مسألة: (الخامس: الطيب في بدنه وثيابه)

168 paragraphs · vol. 5, p. 517

Page 4 of 5

  1. قيل: أما تخمير الرأس فإنه ليس المقصود التغطية، وإنما المقصود الاغتسال، فصار كما لو حمل على رأسه شيئًا.

    vol. 5, p. 553
  2. وأما قطع الشعر فإنما يجوز له من ذلك ما لا يقطع شعرًا.

  3. وأما إزالة الوسخ وقتل القَمْل فسنتكلم عليه.

  4. وهذا يقتضي أنه يُكره تعمُّدُ إزالة الوسخ وكذلك قتل القَمْل، فعلى هذا

    vol. 5, p. 554يحرِّك رأسه تحريكًا رفيقًا، كما فعل أبو أيوب ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء كان عليه جنابة أو لم يكن. وهو معنى قول أبي عبد الله: «ولا يمرُّ بيده على الشعر مرًّا شديدًا» يعني أن الخفيف ــ مثل أن يكون ببطون أصابعه ونحو ذلك ــ لا بأس به؛ وذلك خشية أن يقتل قَمْله، أو يزيل وسخًا، أو يقطع شعرًا.

    وقال في رواية المرُّوذي (١) : «لا يغسل رأسه بالخِطْمي، ولكن يصبُّ على رأسه الماء صبًّا ولا يدلكه» . فمنعه من الدلك مطلقًا.

    وكذلك ... (٢) .

    وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا: إن لم يكن عليه جنابة صبَّ الماء على رأسه صبًّا ولم يحكَّه بيده، وإن كان عليه جنابة استحبَّ أن يغسله ببطون أنامله ويديه، ويزايل شعره مزايلةً رفيقةً، ويُسرِّب (٣) الماء إلى أصول شعره، ولا يحرِّكه بأظافيره، ويتوقّى أن يَفْتِل (٤) منه شيئًا، فإن حرَّكه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا فخرج في يده منه شَعرٌ فالاحتياط أن يَفْدِيه، ولا يجب ذلك عليه حتى يتيقَّن أنه قطعه، وكذلك شَعر اللحية فالاحتياط أن يفديه، ولا يجب ذلك (٥) عليه حتى يتيقَّن أنه قطعه.

    قالوا: فأما بدنه فيدلكه دلكًا شديدًا إن شاء. فقد جوَّزوا له دَلْك البدن

    vol. 5, p. 555شديدًا وإن كان فيه إزالة الوسخ، بخلاف شعر الرأس، فإنه يخاف أن يقطع [ق ٢٥٤] الشعر.

  5. وإذا كان الغسل واجبًا فإنه لا بدَّ أن يوصل الماء إلى أصول الشعر، بخلاف المباح، فإنه لا حاجة به إلى ذلك.

    والصواب أن الغسل المستحبَّ للمحرم مثل دخول مكة، والوقوف بعرفة، ونحو ذلك= يستحبُّ فيه ذلك. فأما (١) المباح فإن ذلك جائز فيه، كما نصَّ عليه. وكلام ... (٢) يقتضي كراهته، أو أن تركه أفضل. والصواب: المنصوص.

  6. وأما دَلْك البدن بالماء، فإن كراهته للأُشنان والمَحْلَب في البدن دليل على أنه كره تعمُّدَ إزالة الوسخ.

    وقال في رواية عبد الله (٣) : «يحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا» ؛ لأن الحكّ الشديد إن صادف شعرًا قطعه، وإن صادف قَمْلًا قتله، وإن صادف بَثْرةً (٤) جرحها، وإن كان مع الماء أو الغَرف أزال الوسخ.

  7. وعلى قول القاضي وابن عقيل: يحكُّ بدنه حكًّا شديدًا إن شاء؛ لأن الإدماء وإزالة الوسخ ليس بمكروه عندهم، وصرَّح القاضي (٥) بأن ما يزيل الوسخ من الماء والأُشنان ونحو ذلك لا فدية فيه، وجعله أصلًا لمسألة

    vol. 5, p. 556السِّدر والخِطْمي.

  8. وأما غسل الرأس بالخِطمي والسِّدْر، فالمنصوص عنه في رواية صالح (١) : إذا غسل رأسه بالخطمي افتدى.

    وقال في رواية المرُّوذي (٢) : ولا يغسل رأسه بالخطمي، ولكن يصبُّ على رأسه الماء صبًّا، ولا يدلكه.

  9. وقال في رواية ابن أبي حرب (٣) وسئل عن المحرم يغسل بدنه بالمَحْلَب، فكرهه وكره الأُشنان.

  10. وذكر القاضي (٤) وغيره رواية أخرى أنه لا فدية عليه بذلك، وأخذها من قوله في رواية حنبل (٥) : «لا بأس أن يغسل المحرم رأسه وثوبه» فأطلق الغسل، ومن كونه قد قال في رواية أبي داود (٦) : حديث ابن عباس «أن رجلا وقصَتْ به ناقته وهو محرم» ، فيه خمس سُنن: كفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه، ولا تُمِسُّوه طيبًا، واغسِلُوه بماء وسدر، أي في الغسلات كلها.

  11. وكذلك ذكر في غير موضع تغسيل الميتِ المحرمِ بماء وسدر، مع أن حكم الإحرام باقٍ عليه بعد الموت، فعُلِم أنه ليس ممنوعًا منه في الحياة.

  12. والدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصَتْه دابتُه: «اغسلوه بماء وسدر» مع أنه قال: «لا تُخمِّروا رأسه ولا تقرِّبوه طيبًا، وإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا» . فعُلِم الفرق بين الطيب والسدر.

    vol. 5, p. 557
  13. وعلى هذه الرواية فاغتساله بالسدر والخِطمي مكروه لما فيه من قطع الشعر وإزالة الشعث.

  14. ونصَّ أيضًا على أن المحرم الميت (١) لا يُغسَّل كما يغسَّل الحلال، بل يُصبُّ عليه الماء صبًّا، فعلم أن الدَّعْك والمَعْك (٢) لا يجوز للمحرم، وفرق بين غسل المحرم وغسل الحلال.

  15. والرواية الأولى أصرح عنه؛ لأن المحرم هو الأشعث الأغبر، والسدر والخِطْمي يزيل الشعث والغبار؛ ولأنه غالبًا يقطع الشعر، ويقتل الدود.

  16. وأما المحرم الميت فقد روي عن أحمد أنه بمنزلة الحي، فقال في رواية حنبل (٣) وقيل له كيف (٤) يغسَّل؟ قال: يُصبُّ عليه الماء، قال: لا يغسَّل كما يغسَّل الحلال.

    وقال أبو الحارث (٥) : سألت أبا عبد الله عن المحرم إذا مات يغسَّل كما يغسل الحلال أو يغسَّل بالسدر والماء؟ قال: يغسل بالماء والسدر. حُدِّثنا

    vol. 5, p. 558[عن] ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اغسِلُوه بماء وسِدْر، ولا تُخمِّروا رأسه، ولا تُمِسُّوه طيبًا» . قلت: فإذا غسل يدلك رأسه بالسدر؟ قال: ما أدري، كذا جاء الخبر يغسل بماء وسدر، قيل له: فتذهب إلى أن يُخمَّر وجهه ويُكشف رأسه؟ قال: نعم على ما جاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أصح من غيره.

    قال أبو عبد الله: وكان عطاء يقول: يُخمّر رأسه ويُغسَل رأسه بالسدر، وقد روى عطاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يخمَّر رأسه وهو محرم (١) . مرسل، وحديث ابن عباس أصح. وقال ابن جريج: أنا أقول: يُغسَل بالسدر ولا يخمَّر رأسه.

    قلت: فما ترى؟ قال: أهاب أن أقول يغسل بالسدر وأحبُّ العافية منها، قلت: فيجزئه أن يُصَبّ على رأسه الماء فقط؟ قال: يجزئه إن شاء الله.

    قال أبو عبد الله: الذي أذهب إليه حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يُغسل بماء وسدر، ولا يخمَّر رأسه، ولا يُمسّ طيبًا» .

  17. فقد توقَّف في دلك رأسه بالسدر. وقد ذكر أصحابنا (٢) رواية أنه لا يغسل رأسه بالسدر كالحي، وحملوا حديث ابن عباس على أن المقصود غسل بدنه بالسدر، وأن السدر يُذَرُّ في الماء.

  18. والصواب: الفرق بينهما.

    قال الخلَّال: ما رواه أبو الحارث في غسله فيه توقُّف وجُبْنٌ، غير أنه قد روى ما روى حنبل: أنه لا يدلك رأسه ويصبُّ عليه الماء صبًّا، ويكون فيه السدر، وبيَّن عنه حنبل أنه يصبُّ الماء ولا يغسل كما يغسل الحلال، وعلى هذا استقرَّ قوله.

  19. ووجه الفرق بين الحي والميت: أن الميت محتاج إلى الطهارة والنظافة، فإن هذا آخر عهده بالدنيا، [ق ٢٥٥] وليس له في الدنيا (١) حال ينتظر فيها إزالة تَفَثِه، فجاز أن يرخَّص له في ذلك كما رُخِّص لمن لم يجد الإزار والنعلين في لبس السراويل والخفين؛ إذْ (٢) كان ذلك مما تدعو إليه الحاجة، فكذلك موتى المحرمين بهم حاجةٌ عامة إلى إزالة الوسخ والشعث، فرخِّص لهم في ذلك، وإنما منع أحمد من قوة الدلك خشية تقطُّع الشعر.

    قال أبو الحارث: قلت لأحمد: المحرم يغسل الميت؟ قال: نعم، فإذا فرغ من غسله طيَّبه غيره؛ لأن المحرم لا يمسُّ طيبًا، فيجعله رجل حلال.

    vol. 5, p. 559
  20. فصل

    قال أحمد في رواية عبد الله (٣) : ولا يتفلَّى المحرم ولا يقتل القَمْل، ويحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا، ولا يقتل قَمْلَه ولا يقطع شعرًا، ويغتسل إن شاء ويصبُّ على رأسه، ولا يرجِّل شعره ولا يدهنه، ويتداوى (٤) بما يأكل.

  21. وكذلك قال في رواية المرُّوذي (٥) : لا يتفلّى المحرم ولا يقتل القَمْل، ويحكُّ رأسه وجسده حكًّا رفيقًا، ولا يقتل قَمْله ولا يقطع شعرًا، ويغتسل إن شاء ويصبُّ على رأسه، ولا يرجِّل شعره ولا يدهن، وينظر (٦) في المرآة ولا

    vol. 5, p. 560يصلح شيئا.

    فأما التفلِّي فهو استخراج القَمْل من بين الشعر والثياب، فأما إن كان ظاهرًا على البدن والثوب فألقاه ... (١) . ويحكُّه؛ لأن حكَّه يُذهِب أذى القمل من غير قتلٍ له.

  22. فأما الادّهان: فإن كان بدُهنٍ فيه طيب، مثل دُهن البنفسج والورد ونحو ذلك فحكمه حكم الطيب، لا يجوز إلا لضرورة وعليه الفدية، وإن كان غير مطيَّب، مثل الشّيرج (٢) والزيت، فقال أبو بكر: قال أحمد: إن دهن رأسه بغير طيب كرهته ولا فدية، وعامة كلام أحمد يقتضي ذلك وأنه مكروه، إلا إذا احتاج إليه (٣) ، فإن مكروهات الإحرام عند الحاجة تصير غير مكروهة (٤) ، ولا فدية فيها، بخلاف محظوراته، فإنها إذا أبيحت لا بدَّ فيها من فدية.

    قال في رواية عبد الله (٥) : لا يرجِّل شعره ولا يدهنه. وكذلك قال في رواية المرُّوذي (٦) : لا يرجِّل شعره ولا يدهن (٧) . وكذلك قال الخرقي (٨) : لا يدَّهن بما فيه طِيب وما لا طيب فيه.

    vol. 5, p. 561وقال: ويتداوى بما يأكل، وهو يأكل الزيت والشّيرج ونحوهما، فعُلِم أنه يجوز أن يتداوى به من غير فدية ولا كراهة.

    وقال في رواية أبي داود (١) : الزيت الذي يؤكل لا يدَّهن به المحرم رأسه، فذكرتُ له حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ادَّهن بزيتٍ غير مقتَّت (٢) ، فسمعته يقول: المحرم الأشعث الأغبر.

  23. فقد نصَّ على كراهته لأنه يُزيل الشعث والغبار (٣) .

  24. وقال في رواية الأثرم (٤) وقد سئل عن المحرم يدَّهن بالزيت والشّيرج، قال: نعم يدّهن به إذا احتاج إليه، ويتداوى المحرم بما يأكل.

  25. فرخص فيه بشرط الحاجة، فعُلِم أنه مكروه بدونها، وأنه ليس بمحرَّم، إذ لو كان محرّمًا بدون الحاجة لوجبت فيه الفدية مع الحاجة كالطيب.

  26. فعلى هذا إن احتاج إلى الادّهان، مثل أن يكون برجله شقوقٌ أو بيديه ونحو ذلك، جاز بغير كراهة ولا فدية؛ لأنه يجوز أن يأكله. ولو كان بمنزلة الطيب لما جاز أكله.

  27. وإن كانت الحاجة في رأسه مثل أن يَنْشَف (١) رأسُه ونحو ذلك، جاز أيضًا على عموم كلامه ومقتضاه. وعمومُ كلامه في رواية أبي داود يقتضي المنع من دهن رأسه به بكل حال.

    vol. 5, p. 562
  28. وإن لم تكن به حاجة فقد نصَّ على منع دهن رأسه في رواية الجماعة [وما] في معنى الرأس.

  29. وأما دهن بَشْرته فعلى روايتين (٢) .

    إحداهما: يُكره أيضًا؛ لأنه قال في رواية المرُّوذي: لا يدهن، وقال في رواية الأثرم: يدهن به إذا احتاج إليه ولم يفصل، وهذا قول ... (٣) .

  30. والثانية: أن المنع مختص بالرأس؛ لأنه قال في رواية عبد الله: لا يرجِّل شعره ولا يدهنه. وقال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه. وكذلك نقل أبو بكر عنه: إن دهن رأسه بغير طيب كرهتُه ولا فدية، وهذا قول ... (٤) .

  31. وذلك لأن دهن الشعر يزيل شعثه ويرجّله ويرفّهه، بخلاف دهن البشرة فإنه يوجب لصوق الغبار بها.

  32. وأما طريقة القاضي (٥) وأصحابه فذكروا في الادّهان مطلقًا روايتين،

  33. سواء كان في الرأس أو في البدن:
  34. إحداهما: الجواز في استعماله (١) من غير فدية، وهو اختياره واختيار أصحابه.

  35. والثانية: المنع منه وعليه الفدية، قالوا: وهو اختيار الخرقي.

    قال القاضي (٢) : وقد يحتمل أن يكون منع منه على طريق الكراهة من غير فدية.

  36. فأما الدهن بالسمن والشحم وزيت البِزْر ونحو ذلك من الأدهان فهو بمنزلة الزيت والشّيرج، هذا هو المعروف في المذهب، وكلام أحمد يعمُّه، وذكر القاضي في بعض المواضع (٣) أن المنع إنما هو من الزيت والشّيرج لأجل أنهما أصل الأدهان.

  37. فأما دهن البان فذكره أبو الخطاب (٤) من الأدهان غير المطيبة. والذي يدلُّ على أنه مكروه دون كراهة الطيب ما روى نافع قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدُهنٍ [ق ٢٥٦] ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة، فيصلّي ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمةً أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل. رواه البخاري (٥) .

  38. وعن مسلم البَطِين قال: كان حسين بن علي إذا أراد أن يحرم ادَّهن بالزيت، وكان أصحابه يدَّهنون بالطيب (١) .

    vol. 5, p. 564
  39. وعن إبراهيم بن سعد قال: رأى عثمان بن عفان رجلًا بذي الحليفة ــ وهو يريد أن يحرم ولم يحرم ــ مدهونَ الرأس، فأمره أن يغسل رأسه بالطين (٢) . رواهما سعيد.

  40. وعن علي أنه كان إذا أراد أن يحرم ادَّهن من دَبَّة زيت (٣) .