مسألة: (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا عشاء الآخرة، وفي شدة الحر الظهر)

209 paragraphs · vol. 3, p. 190

Page 5 of 6

  1. ووجه الأول: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَلْيُصلِّها إذا ذكرها» (٢) ، مع علمه أنه قد لا يذكرها إلا بعد عدة صلوات، ولم يفصِّل. ولأنَّ المنسيَّة لا يخاطب بأدائها إلا حين ذكَرها، وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه. والمذكورةُ يخاطَب بها حين (٣) الذكر، فلا يجوز أن يبطل ما وجب فعلُه. وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء، فإنَّ الأول شرط في صحة الثاني، وهو مرتبط به بحيث لا يصح إلا بصحته، ولا يفسد إلا بفساده، فلا يصحُّ أن يتأخَّر عنه. وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان، بخلاف الفوائت.

    vol. 3, p. 242
  2. وأما الجاهل بوجوب الترتيب، إذا بدأ بالحاضرة، ثم بالفائتة، ثم صلَّى بعد ذلك، ثم علِم فيجزئه ما صلَّى بعد الفائتة، لأنه صلَّى معتقدًا أن لا صلاة عليه. وأما ما صلَّى قبلها، فيعيده، لأنه صلَّاه في غير موضعه. ويتوجَّه أن يكون الجهل كالنسيان.

  3. فإن ذكر الفائتة في الحاضرة، فالمشهور عنه: أنَّ الترتيب لا يسقط.

  4. وعنه: يسقط عن المأموم خاصَّةً، فيُتمُّ الحاضرةَ، ثم يقضي الفائتة فقط، لأن الجماعة واجبة للحاضرة، وقد دخل وقتُها، فلا يجوز تفويتُها؛ بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت [ص ٦٣] شيء.

  5. وقيل: يسقط مطلقًا، لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا نسي أحدكم صلاةً، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها. فإذا فرغ منها صلَّى التي نسي» رواه الدارقطني (١) . فأمر بإتمام الحاضرة، ولم يأمر بإعادتها. ولأنَّ الحاضرة بالشروع فيها صارت على الفور، وتعيَّن إتمامها، فأشبه ما لو ضاق وقتها.

    vol. 3, p. 243
  6. وعلى المشهور يُتِمُّها المأموم، ثم يصلِّي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة.

  7. وقد حكي عنه: المأمومُ يقطعها كالمنفرد.

  8. والأول (٢) هو الذي نقله عنه الجماعة، لما روى أبو يعلى الموصلي وأبو بكر والدارقطني (٣)

  9. عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا نسي

    vol. 3, p. 244أحدكم صلاةً، فذكرها وهو مع الإمام، فليصلِّ مع الإمام. فإذا فرغ فليصلِّ الصلاة التي نسي، ثم ليُعِد صلاته التي صلَّى مع الإمام» والمشهور أنه عن ابن عمر موقوفًا.

  10. ولأنه حين ذكر الفائتة صار ذلك وقتها، فوجب فعلُها فيه، ولم يصحَّ أن يصلِّي فيه غَيرها، كما لو ذكر قبل الشروع؛ لكن بدخوله مع الإمام صار ملتزمًا لصلاةٍ، فسُنَّ تأخيرُها إلى انقضاء صلاته، كما لو أخَّرها لسنَّة راتبة، وأَولى.

  11. وأما الإمام فإنه يقطعها. قال في رواية حرب: ينصرف هو، ويستأنف القوم الصلاةَ. قال أبو بكر: لم ينقلها غيره (١) . وبنى أبو بكر ذلك على جواز الاستخلاف، وجوز ائتمام المتنفِّل بالمفترض. ومن أصحابنا من حكى في إتمام الإمام إياها روايتين. ومنهم من قال: صارت نافلة. والمأمومون خلفه مفترضون، ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفِّل. ومن جوَّزه صحَّح إتمامَ الإمام إياها، وائتمامَهم به فيها.

  12. وعلى المنصوص قال القاضي: يُتِمُّها نفلًا، ثم يقضي الفائتة، ثم يصلِّي الحاضرة. وقال الآمدي وأكثر الأصحاب: عليه أن يقطعها. فإن أتمَّها فوجهان. أحدهما: تبطل، لأنَّ بقاء الفرض في ذمته يمنع صحة غيره كالمنفرد، بخلاف المأموم فإنها صحَّت تبعًا. والثاني: يُتِمُّها نفلًا.

  13. ثم بإئتمامهم به فيها وجهان. وهذه الطريقة أصح وأشبه بالنص.

  14. وأما المنفرد، فهل يقطعها أو يُتِمُّها؟ على روايتين:

    إحداهما: يُتِمُّها. وهي اختيار أبي بكر. قال الآمدي: وهي أصحُّ، لأنَّ الشروع يؤكِّد الإتمام كالسنن الرواتب.

    vol. 3, p. 245
  15. والثانية: يقطعها، لأنها نافلة فلا يشتغل بها عن الفرض، كالنفل المبتدأ.

  16. وإذا قلنا: يقطعها، فأتمَّها، فهو جائز. نصَّ عليه. وكذلك إن قلنا: يُتِمُّها، فقطَعها جاز. نصَّ عليه، لأنه تطوُّع، والتطوُّع لا يلزم بالشروع. وقد نصَّ أحمد (١) على التخيير بين الأمرين. [ص ٦٤] ومقتضى ما ذكره بعض أصحابنا أنه يلزمه الإتمام حيث يؤمر به. ولنا في الصلاة النافلة هل تلزم بالشروع روايتان، لكن هنا دخل فيها يعتقد أنها عليه، فبان أنها ليست عليه، فإلزامه بالإتمام بعيد.

  17. فصل

    فإن ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة سقط الترتيب في إحدى الروايتين.

  18. وفي الأخرى: لا يسقط. اختارها الخلال وصاحبه (٢) ، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَلْيصلِّها إذا ذكَرها» (٣) فإنَّ ذلك وقتُها، فجعَل وقت الذكر وقت الفائتة، فلا يجوز أن يصلِّي فيه غيرَها. ولأنَّ الصلاة في الوقت فرض، وليس بشرط، والترتيب فرض مشترط، فكانت مراعاته أولى. وقد روي في

    vol. 3, p. 246الحديث: «لا صلاة لمن عليه صلاة» (١) ، لكنه لا يُعرَف له أصل. فعلى هذا يشتغل بقضاء الفوائت متواليات حسب الطاقة والإمكان، وإن فاته عدَّة من الصلوات، ثم يصلِّيهن إذا جاءت نوبتهن.

  19. ووجه الأولى ــ وهي الصحيحة عند أكثر أصحابنا ــ أنَّ الوقت وقت الحاضرة، فلا يجوز أن تؤخَّر عنه كسائر المواضع، وكما لا يجوز تأخير صوم رمضان لقضاء الزمان الماضي. ولأنَّ في ذلك تفويت الصلاتين. ولأنَّ الصلاة الحاضرة في وقتها فرضٌ متفَق عليه، معلوم قطعًا؛ والترتيب مما ساغ فيه الخلاف. ولأنَّ تأخير الفائتة لسنة راتبة أو (٢) نوع مصلحة جائز، وتأخير الحاضرة عن وقتها لمثل ذلك لا يجوز. وقال القاضي: المسألة رواية واحدة: يبدأ بالحاضرة. وذكر عن أحمد ما يدلُّ على أن الرواية الأولى مرجوع عنها (٣) . فيكون في حكايتها مذهبًا له الطريقتان المشهورتان.

  20. فإن خالف وبدأ (٤) بالفائتة، ففي صحَّتها وجهان؛ لأنَّه فعلها على الوجه المنهِّي عنه، لكن لم يخالف ترتيبًا مستحَقًّا، كما قلنا فيما إذا صلَّى قبلها نافلة.

  21. وعلى هذا يجب عليه أن يشتغل بقضاء الفوائت إذا كثرت حتَّى يضيق

    vol. 3, p. 247وقت الحاضرة، لأن الابتداء بالفوائت واجب، والصلاة في أول الوقت سنَّة. هذا أشهر الروايتين (١) .

  22. وعنه: يجوز أن يصلِّيها في أول الوقت إذا لم يتَّسع الوقت لفعلها مع الفوائت. اختارها أبو حفص العكبري وصاحب الكتاب (٢) ، لأنه لا يمكنه فعلُ جميع الفوائت قبلها، فسقط ترتيبهن عليها، كما لو ضاق (٣) الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة.

  23. وإذا ضاق (٤) وقتُ [ص ٦٥] الحاضرة عن فعلِها في وقت الاختيار أو فعلِ بعضها بحيث لو صلَّى الفائتة، فهو كما لو ضاق عن فعل جميعها (٥) ، فإنه يجب عليه أن يفعلها كلَّها قبل دخول وقت الضرورة. وكذلك لو بقي من وقتها ما لا يتسع إلا لفعل بعض صلاة، فإنه يبدأ بالحاضرة لقوله عليه السلام: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (٦) .

  24. فأمَّا الجمعة إذا خشي فوتَها، مثل أن يذكر الفجر وهو فيها، أو عند قيامه إليها، ويخشى فوتَها إن اشتغل بالقضاء= فإنه يصلِّيها رواية واحدة.

  25. ثم إن قلنا: إنّ الترتيب يسقط بضيق الوقت أجزأته كغيرها، وأَولى، لأنها

    vol. 3, p. 248لا تقضى جمعة بحال. وإن قلنا: لا يسقط، فإنه يعيدها ظهرًا بعد إعادة الفائتة. وقد نصَّ علي الروايتين.

  26. فإن كان الذي ذكر هو الإمام، فإن ذكَر وهو فيها، فعنه: يُتِمُّها، وتجزئه ومَن خلفه جمعة، لأنَّ تبطيل جمعتهم أعظم من ضيق الوقت ونسيان الفائتة. وعنه: لا تجزئه ولا مَن خلفه، كما لو ذكر في غير الجمعة. فعلى هذا يعيدون جمعةً إن اتسع الوقت، وإلا فظهرًا. وقياسُ ما ذكروه في الجماعة أنه يعتبر اتساع الوقت.

  27. وإن ذكر قبل إحرامه، فالأولى أن يستخلفَ ويشتغل بالقضاء. ثم إن أدرك معهم ما تدرك به الجمعة، وإلَّا صلَّى ظهرًا. فإن لم يفعل وصلَّى بهم، فعلى الروايتين.

  28. وقيل: إذا جاز له الاستخلاف، وأمكنه بعد القضاء أن يدرك معهم ما تدرَك به الجمعة، لزمه ذلك.

  29. فإن ذكر الفائتة في الحاضرة، وضاق الوقت عن إتمام الحاضرة، وإعادة الفائتة والحاضرة، سقط الترتيب أيضًا، كما لو ضاق عن فعل الحاضرة والفائتة. وقيل: إنما يسقط إذا ضاق عن فعل الفائتة وإعادة الحاضرة، لأنَّ إتمام الحاضرة نفلٌ، فيجب تركه عند ضيق الوقت عنه.

  30. فأمَّا إن أقيمت الجماعة وخشي فوتها بأن لا يطمع في إدراكها ولا إدراك جماعة أخرى، إن اشتغل بالقضاء= لم يسقط الترتيب، لكن يتابع الإمام في صلاته، ثم يقضي، ثم يعيد كما لو ذكر في أثنائها.

  31. وعنه: يسقط أيضًا. وهي اختيار أبي حفص، لأنَّ الجماعة واجبة، فأشبهت الجمعة. وإن لم يخش فوتها بأن يمكنه القضاء ثم يصلِّي معهم أو

    vol. 3, p. 249مع غيرهم لم يسقط الترتيب قولًا واحدًا.

  32. فصل

    ومن نسي صلاةً من يوم وليلة لا يعلم عينَها لزمه أن يصلِّي خمسًا، ينوي بكلِّ واحدة أنها هي الفائتة. قال ابن أبي موسى (١) : يصلِّي خمس صلوات فجرًا وظهرًا وعصرًا ومغربًا وعشاءً. نصَّ عليه (٢) .

  33. وعنه ما يدل [ص ٦٦] على أنه يجزئه أن يصلِّي فجرًا ومغربًا وأربع ركعات ينوي بها ما فاته بناءً على أنَّ نية التعيين لا تجب للمكتوبة.

  34. والأول هو المذهب، لأنه قد ثبت في ذمته صلاةٌ، وتعيينُ النية للمكتوبة هل هي فجر أو عصر أو ظهر واجب، والتشهد الأخير والتسليم فرضٌ (٣) ، فلا يتحقَّق براءة ذمته إلا بخمس صلوات على ما قلنا.

  35. فإن فاتته من يوم واحد ظهرٌ، وصلاة أخرى لا يعلم هل هي الفجر أو المغرب، وجب عليه الصلوات الثلاث، ويبدأ بالفجر لأنه إن يبدأ (٤) بالظهر لم يتحقق (٥) براءة ذمته مما قبلها، كمن شكَّ في وقت الظهر هل صلَّى الفجر أم لا.

  36. فإن نسي ظهرًا من يوم وعصرًا من يوم آخر لم يجب عليه إلا ظهر

    vol. 3, p. 250وعصر، وإن كان قد يفضي إلى الإخلال بالترتيب في الباطن، لأن الترتيب يسقط بالنسيان، كما لو نسي نفس الفائتة. ويتحرَّى بما يبدأ: بما يغلب على ظنِّه أنها السابقة. فإن استويا خُيِّر، لأنَّ ذلك أقرب إلى رعاية الترتيب في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: يبدأ بالظهر كصلاتي اليوم الواحد، إذ أكثر ما فيه سقوط الترتيب بالنسيان.

  37. ويتخرَّج (١) أن يلزمه قضاء ثلاث صلوات ظهرًا ثم عصرًا ثم ظهرًا، أو عصرًا ثم ظهرًا ثم عصرًا، بناءً على أنَّ الترتيب لا يسقط بالنسيان ولا يتيقَّن الترتيب المستحَقّ إلا بذلك. قال بعض أصحابنا: وهذا أقيس، كما لو نسي صلاةً من يومٍ لا يعلم عينها (٢) . والصواب ما تقدَّم، وقد ذكر الفرق.

  38. فصل

    ومن شكَّ في دخول الوقت فلا يصلِّي حتى يتيقَّن دخوله برؤية الشمس ونحوها من معرفة الساعات وحسابها، فإن تعذَّر اليقين لتغيُّم السماء، أو لكونه في مطمورة، أو أعمَى في برِّيَّة، عمل بالاجتهاد بأن يستدل على ذلك بأعمال من قراءة أو صناعة أو نحو ذلك. فإن اجتهد وهو قادر على اليقين لم تصحَّ صلاته، كمن صلَّى بالاجتهاد عند حضور الكعبة، أو عمِل بالقياس مع وجود النصِّ، سواء أخطأ أو أصاب.

  39. هكذا حرَّره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا. وأطلق أبو الخطاب (٣) وغيره أنه يصلِّي إذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه دخولُه. وعلى كلِّ

    vol. 3, p. 251حال فيستحَبُّ له أن يؤخِّر الصلاة حتى يتيقَّن دخولَ الوقت ما لم يخَف خروجه. ويجوز العمل فيه بغالب الظنِّ إذا لم يمكن العلم. هذا قول أصحابنا.

  40. وقد كان أبو عبد الله [ص ٦٧] - رحمه الله - أحيانًا يصلِّي الفجر في الغَيم، ثم يتبيَّن له أنَّ الفجر لم يطلع، فيعيد (١) ، كما جاء مثل ذلك عن الصحابة - رضي الله عنهم -. وقد روى عنه حنبل: لا يصلِّي حتى لا يشكَّ في الزوال في السفر والحضر (٢) . وقال في رواية ابن منصور: إذا شكَّ في الزوال وهو في السفر، فلا حتَّى لا يشكَّ ولا يستيقنَ (٣) . وهذا فيما إذا لم يمكن اليقين، كما تقدَّم. وإن حُمِل على ظاهره، فله وجه.