مسألة: (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا عشاء الآخرة، وفي شدة الحر الظهر)

209 paragraphs · vol. 3, p. 190

Page 4 of 6

  1. فأما المسلم إذا ارتدَّ بعد دخول الوقت، فمن أصحابنا من يُلحقه بالعاقل إذا جُنَّ، ومنهم من لا يُلحِقه به. وحقيقة المذهب: أنَّا إن قلنا: لا يجب عليه قضاءُ ما تركه قبل الردَّة، فلا قضاء عليه بحال. وإن أوجبنا عليه قضاءَ ما تركه في الردَّة وقبلها، فليس من هؤلاء. وإن قلنا بالمشهور: أنه يقضي ما تركه قبلُ، دون ما تركه فيها، وكانت الردَّة بعد التمكُّن من الفعل= لزمه القضاءُ، لاستقرار الوجوب في الذمة. وإن كانت قبل التمكُّن، فكذلك أيضًا على المشهور. ففي ظاهر المذهب يجب القضاء على المرتدِّ بكلِّ حال.

    vol. 3, p. 230
  2. وتجب الصلاة أيضًا بإدراك آخر جزء من الوقت. فإذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر جزء من وقت صلاةٍ، ولو أنه بقدر [ص ٥٧] تكبيرة، فعليهما فعلُها أداءً إن أمكن، وإلَّا فقضاءً من غير خلاف في المذهب، لأنهما أدركا بعضَ الوقت على وجهٍ يصحُّ بناءُ ما بعده عليه، فأشبَه من أمكنه فعلُ الجميع في الوقت. وكذلك إن بلغ الصبُّي وعقَل المجنونُ، وقلنا: لا صلاة عليهما.

  3. وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضًا، لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف (١) وعبد الله بن عباس (٢) - رضي الله عنهما - قالا: إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلَّت الظهرَ والعصرَ، وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلَّت المغرب والعشاء.

  4. وروى حرب (٣) عن أبي هريرة قال: إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر صلَّت المغرب والعشاء.

  5. وهذا لأنَّ مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار، وثلاثة في حال العذر والضرورة، بدليل قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: ١١٤] وقوله سبحانه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: ٧٨] ، وأنَّ السنَّة مضت بذلك في حال العذر حتى جاز أن يصلِّي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس، ويصلِّي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر. وهو الجمع بين الصلاتين إذا أخَّر الأولى بنية الجمع، ثم حدث له عذر أخَّرهما بسببه إلى وقت الضرورة. وهذا وقت ضرورة، فلذلك كان مدركًا للأولى بما أدرك به الثانية.

    vol. 3, p. 231
  6. وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يُجَنَّ الرجل، فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء؟ على روايتين:

    إحداهما: يجب القضاء، لأن وقتهما واحد.

  7. والثانية: لا يجب. وهي المنصورة عند أصحابنا، لأن وقت الأولى إنما يكون وقتًا للثانية إذا فعل الأولى، فتكون الثانية تابعةً لها؛ بخلاف وقت الثانية فإنه يكون وقتًا للأولى، فعَلَها أو لم يفعلها.

  8. فصل

    ومن لم يصلِّ المكتوبة حتى خرج وقتها، وهو من أهل فرضها، لزمه القضاء على الفور؛ لما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نسي صلاةً فَلْيُصلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» متفق عليه (١) . وفي رواية لمسلم (٢) : «إذا رقد أحدُكم عن الصلاة أو غفل عنها فَلْيُصلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] » ، وفي لفظ (٣) : «من نسي صلاةً [ص ٥٨] أو نام عنها، فكفَّارتها أن يصلِّيها إذا ذكرها» وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوُه رواه مسلم وغيره (٤) .

    vol. 3, p. 232
  9. وعن أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس في النوم تفريط، فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها» رواه الجماعة إلا البخاري (٥) . فأوجب - صلى الله عليه وسلم - القضاء على الفور مع التأخير لعذر، فمع التأخير لغير عذر أولى.

  10. فإن قيل: تخصيص الحكم بالناسي دليل على أن العامد بخلافه. وقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إنَّ للصلاة وقتًا كوقت الحج (٦) . وهذا يدل على

    vol. 3, p. 233أن لا تُفعَل في غير الوقت.

  11. قلنا: إنما خصَّ النائم والناسي إذ لا إثم عليهما في التأخير إلى حين الذكر والانتباه بخلاف العامد، فكان تأخيرها عن وقتها من الكبائر. ومعنى قول ابن مسعود أنه لا يحِلُّ له أن يؤخِّرها عن وقتها، ولا يُقبَل منه إذا أخَّرها، كما قال الصدِّيق - رضي الله عنه -: إنَّ لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقَّا بالنهار لا يقبله بالليل (١) . وذلك أن الله تعالى أوجب عليه أن يصلِّي، وأن يفعَل ذلك في الوقت. فالإخلالُ بالوقت لا يوجب الإخلالَ بأصل الفعل، بل يأتي بالصلاة، ويبقى التأخيرُ في ذمَّته؛ إمَّا أن يعذِّبه الله، أو يتوب عليه، أو يغفر له. ولم يُرِد أن الصلاة كالحجِّ من كلِّ وجه، فإنَّ الحجَّ لا يُفعَل في غير وقته، سواء أُخِّر لعذر أو لغير عذر؛ والصلاة بخلاف ذلك.

  12. ومثل هذا ما روي أنَّ من أفطر يومًا من رمضان لم يقضِ عنه صيامُ الدهر كلِّه وإن (٢) صامه (٣) . يعني: من أجل تفويت عين ذلك اليوم، مع أنَّ

    vol. 3, p. 234القضاء واجب عليه.

  13. ويدل على ذلك أنَّ عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا تركَ الصلاة كفرًا، وتأخيرَها عن وقتها إثمًا ومعصيةً (١) ، وفسَّروا بذلك قوله تعالى: {عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: ٥] وقوله تعالى: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} [مريم: ٥٩] . فلو كان فعلُها بعد الوقت لا يصحُّ بحال، كالوقوف بعرفة بعد وقته، لكان وجود تلك الصلاة كعدمها، وكان المؤخِّر كافرًا كالتارك. وقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج وقتها، وأمرَ أن يصلَّى خلفهم (٢) . ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصحَّ الصلاة خلفهم كالمصلِّي بغير وضوء.

  14. ويجوز تأخير القضاء شيئًا يسيرًا لغرض صالح، مثل اختيار بقعة على بقعة، وانتظار جماعة [ص ٥٩] يكثر بهم جمعُ الصلاة. بل يستحَبُّ له إذا نام عنها في موضع أن ينتقل عنه إلى غيره للقضاء. نصَّ عليه (٣) ، واختاره بعض أصحابنا إذا نام عنها في منزل في السفر. وذلك كما فعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما فاتته صلاة الفجر في السفر وقال: «هذا منزل حضَرَنا فيه الشيطانُ» (٤) ؛ لأنَّ الصلاة في مظانِّ الشياطين كالحمام والحُشَّ لا تجوز، فالتي عرض الشيطان فيها، أحسنُ أحوالها أن يستحَبُّ تركُ الصلاة فيها.

  15. ولا يجب عليه القضاء أكثر من مرَّة واحدة؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقضِ يومَ

    vol. 3, p. 235الخندق (١) ويومَ نام عن الفجر أكثر من مرَّة واحدة (٢) . وقد احتجَّ أحمد على ذلك بما رواه في «المسند» (٣)

  16. بإسناد جيِّد عن عمران بن حصين قال: ثم أمرَ بلالًا، فأذَّن، ثم صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام، فصلَّينا. فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: «أينهاكم ربُّكم عن الربا، ويقبله منكم؟» وهذا لأن الواجب في الذمة صلاة واحدة، فلو أمر بصلاتين لكان ربًا.

  17. فإن قيل: ففي حديث أبي قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمَا إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقتُ الأخرى. فمن فعَل ذلك فليصلِّها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها» . رواه أحمد ومسلم (٤) . وفي رواية ابن ماجه (٥) : «فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكَرها، ولِوقتِها في الغد» .

  18. قلنا: معناه ــ والله أعلم ــ فليصلِّها حاضرةً. وأكد الأمر بالمحافظة لئلا يتوهَّم أن الرخصة لغير المعذور، وليتحفَّظ من تفويت مرة أخرى. وقد رواه

    vol. 3, p. 236أبو داود (١) ولفظه: «من أدرك معكم في غد صلاةً، فليقض معها مثلَها» . وهذا ــ والله أعلم ــ توهُّمٌ من بعض الرواة بما فهم من المعنى. وقد علَّل البخاري هذه الرواية.

  19. فصل

    فإن كثرت عليه الفوائت وجب عليه أن يقضيها، بحيث لا يشقُّ عليه في نفسه أو أهله أو ماله، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أمرتُكم بأمر فأتُوا منه ما استطعتم» . فإن خاف في بدنه ضعفًا أو مرضًا أو انقطاعًا عن معيشة، أو تضرُّرَ أهلِه، أو ضياعَ ماله بالمداومة على القضاء= فرَّق القضاءَ بحسب طاقته.

  20. وإذا شكَّ في قدر الفوائت (٢) ، فإن لم يعلم كم وجَب عليه، بأن يقول: لم أُصَلِّ منذ بلغتُ، أو صلَّيتُ (٣) بعد بلوغي سنةً ــ وهو لا يعلم متى بلغ ــ ثم تركتُ= وجب عليه أن يقضي ما يتيقَّن وجوبَه، إذ الأصل براءة ذمته [ص ٦٠] مما زاد على ذلك. لكن الأحسن أن يحتاط، فيقضي ما يتيقَّن به براءةَ ذمته.

  21. وإن علِم قدرَ الواجب عليه، وشكَّ بقدر ما فاته منه، مثلَ أن يقول: بلغتُ منذ سنة، وصلَّيت بعضَها وتركتُ الباقي= فإنه يجب عليه أن يقضي حتى يعلم أنه قضى جميعَ الفوائت، لأنه متيقِّن لوجوب الصلاة عليه، شاكٌّ في براءة ذمته منها. وكذلك من شكَّ في فعل الصلاة في الوقت أو بعد خروج الوقت.

    vol. 3, p. 237
  22. وقد أطلق طائفة من أصحابنا فيمن لم يعلَم ما عليه في (١) أنه يقضي حتى يتيقَّن براءة ذمته، لأن أحمد قال (٢) فيمن ضيَّع الصلاة: يعيد حتى لا يشكَّ أنه قد صلَّى ما ضيَّع. وقال فيمن فرَّط في صلاة يوم الظهر ويوم العصر صلواتٍ لا يعرف عينَها= قال (٣) : يعيد حتى لا يكون في قلبه شيء. وكلام أحمد إنما هو فيمن يتيقَّن الوجوب كغالب الخلق، لما قدَّمناه.

  23. فصل

    يجوز أن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها، لأنَّها متأكِّدة. ولهذا يفعلها العبد والأجير؛ لأنها تابعة للصلاة، فأشبهت السورة في الأوليين وما زاد على المرة من التسبيح والاستغفار. ثم إن كانت كثيرة فالأولى أن يقتصر على الفرائض؛ لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى. ولذلك لما قضى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأربع يوم الخندق قضاهنَّ متواليات (٤) ، ولم يُنقَل أنه قضى بينهن شيئًا، إلا

    vol. 3, p. 238ركعتي الفجر، فإنَّ الأولى أن يقضيهما لتأكُّدهما. والوتر إن شاء قضاه وإن شاء لم يقضه. وإن كانت صلاةً أو صلاتين فالأولى أن يقضي، كما فعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم فاتته الصبح، فإنه قضاها بسنَّتها (١) .

  24. وكذا ينبغي أن يجوز له الاشتغال بالسنن المؤكدة كسننن الحاضرة وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح قبل الفوائت، وإن كان الأولى المبادرة إلى الفرائض.

  25. فأمَّا غيرُ الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز أن يشتغل بها عن قضاء الفوائت.

  26. وهل تنعقد؟ على روايتين مومأ إليهما.

  27. إحداهما: تنعقد. قال الآمدي: وهو ظاهر المذهب، لأنَّ النهي عنه لمعنًى في غيره. ولهذا تُكمَل فريضة العبد يوم القيامة من تنفُّلاته.

  28. والثانية: لا يصح، لأن النهي يقتضي الفساد. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر: واعلم أنَّ الله لا يقبل النافلة حتى تؤدَّى الفريضة (٢) . وذكره الإمام أحمد في «الرسالة» (٣) ، فقال: وقد جاء الحديث: «لا يقبل الله النافلةَ حتى تؤدَّى الفريضة» .

  29. [ص ٦١] وكذلك كلُّ نافلة تشغل عن فريضة، كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة، والتنفُّل بعد ضيق وقت الحاضرة.

  30. فأما ما كان النهي عنه لمعنًى في الوقت، كالنافلة عند الطلوع والغروب، فلا تنعقد النية. وقد روي ما يدل على انعقادها، كما يُذكر إن شاء الله تعالى في موضعه.

    vol. 3, p. 239
  31. فصل

    ويجب الترتيب بين الفوائت، وبين الحاضرة والفوائت، لما روى ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ المشركين شغَلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أربع صلوات يومَ الخندق حتَّى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا، فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء. رواه أحمد والنسائي والترمذي (١) . ولأحمد والنسائي (٢) مثلُه من حديث أبي سعيد إلا أنَّ النسائي لم يذكر المغرب، لكنه قد صحَّ من حديث جابر. وفعلُه - صلى الله عليه وسلم - للصلوات يقتضي الوجوبَ؛ لأنه خرج بيانًا وامتثالًا للأمر. والفعلُ منه (٣) إذا خرج امتثالًا كان حكمُه حكمَ الأمر.

  32. وعن أبي جمعة بن سِباع: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الأحزاب صلَّى المغربَ، فلما خرج قال: «هل علِمَ أحدٌ منكم أنِّي صلَّيتُ العصر؟» قالوا: يا رسول الله

    vol. 3, p. 240ما صلَّيتها. فأمر بالمؤذِّن، فأقام، فصلَّى العصر، ثم صلَّى المغرب. رواه أحمد (١) .

  33. وهذا صريح بالإعادة إذا أخلَّ بالترتيب. وهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يقوِّيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذ لم يصلِّ المغرب إلا بعد هَوِيٍّ من الليل، وبعيدٌ أن يكون نسيها إلى ذلك الوقت، فإنَّ وقت المغرب ضيِّق.

  34. ولأنه قد قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٢) ، على أنَّ كثيرًا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوبَ، وهو إحدى الروايتين.

  35. ولأنَّ الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدَّم، والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، فوجب الابتداء بما يجب على الفور، كسائر الواجبات. ولأنَّ الفائتة الأولى استقرَّت في ذمَّته، وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية، فإذا أخَّرها عن وقت الذكر أثِمَ بذلك. وأما الثانية، فإنما يجب عليه فعلُها بعد الأولى، إذ لا يكلَّف فعلَهما معًا.

  36. فإن قيل: هذا يقتضي وجوبَ الابتداء. أمَّا عدمُ الصحة فلا يلزم، كما لو أخَّر الواحدة عن حين ذكرها (٣) .

  37. قلنا: يتوجَّه أن يخرَّج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خُرِّج في انعقاد النفل المطلق قبلها وأولى، إذ النهيُ عنها بالمعنى في غيرها. وإنما المذهب أنها لا تصحُّ [ص ٦٢] لأنَّ هذا الترتيب مستحَقّ في الصلاة، فلم ينعقد مع الإخلال به، كترتيب السجود على الركوع. ولأنهما صلاتان مكتوبتان (١) ، فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين. ولأنه إذا فعل الثانيةَ قبل الأولى فقد فعَلَها قبلَ وقت وجوبها فلم تُجزئه، كما لو صلَّى الحاضرة قبل وقتها؛ بخلاف النافلة فإنها لا تختصُّ بوقتْ.

    vol. 3, p. 241
  38. ولأنَّ الفرائض من جنس واحد مختلف (٢) ، فوجب الترتيبُ بينها بخلاف النفل. ولهذا يجوز له أن يتنفَّل قبل المجموعتين. وليس له أن يقدِّم الثانية على الأولى، لأن بعض الصلوات متعلِّق ببعض، بدليل أنَّ المغرب وترُ النهار، وأنَّ الصلاة الأخرى وترُ الليل، فإذا قدَّم بعضَها على بعضٍ خرجت الصلواتُ عن نظمها. وسواء قلَّت الفوائت أو كثرت، لما ذكر.

  39. فإن نسي الترتيب، مثل أن يصلِّي الظهر، ثم يذكر أنه لم يصلِّ الفجر؛ أو أنه صلَّاها بغير طهارة= سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب.

  40. وحكي عنه (٣) : لا يسقط؛ لأنه ترتيب مستحَقّ، فلم يسقط بالنسيان،

    vol. 3, p. 242كترتيب السجود على الركوع، وترتيب ثانيتي الجمع على أولاهما (١) ، وترتيب أعضاء الوضوء؛ ولحديث أبي جمعة المتقدم.