مسألة: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بالحج مفردا، ثم القران)

287 paragraphs · vol. 5, p. 282

Page 4 of 8

  1. وقد تقدم قول عمر: [ق ٢٠٥] «إن الله يُحِلّ لرسوله ما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتِمُّوا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله» ، وقول عثمان لعليٍّ لما احتج عليه بفعل المتعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «كنّا خائفين» .

    vol. 5, p. 328
  2. وعن عثمان أيضًا أنه (١) سئل عن متعة الحج فقال: كانت لنا وليست لكم. رواه سعيد (٢) .

  3. وأيضًا فإنه قد ثبت عن (٣) عمر، وعثمان، ومعاوية، وابن الزبير، وغيرهم من الصحابة النهيُ عن المتعة وكراهتهم لها، كما تقدَّم بعضه.

  4. وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نهى عن متعة الحج ومتعة النساء.

  5. وعن أبي قِلابة قال: قال عمر - رضي الله عنه -: متعتانِ كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهى عنهما وأُعاقِب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. رواهما سعيد (٤) .

  6. ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحج لا يُكْره (١) بالاتفاق، فيجب أن يُحمل نهيهم على متعة الفسخ، والرخصة على المتعة المبتدأة؛ توفيقًا بين أقاويلهم، ولولا علمهم بأن ذلك خاص للرَّكْب الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُقدِموا على تغيير حكم الشريعة، ولم يطاوِعْهم المسلمون على ذلك، ولا يجوز لمسلم أن يظن بهم ذلك.

    vol. 5, p. 329
  7. وإن كانوا قد نهوا عن جميع أنواع المتعة نهيَ تنزيهٍ، أو نهيَ اختيارٍ للأَولى، فيعلم أنهم اعتقدوا أن الإفراد أفضل؛ ولهذا إنما كانت المنازعة في جواز التمتع لا في (٢) فضله، ويجعلونها رخصةً للبعيد عن مكة.

  8. وأيضًا فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون التمتع بالعمرة إلى الحج من أفجر الفجور، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج إلى العمرة؛ ليبيِّن جواز العمرة في أشهر الحج، وقد حصل معرفة ذلك وعُلِم، فلا حاجة إلى الخروج عن عقد لازم، أو أنه أذنَ لهم في الفسخ لأنه لم يكن يعلم أولًا جواز العمرة قبل الحج.

  9. والذي يبيِّن أن الإفراد أفضل من متعتي القران والعمرة المبتدأة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج، بدليل ما روى القاسم عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج. رواه الجماعة إلا البخاري، وقد تقدم عنها في المتفق عليه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحج وأهلَّ به ناس معه، وأن ناسًا أهلُّوا بعمرة (٣) ، وناسًا أهلُّوا بالحج والعمرة.

  10. وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج مفردًا، وفي لفظ: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحج مفردًا» . رواهما مسلم (١) .

    vol. 5, p. 330
  11. وعن زيد بن أسلم قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن حج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أفْرَدَ الحج، فلما كان العام (٢) المقبل أتاه فسأله عنه (٣) ، فقال: أليس قد أعلمتُك عامَ أولَ أنه أفرد الحج؟ قال: أتانا أنس بن مالك، فأخبرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرنَ، فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يتولَّج على النساء وهنّ منكشفاتٌ لا يستترنَ لصغره، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَسيل عليَّ لعابُها. رواه ... (٤) .

    وعن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ... (٥) .

  12. وتقدم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحج، فقدِمَ لأربعٍ مضينَ من ذي الحجة، فصلّى الصبح، وقال لما صلّى الصبح: «من شاء أن يجعلها

    vol. 5, p. 331عمرة فليجعلها عمرة». رواه مسلم (١) .

  13. وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج. رواه ابن ماجه (٢) . وفي حديثه المتفق عليه (٣) : «أهلَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج» . وجابر من أحسن الناس سياقًا لحجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يقول (٤) : «لسنا نَنْوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة» . وإذا ثبت أنه أهلَّ بالحج، فيجب أن تُحمل رواية من روى أنه تمتَّع: على أنه أمر به أصحابه لما أمرهم بالفسخ وهو لم يفسخ، وما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أفضل مما فعله غيره، لا سيما فيما لا (٥) يتكرر منه؛ فما كان الله ليؤثِرَ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - إلا بأفضل السبل والشرائع.

  14. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً» إنما قال ذلك لما رآهم قد كرهوا المتعة، فأحبَّ موافقتهم، وإن كان ما معه أفضل. وقد يُؤثِرُ المفضولَ إذا كان فيه اتفاق القلوب، كما

    vol. 5, p. 332قال: «لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية لنقضتُ الكعبة» الحديث (١) . فترك ما كان يحبُّه تسكينًا للقلوب، وقد كان يَدَع العمل وهو يحبُّ أن يعمل به (٢) ، خشيةَ أن يعمل به الناس فيُفْرَض عليهم فِعْلُهم (٣) .

    ويبيِّن ذلك ما روى ... (٤) .

  15. ويقرِّر ذلك أن الخلفاء الراشدين بعده أفردوا الحج، وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا إلى ما عمل (٥) به الخلفاء الراشدون؛ فروى أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدِمَ أنه توضأ، ثم طاف (٦) بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججتُ مع أبي الزبير (٧) بن العوام، [ق ٢٠٦] فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة (٨) ، ثم آخر من رأيتُ فَعَلَ ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة،

    vol. 5, p. 333وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حتى يضعوا (١) أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلّون، وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمانِ لا تبتدئان بشيء أولَ من البيت تطوفان به، ثم لا تحلّان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلَّت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلُّوا. رواه البخاري (٢) .

  16. وأيضًا فإن المتعة تفتقر إلى دم، فإن كان دمَ جُبرانٍ فالنسك التامّ الذي (٣) لا يفتقر إلى جَبْرٍ أفضلُ مما يُجْبر، بدليل حجتين (٤) أو عمرتين قد جُبِر إحداهما بدم، وتمَّ الآخر بنفسه. وإن كان دمَ نسكٍ فمعلوم أنه إنما وجب لِمَا سقط عن المتمتع من أحد السفرين وهو نسك، وإذا دار الأمر بين نسك الفعل ونسك الذبح، كان نسك الفعل أفضل، فإن فيه عبادة بدنية ومالية؛ ولهذا عامة الدماء لا تُشْرَع إلا عند عَوَزِ الأعمال.

  17. وأيضًا فإن المفرِد يأتي بالإحرام تامًّا كاملًا من حين يُهِلُّ من الميقات ثم يأتي بالعمرة كاملة، فيفعل كل (٥) ما يفعله المتمتع وزيادة، ويستوعب الزمان بالإحرام.

  18. وأيضًا فإن المتعة في الأصل رخصة، والعزائم أفضل من الرُّخَص.

  19. قلنا (٦) : أما قولهم: فسخُ الحج كان مختصًّا بهم، والتمتع إنما كان

  20. بالفسخ، فعنه أجوبة:
  21. أحدها: أن الفسخ حكم ثابت في حق جميع الأمة كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فمتعتُه كذلك. ولهذا مذهبُ أحمد وأصحابه أن المستحبّ لمن أحرم بحج مفرد، أو بعمرة وحج، أو أحرم (١) إحرامًا مطلقًا، أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان= أن يفسخوا الحج إلى العمرة ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج امتثالًا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاعةً له، وإن كان بعض العلماء لا يجيزه (٢) فليس لأحدٍ مع السنة كلام، ولا يُشرَع الاحتراز من اختلافٍ يفضي إلى ترك ما نَدَبتْ إليه السنة؛ كما استحببنا التطيُّب قبل الإحرام وبعد الإحلال الأول اتباعًا للسنة، وفي جوازه من الخلاف ما قد عُلِم، وكما استحببنا (٣) التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة، وفي كراهته من الخلاف ما قد عُلِم، ونظائره كثيرة.

  22. الثاني: أن أمرهم بالمتعة تضمَّن شيئين:

    أحدهما: جواز الفسخ.

  23. والثاني: استحباب التمتع واختياره.

  24. فإذا بطل أحدهما لم يبطُل الآخر، وهذا لأنه لو لم تكن المتعة أفضل من غيرها لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختار لأصحابه ما غيره أفضل منه، وحضَّهم على ذلك، والتزم لأجله فسخَ الحج، وبيَّن أنه إنما منعه من التحلل معهم سَوْقُ هدْيِه، ولا يجوز أن يُعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يختار لهم ما غيره أفضل منه.

  25. الثالث: أن في حديث عائشة المتفق عليه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أحبَّ أن يهلّ بعمرة فليهلّ، ومن أحبَّ أن يهلّ بحج فليهلّ، فلولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرة» (١) . وهذا نصٌّ في أن الإهلال بالعمرة لغير المُهدِي أفضل، وقال أيضًا ... (٢) .

    vol. 5, p. 335
  26. الرابع: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في آخر الأمر بمكة: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتها عمرة» ، وفي لفظ: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأحللتُ» (٣) . فبيَّن أنه - صلى الله عليه وسلم - لو كان ذلك الوقت مستقبلًا للإحرام الذي استدبره لأحرم بعمرة إذا لم يكن معه هدي، وهو لا يتأسف إلا (٤) على فوات الأفضل. فعُلِم أن من لم يَسُقِ الهدي فإن الأفضل له العمرة.

  27. وأما قولهم: إنما تأسَّف على الموافقة.

  28. قلنا: في الحديث ما يردُّ هذا، فإنه قال (٥) فرأى أن الفضل في الإحلال. هكذا في حديث جابر (٦) ، ثم ذلك في سَوْق الهدي، أي: لو استقبلتُ من أمري ما سقتُ الهدي موافقةً لكم، وإن كان سَوْق الهدي أفضل، لكن إذا لم يسق الهدي فقد بيَّن أنه يحلُّ من إحرامه ويجعلها عمرة، مع أنه لا ضرورة

    vol. 5, p. 336إلى هذا، فلو كان هذا مفضولًا مع ترك سَوْق الهدي لكان قد اختار لنفسه ولأصحابه ما غيره أفضل منه، وذلك غير جائز.

  29. والدليل على أن فسخ الحج إلى العمرة جائز، وأنه هو الأفضل من المقام على الحج لمن يريد أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة= هذه الأحاديث الصِّحاح الصِّراح (١) التي ذكرناها، مع ما احتج به ابن عباس من ظاهر القرآن.

    قال أحمد في رواية عبد الله (٢) : كان ابن عباس يختار المتعة من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه بالإحلال، وقال: ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: قلت له: من أين كان (٣) ابن عباس أخذ أنه من (٤) طاف بالبيت فقد (٥) حلَّ؟ قال: من قول الله عز وجل: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٣٣] ، ومن أَمْرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يحلُّوا في حجة [ق ٢٠٧] الوداع.

  30. فكأن ابن عباس رأى أن الشعائر اسم يجمع مواضع النسك، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، وقال: {الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٨] ، ويعمُّ الأفعال التي يفعلها الناسك، ويعمُّ الهدايا التي تُهدى إلى البيت. وبيَّن أن محلّ ... (٦) .

  31. وأما قوله: إن الفسخ لا يجوز إلا لذلك الوفد (١) خاصةً، فغير صحيح لوجوه:

    أحدها: أن ما ثبت في حق الواحد من الأحكام ثبت في حق جميع الأمة، وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام، وحيث ما خصّ الواحد بحكم، فلا بدّ أن يكون اختصاصه بذلك الحكم لعلةٍ اختصّ بها، لو وُجِدت في غيره لكان حكمه حكمه، ولا بدّ من دليل على التخصيص، كما قال لأبي بُردة بن نِيَار في الأضحية: «تَجزِيك ولا تَجزِيْ عن أحدٍ بعدك» (٢) ؛ لأنه كان قد (٣) ذبح قبل أن يسنّ وقت الأضحية، وكما خصّ سالمًا مولى أبي حذيفة بأن يرتضع (٤) كبيرًا؛ لأنه قد تُبنِّي قبل أن يحرِّم الله (٥) سبحانه أن يُدعى الرجل لغير أبيه (٦) .

    vol. 5, p. 337
  32. ثم إن التخصيص يكون لواحدٍ، وهنا أمرَ جميعَ من حجَّ معه بالتحلل، وقد أمر مَن بعدهم بالاقتداء بهم، فلو كانوا مخصوصين بذلك لوجب بيانه

    vol. 5, p. 338وإظهار ذلك وإشاعته، وإلا فلو ساغ دعوى مثل هذا لساغ أن يُدَّعى اختصاصُهم بكثير من الأحكام، وحينئذٍ ينقطع اتباع غيرهم له (١) وإلحاقهم به، وفي هذا تعطيل للشريعة، وما ذكروه من مستند التخصيص سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى (٢) .

  33. الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن بيانًا شافيًا أن هذه العمرة المتمتَّع (٣) بها التي فسخَ الحجَّ إليها حكمٌ مؤبَّد إلى يوم القيامة؛ لِمَا أطلعه الله تعالى عليه أن سيكون قوم يدَّعون أن هذا (٤) كان مخصوصًا بهم.

  34. ففي صحيح مسلم (٥) من حديث جابر: «حتى إذا كان آخر طوافٍ على المروة، قال: «لو أني (٦) استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي وجعلتُها (٧) عمرة، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحلّ وليجعلها عمرة». فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله (٨) - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج» مرتين، «لا بل لأبدِ أبدٍ» .

  35. وفي رواية للبخاري (١) : «أن سُراقة بن مالك بن جُعْشم لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «لا (٢) ، بل للأبد».

    vol. 5, p. 339
  36. وفي حديث ابن عباس: فأمرهم فجعلوها عمرة، ثم قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما فعلوا، لكن دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة» . ثم أنشبَ (٣) أصابعَه بعضَها في بعضٍ (٤) .

  37. فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك الذي فعلوه ليس لهم خاصة، وإنما هو للأبد. ولا يجوز أن يقال: إنما أشار إلى العمرة قبل الحج، وهو التمتع، فبيَّن أن التمتع جائز إلى يوم القيامة، ولم يقصد الفسخ؛ لما روى ابن بطَّة في مسألةٍ أفردها في الفسخ (٥) عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن سراقة بن مالك (٦) بن جُعشم سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أرأيتَ ما أمرتَنا به من

    vol. 5, p. 340المتعة وإحلالنا من حجّنا (١) ، لنا خاصةً أو هو شيء للأبد؟ فقال: «بل هو للأبد» . وفي لفظ آخر: قال: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصةً أم للأبد؟ قال: «بل للأبد» .

  38. وهذا نصٌّ في أن المراد فسخ الحج إلى عمرة التمتع، وأن حكم ذلك باقٍ إلى الأبد.

  39. وروى أيضًا (٢) عن طاوس قال: عليٌّ هو الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَفْسَخُ لمدتنا هذه، أم للأبد (٣) ؟ قال: «للأبد» .

  40. وعن طاوس قال له رجل: من سَنَتِنا هذه؟ قال: «لا، بل لأبدٍ» (٤) .