثانيًا وجوبًا؛ لصلاحيَّته لأن يكونَ حيضًا؛ احتياطًا للعبادة. ح ف. (تفعلُه ثلاثًا) أي: تفعلُ ما ذُكر، وهو جلوسُها اليومَ والليلةَ وغُسلُها عَقِبَهما ثم غُسلُها عند انقطاعِ الدَّم، تفعل ذلك ثلاثًا، أي: ثلاثَ مرَّات في ثلاثةِ أشهرٍ. والمراد بالشهر في هذا البابِ أعمُّ من الهِلاليِّ؛ لأنه ما يجتمعُ لها فيه الدمُ والطهرُ الصَّحيحان؛ لأنَّ العادةَ لا تثبتُ بدون الثلاثِ، في المشهورِ من المذهبِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : "دعي الصلاةَ أيامَ أقرائك" (٢) وهي صيغةُ جمع، وأقلُّه ثلاثةٌ؛ ولأنَّ ما اعُتبر فيه التَّكرار، اعتُبر فيه الثلاثُ، كالأقراء في عدَّة الحرَّة، والشُّهورِ في الآيسةِ والصغيرةِ التي لم تَحِض، وخيارِ المصرَّاة (٣) ، ومهلةِ المرتدِّ، وكذا مَن ترك الصلاةَ جُحودًا، أو تهاونًا وكسلًا، فإنهما يُستتابان ثلاثةَ أيامٍ. دنوشري بإيضاحٍ. (فإن لم يختلف) أي: فتجلس الدمَ كلَّه في الشَّهر الرابعِ الذي تكرَّر ممَّا صلحَ حيضًا، وتغتسلُ عند انقطاعِه فقط، لا غير، فلا تثبتُ بمرَّة، ولا مرَّتين؛ لأنَّها إنما تُطلق [على] ما يعودُ كثيرًا، وأقلُّه ثلاثةٌ. وفُهم مِن قوله: "لم يختلف" ، أنَّه لو اختلفَ، فما تكرَّر، صارَ عادةً لها، سواءٌ كان الاختلافُ
vol. 2, p. 505. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
صار عادةً تنتقلُ إليه، وتعيدُ صومَ فرضٍ، ونحوهِ فيه.
-
مرتَّبًا -مثلُ أن ترى الدمَ في الشهر الأوَّلِ خمسةَ أيامٍ، وفي الثاني ستَّةً، وفي الثالث سبعةً، فإنَّها تجلس الخمسةَ؛ لتكرُّرها في الثلاثة أشهرٍ، وإنْ تكرَّرت الستَّةُ والسبعةُ، جلسَتهما أيضًا في محلِّهما - أو غيرَ مرتَّب، مثل أنْ تَرى في الشهر الأوَّلِ خمسةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثَّالث ستَّةً أو خمسةً، فتجلس الأربعةَ؛ لتكرُّرها ثلاثًا، فإن تكرَّرت الخمسةُ أو الستَّةُ، جلست في الشَّهر الرابعِ ما تكرَّر فيما سبقَ؛ لأنَّ المتكرِّر حيضٌ دونَ غيرِه. ح ف بإيضاح. (تعيدُ صومَ فرضٍ) أي: تعيدُ بعد التّكرارِ ما فعلَته قبلَه في الزمن الزائدِ على أقلِّ الحيضِ، وفي زمنِ أقلِّه، من الصَّوم الواجبِ ونحوِه؛ لأنَّا تبينَّا أنَّه وقعَ غيرَ صحيحٍ؛ لكونه في زمنِ الحيضِ، ولا يصحُّ فعلُ العبادةِ فيه، ولا تعيدُ الصلاةَ التي فعلَتْها في الزَّمنين. ح ف بإيضاح. (ونحوَه) كطوافٍ واعتكافٍ واجبَين كانت فعلَتْهما فيما تكرَّر ممَّا زادَ على اليومِ واللَّيلة؛ لتبيُّن أن الزمنَ المتقدَّم حيضٌ، ولا يصح فعلُ العبادةِ فيه، لا إنْ أَيِست قبل تكرارِه ثلاثًا، أو لم يَعُد الدمُ بالكلِّية ولو لم تيأَسْ، فإنها لا تُعيد في هاتين المسألتين؛ لتبيُّن صحَّةِ عبادتِها بعدم عودِه، أو بعدم تَكرارِه، فلم يصلُحْ أنْ يكونَ حيضًا. ويحرُمُ وطؤها زمنَ الدمِ الزائدِ على اليومِ والليلةِ قبل تَكراره؛ لاحتمال أنَّه حيضٌ، وإنَّما أمرناها بالعبادة؛ احتياطًا لبراءة ذِمَّتها، فيجب تركُ وَطْئها احتياطًا. ولا يُكره وطءُ المبتدأَةِ إن طَهُرت في أثنائه يومًا فأكثرَ، كغيرِها؛ لأنها رأت النَّقاءَ الخالصَ، مفهومُه: أنَّها إذا طهرت أقلَّ من يومٍ، يُكره وَطْؤها، وليس مُرادًا؛ لأن مَن لها عادةٌ إذا حصلَ لها النَّقاءُ زمنَ الحيضِ ولم تتغيَّر معه قُطنةٌ احتشَت بها، لا يُكره وَطْؤها زمنَه، قلَّ أو كثُر، فهذه مِن بابٍ أوْلى؛ لأنَّها مبتدأَة وليس لها عادةٌ، فهذا القيدُ ليس مرادًا، على طريقة صاحبِ "المغني" (١) وهو الصَّحيحُ الجاري على قواعدِ المذهبِ، وإنَّما خالفه المصنِّف (٢) -رحمه اللهُ تعالى- تَبَعًا لـ "التنقيح" . ويشترط لِحلِّ الوطءِ غُسلهما قبلَه.
- vol. 2, p. 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
"وإنْ جاوزه" (١) هذا مفهومُ قولِه فيما تقدَّم في الشَّرح: "فإذا انقطعَ ولم يجاوز أكثرَه" فإذا جاوزَ دمُ المبتدأةِ أكثرَ الحيضِ، فهي مستحاضةٌ؛ لأنَّ دمَها كلَّه لا يصلحُ أنْ يكونَ حيضًا، لمجاوزته أكثرَ الحيضِ، ولا يصلحُ أن يكونَ نِفاسًا. وحكمُها حكمُ الطَّاهراتِ في وجوب العباداتِ. والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدمِ في غير وقتِه من العِرْق العاذلِ، بالذَّال المعجَمةِ، وقيل: المهمَلة، حكاهما ابنُ سِيْده (٢) ، والعاذرُ لغةٌ فيه، يَخرج من أدنَى الرَّحم دون قعرِه؛ إذ المرأةُ لها فَرْجان: داخلٌ بمنزلة الدُّبُر، منه الحيضُ، وخارجٌ كالأليتين، منه الاستحاضةُ. ويُعتبر في حقِّها تكرارُ الاستحاضةِ، نصًّا، فتجلسُ قبلَ تكرارِه أقلَّه، كما ذكره في "الإقناع" (٣) .
-
ثم هي لا تخلو من حالتين:
إمَّا أنْ يكونَ دمُها متميِّزًا، أو غيرَ متميِّز، فإنْ كان متميِّزًا، فقد أشارَ إليه صاحبُ "المنتهى" (٤) بقوله: "فما بعضُه" أي: بعضُ دمِ المبتدأَة التي جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضِ "ثخينٌ" وبعضُه رقيقٌ "أو" بعضُه "أسودُ" وبعضُه أحمرُ "أو" بعضُه "منتِنٌ" وبعضُه غيرُ منتنٍ، وحينئذٍ يكونُ حيضُها زمنَ الدمِ الثخينِ والأسودِ والمنتِن، إذا "صلَحَ" أن يكونَ كلٌّ مِن ذلك "حيضًا" بأنْ لم يَزد على أكثر الحيضِ، ولم ينقصْ عن أقلِّه، فإنَّها "تجلسُه" أي: تدعُ الصومَ والصلاةَ والاعتكافَ؛ لأنَّ ذلك فعلٌ تُشترط له الطهارةُ، فإذا مضَى، اغتسلَت وصلَّت؛ لِما روت عائشةُ رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش (٥) إلى رسول اللهِ ﷺ فقالت:
vol. 2, p. 507. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
يا رسولَ اللهِ، إنِّي أستحاضُ فلا أطهر، أفأدع الصلاةَ؟ فقال النبي ﷺ : "إنَّما ذلك عِرْقٌ وليس بالحيضةِ، فإذا أقبلت الحيضةُ، فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت، فاغسِلي عنكِ الدمَ وصلِّي" متفقٌ عليه (١) . وإذا عرفَت التمييزَ، وصلَحَ الدمُ الأسودُ أو الثَّخينُ أو المنتِن أن (٢) يكونَ حيضًا، بأنْ لم يُجاوز أكثرَ الحيضِ، ولم ينقصْ عن يومٍ وليلةٍ؛ لأنَّ التمييزَ أمَارةٌ بنفسه، فلم يحتجْ إلى ضمِّ غيرِه، كالعادةِ، فإنَّها "تَجلِسه ولو لم يتوالَ" كأنْ ترى يومًا أسودَ، ويومًا أحمرَ، ويومًا أسودَ، ويومًا أحمرَ، وهلمَّ جرًّا، فإنها تضمُّ الأسودَ، فيصيرُ خمسَةَ عشَرَ يومًا من كلِّ شهرٍ، فيكونُ حيضًا، وزمنُ الدمِ الأحمرِ استحاضة، وكذا لو كانت ترى تسعةَ أيامٍ أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، ثم تسعة أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، ثم تسعة أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، فإنَّها تضمُّ أيامَ الأسودِ الثلاثةَ إلى بعضِها، فيكون حيضُها ثلاثة من كلِّ شهرٍ. "أو" لم "يتكرَّر" يعني: أن دَلالةَ التمييزِ لا تحتاجُ إلى تَكرار، وهو ظاهرُ كلام الإِمامِ أحمد والخِرَقيِّ، واختاره ابنُ عقيل، لأنَّ معناه أنْ يتميَّزَ أحدُ الدَّمين عن الآخَر في الصِّفة، وهذا يوجد بأوَّل مرَّة، فعلى هذا إذا رأت في كل شهرٍ خمسة أحمرَ، ثم خمسةً أسودَ، ثم الباقي أشقرَ، جلسَت زمانَ الأسودِ، ثم تجلسُه في الشهر الثاني والثالثِ والرابعِ ولو لم يتكرَّر، ما لم يجاوزْ أكثرَه. والتمييزُ يحصلُ بأحد أُمورٍ ثلاثةٍ: بالثَّخين، أو الأسودِ، أو المنتِنِ، وما عداه استحاضة، فيصيرُ حكمُها حكمَ الطَّاهراتِ؛ لما ذكرناه، فتغتسلُ عند انقطاعِ الأوَّل، وتصومُ وتتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك.
-
الحالُ الثاني: أن تكونَ غيرَ متميِّزة، واليه أشار صاحبُ "المنتَهى" (٣) بقوله: "وإلَّا" أي: وإنْ لم يكن دمُ المبتدأةِ التي جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ متميِّزًا، بأن كان كلُّه على منوالٍ
vol. 2, p. 508. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
واحدٍ، أو كان متميِّزًا، لكنَّه لم يصلحْ لأنْ يكونَ حيضًا، بأن كان الأسودُ أو الثَّخينُ أو المنتِنُ أقلَّ من يومٍ وليلة، "فـ" إنَّها تجلسُ "أقلَّ الحيضِ من كلِّ شهرٍ" لأنَّ اليقينَ هو الأقلُّ. وقال في "الإقناع" (١) تَبَعًا لـ "الإنصاف" (٢) ": قعدَت من كلِّ شهرٍ غالبَ الحيضِ، سِتًّا أو سبعًا، بالتحرِّي في الستِّ أو السبعِ، عملًا بالغالبِ - وعنه: تجلس أكَثره- اختاره في " المغني " (٣) ؛ لأنَّه زمانُ الحيضِ، فإذا رأت الدمَ فيه، جلسَته كالمعتادةِ. وعنه: عادة نسائها، كأمّها، وأختِها، وعمَّتها، وخالتِها؛ لأن الغالبَ شبهُها بهنَّ، وقياسًا على المهرِ، وتُقدَّم القُربى فالقربى. فتلخَّص في هذه المسألةِ أربعةُ أقوالٍ. " حتى يتكرَّر " يعني أن المبتدأةَ المستحاضةَ إذا لم يحصل لها تمييزٌ، أو حصلَ لها تمييزٌ ولكن لم يصلحْ أن يكونَ ما ميَّزته من الدَّم حيضًا، فإنَّها تجلسُ أقلَّ الحيضِ من كلِّ شهرٍ، إلى أن ترى دمًا متميِّزًا يصلحُ أن يكونَ حيضًا ويتكرَّرَ في ثلاثةِ أشهرٍ " فتجلسُ مِن " مثل " أوَّل وقتِ ابتدائها " أي: ابتداءِ الدَّم ستًّا أو سبعًا من كل شهرٍ، بتحرٍّ، إن علمَته، " أو " تجلسُ من أوَّل كل شهرٍ هلاليٍّ إن جهلَتْه" أي: جهلَتْ وقتَ ابتداءِ الدمِ "ستًّا أو سبعًا بتحرٍّ" أي: باجتهادٍ في الستِّ والسبعِ، في ظاهرِ المذهبِ، واختاره الخِرقيُّ، وابنُ أبي موسى (٤) ، والقاضي، وجزمَ به في "الوجيز" ؛ عملًا بالغالبِ، ولأنَّها تُردُّ إلى غالب الحيضِ وقتًا، فكذا قَدْرًا. فعلى هذا تجتهدُ في الستِّ أو السبعِ، وتفارقُ المبتدأةَ في جلوسها الأوَّلِ، -مع أنَّها مبتدأة نهايتَه- أنَّها مبتدأةٌ مستحاضةٌ؛ لأنَّ تلك أوَّلَ ما ترى الدمَ ترجو انكشافَ أمرِها عن قُرب، ولم يتبيَّن لها دمٌ فاسدٌ، بخلافِ هذه، فإذا عُلم استحاضُتها، فقد اختلطَ الحيضُ بالفاسدِ يقينًا، وليس قرينةٌ؛ فلذلك رُدَّت إلى الغالبِ، عملًا بالظَّاهر. "منتهَى" (٥) مع "شرحه" للدنوشري.
- vol. 2, p. 509
وإن استُحيضتْ مَنْ لها عادةٌ، بأنْ جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ، جَلَسَتْها.