مسألة: (فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة)

178 paragraphs · vol. 5, p. 82

Page 3 of 5

  1. وهذا قاله عمر ولم يخالفه مخالف من الصحابة. وإنما عزم على ذلك وإن كان تارك الحج إذا كان مسلمًا لا يُضرَب عليه الجزية؛ لأنه في (١) أول الإسلام كان الغالب على أهل الأمصار الكفرُ إلا من أسلم، فمن لم يحج أبقاه على الكفر الأصلي، فضرب عليه الجزية. ولولا أن وجوبه على الفور لم يجعل تركه شعارًا للكفر (٢) .

    vol. 5, p. 111
  2. وقد روي عن الحسن بن محمد قال: أبصر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قومًا بعرفة من أهل البحرين عليهم القُمُص والعمائم، فأمر أن تُعاد عليهم الجزية. رواه سعيد (٣) .

  3. وعن أبي هارون العبدي قال: قال عمر: حُجّوا العامَ فإن لم (٤) تستطيعوا فقابل، مرتين أو ثلاثًا، فمن لم يستطع فقابل، فمن لم يفعل فآذِنوني أضرِبْ عليهم الجزية. رواه سفيان (٥) بن عيينة عنه. وهذا صريح بأنه على الفور، وقد خاطب به عمر الناس، ولم يخالفه مخالف.

  4. وأيضًا فإن الحج تمام الإسلام؛ لأن [ق ١٥٨] الإسلام بُني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة،

    vol. 5, p. 112وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. ولهذا لما حج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل الله تعالى قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (١) [المائدة: ٣] ، وكانت (٢) شرائع الإسلام تنزل شيئًا فشيئًا، فصار الحج كمال الدين وتمام النعمة. فإذا لم يحج الرجل لم يكن إسلامه ودينه كاملًا، بل يكون ناقصًا، ولا يجوز للمسلم أن يترك دينه ناقصًا، كما لا يجوز أن يُخِلَّ بالصلاة والصوم والزكاة بعد وجوبها.

  5. وأما ما ذكروه من أن الحج فُرِض متقدمًا، وأخّره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فعنه ثلاثة (٣) أجوبة:

    أحدها: أنه لا يجوز لمسلم أن (٤) يعتقد أن الله أوجب الحج وكتبه، ومكث النبي - صلى الله عليه وسلم - وعامة أصحابه مؤخِّرين له من غير عائقٍ أصلًا خمسَ سنين، ولا سنة واحدة، فإن القوم رضوان الله عليهم كانوا مسارعين في الخيرات، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، يبادرون إلى فعل الصلاة في أول الوقت طلبَ الفضلِ (٥) والثواب، لعلمهم بما في المسابقة من الأجر، فكيف يؤخِّرون الحج بعد وجوبه من غير عذر أصلًا؟ وتأخيرُه إن لم يكن محرمًا فإنه مكروه، أو هو خلافُ الأحسن والأفضل، وتأخُّرٌ عن مقامات السبق ودرجات المقرَّبين، فكيف تُطبِق الأمة مع نبيها على ترك الأحسن الأفضل لغير عذر أصلًا؟

  6. وأيضًا فقد مات منهم في تلك السنوات خلق كثير لم يحجوا، أفترى أولئك لقُوا الله (١) عاصين بترك أحد (٢) مباني الإسلام ولم ينبِّههم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولا قال لهم: احذروا تفوِيْتَه؟ مع أنه من لم يحج خُيِّر بين أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا. وقد عُلِم بغير ريب أن قبل الفتح لم يحج مسلم، وبعد الفتح إنما حج عتّاب بن أَسِيد على عادة الكفار وهَدْيهم، وإنما حج بعض أهل مكة، ثم في (٣) السنة الثانية أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفي المشركين عن البيت، وبأن لا يطوف بالبيت عارٍ (٤) ، وإنما حج من المسلمين نفر قليل.

    vol. 5, p. 113
  7. ثم إن حج البيت من فروض الكفايات، وقد قال ابن عباس: لو أن الناس تركوا الحج عامًا واحدًا لا يحج أحد ما نُوظِروا (٥) بعده. رواه سعيد (٦) . فكيف يتركون المسلمون (٧) الحج (٨) بعد وجوبه سنة في سنة، فإن حج الكفار غير مُسقطٍ لهذا الإيجاب.

  8. وأما قولهم: إنه فُرِض سنة خمس أو ست، فقد اختلف الناس في ذلك

    vol. 5, p. 114اختلافًا مشهورًا (١) ، فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، فالله أعلم متى فُرِض. غير أنه يجب أن يُعلم أنه إما (٢) فُرِض متأخرًا (٣) ، أو فُرِض متقدمًا وكان هناك مانع عام يمنع من فعله، وإلا لما أطبق المسلمون على تركه وتأخيره.

  9. الجواب الثاني: أن الأشبه ــ والله أعلم ــ أنه إنما فُرِض متأخرًا (٤) ، يدل على ذلك وجوه:

    أحدها: أن آية وجوب الحج التي (٥) أجمع المسلمون على دلالتها على وجوبه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] ، وقد قيل: إن هذه الآية إنما نزلت متأخرًا سنة تسع أو عشر، ويدل على ذلك أنها في سياق مخاطبة أهل الكتاب، وتقرير ملة إبراهيم، وتنزيهه من اليهودية والنصرانية، وصدرُ سورة آل عمران إنما أُنزِل (٦) لما جاء وفد نجران إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وناظروه في أمر عيسى ابن مريم عليه السلام، ووفد نجران إنما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخَرةٍ (٧) .

  10. وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ، فإنه نزل عام

    vol. 5, p. 115الحديبية سنة ست من الهجرة، لما صدَّ المشركون رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن إتمام عمرته التي قد كان أهلَّ بها، وفيها بايع المسلمين بيعةَ الرضوان، وفيها قاضى المشركين على الصلح على أن يعتمر من قابلٍ، فإنما يتضمن الأمر بالإتمام، وليس ذلك يقتضي الأمر (١) بالابتداء، فإن كل شارعٍ في الحج والعمرة مأمورٌ بإتمامهما، وليس مأمورًا بابتدائهما، ولا يلزم من وجوب إتمام العبادة وجوب ابتدائها، كما لا يلزم من تأكُّدِ (٢) استحباب الإتمام تأكُّد استحباب الشروع.

  11. وأما كون الحج والعمرة من دين إبراهيم عليه السلام فهذا لا شك فيه، ولم يزل ذلك قربةً وطاعة من أول الإسلام، وجميع آيات القرآن تدل على حسن ذلك واستحبابه، وأما وجوبه فلا يعلم أنه كان واجبًا في شريعة إبراهيم البتةَ، ولم يكن لإبراهيم عليه السلام شريعة يجب فيها على الناس ... (٣) .

  12. ويوضح ذلك أنه لم يقل أحد إن الحج كان واجبًا من أول الإسلام.

  13. الوجه الثاني: أن أكثر الأحاديث الصحيحة في دعائم الإسلام ليس فيها ذكر الحج، مثل حديث وفد عبد [ق ١٥٩] القيس (٤) لما أمرهم بأمرٍ فصْلٍ يعملون به، ويدعون إليه مَن وراءهم، ويدخلون به الجنة، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وفسَّره لهم أنه الصلاة والزكاة وصوم رمضان وأن يُعطوا من المغنم الخمسَ. ومعلوم أنه لو كان الحج واجبًا لم يضمن لهم الجنة إلا به.

  14. وكذلك الأعرابي الذي جاء من أهل نجدٍ ثائرَ الرأس (١) ، الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقصُ منه، إنما ذكر له النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة والزكاة والصوم.

    vol. 5, p. 116
  15. وكذلك الذي أوصاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعملٍ يُدخِله الجنة، أمره بالتوحيد والصلاة والزكاة وصوم رمضان (٢) .

  16. وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول الصيام، مع أنه قد ذكر ابن عبد البر (٣) أن (٤) قدوم وفد عبد القيس كان سنة تسع. وأظنه وهمًا، ولعله سنة سبع؛ لأنهم قالوا: إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر. وهذا إنما يكون قبل فتح مكة.

  17. وأما ذكر الحج في حديث ضِمام بن ثعلبة في بعض طرقه (٥) ، فقد (٦) تقدم اختلاف الناس في وفود ضِمام (٧) ، وبينا أن الصواب أنه إنما وفد سنة تسع، فيكون الحج إنما فُرض سنة تسع، وهذا يطابق نزول الآية في تلك السنة. وهذا شبيه بالحق فإن سنة ثمان وما قبلها كانت (٨) مكة في أيدي الكفار، وقد غيَّروا شرائع الحج، وبدَّلوا دين إبراهيم عليه السلام، ولا يُمكِن مسلمًا أن يفعل الحج إلا على الوجه الذي يفعلونه، فكيف يَفرِض الله على

    vol. 5, p. 117عباده المسلمين ما لا يمكن فعله؟ وإنما كانت الشرائع تنزل شيئًا فشيئًا، فكلَّما (١) قَدَروا على أمرٍ (٢) وتيسَّر عليهم أُمِروا به.

  18. الوجه الثالث: أن الناس قد اختلفوا في وجوبه، والأصل عدم وجوبه في الزمان الذي اختلفوا فيه حتى يجتمعوا عليه، لا سيما والذين ذكروا وجوبه إنما تأولوا عليه آية من القرآن أكثر الناس يخالفونهم في تأويلها، وليس هنا نقل صحيح عن من يُوثَق به أنه وجب (٣) سنة خمس أو سنة ست.

  19. الجواب الثالث: أنه وإن كان فُرِض متقدمًا لكن كانت هناك عوائق تمنع من فعله، بل من صحته بالكلية، سواء كان واجبًا أو غير واجب، أظهرُها منعًا: أن الحج قبل حجة الوداع كان يقع في غير حينِه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يُنْسِئون النسيء الذي ذكره الله تعالى في القرآن حيث يقول: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: ٣٧] . فكان حجهم قبل حجة الوداع في تلك السنين يقع في غير ذي الحجة.

  20. روى أحمد (٤) بإسناده عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ

    vol. 5, p. 118فِي الْكُفْرِ} قال: حجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر (١) عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخِرَ من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنة، ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - من قابلٍ في ذي الحجة، ولذلك (٢) حين يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ» (٣) .

  21. وروى (٤) عبد الرزاق (٥) عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمُّون (٦) الأشهر ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، فيسمون ــ أحسبه قال: ــ المحرم صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رجب، ويسمون رمضان شعبان، وشوالًا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالًا (٧) ، ثم يسمون ذا الحجة ذا

    vol. 5, p. 119القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم عادوا لمثل هذه القصة، قال: فكانوا يحجون (١) في كل شهرٍ عامين حتى وافق حجةُ أبي بكر الآخِرَ من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجته التي حج، فوافق ذلك ذا الحجة، فلذلك يقول النبي (٢) - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» .

  22. وكذلك في رواية أخرى عن مجاهد (٣) قال: هذا في شأن (٤) النسيء؛ لأنه كان ينقص من السنة شهرًا.

  23. وروى سفيان عن عمرو عن طاوس (٥) قال: الشهر الذي نزع الله من الشيطان المحرم.

  24. وروى أبو يعلى الموصلي (٦) عن إبراهيم في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} قال: النسيء المحرم.

  25. وروى أحمد (٧) عن أبي وائل في قوله عز وجل: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} الآية، قال: كان

    vol. 5, p. 120رجل ينسأ النسيء من كنانة، وكان يجعل المحرم صفر (١) يستحلّ فيه الغنائم، فنزلت: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} .

  26. وهذا مما أجمع عليه أهل العلم بالأخبار [ق ١٦٠] والتفسير والحديث، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} الآية [التوبة: ٣٦] و (٢) التي بعدها.

  27. وعن أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب في حجته فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم، ثلاثة (٣) متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجبُ مضر الذي بين جمادى وشعبان» وذكر الحديث. متفق عليه (٤) .

  28. وإذا كان الحج قبل حجة الوداع في تلك السنين باطلًا واقعًا في غير ميقاته، امتنع أن يؤدَّى فرضُ الله سبحانه قبل تلك السنة، وعُلِم أن حجة عتّاب بن أسِيد وحجة أبي بكر إنما كانتا إقامةً للموسم الذي يجتمع فيه وفود العرب والناس (٥) ؛ لتُنبذ العهود، ويُنفى المشركون، ويُمنعون من الطواف عراةً؛ تأسيسًا وتوطئةً للحجة التي أكمل الله بها الدين، وأتمَّ بها النعمة، وأُدِّي بها فرضُ الله، وأقيمت فيها مناسك إبراهيم عليه السلام.

  29. ولا يجوز أن يقال: فقد كان يُمكِن المسلمَ أن يحج في غير وقت حج المشركين، أما قبل الفتح فلو فعل ذلك أحد لأُرِيق دمه، ولمُنِع من ذلك وصُدَّ، وكذلك بعد الفتح؛ لأن القوم حديثو عهدٍ بجاهلية، وفي استعطافهم تأليفُ قلوبهم، وتبليغ الرسالة في الموسم ما فيه.

    vol. 5, p. 121
  30. والذي يبيِّن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اعتمر عمرة الحديبية، ثم عمرة القضية من العام المقبل، ثم عمرة الجعرانة من العام الذي يليه، ومعه خلق (١) من المسلمين، فقد كان يمكنه أن يحج بدل العمرة، فإنه أكمل وأفضل أن (٢) يجعل بدل هذه (٣) العمرة حجة، أو يأمر أحدًا من أصحابه بذلك، ولو أنها حجة مستحبة كما أن العمرة مستحبة، فلمّا لم يفعل عُلِم تعذُّر الحج الذي أذن الله لاختصاصه بوقت دون العمرة.

  31. وقد ذكروا (٤) أيضًا من جملة أعذاره اختلاط المسلمين بالمشركين، وطوافهم بالبيت عُراةً (٥) ، واستلامهم الأوثان في حجهم، وإهلالهم بالشرك حيث يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك (٦) ، وإفاضتهم من عرفات قبل غروب الشمس، ومن جَمْعٍ بعد طلوعها، ووقوف الحُمْس عشية عرفة بمزدلفة، إلى غير ذلك من المنكرات التي لا يمكن الحج

    vol. 5, p. 122معها، ولم يمكن تغييرها بعد الفتح إلا في سنة أبي بكر، [ثُمَّ] (١) حج من العام المقبل لما زالت.

  32. ومن الأعذار أيضًا اشتغاله بأمر الجهاد، وغلبة الكفَّار على أكثر الأرض، والحاجة، والخوف على نفسه وعلى المدينة من الكفّار والمنافقين، وأن الله أعلمه أنه لا بدَّ أن يحج قبل الموت. وفي بعض هذه الأمور نظر، وإن صحت فهي عذر في خصوصه، ليست عذرًا لجميع المسلمين.

  33. وأما قولهم: وجوب الحج مطلق (٢) ، قلنا: الأمر المطلق عندنا يوجب فعل المأمور به على الفور، وإن (٣) لم يكن الأمر المطلق يقتضي ذلك، فقد بيّنا من جهة السنة وغيرها ما يقتضي وجوب المبادرة إلى فعل الحج، فيكون الأمر به مقيَّدًا.

  34. وأيضًا فإن تأخير الحج تفويت؛ لأنه لا يتمكن من فعله إلا في وقت واحد، فيصير كالعبادة الموقتة من بعض الوجوه، وإنما لم يكن فعله (٤) بعد ذلك قضاء؛ لأن القضاء هو فعل العبادة بعد خروج وقتها المحدود شرعًا حدًّا يعمّ المكلَّفين، والحج ليس كذلك. وكونه قضاءً أو أداءً لا يفيد (٥) وجوب التقديم ولا جواز التأخير؛ بدليل أن النائم والناسي والحائض والمسافر يأتون بالعبادة بعد خروج الوقت العام المحدود، فيكون قضاء مع

    vol. 5, p. 123جواز التأخير أو وجوبه. والمزكِّي يجب عليه أداء الزكاة عقيب الحول، ولو أخّرها لم تكن قضاءً. وكذلك القاضي شهرَ رمضان لو أخّره إلى عامٍ ثانٍ أو أخّر قضاء الحج إلى عام ثانٍ لم يُقَل له: قضاء القضاء. وكذلك من غلب على ظنه تضايقُ الصلاة أو الحج في وقته فأخّره وأخلف ظنُّه أثِمَ بذلك، ولا يكون ما يفعله قضاء. وكذلك لو صرّح بوجوب الفعل على الفور أو أقام عليه دليلًا (١) وأخّره إلى الوقت الثاني لم يكن قضاء، فالحج من هذا الباب.

  35. فصل

    الميت يحج عنه وليُّه، وكذلك المعضوب كما في الحديث، فإن حج غير الولي ... (٢) .

  36. فإن حج عن الميت أجنبي بدون إذن الوارث ففيه وجهان: أحدهما: يصح، اختاره ابن عقيل. والثاني: لا يصح، قاله أبو الخطاب في «خلافه» (٣) .

    فأما الحي فلا يجوز أن يُحَجّ عنه (٤) الفرضُ إلا بإذنه، وكذلك لا يُحَجّ عنه النفلُ بدون إذنه، لكن إن حج وأهدى له ثوابه ... (٥) .

  37. فأما الميت فيُفْعل عنه الفرض بدون إذنه (٦) . وأما النفل إذا فعله عنه وارث أو أجنبي [ق ١٦١] فهل يقع الحج عن المحجوج عنه، بحيث يكون

    vol. 5, p. 124الإحرام عنه، أو يكون الحج عن الحاج ويكون الثواب للميت؟ ففيه (١) وجهان:

    أحدهما: لا ينعقد عن الميت حج غير واجب إلا بإذنه، قاله القاضي وابن عقيل في موضع.

  38. والثاني: يقع عن المحجوج عنه، قاله القاضي في موضع آخر وابن عقيل.

    فعلى هذا إذا خالف النائب ما أُمِر به، وكان عن حي، لم يقع عنه بل يقع عن نفسه، وإن كان عن ميت ... (٢) .

  39. فصل

    وإذا مات وعليه دَينٌ لآدمي، ودينٌ لله تعالى مثل الزكاة والحج، تحاصَّا في إحدى الروايتين. وقال في رواية ابن القاسم (٣) : إذا مات وعليه دين وزكاة تحاصَّ الغرماء من الزكاة نصفين. وهذا اختيار أكثر أصحابنا.

  40. والثانية: يقدَّم دين الآدمي، قال عبد الله في المناسك (٤) ــ نقلتُه من خط ابن بطة (٥) ــ: سألت أبي عن رجل مات، وترك ألفي درهم، وعليه دَيْن ألف

    vol. 5, p. 125درهم، ولم يحج (١) ، وعليه زكاة فرَّط فيها، قال: يُبدأ بالدين فيُقْضى، والحج والزكاة فيهما اختلاف، من الناس من يقول: إن لم يُوصِ فهو ميراث، وإن أوصى فهو من ثلثه، ونحن نقول: يُحَجّ عنه ويُزكَّى من جميع المال، وما بقي فهو ميراث.