مسألة: (الخامس: الطيب في بدنه وثيابه)
168 paragraphs · vol. 5, p. 517
Page 2 of 5
- vol. 5, p. 530
وقد نصّ أحمد على أنه مكروه في رواية حرب (٧) قال: قلت لأحمد:
vol. 5, p. 531فالمحرم يشمُّ الريحان؟ قال: يتوقَّاه أحبُّ إليّ، قلت: فالطيب؟ قال: أما الطيب فلا يقربه، والريحان ليس مثل الطيب، قلت: فيشرب دواء؟ قال: لا بأس إذا لم يكن فيه طيب.
-
وذلك لأنه ذو رائحة طيبة يتخذ لها، فحرم شمُّه كالمسك وغيره، بل أولى، لأن المسك ونحوه يُتطيَّب به بجعله في البدن والثوب، وأما هذا فإنما منفعته شمُّه مع انفصاله، إذ لا يعلَقُ بالبدن والثوب، وفيه من الاستمتاع والترفُّه ما قد يزيد على شمِّ الزعفران والورس. ولأن الورس والزعفران من جملة النبات (١) وإن تُطيِّب بها، وقد جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - طيبًا، فألحقت سائر النباتات به.
-
وقد روى الشافعي (٢) عن جابر أنه سئل: أيشمُّ المحرم الريحان والدهن والطيب؟ فقال: لا.
-
وروى الأثرم عن عمر (٣) : أنه كان يكره شمَّ الريحان للمحرم.
-
ووجه الأول: أنه لا يُتطيَّب به، فلم يُكرَه شمُّه كالفاكهة والنبات البرّي، وذلك لأنه لو كان نفس اشتمام الريح مكروهًا لم يفرق بين ما يُنبِته الله أو يُنبِته الآدميون، ولا بين ما يُقصد به الريح والطعم أو يُقصد به الريح فقط.
- vol. 5, p. 532
فعلى هذا لا فرق بين ما يُتخذ منه الطيب: كالورد والبنفسج (١) والنيلوفر (٢) والياسمين (٣) والخِيْري (٤) وهو المنثور، وما لا يُتخذ منه الطيب: كالريحان الفارسي وهو الأخضر والنمّام (٥) والبَرَم (٦) والنَّرجِس (٧) والمَرْزَنْجُوش (٨) . هذه طريقة ابن حامد والقاضي في «خلافه» (٩) وأصحابه مثل الشريف وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم؛ لعموم كلام أحمد.
وقال القاضي في «المجرد» وغيره: ما يتخذه منه مما يُستنبت للطيب
vol. 5, p. 533كالورد والبنفسج والياسمين فإنه يتخذ منه الزَّنْبقَ (١) ، والخِيْري وهو المنثور، والنيلوفر، فهو طيب كالورس والزعفران والكافور والعنبر، فإنه يقال: هو ثمر شجري، فإذا شمَّ الورد أو دهنَه أو ما خالطه وكان ظاهرًا فيه ففيه الفدية.
-
وأما ما يُستنبت للطيب ولا يُتَّخذ منه الطيب كالريحان الفارسي والنرجس والمرزنجوش، ففيه الروايتان المتقدم ذكرهما؛ وذلك لأنه إذا اتخذ منه الطيب فهو ذو رائحة طيبة يتطيب، فيكون طيبًا كغيره؛ لأن كونه نباتًا لا يُخرجه عن أن يكون طيبًا بدليل الورس والزعفران.
-
ومن قال بالطريقة الأولى قال: هذا لا يُتطيَّب بنفسه، وإنما يُتطيَّب بما يؤخذ منه، بخلاف الزعفران ونحوه. ولا يلزم من كون فرعه طِيبًا أن يكون هو طِيبًا.
-
فصل
فأما الثياب المصبوغة بغير طيب؛ فلا يُكره منها في الإحرام إلا ما يُكره في الحلّ، لكن المستحبّ في الإحرام لبس البياض.
قال في رواية حنبل (٢) : لا بأس أن يلبس المحرم الثوب المصبوغ ما لم يمسَّه ورسٌ ولا زعفران؛ وإن كان غير ذلك فلا بأس، ولا بأس أن تلبس المحرمة الحُليَّ والمعصفر.
وقال في رواية الفضل بن زياد (٣) : لا بأس أن تلبس المرأة الحُليَّ والمعصفر من الثياب، ولا تلبس ما مسَّه ورسٌ ولا زعفران.
vol. 5, p. 534وقال في رواية صالح (١) : وتلبس المرأة المعصفر، ولا تلبس ما فيه الورس والزعفران.
وقال حرب: قلت لأحمد: المحرم يلبس الثوب المصبوغ؟ قال: إذا كان شهرة فلا يعجبني.
-
وقد أطلق كثير من أصحابنا أن للمحرم أن يلبس المعصفر، يريدون به المرأة كما ذكره أحمد، خصُّوه بالذكر لأجل الخلاف، ليبيِّنوا (٢) أن الإحرام لا يمنع منه، وقيَّده آخرون بالمرأة على المنصوص، وهو أجود عبارة.
قال ابن أبي موسى (٣) : وللمرأة أن تلبس الحُليَّ والمعصفر والمخيط من الثياب، ولا تلبس القُفَّازين، ولا ثوبًا مسَّه ورسٌ ولا زعفران ولا طِيْب.
-
فأما الرجل فإنه يُكره له المعصفر في الإحرام والإحلال، كما نصَّ عليه أحمد في غير موضع، وقد تقدَّم هذا.
-
وقد زعم بعض أصحابنا أنه لا يُكرَه للرجال ولا للنساء، وحمل حديث علي (٤) على الخصوص به، وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه» (٥) في هذا الموضع وطائفة معه.
- vol. 5, p. 535
وهو خلاف المنصوص، وخلاف ما ذكره في غير هذا الموضع، وهو غلط على المذهب؛ وذلك لأن في حديث ابن عمر أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازينِ والنقاب وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب، ولْتلبَسْ بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر، أو خزٍّ، أو حُليٍّ، أو سراويل، أو قميص، أو خفّ. رواه أبو داود وتَكلَّم على هذه الزيادة (١) .
-
فإن كانت مرفوعة فقد ثبتَ (٢) بها الحجة، وإن كانت موقوفةً على ابن عمر فقد فهم من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - [ق ٢٥٠] إباحة ما سوى المورَّس والمزعْفَر؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب، فذكر الأصناف الخمسة، وذكر من المصبوغ ما مسَّه ورسٌ أو زعفران= حصر المحرَّم، لأن المباح لا ينحصر، فعُلِم أن ما سوى ذلك مباح.
-
وعن كثير بن جُمْهان (٣) قال: كان على ابن عمر ثوبين مصبوغين (٤) ، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن تنهى الناس عن الثياب المصبَّغة وتلبسها؟ قال: ويحك إنما هو بمَدَرٍ. رواه سعيد (٥) .
- vol. 5, p. 536
وروى أحمد في مسائل حنبل (١) بإسناد صحيح عن عائشة بنت سعد قالت: كنَّ أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحرِمن في المعصفرات.
-
وعن القاسم بن محمد أنه رأى عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. رواه الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم (٢) .
-
وعن عطاء قال: رأيت على عائشة أم المؤمنين دِرْعًا مُوَرَّدًا وهي محرمة (٣) .
-
وعن القاسم قال: كانت عائشة تلبس المعصفر وهي محرمة (٤) .
-
وعن عَبْدة بن أبي لُبابة عن عائشة أنها سئلت: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: من خزِّها وقزِّها وحريرها (٥) وعُصْفرها (٦) . رواهن سعيد.
- vol. 5, p. 537
وعن عروة أن أسماء ابنة أبي بكر كانت تلبس الثياب المصبَّغة المُشْبَعاتِ بالعُصْفر ليس فيها زعفران وهي محرمة (١) .
-
وعن نافع قال: كنّ نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحُليَّ والمعصفرات وهنّ محرمات، لا ينكر ذلك عبد الله. رواه أبو بكر (٢) .
-
ولأن المعصفر ليس بطيب؛ لأنه إنما يقصد به لونه لا ريحه؛ لأن رائحته غير مستلَذَّة.
-
ولأنه ليس طِيبًا إذا انفرد، فلا يكون طِيبًا إذا صُبِغ به، وعكسه الزعفران والورس.
-
ولأنه صِبْغ من الأصباغ لا يُقصد ريحه فلم يُكره، كالكُحلي (٣) وغيره من الأصباغ.
-
وقد احتج من لم يكرهه للرجال: ما (٤) روى الشعبي قال: أحرم عَقيل بن أبي طالب في مُورَّدَينِ، فقال له عمر: خالفت الناس، فقال علي لعمر: دَعْنا عنك (٥) ، فإنه ليس لأحدٍ يُعلِمنا (٦) بالسنة، فقال له عمر:
vol. 5, p. 538صدقتَ (١) .
-
وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: أبصر عمر بن الخطاب على عبد الله بن جعفر ثوبين مُضرَّجينِ ــ يعني مُورَّدينِ ــ وهو محرم، فقال: ما هذا؟ فقال علي: ما إخالُ أحدًا يُعلِمنا بالسنة (٢) .
-
وعن أبي هريرة أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - خرج حاجًّا ومعه عليٌّ، وجاء محمد بن جعفر وقد كان دخل بأهله في تلك الليلة فلحقهم بِمَلَلٍ (٣) ، فجاء وعليه معصفرة، فلما رآه عثمان انتهره وأفَّف به، وقال: أما علمتَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المعصفر؟ فقال له علي: إنه لم ينهه ولا إيَّاك، إنما نهاني». رواه (٤) النجَّاد (٥) .
- vol. 5, p. 539
وعن أبي الزبير قال: كنت مع ابن عمر، فأتاه رجل عليه ثوبان معصفران وهو محرم، فقال: في هذينِ عليَّ بأس؟ قال: فيهما طيب؟ قال: لا، قال: لا بأس.
-
وعن أبي الزبير عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيبٌ فلا بأس به للمحرم أن يلبسه. رواهما النجّاد (١) .
-
وهذا يُحمل على غير المُشْبَع بحيث يكون رقيق الحمرة، فإن المكروه منه المُشْبَع، وإلّا فقد تقدّمت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نهي الرجال عن المعصفر، وهي تقضي على كل أحد.
-
فإن قيل: فقد روى أسلم أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا وهو محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ قال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنما هو مَدَرٌ، فقال عمر - رضي الله عنه -: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبَّغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من الثياب المصبَّغة. رواه مالك وغيره (٢) . وفي رواية لسعيد (٣) : أنه أبصر على طلحة ثوبين مصبوغين بمِشْقٍ (٤) وهو محرم.
- vol. 5, p. 540
وفي رواية للنجّاد (١) : إنكم أئمة يُنظر إليكم، فعليكم بهذا البياض، ويراكم الرجل فيقول رأيت على رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوبين مصبوغين.
فقد (٢) حمله بعض أصحابنا على أنه خاف اقتداء الجاهل به في لبس المصبوغات مطلقًا من غير فرقٍ بين المطيَّب وغيره، فعلى هذا يُكره ... (٣) .
وقد أطلق أحمد لُبس المصبوغ في رواية، وكرهه في رواية إذا كان شهرة، وهذا يحتمل أن يشتهر فيقتدي به الجاهل أو تمتدَّ إليه الأبصار خصوصًا في الإحرام؛ فإن عامة الناس عليهم البياض، فعلى هذا يكره ما كان زينة إذا ظهر ... (٤) .
-
وعلى ذلك يُحمل ما روى الأسود عن عائشة قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا [ق ٢٥١] البرقع والمثْرود (٥) بالعُصْفر. رواه سعيد بإسناد صحيح (٦) .
-
وعن إبراهيم عنها أنها قالت: يُكره الثوب المصبوغ بالزعفران، والمُشْبعة بالعصفر للرجال والنساء، إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا. رواه النجّاد (٧) .
vol. 5, p. 541فهذا محمول على ما إذا ظهرت ... (١) .
-
فأما الحليُّ والحرير ونحو ذلك فلا بأس به للمحرمة، نصَّ عليه كما تقدّم. وعنه ما يدلُّ على الكراهة، قال في رواية محمد بن [أبي] حرب الجَرْجَرائي (٢) وقد سئل عن الخضاب للمحرم، قال: ليس بمنزلة طِيْب، ولكنه زينة، وقد كره الزينةَ عطاء للمحرم.
-
فقد أخذ بقول عطاء، والمنقول عن عطاء أنه كان يكره للمحرمة الزينة كلها الحُليَّ وغيره. رواه سعيد عن أبي معاوية (٣) عن ابن جريج عنه (٤) . ورُوِي عنه أيضًا: أنه كان يُكْرَه للمحرمة الثوبُ المصبوغ بالعُصْفر (٥) ، أو ثوبٌ (٦) مسَّه زعفران أو شيء من الطيب، رواه سعيد أيضًا.
-
فصل
وأما الزينة في البدن مثل الكحل والخضاب ونحوهما، فقال أحمد في رواية العباس بن محمد (٧) : ويكتحل بالإثمد المُحرِم ما لم يُرِد به الزينة،
vol. 5, p. 542قلت: الرجال والنساء؟ قال: نعم.
وقال في رواية إسحاق بن منصور (١) : ولا تكتحل (٢) المرأة بالسواد إلا بالذَّرور (٣) .
-
وقال في رواية محمد بن أبي حرب (٤) وقد سئل عن الخضاب للمحرم فقال: ليس بمنزلة الطيب، ولكنه زينة وقد كره الزينة عطاء للمحرم.
وقال في رواية الميموني (٥) : الحِنَّاء مثل الزينة، ومن يرخِّص في الريحان يرخِّص فيه.
-
وقال في رواية حنبل وسئل عن المحرم يخضب رِجْله بالحنّاء إذا تشقَّقت، فقال: الحنّاء من الزينة، ومن يرخِّص في الريحان يرخِّص في الحنّاء.
قال أصحابنا: تُكره الزينة للمحرم، وتُمنَع المحرمة من الزينة، ولا فدية في الزينة.