مسألة: (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا عشاء الآخرة، وفي شدة الحر الظهر)
209 paragraphs · vol. 3, p. 190
Page 3 of 6
- vol. 3, p. 217
أحدهما: في خاصَّة الإنسان، فله أن يحتمل هو المشقة لتحصل فضيلة التأخير. وهذه المشقة هي المانعة من الإيجاب.
-
والثاني: يتعدَّى إلى المأمومين، وليس للإمام أن يحمل الناس مشقةً لم تجب عليهم، وهذه هي المانعة من استحباب التأخير. قال جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: كان نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الظهر بالهاجرة، والعصرَ والشمسُ نقيَّةٌ، والمغربَ إذا وجبت، والعشاءَ أحيانًا وأحيانًا: إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطؤوا أخَّر؛ والصبحَ كان يصلِّيها بغلس. متفق عليه (١) .
-
وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في «مغازيه» (٢)
-
عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: حدَّثنا معاذ بن جبل قال: لمَّا بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال: «أظهِرْ كبيرَ الإسلام وصغيرَه، وليكن من أكثرها الصلاة، فإنَّها رأس [ص ٥١] الأمر بعد الإقرار بالدين. إذا كان الشتاء فصَلِّ صلاةَ الفجر في أول الفجر، ثم أطِل القراءةَ على قدر ما يطيق الناس، ولا تُمِلَّهم وتُكرِّه إليهم أمر الله. ثم عجِّل الصلاة الأولى قبل أن تميل الشمس. وصلِّ
vol. 3, p. 218العصر والمغرب في فصل الشتاء على ميقات واحد: العصرَ والشمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ، والمغربَ حين (١) تغيب الشمس وتوارى بالحجاب. وصلِّ العشاء، فأعتِمْ بها، فإنَّ الليل طويل. فإذا كان الصيف فأسفِرْ بالصبح، فإنَّ الليل قصير وإن الناس ينامون، فأمهِلْهم حتى يدركوها. وصلِّ الظهر بعد أن ينقص (٢) الظل وتَحرَّك الرياحُ، فإن الناس يقيلون، فأمهِلْهم حتَّى يدركوها. وصلِّ العَتَمةَ، فلا تُعتِم بها، ولا تُصلِّها حتى يغيب الشفق».
-
ويستحب التأخير إلى نصف الليل، إذا قلنا: يمتدُّ الوقت إليه، على إحدى الروايتين؛ لأن في حديث أبي سعيد: «لأخَّرتُ العشاءَ إلى نصف الليل» . وقيل: إنما يستحَبّ إلى الثلث على الروايتين، لأنَّ ما بعد ذلك مختلَف في كونه وقتًا، فلم يستحَبَّ التأخيرَ إليه، وإن قلنا: إنه وقتٌ؛ خروجًا من الخلاف.
-
فصل
وأمَّا الفجر، فإنَّ التغليس بها أفضل. قال الإمام أحمد: التغليس في الفجر مذهبي. وكان يأمر به ويصلِّي بأصحابه بغلَس إن لم يكن في التغليس مشقة على المأمومين. ثم إن كان المأمومون يغلِّسون، أو أمكن أن يُعوَّدوا التغليسَ من غير مشقة، أو كان الوقت لا يشقُّ فيه التغليس عليهم ولا على غيرهم، أو ليس هناك جماعة تنتظر كالقوم المجتمعين، وكالصلاة في المساجد المبنية على الطرقات التي ليست لها جماعة راتبة، ونحو ذلك=
vol. 3, p. 219فلا يختلف المذهبُ أنه هو الأفضل، لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الفجر متلفِّعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من التغليس. رواه الجماعة (١) .
-
وللبخاري (٢) قال: كان يصلِّي الصبح بغلَس، فينصرف نساءُ المؤمنات، لا يُعرَفن من الغلَس، ولا يعرف (٣) بعضُهن بعضًا.
-
وقد تقدَّم قولُ جابر: كان يصلي الفجر بغلس؛ وقولُ أبي برزة: كان ينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة.
وقال سهل بن سعد: كنت أتسحَّر مع أهلي، ثم يكون بي سرعةٌ أن أُدرِك صلاةَ الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري (٤) .
وقال زيد بن ثابت: تسحَّرنا مع رسول الله [ص ٥٢] - صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة. قلت (٥) : كم قدرُ ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. رواه الجماعة إلا أبا داود (٦) .
- vol. 3, p. 220
وعن أبي مسعود الأنصاري: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاة الصبح مرةً بغلس، ثم صلى مرةً أخرى، فأسفر بها. ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات. لم يعُد إلى أن يُسفِر. رواه أبو داود (١) .
-
ولأنَّ التغليسَ بها عملُ الخلفاء الراشدين وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. جاء ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وابن عمر وابن الزبير - رضي الله عنهم - أجمعين (٢) . وما نُقِل عن بعضهم من الإسفار، فلعله كان لعارض.
-
ولأنَّ التغليس صلاة في أول الوقت فهو أفضل، كما تقدَّم. وفيه من الفوائد ما ذكرناه في تأخير العشاء وغير ذلك من قربها من صلا ة الليل، وبُعدها عن حركات النهار، وانتشار الأصوات، وافتتاح يومه بأداء الفرض، إلّا (٣) انتظار الصلاة فإنه يخلفه هنا جلوسُ المصلِّي في مصلَّاه حتى تطلع الشمس. ولأن ذلك أدعى إلى الاستيقاظ، واتساع ذكر الله المشروع أولَ النهار. ولأنَّ الجهر بقراءتها يُلحِقها في صلوات الليل، فكلَّما كانت الظلمة أشدَّ كان وقتها إلى الليل أقرب، وإن كانت من صلوات النهار، كما نصَّ عليه الإمام أحمد (٤) .
-
ولأنَّ إطالة القراءة فيها من السنن المؤكدة، وهذا إنما يتمُّ بالتغليس.
- vol. 3, p. 221
ولعل الذين أسفروا بها من الصحابة إنما أسفروا بالخروج منها لإطالة القراءة. فقد روى حرب والخلال وغيرهما أنَّ أبا بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - صلَّى صلاة الفجر، فقرأ سورة البقرة، فقالوا: كادت الشمس تطلع. فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين (١) . وفي رواية: سورة آل عمران (٢) . وكذلك روى السائب بن يزيد قال: صلَّيتُ خلفَ عمر الصبحَ. فلما انصرفوا استشرفوا الشمسَ، فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين (٣) .
-
فإن قيل: فقد روى رافع بن خَدِيج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أسفِروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» رواه الخمسة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤) . وقال عبد الله بن مسعود: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاةً لغير ميقاتها إلا صلاتَين: جمعَ بين المغرب والعشاء بجَمْعٍ، وصلَّى الفجرَ يومئذ قبل [ص ٥٣] ميقاتها رواه الجماعة (٥) . وفي رواية لمسلم (٦) : «بغلَس» .
- vol. 3, p. 222
وهذا يقتضي أن عادته كانت الإسفار في غير هذا الموضع، إذ المراد به: قبلَ وقتها الذي كانت عادته أن يصلِّيها فيه. فإنه لم يصلِّها يومئذ حتى برَق الفجرُ، كما في حديث جابر. وهي قبل ذلك لا تجوز إجماعًا.
-
قلنا: قال الإمام أحمد: الإسفار عندي أن يتيقَّن الفجرَ (١) . ولم يرَ الإسفارَ التنوير. يقال للمرأة: أسفرت عن وجهها. وقال أيضًا: إسفار الفجر: طلوعه (٢) .
-
وهذا لأنه يقال: أسفر الفجر: أضاء. وأسفر وجهُه حسنًا: أي أشرَق. وسفَرت المرأة: كشفت عن وجهها. ومَسافِرُ الوجه (٣) : ما يظهر. ومنه: السَّفَر، والسِّفْر، والسَّفير. فهذه المادة حيث تصرَّفت، فإنما معناها: البيان والظهور (٤) . ومعلوم أنه إذا طلع الفجر فقد حصل البيان والظهور. قال الله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] . ويقال: أبيَن من فلَق الصبح، ومن فرَق الصبح.
-
ومعنى الحديث على هذا: تأخيرُها حتى يتيقَّن الفجر بحيث لا يكون فيه شكٌّ لأحد، وإن جاز فعلُها أولَ ما يبزغ به (٥) ، بحيث قد يحصل معه شكٌّ لبعض الناس، لاسيَّما من يقول: إنه يجوز فعلُها إذا غلب على الظن دخولُ الوقت. وإنما ذُكِر هذا في الفجر لأنَّ طلوع الفجر مظِنَّةُ الاشتباه، لاسيَّما إذا
vol. 3, p. 223اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر. وكثيرًا ما قد صُلِّي الفجر، ثم تبيَّن لهم أنَّ الفجر لم يطُلع. وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم (١) ، بخلاف زوال الشمس وغروبها.
-
ولهذا ــ والله أعلم ــ مدَّ الله الأكلَ بالليل إلى أن يتبيَّن الفجر، وقال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] ، فجعل وقتَ الفجر منوطًا بتبيُّنه وظهوِره، وهو الإسفار الذي أمر (٢) النبي - صلى الله عليه وسلم - به على هذا التفسير. ولم يقل: ثم أتِمُّوا الصيام حتى يتبيَّن لكم الليلُ، لأنَّ دخول الليل لا شبهة فيه. فإذا أُخِّرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبيَّن كان أبعد عن الشبهة. ولعله بهذا (٣) أيضًا أن يتسحَّر الناس حتى يتبيَّن لهم الفجر، وأن لا يكفُّوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال. وقد جاء ذلك مأثورًا عن الصحابة في قضايا متعددة، فكأنّ المؤذِّن والمصلِّي (٤) إذا لم يتبيَّن طلوعُ الفجر منع الناس ذلك (٥) .
-
وقد قيل: إنَّ أولئك القوم لما أُمِروا بتعجيل الصلوات احتمل أنهم كانوا يصلُّونها ما بين الفجر الأول والثاني؛ طلبًا للأجر في تعجيلها، ورغبةً في الثواب. فقيل لهم: صلُّوها بعد الفجر الثاني، فإنه أعظم [ص ٥٤] للأجر، وإن كانت لا تجوز قبل الوقت، لكن لما قصدوا الخير (٦) ونوره فإنَّ الله يأجرهم
vol. 3, p. 224على نيَّاتهم (١) ، لكن الأجر على ما يسقط (٢) من الفرض أعظم. وكثيرًا ما يفضَّل (٣) الواجب على المحرَّم كقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} الآية [الجمعة: ٩] وقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} إلى قوله: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور: ٣٠] ، وقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩] ، وهذا كثير.
-
وكذلك حديث ابن مسعود، فإن عادته - صلى الله عليه وسلم - كانت تأخير الصلاة عن طلوع الفجر قليلًا بحيث يتمكَّن الناس من الطهارة والسعي إلى المسجد ونحو ذلك. وهذا القدر لا يُخِلُّ بالتقديم المستحَبِّ عندنا. فلما (٤) كان يوم مزدلفة صلَّاها حين برَق الفجرُ.
-
وقد قيل: «أسفِرُوا بالفجر» أراد به إطالةَ القراءة فيها حتى يُسفر الفجر، فإن إطالتها أعظم للأجر، فإنه يستحَبُّ من إطالة القراءة فيها ما لا يستحَبُّ في سائر الصلوات، فيكون الإسفار بفعلِها والخروجِ منها، لا بنفس الابتداء فيها، كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون.
-
ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يتأخَّر [من] (٥) المأمومين عندهم
vol. 3, p. 225كزمان الصيف، كما جاء مفسَّرًا في حديث معاذ بن جبل.
-
فصل
والتغليس أفضل من الإسفار مطلقًا في إحدى الروايتين عنه، لما تقدَّم، ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يغلِّس بها دائمًا (١) ، مع أنه كان يراعي حال المأمومين في العشاء (٢) ، فدلَّ على افتراقهما.
-
والرواية الثانية: التغليس أفضل، إلا أن يشُقَّ على المأمومين ويكون الإسفار أرفق بهم، فإنه يسفر بحيث يجتمعون فقط. وهذا أبيَن عنه، وأصح عند أكثر أصحابه، لما تقدَّم من وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إذا كان الشتاء فصَلِّ صلاة الفجر في أول الفجر، ثم أطِل القراءةَ على قدر ما يطيق الناس، ولا تُمِلَّهم وتُكرِّهْ إليهم أمرَ الله. وإذا كان الصيف فأسفِرْ بالصبح، فإن الليل قصير، وإنَّ الناسَ ينامون، فأمهِلْهم حتى يدركوها» (٣) .
وقال الإمام أحمد: كان عمر إذا اجتمع الناس عجَّل، وإذا لم يجتمعوا أخَّر.
-
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوُ ذلك، فروى أحمد في «المسند» (٤)
-
عن
vol. 3, p. 226أبي الربيع قال: قلتُ لابن عمر: إني أصلِّي (١) معك، ثم ألتفِتُ، فلا أرى وجه جليسي. ثم أحيانًا تُسفر. قال: كذلك رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي. وأُحِبُّ أن أصلِّيها كما رأيتُ رسول الله صلى الله [ص ٥٥] عليه وسلم يصلِّيها. ولعل قوله: «أسفِرُوا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٢) عنى به هذا.
-
ولأنه قد صحَّ عنه في العشاء أنهم كانوا إذا اجتمعوا عجَّل، وإذا أبطؤوا أخَّر (٣) . فعُلِمَ أنه كان يراعي حالهم، وأنه إنما كان يغلِّس بها لأن أصحابه كانوا يغلِّسون، ولا يشقُّ عليهم التغليس.
-
ولأنَّ استحبابَ تأخير العشاء آكدُ من تقديم الفجر (٤) ، فإنه لم تختلف الأحاديث فيه، ولا اختلف الناس فيه إلا اختلافًا شاذًّا، ومع ذلك استحببنا تقديمَها إذا شقَّ على المأمومين، فكذلك الفجر. لكنَّ مشقة التأخير في العشاء أكثر من مشقة التغليس بالفجر، إلا أنَّ هذا لا يمنع رعاية المشقَّة عند حصولها.
- ولأنَّ التغليس بالفجر مع إسفار الجيران يفوِّت فضيلتين:
-
إحداهما: كثرة الجمع. وهي مطلوبة، لما روى أبيُّ بن كعب رضي الله
vol. 3, p. 227تعالى عنه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحبُّ إلى الله» رواه أحمد وأبو داود (١) .
-
والثانية: تحصيل الجماعة للمصلي. فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سمَّاها صدقة، فقال: «ألا رجلٌ يتصدَّق على هذا، فيصلِّي معه» (٢) .
-
ولأنَّ في ذلك تفويتًا للجماعة عليهم، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد أمر الإمامَ بالتخفيف خشيةَ التنفير (٣) ، وإن كان طول القنوت مستحبًّا في نفسه. ولذلك كان يخفِّف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي، لِما يعلم من وجَل أمِّه به (٤) . وكان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمَع وقعَ قدم (٥) . ولأنه يستحَبُّ
vol. 3, p. 228انتظار الداخل في الركوع. كلُّ ذلك رعاية لحال المأمومين.
-
ولأنَّ التأخير إذا كان لمصلحة راجحة مثل الصلاة بوضوء، والصلاة جماعةً، أو أن يكون امتثالًا لأمر أبيه أو سيِّده أو شبه ذلك= كان أفضلَ من التقديم. وهي هنا كذلك، لما تقدَّم.
-
فإن قيل: فما الفرق بين الفجر والعشاء وسائر الصلوات؟
-
قلنا: الفجر والعشاء يكون النوم في بعض أوقاتهما، فيشقُّ فعلهما في وقت النوم. وأما غيرهما من الصلوات فإنَّ جميع أوقاتها سواء، فكان التقديم متعيِّنًا، بل ربما كان في الصلاة آخرَ الوقت أو وسطَه مشقّةٌ عليهم حتى لا ينضبط. فأمَّا هنا فإنَّ الإسفار وقت منضبط؛ حتى لو كان جماعة في مكان قد تهيّأ بعضهم لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب، وبعضُهم لم يتهيَّأ، استحببنا التأخيرَ بحيث يتهيأ الجميع طردًا للقاعدة.
-
[ص ٥٦] وبين الفجر والعشاء فرق، وهو أنَّ العشاء، المستحَبُّ فيها التأخير. وإنما تقدَّم إذا شقَّ على المصلِّين تأخيرها، والغالب حصول المشقة بذلك. والفجر، المستحَبُّ فيها التقديم، وإنما يؤخَّر إذا شقَّ على المأمومين تقديمُها، وليس الغالب حصول المشقة بذلك. وفرقٌ بين الاستحباب الناشئ من نفس الوقت، والاستحباب الناشئ من مصلحة المصلِّين، والله أعلم.
- vol. 3, p. 229
فصل
تجب الصلاة بأول الوقت إذا كان من أهل الوجوب حينئذ، ويستقرُّ الوجوب بذلك في الذمة عند أكثر أصحابنا، وهو المنصوص عنه. وقال ابن بطة وابن أبي موسى: لا يستقرُّ الوجوب حتى يمكنه الأداء (١) ، وهو قياس إحدى الروايتين في الزكاة والحج والصوم. وصورة ذلك أن تزول الشمس على امرأة طاهر فتحيض، أو على عاقل فيُجَنُّ. وإن كان بعد التمكن من فعل الصلاة وجب القضاء قولًا واحدًا، وكذلك إن كان قبل التمكن من الفعل (٢) ، على المشهور. وعلى القول الآخر: لا يجب، لأنَّ هذا لم يقدر على الصلاة، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.
-
ووجه الأول: أنَّ دخول الوقت سبب للوجوب، فوجب أن يتعلَّق به ويستقرَّ كسائر الأسباب. والمُكنةُ (٣) إنما تُعتبَر في لزوم الأداء، لا في نفس الوجوب في الذمة، بدليل ما لو دخل الوقت على نائم، ولم يستيقظ حتى خرج الوقت، فإنه يجب عليه القضاء، وإن لم يمكنه الأداء في الوقت.
-
ثم القضاء إنما يجب إذا أمكن. وإذا لم يمكن فلا شيء عليه. وقد روى حرب (٤) بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال للنساء: لا تنَمْنَ عن العتَمة مخافة أن تحِضْنَ.