مسألة: (الخامس: الطيب في بدنه وثيابه)

168 paragraphs · vol. 5, p. 517

Page 3 of 5

  1. ويحتمل كلام أحمد أنه لا يكره الزينة؛ لأنه رخَّص في الحليِّ، ولم يجزم بالكراهة وإنما نقله عن عطاء؛ لأن الزينة من دواعي النكاح فكره للمحرم كالطيب، ولأن المعتدَّة لما مُنِعت من النكاح مُنِعت من الطيب

    vol. 5, p. 543والزينة، والمحرمة تُشبِهها في المنع من عقد النكاح، فكذلك في توابعه من الزينة والطيب. بخلاف الصائمة والمعتكفة، فإنها لا تُمنَع من عقد النكاح وإنما تُمنع من الوطء. ولأن زمان الإحرام يطول كزمان العدة، فالداعي إلى النكاح في المدة الطويلة وسيلة إليه في وقت النهي، بخلاف ما قصر زمانه، فإنه (١) قد يستغنى بوقت الحلّ عن وقت الحظْر.

    وقال ابن أبي موسى (٢) : على المحرم أن يجتنب النساء والطيب والكحل المطيَّب، والدواء الذي فيه طيب رَطْبًا كان أو يابسًا.

    ثم قال (٣) فيما للمرأة وما تُمنَع منه: وليس لها أن تكتحل بما فيه طيب، وما لا طيب فيه.

    vol. 5, p. 542
  2. ففرق في الكحل الساذَج بين الرجل والمرأة، لكن المعتدّة أشدّ من حيث تُمنع من الخروج من منزلها، فكانت أشدَّ من المحرمة. ولا فدية في الزينة؛ لأن المتزين لا يستمتع بذلك وإنما يستمتع به غيره منه، فأشبه ما لو طيَّب (٤) الميتَ، فإنه لا فدية عليه بذلك.

  3. فأما الكحل إذا كان فيه طيب فإنه لا يجوز إلا لضرورة، فيكتحل به ويفتدي. وإن لم يكن فيه طيب ولم يكن فيه زينة فلا بأس به، وإن كان فيه زينة مثل الكحل الأسود ونحوه، كُرِه له ذلك إذا قصد به الاكتحال للزينة لا

    vol. 5, p. 544للمنفعة والتداوي، ولا فدية فيه عند أصحابنا. وإن قصد به المنفعة وكانت به ضرورة إليه، مثل أن يخاف الرمَدَ أو يكون أرمدَ أو نحو ذلك، ولم يقم غيره مقامه= جاز.

    قال عبد الله (١) : سمعت أبي يقول: ويغسل المحرم ثيابه، ويدخل الحمَّام، ويتداوى بالأكحال كلها ما لم يكن كحل فيه طيب.

  4. وأما إن قام غيره مقامه، أو لم يكن ضرورة ولكن فيه منفعة، جاز على ما ذكره في رواية العباس بن محمد، لأنه قال (٢) : يكتحل المحرم بالإثمد ما لم يُرِد به الزينة، الرجال والنساء. وكذلك على رواية عبد الله جوّز له التداوي بكل كحل لا طيب فيه، ولم يفصل بين أن يقوم غيره مقامه أو لا يقوم.

  5. وأما على رواية ابن منصور (٣) : لا تكتحل المرأة بالسواد إلا بالذَّرور. فيكره إذا كان فيه زينة، وإن لم يقصد به الزينة إذا لم تدعُ إليه ضرورة (٤) .

  6. وقد خصّ المرأة بالذكر؛ وذلك لما روى نُبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله بن معمر اشتكى عينَه وهو محرم، فأراد أن يكحَلَها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يُضَمِّدها بالصَّبِر، وحدّثه عن عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعله. وفي رواية: فأرسل إليه أن اضْمِدْهما بالصَّبِر، فإن عثمان حدّث عن رسول الله في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضَمَّدَهما بالصَّبِر. رواه مسلم (٥) .

  7. فقد رخّص له بالتضميد بالصَّبِر مع الشَّكاة، [ق ٢٥٢] فعُلِم أنه لا يكتحل بما فيه زينة أو طيب إذا وجد عنه مندوحة، وإن لم يقصد التزين، وإن كان (١) .

    vol. 5, p. 545
  8. وعن عطاء قال: تكتحل المحرمة بكلّ كحلٍ إلا كُحلًا فيه طيب أو سواد، فإنه زينة (٢) .

  9. وعن مجاهد قال: لا تكتحل المحرمة بالإثمد، قيل له: ليس فيه طيب. قال: لا فإنه زينة (٣) .

  10. وعن إبراهيم قال: لا بأس أن تكتحل المحرمة بالكحل الأحمر والذَّرور (٤) .

  11. وعن سعيد بن المسيب قال: يكتحل المحرم بالصَّبِر (٥) . رواهنّ أحمد.

  12. ووجه الأول: ما روى نافع عن ابن عمر أنه اشتكى فأَقْطَر الصَّبِرَ في عينه وهو محرم (٦) .

  13. وعنه قال: يكتحل المحرم بأي كحلٍ شاء ما لم يكن كحل فيه طيب (٧) .

  14. رواهما أحمد.

    vol. 5, p. 546
  15. وفي رواية: أنه كان إذا رمد وهو محرم أقطر في عينيه الصبر إقطارًا، وأنه قال: يكتحل المحرم بأيّ كحلٍ إذا رمد ما لم يكتحل بطيب ومن غير رمدٍ. رواه الشافعي (١) .

  16. فأما الطيب فلا يجوز إلا لضرورة، وعليه يُحمل ما روى أحمد (٢) عن ابن عباس أنه اكتحل بكحلٍ فيه طيب وهو محرم. وعليه الفدية.

  17. وأما الخضاب بغير الحنّاء، مثل الوَسْمَة (٣) والسواد والنِّيل (٤) ونحو ذلك مما ليس بطيب فهو زينة محضة. وإن كان من الطيب مثل الزعفران والوَرْس ونحو ذلك لم يجز.

  18. وأما بالحنّاء فقد نصّ أحمد (٥) على أنه ليس بطيب ولكنه زينة، وقال أيضًا (٦) : هو مثل الزينة. وعلى هذا أصحابنا، قالوا: لأنه إنما يُقصد لونه دون رائحته، فأشبه الوسمةَ ونحوها، وشبَّهوه بالعُصْفر وبالفواكه في أن المقصود به غير الرائحة من طعم أو لون.

  19. وقول أحمد (١) : «من يرخّص في الريحان يرخّص في الحنّاء» دليل على أنه عنده بمنزلة الريحان في كونه نباتًا له رائحة طيبة، ولا يتخذ للتطيُّب. فعلى هذا إذا منعنا من الريحان منعنا من الحنّاء.

    vol. 5, p. 547
  20. ويتوجه أن لا يُكْره بحالٍ؛ لأن أحمد قال: «من رخّص في الريحان رخّص فيه» ، ولم يقل: من منع من الريحان منع منه (٢) ؛ لأنه أولى بالرخصة من الريحان، إذ الريحان يُقصد شمُّه، والحنّاء لا يُقصد شمُّه، فلا يلزم من كراهة الريحان كراهته، كما لم يكره المعصفر، فإذا كان زينةً كُرِه لغير حاجة، كما ذكره في رواية ابن أبي حرب، وعلى ذلك أصحابنا.

  21. ويحتمل قوله الرخصةَ مطلقًا؛ لأنه قال: «ومن يرخِّص في الريحان يرخّص فيه» ، والريحان على إحدى الروايتين لا كراهة فيه؛ ولأنه إنما نقل الكراهة عن عطاء (٣) .

  22. فأما لحاجة فلا يكره، كما قال في رواية حنبل، وعلى ذلك يحمل ما روي عن عكرمة أن عائشة وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يختضبن وهنّ حُرُم. رواه ابن المنذر (٤) .

    vol. 5, p. 548قال أصحابنا (١) : وإذا اختضبتْ ولفَّتْ على يديها لفائفَ وشدَّتْها افتدت، كما لو لبست القُفَّازين، وكذلك كل خرقة تلفُّها على يديها وتشدُّها؛ لأن شدَّها يجعلها بمنزلة القفّازين في كونه شيئًا مصنوعًا لليد، وكذلك الرَّجُل. وإن لفَّتها من غير شدٍّ لم تفتدِ؛ لأنه بمنزلة ما لو وضعت يدها في كمِّها، وكالعمامة التي يلفُّها الرجل على بطنه. فإن غرزت طرف اللفافة في لفّة تحتها ... (٢) .

  23. وأما النظر في المرآة، فقال أحمد (٣) : ينظر المحرم في المرآة ولا يُصلِح شيئا. قال أصحابنا: ينظر في المرآة ولا يُصلِح شعثًا ولا يزيل غبارًا، ولفظ بعضهم: «ينظر إلا للزينة» ؛ لما روى أحمد (٤) عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا بأس أن ينظر المحرم في المرآة.

  24. وعن نافع قال: رأيت ابن عمر ينظر في المرآة وهو محرم (٥) .

  25. وعن كثير بن عباس وتمَّام بن عباس وكُريب مولى ابن عباس: أنهم كانوا ينظرون في المرآة وهم محرمون (٦) .

  26. وعن الحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وعكرمة أنه لا بأس بذلك (١) ، إلا أن عطاء قال: لا بأس أن ينظر المحرم في المرآة لِيُمِيطَ بها الأذى، فأما الزينة فلا (٢) .

    vol. 5, p. 549
  27. وروى مالك (٣) عن ابن عمر أنه نظر في المرآة من شكوى كان بعينيه (٤) وهو محرم.

  28. وإنما قلنا: «لا يُزِيل شَعثًا ولا ينفُض غبارًا» ؛ لأن المحرم الأشعثُ الأغبر.

  29. فصل

    وأما النظافة فللمحرم أن يغسل رأسه وبدنه وثيابه، وأن يبدّل ثياب الإحرام ويبيعها، وإن كان في ذلك إزالة وسخه وإزالة القَمْل الذي كان بثيابه، وإن أفضى اغتساله إلى قتل القَمْل الذي برأسه، حتى له أن يدخل الحمَّام ما لم يُفْضِ ذلك إلى قطع شعر.

    قال أحمد في رواية عبد الله (٥) : ويغسل المحرم ثيابه ويدخل الحمّام،

    vol. 5, p. 550ويتداوى بالأكحال كلِّها ما لم يكن كحلٌ فيه طيب.

    وقال في رواية حنبل (١) : المحرم يدخل الحمّام وليس عليه كفارة، ولا بأس أن يغسل المحرم رأسه وثوبه.

    وقال حرب: قلت لأحمد يبيع المحرم الثوب الذي أحرم فيه ويشتري غيره؟ قال: نعم لا بأس به.

    وقال عبد الله (٢) أيضًا: سألت أبي عن المحرم يدخل الحمّام؟ فقال: نعم ولا يمرُّ بيده الشعر مرًّا (٣) شديدًا، [ق ٢٥٣] قليل قليل.

  30. ولا بأس بالحجامة للمحرم ما لم يقطع شعرًا، ولا بأس بالكساء إذا أصابه البرد، ولا يتفلَّى المحرم ولا يقتل القَمْل، ويحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا، ولا يقتل قَمْله، ولا يقطع شعره ولا يدهنه.

    وقال في رواية محمد بن أبي حرب (٤) : وسئل عن المحرم يغسل بدنه بالمَحْلَب (٥) ، فكرهه وكره الأُشْنان.

  31. وذلك لما روى عبد الله بن حُنين عن عبد الله بن عباس والمِسْور بن

    vol. 5, p. 551مَخْرمة أنهما اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور بن مخرمة: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبد الله إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك فوجدته، يغتسل بين القَرْنين (١) وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمتُ عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصبُّ، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته - صلى الله عليه وسلم - يفعل. متفق عليه (٢) ، لفظ مسلم. وفي لفظ له: «فأمرَّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا على جميع رأسه، فأقبل بهما وأدبر، فقال المِسْور لابن عباس: لا أُمارِيك أبدًا.

  32. وعن يعلى بن عطاء (٣) قال: قال عمر بن الخطاب: أصبُّ الماء على رأسي وأنا محرم؟ فقلت: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال: صُبَّ فإنه لا يزيده إلا شَعَثًا، صُبَّ بسم الله (٤) .

  33. وعن محمد بن علي بن أبي طالب كان يقول للمحرم: اغسلْ رأسك

    vol. 5, p. 552فهو أشعثُ لك (١) .

  34. وعن ابن عمر أنه سئل عن المحرم يغتسل؟ فقال: لقد ابتردتُ ــ يعني اغتسلتُ ــ منذ أحرمتُ سبع مرات (١) . وفي رواية أخرى: «لقد ابتردتُ منذ أحرمت أربع عشرة مرة» (١) .

  35. وعن مجاهد أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يغتسل المحرم أو يغسل ثيابه (٢) .

  36. وعن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب ونحن محرمون (٣) بالجُحْفة: تعالَ أُباقيك (٤) أيُّنا أطول نَفَسًا (٥) . وفي رواية: ربما رامَسْتُ (٦) عمر بن الخطاب بالجحفة ونحن محرمون (٧) .

  37. وعن عكرمة قال: دخل ابن عباس حمَّام الجحفة وهو محرم، وقال: ما

    vol. 5, p. 553يصنع الله بأوساخنا؟ (١) .

  38. وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا أن يَشُمَّ المحرم الريحان وينظر في المرآة ويدخل الحمّام (٢) .

  39. وعن عطاء بن السائب عن إبراهيم: كانوا يستحبُّون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم وأن يستحدُّوا، ثم يلبسوا أحسن ثيابهم، وكانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا وأن يخرجوا منها ليلًا. فلقيتُ سعيد بن جبير فذكرت له قول إبراهيم، قال: قلت له: أطرحُ ثيابي التي فيها تَفَثي وقَمْلي؟ قال: نعم أبعدَ الله القَمْل (٣) . رواهن سعيد في «سننه» .

  40. فإن قيل: هذا فيه إزالة الوسخ والغبار وقتل القمل وقطع الشعر وتخمير الرأس في الماء.