مسألة: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بالحج مفردا، ثم القران)

287 paragraphs · vol. 5, p. 282

Page 5 of 8

  1. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى الذي فعلوه، والذي فعلوه أنهم قَدِمُوا ينْوُون الحج لا يعرفون العمرة، فقال لهم: «إذا طُفتم بالبيت وبين الصفا والمروة

    vol. 5, p. 341فحلُّوا من إحرامكم، واجعلوها عمرةً (١) إلا من ساق الهدي». وسياق حديث جابر واضح في ذلك، والتمتُّع المحْض لم يجرِ له ذكرٌ ولا فعلَه عامَّتُهم، وإن كان قد فعله قليلٌ منهم، وقد قال له (٢) سُراقةُ بن جُعشم: أرأيتَ عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «للأبد» (٣) .

    vol. 5, p. 340
  2. وقوله: «عمرتنا هذه» صريح في العمرة التي تحلَّلوا بها من حجهم.

  3. وأيضًا فإنه لو كان هذا هو المقصود لبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولم يطلق الجواب إطلاقًا، بل قال: أما المتعة فجائزة، وأما الفسخ فخاص لنا؛ لأن السؤال وقع عما فعلوه، فلو كان مشتملًا على ما هو لذلك العام وللأبد لوجب تفصيل الجواب.

  4. وأيضًا فقوله: «دخلتِ العمرةُ في الحج» مرّتين نصٌّ في أن الحج تدخل فيه العمرة إلى يوم القيامة، وهو يعمُّ الاعتمارَ قبل الحج، سواء كان نوى العمرة أولًا، أو نوى الحج ثمَّ (٤) حلَّ (٥) من إحرامه. ولا يجوز أن يقصد به القسم الأول فقط؛ لأن سبب الحديث هو القسم الثاني، وسبب اللفظ العام

    vol. 5, p. 342لا بدَّ أن يكون داخلًا فيه لا يجوز إخراجه منه، وظاهره أن كل حج يجوز أن يدخل فيه عمرة، سواء كان قد أحرم بها ابتداء، أو حلَّ من الحج بعمرة ثم أهلَّ بالحج. وليس المراد بذلك جواز فعل العمرة في أشهر الحج، سواء حج أو لم يحج؛ لأن قوله [ق ٢٠٨] في الحج حقيقةٌ (١) في الفعل، ولاسيَّما وقد شبَّك - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه، واليدان كل واحدة منهما (٢) من جنس الأخرى، فلا بدَّ أن يكون (٣) الداخل من جنس المدخول فيه.

  5. وأيضًا فقد قال سُراقة بن جُعشم هذا وهو بعُسْفان: اقْضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم، فقال: «إن الله قد أدخلَ عليكم في حجِّكم عمرةً، فإذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ، إلا من كان معه الهدي» (٤) . فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك الحج الذي حجُّوه قد أدخل الله تعالى عليهم فيه عمرة، وإنما ذلك بأن يحلّوا من الحج ويجعلوها عمرة، ثم بيَّن أن إدخال العمرة في الحج إلى يوم القيامة. فهذا نص قاطع لا خفاء به أن كل حاجٍّ له أن يُدخِل في حجه عمرة، سواء كان أحرم بها (٥) من الميقات أو أحرم أولًا بالحج.

  6. وأيضًا فإن كل من أمَّ هذا البيت يريد الوقوف بعرفة فهو حاجٌّ من حين يُحرِم من الميقات وإن أحرم أولًا بالعمرة، فإذا اعتمر في هذا الحج فقد أدخل في حجته عمرة، فلا مَعدلَ عن هذا الأمر الواضح البين.

  7. وأيضًا فإنه إذا اعتمر في أشهر الحج وحج، فقد أدخل العمرة في الحج، وإن لم يحج في (١) ذلك العام فلم يدخلها.

    وأيضًا فلو كان معناه جواز العمرة في أشهر الحج لكان هذا قد علموه قبل ذلك، حيث اعتمر في ذي القعدة ثلاث عُمَر (٢) . وأيضًا ... (٣) .

    vol. 5, p. 343
  8. الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أن فسخ الحج إلى العمرة ليس هو شيئًا خارجًا عن القياس، وتغيَّظ على من توقَّف فيه، وقد اعترضوا عليه بمثل ما يعترض به بعض (٤) أهل زماننا، فالاعتراض عليه نَفْثةٌ من الشيطان في نفوس الناس.

    قال جابر - رضي الله عنه -: فقال لهم: «أحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت (٥) وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمتم بها متعةً»، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقتُ الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا (٦) .

  9. وفي رواية مسلم (٧) : فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ أمرنا

    vol. 5, p. 344أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تَقْطُر مذاكيرُنا المنيَّ. قال جابر: فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فينا فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقُكم وأبرُّكم، ولولا هَدْيي (١) لأحللتُ كما تحلُّون، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، فحِلُّوا». فحللنا، وسمعنا وأطعنا.

  10. وهذا كله يدلُّ على أن ذلك أمر حسن مباح في نفسه، وأنَّ توقُّفَ من توقَّف فيه خطأ عظيم؛ ولذلك تغيَّظ عليه كما تغيَّظ (٢) على من توقَّف عن الإحلال في عمرة الحديبية (٣) ، وكما تغيَّظ على من تحرَّج عن القُبلة للصائم وقال: يُحِلُّ الله لرسوله ما شاء (٤) ، وكما تغيَّظ على من كره أن يصبح صائمًا وهو جُنُب (٥) ، وكما ترخَّصَ (٦) في أشياء، فبلغه أن ناسًا (٧) تحرَّجوا من ذلك، وفي كل ذلك يقول: «إني أخشاكم لله وأعلمُكم بما أتَّقِي» (٨) . فتبيَّن

    vol. 5, p. 345بذلك أن هذا ليس مما يُتَّقَى ويُجتنب، ولم أفعله لخصوصٍ فيَّ. فلو كان البقاء على الإحرام هو الواجب في الأصل، وإنما وقعت الرخصة خاصة في وقت خاص= لم يتغيَّظ مثل هذا التغيُّظ.

  11. الوجه الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الحجة: «لتأخذوا عنّي مناسككم» . رواه مسلم (١) من حديث جابر. ومعلوم أنهم إنما يأخذونها ليقتدوا به فيها، ويهتدوا بهديه، ويستنُّوا بسنته، فلو كانت تلك الحجة خارجة عن القياس، ومختصة بأولئك الرَّكْب، لم يجزْ أن يقال: «خذوا عني مناسككم» بل خذوا مناسككم (٢) إلا في التحلل أو نحو ذلك.

  12. الوجه الخامس: أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفْتَوا بالفسخ بعده، ولو كان مختصًّا بذلك الركْب لم يخفَ ذلك عليهم، وقد تقدم ذكر ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عباس.

  13. الوجه السادس: أنه لا موجبَ لاختصاصهم بها؛ وذلك لأنه (٣) إن كان المقصود بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، فقد بيَّن هذا باعتماره في ذي القعدة هو وأصحابه عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، فهو لم يعتمر قطُّ إلا في أشهر الحج. وإن كان المقصود بيان العمرة قبل الحج

    vol. 5, p. 346في أشهُره فهذا قد (١) حصل بقوله عند الميقات، وبفعْلِ بعض أصحابه وهم الذين أحرموا من الميقات بعمرة مثل عائشة، ونحوها، فإنه قد قال لهم عند الميقات: «من شاء أن يهلَّ بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهلّ بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهلّ بعمرة وحجة فليفعل» (٢) . فأي بيانٍ لجواز العمرة قبل الحج أبينُ من هذا، وقد أحرم كثير منهم بالعمرة قبل الحج بإذنه؟

  14. وأيضًا فإنه - صلى الله عليه وسلم - إمّا أن يكون قد عزم على أمرهم بالتمتع قبل الإحرام، أو في أثناء الطريق، فإن كان قد عزم عليه أولًا فلأيِّ شيء لم (٣) يأمرهم أن [ق ٢٠٩] يُحرِموا كلهم بالعمرة، ويترك هو سَوْقَ الهدي كما قد أسِفَ عليه، ويُرِيحهم من مؤونة الفسخ الذي هو على خلاف ظاهر القرآن على زعم من يقول ذلك؟ وإن كان عزم عليه في أثناء الإحرام (٤) فلا بدَّ أن يكون قد بدا له ما لم يكن قد بدا له قبل ذلك، وهو لم يبدُ (٥) له بيانُ جوازِ الاعتمار قبل ذلك، فإنه قد بيّن ذلك قبل هذا، فعُلِم أن الذي بدا له: جوازُ الإحلال من هذا الإحرام بعمرة، وأن يكونوا كلهم متمتعين، وأن الفضل في ذلك.

    قال طاوس: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظر القضاء في حجته، فلما قَدِمَ طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، فنزل عليه القضاء، فأمر من لم يكن معه

    vol. 5, p. 347هديٌ أن يحلّ، قال: فدخلت العمرة في الحج (١) . وفي لفظ: «أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظر أمر ربه، فلما كان بمكة أمر بالأمر» . رواه سعيد (٢) . ومعناه أنه ينتظر هل يُتِمُّون ما أحرموا به أو يغيِّرونه؛ لأنه قد صح بالروايات المستفيضة أنهم أحرموا إما بعمرة، أو بحج، أو بعمرة وحج.

  15. وأيضًا فلو كان المقصود بيان جواز العمرة في أشهر الحج لبيَّن ذلك بالكلام، كما بيَّن لهم كثيرًا من الأحكام.

  16. الوجه السابع: لو كان الفسخ خارجًا عن مقتضى الكتاب وهو مختص بهم لم يفرق الحال بين من ساق الهدي ومن لم يسُقْه، حتى ينشأ من ذلك تردُّدُهم وتأسُّفُه على سَوْق الهدي، وموافقتهم. وقد بيَّن أن سائق الهدي لا يجوز له الفسخ؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: ١٩٦] . فهلّا أمر الجميع بالإتمام امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] أيضًا، أو جوَّز تخصيصَ ذلك الركْب من حكم هاتين الآيتين لقصد بيان جواز العمرة قبل الحج في أشهره؟ فإن دلالة الآيتين على الحكم عند من يخالف في ذلك سواء. فلما أمر بالفسخ من لم يَسُقِ الهدي دون من ساق (٣) ، وبيَّن أن السَّوق يمنع الفسخ، عُلِم قطعًا أن الفسخ في نفسه أمر جائز مستحب، وأن لا مانع منه غير سَوْق الهدي. وهذا واضح لمن أنصف.

  17. الوجه الثامن: أن الله تعالى أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام الحج والعمرة لله قبل حجة الوداع بأربع سنين، فلا يخلو إما أن يكون الفسخ تركًا لإتمام الحج لله، فلا يكون أولئك الصحابة مخاطَبين بهذه الآية، ولا داخلين في حكمها، وهم المواجَهُون بالخطاب، المقصودون به قبل الناس كلهم، ثم كيف يجوز لمسلم أن يعتقد أنهم لم يُتِمِّوا الحج لله؟! وإن لم يكن الفاسخ تاركًا لإتمام الحج لله، بل هو متمٌّ له كما أمر الله تعالى به (١) ، فلا فرق في هذا بين ناس وناس.

    vol. 5, p. 348
  18. الوجه التاسع: أن الله تعالى قد أرخص لهم في المتعة بقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٦] . وقد نزل ذلك في سنة ست، وقد أحرم منهم نفرٌ بالعمرة كما في حديث جابر وعائشة، فكيف يقال: إن المسلمين كانوا لا يرون الاعتمار في أشهر الحج؟ نعم كان المشركون يرون ذلك، والمسلمون قد بيَّن الله تعالى لهم في كتابه وعلى لسان نبيه قبل حجة الوداع جوازَ الاعتمار في أشهر الحج، سواء حج في ذلك العام أو لم يحج، وقد فعلوا ذلك. فعُلِم أن توقُّفهم وتردُّدهم إنما كان في فسخ الحج إلى العمرة والإحلال من الإحرام لفضل التمتع لا لبيان جوازه.

    العاشر: أن ... (٢) .

  19. وأما قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، فإن المتمتع مُتِمٌّ للحج والعمرة، سواء كان قد أهلَّ أولًا بالحج أو بالعمرة؛ وذلك لأنه إذا أهلَّ بالحج أولًا،

    vol. 5, p. 349فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع (١) بها إلى الحج، وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيصير (٢) مُدخِلًا للعمرة في حجه، وفاعلًا للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل (٣) فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك.

  20. وأما حديث الحارث بن بلال عن إسماعيل (٤) ، قال عبد الله (٥) : قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به (٦) ولا نعرف هذا الرجل، ولم يروِه إلا الدراوردي.

    وقال أيضًا (٧) : حديث بلال عندي ليس يثبت؛ لأن الأحاديث التي تُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجعلوا حجكم عمرة، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» ، فحلّ الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    وقال أيضًا: هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، وإنما (٨) يروى عن أبي ذر: إنما كانت المتعة لنا خاصةً، يعني متعة الحج.

    وقال أيضًا في رواية الفضل وابن هانئ (٩) : مَن الحارثُ بن بلال؟ ومن

    vol. 5, p. 350روى عنه؟ أبوه من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأما هو فلا (١) .

    وقال في رواية الميموني (٢) : أرأيتَ لو عُرِف الحارث بن بلال (٣) ، إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - [يروون ما يروون من الفسخ] ، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟

    وقال (٤) في رواية أبي داود (٥) : ليس يصح حديثٌ في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر وصدْرٍ (٦) من خلافة عمر.

  21. فقد ضعَّف أحمد هذا الحديث لجهل الراوي، وأنه لا يعرف الحارث [ق ٢١٠] بن بلال، لا سيما وقد انفرد به الدراوردي عن ربيعة، ولم يَرْوِهِ عنه مثل مالك ونحوه. وتخصيصهم بهذا الحديث تركٌ للعمل بتلك الأحاديث المستفيضة، وهو مثل النسخ لها. ومثل هذا الإسناد لا يُبطِل حكم تلك (٧) الأحاديث.

  22. ثم بيَّن أحمد أنه يخالف تلك الأحاديث ويعارضها، وهو حديث شاذ؛ لأن الحديث الشاذ هو الذي يتضمَّن (١) خلاف (٢) ما تضمَّنته الأحاديث المشهورة. فلو كان راويه معروفًا لوجب تقديمها عليه؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوا حجكم عمرة» ، و «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» فعمَّ ولم يذكر أن هذا مختصٌّ بهم، ولو كان ذلك مخصوصًا بهم لوجب بيانه لهم (٣) ، ولم يؤخّر ذلك حتى سأله بلال بن الحارث.

    vol. 5, p. 351
  23. وقد بيَّن لهم في الحديث الصحيح أن هذا ليس لهم خاصة، وإنما هو للناس عامة على ما ذكرناه، فدلالة تلك الأحاديث على عموم حكم الفسخ دليلٌ على ضعف هذا الحديث لو كان راويه معروفًا بالعدل (٤) ، ودليلٌ على أن هذا الحديث ليس بمضبوط ولا محفوظ. ولو كان هذا (٥) صحيحًا لكان له من الظهور والشّياع ما لا خفاء به، ولكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّنه بيانًا عاما.

  24. وذلك لأن ما ثبت في حق بعض الأمة من الأحكام ثبت في حق الجميع، لا سيما في مثل ذلك المشهد العظيم الذي يقول فيه: «لتأخذوا عني مناسككم» ، فلو كانوا مخصوصين بذلك الحكم لوجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيِّن ذلك ابتداءً، كما بيَّن حكم الأضحية لما سأله أبو بُردة بن نِيَار (٦) عن

    vol. 5, p. 352التضحية (١) بالجَذَع، فقال: «تَجْزِي عنك ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك» (٢) ، فلو كان الفسخ خاصًّا لهم لقال: «إذا طفتم بالبيت وبين الصفا والمروة فحلُّوا، وليس ذلك لغيركم» ، ولم يؤخِّر بيان ذلك إلى أن يسأله بلال بن الحارث؛ فإنه بتقدير أن لا يسأله بلال كان التلبيس واقعًا. وهذا بخلاف قوله لسراقة لما سأله: أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل (٣) لأبد الأبد». فإن هذا الحكم كان معلومًا بنفس فعْلِه، وإنما أجاب السائل توكيدًا. ولما كانت هذه الأحاديث مقتضية لعموم الحكم وثبوته في حق جميع (٤) الأمة عارض أحمد بينها وبين حديث بلال بن الحارث، وحكم بشذوذه لما انفرد بما يخالف الأحاديث المشاهير.

  25. والذي يبيِّن ذلك أن الصحابة - رضي الله عنهم - الذين حدَّثوا بتلك الأحاديث (٥) إنما ذكروها لتعليم السنة، وبيانها، واتباعها، والأخذ بها، لم يكن قصدهم مجرد القصص. ولو كان الحكم مخصوصًا بهم لم يجزْ أن يرووها رواية مرسلة حتى يبيِّنوا اختصاصهم بها، فكيف إذا ذكروها لتعليم السنة؟! وهذا دليل على أنهم علموا أن هذه السنة ماضية فيهم وفيمن بعدهم، فلا يُردُّ هذا بحديث من لم يخبر قوة ضبطه وتيقظه، وتُدفع هذه السنن المشهورة المتواترة براوية غير معروف.

  26. وقد تأوَّل بعض أصحابنا (١) ذلك على أن المراد به هو لنا خاصة من بين من ساق الهدي؛ لأن من ساق الهدي لم يكن يجوز له الفسخ، إلا لنفرٍ مخصوص.

    vol. 5, p. 353
  27. وهذا تأويل ساقط؛ لأن سائقي (٢) الهدي لم يحلَّ أحد منهم، ولم يكن يجوز لهم ذلك، ولكن يُشبِه ــ والله أعلم ــ إن كان لهذا الحديث أصل، وهو محفوظ، ولم ينقلب على رواية النفي بالإثبات، فإن غيره ممن هو أحفظ منه بيَّن أنه ليس لنا خاصة، وهو يقول: «لنا خاصة» ، فإن كان قد حفظ ذلك فمعناه: أن الفسخ كان واجبًا عليهم متحتمًا، لأمْرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم (٣) به، وتغيُّظِه (٤) عليهم حيث لم يفعلوه، وغيرُهم من الناس وإن جاز له الفسخ لكنه لا يجب عليه، ويكون سبب وجوبه عليهم أنه قال أولًا: «من شاء منكم جعلها عمرة» وندَبَهم إلى ذلك، فرأى أناسًا قد كرهوا ذلك، وامتعضوا (٥) منه واستهجنوه؛ لأنهم (٦) لم يكونوا يعهدون الحلَّ قبل عرفة في أشهر الحج، فعزم عليهم الأمر حسمًا لمادة الشيطان، وإزالةً لهذه الشبهة، كما أمرهم أولًا بالفطر في السفر (٧) أمرَ رخصةٍ، ثم لما دَنَوا من العدو أمرهم به

    vol. 5, p. 354أمرَ عزيمةٍ (١) ، وكما أمرهم بالإحلال في عمرة الحديبية أمرَ عزيمةٍ لما رآهم قد كرهوا الصلح، ومعلوم أنه لو لم يصالحهم، ومضى على (٢) عمرته لكان جائزًا.

  28. على أن بلالًا لم يبيِّن مَن يعود الضمير إليه في قوله: «لنا» ، فيجوز أن يعود الضمير إلى ذلك الوفد كما تقدم، ويجوز أن يكون بلال (٣) ممن لم يَسُقِ الهدي، فقال: هو (٤) لنا مَن لا هديَ معه خاصة أم (٥) للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة.

  29. وأما قولهم: فهلّا وجب الفسخ على كل حاج، وصار كل من طاف بالبيت حلالًا، سواء قصد التحلل أو لم يقصد، كما يروى عن ابن عباس (٦) ، وامتنع الإفراد والقران لكونهما مفسوخين (٧) .

  30. قلنا: لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعده حَجُّوا مفرِدين وقارنين كما تقدم ذكره عن أبي بكر وعمر وعثمان (٨) وابن الزبير وغيرهم. فعُلِم أنهم لم يفهموا وجوب التمتع مطلقا.

  31. [ق ٢١١] وأما ما ذكر عن أبي ذر وغيره من الصحابة في أنهم كانوا مخصوصين بالمتعة، فقد عارض ذلك أبو موسى (١) ، وابن عباس، وبنو هاشم، وهم أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلم الناس (٢) بسنته، وقول المكيين من الفقهاء وهم أعلم أهل الأمصار كانوا بالمناسك. قال مجاهد: قدم علينا ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهما - متمتعين، قال (٣) : وقال لي مجاهد: لو خرجتَ من بلدك الذي تحج منه أربعين عامًا ما (٤) قدِمتَ إلا متمتعًا. هو أحدثُ عهدٍ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي فارق الناس عليه (٥) . ولا ينبغي أن يُرغَب عما ثبت عن أهل البيت رضوان الله عليهم لاتباع بعض أهل الأهواء لهم في ذلك.

    قال سلمة بن شَبِيب (٦) : قلت لأحمد: قويتْ قلوبُ الروافض حين أفتيتَ أهل خراسان بمتعة الحج، فقال: يا سلمة! قد (٧) كنتَ تُوصَف بالحُمق، فكنت أدفع عنك، وأراك كما قالوا.

    وقال ابن بطَّة (٨) : سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم

    vol. 5, p. 356الحربي يقول وسئل عن فسخ الحج فقال: قال سلمة بن شَبيب لأحمد: كل شيء منك حسنٌ غير خُلَّة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنتُ أرى لك عقلًا، عندي (١) ثمانية عشر حديثا صحاحًا جيادًا (٢) أتركُها لقولك؟!

    وقال أبو الحسن اللُّنْبَاني (٣) : سمعت إبراهيم الحربي، وذُكِر له أحمد - رحمه الله - فقال: ما رأيتُ مثله (٤) ، ما رأيتُ أنا أحدًا (٥) أشدَّ اتباعًا للحديث والآثار منه، لم يكن يزايله (٦) عقل. ثم قال: جاء سلمة بن شَبيب إلى أحمد يومًا فقال: يا أبا عبد الله، تفتي بحج وعمرة؟ فقال أحمد: ما ظننتُ أنك أحمق إلّا (٧) اليوم، ثمانية عشر حديثًا أروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أفتي به، فلِمَ كتبتُ الحديث؟ ! قال: وما رأيت أحمد - رحمه الله - قطُّ إلا وهو يفتي به.

    vol. 5, p. 355
  32. وأما نهي عمر وعثمان وغيرهما عن المتعة، وحَمْل ذلك على الفسخ

    vol. 5, p. 357أو على كونها مرجوحة، فاعلم أن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - وغيرهما نَهَوا عن العمرة في أشهر الحج مع الحج (١) مطلقًا، وأن نهيهم له موضع غير الذي ذكرناه.

  33. أما الأول فهو بيِّن في الأحاديث، قال عمران بن حصين: «جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنها حتى مات، ولم ينزل قرآن يحرِّمها، قال رجل برأيه ما شاء» . رواه مسلم وغيره، وفي لفظ: «تمتَّعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورحم الله عمر، إنما ذاك (٢) رأي»، وقد تقدم هذا الحديث. فبيَّن أن المتعة التي نهى عنها عمر، أن يجمع الرجل بين حجة وعمرة، سواء جمع بينها بإحرام واحد، أو أحرم بالعمرة، وفرغ منها ثم أحرم بالحج.

  34. وكذلك عثمان لما نهى عن المتعة فأهلَّ عليٌّ بهما، فقال: تسمعني أنهى الناس عن المتعة وأنت تفعلها؟ فقال: لم أكن لِأدعَ سنة (٣) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول أحد.

  35. وفي حديث آخر عنه، أنه أمر أصحابه أن يهلّوا بالعمرة لما بلغه نهي عثمان.

  36. وعن السائب بن يزيد أنه استأذن عثمان بن عفّان في العمرة في شوال، فأبى أن يأذن له. رواه سعيد (٤) .

  37. وعن نُبيَه بن وهب أن عثمان سمع رجلًا يهلُّ بعمرة وحج فقال: عليَّ بالمهلّ، فضربه وحلقه. قال (١) نبيه: فما نبت (٢) في رأسه شعرة (٣) .

    وقال نُبَيه: إن عمر بن الخطاب قال: إن الناس يتمتعون بالعمرة مع الحج، ثم أمر يَرْفَأ (٤) فأذَّن في الناس: إن الصلاة جامعة. فحمد الله عز وجل، وأثنى عليه، ثم قال: أقد ملِلتم الحج دَفَرَه؟ أقد ملِلتم شَعَثَه؟ أقد ملِلتم وَسَخَه؟! والله لئن ملِلتم ليأتينّ الله عز وجل بقوم لا يملُّونه ولا يستعجلونه قبل محلّه، والله لو أذنّا لكم في هذا لأخذتم بخلاخِيلهنَّ في الأراك ــ يريد أراك عرفة ــ ثم رجعتم مهلّين بالحج (٥) .

    vol. 5, p. 358
  38. وأما الثاني فقد صح عن عمر وعثمان وغيرهما المتعة قولًا وفعلًا؛ فهذا عمر يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل المتعة هو وأصحابه، ويقول للصُّبَي بن مَعبد لما أهلّ بهما (٦) جميعًا: هُدِيتَ سنةَ نبيك. ويروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه

    vol. 5, p. 359قال: «أتاني الليلة (١) آتٍ من ربي في هذا الوادي (٢) ، فقال: قلْ عمرة في حجة» (٣) .

  39. وعن طاوس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: هذا الذي تزعمون أنه نهى عن المتعة ــ يعني عمر ــ سمعته يقول: لو اعتمرتُ ثم (٤) حججتُ لتمتّعتُ (٥) .

    وقال له أُبي بن كعب وأبو موسى الأشعري: ألا تبيِّن للناس أمر متعتهم هذه؟ فقال: وهل بقي أحدٌ لا يعلمها؟ (٦) .

    وقال ابن عباس: وما تمَّتْ حجة رجل قطُّ إلا بمتعة، إلا رجل اعتمر في وسط السنة (٧) . وفي رواية عن ابن عباس عن عمر (٨) قال: «لو حججتُ مرةً

    vol. 5, p. 360واحدة ثم حججتُ (١) لم أحجَّ إلا بمتعةٍ». رواهما سعيد (٢) . وفي لفظ لأبي عبيد (٣) : «لو اعتمرتُ ثم اعتمرتُ (٤) ، ثم حججتُ لتمتعتُ».

  40. ورواه أبو حفص (٥) عن طاوس أن عمر قال: لو اعتمرتُ وسط السنة لتمتَّعتُ، ولو حججتُ خمسين حجة لتمتَّعتُ.