مسألة: (السادس: قتل صيد البر، وهو ما كان وحشيا مباحا، فأما صيد البحر والأهلي وما حرم أكله فلا شيء فيه، إلا ما كان متولدا من مأكول وغيره)

192 paragraphs · vol. 5, p. 566

Page 2 of 5

  1. وفي رواية لمسلم (١) : قالت حفصة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خمسٌ من الدوابّ كلها فواسق، لا حرجَ على من قتلَهن» وذكره.

    vol. 5, p. 578
  2. وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمسٌ من الدوابّ ليس على المحرم في قتلهن جُناحٌ: الغراب والحِدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور» . رواه الجماعة إلا الترمذي (٢) .

  3. وفي رواية لمسلم (٣) وغيره: «لا جُناحَ على من قتلهنّ في الحرم والإحرام» .

  4. وعن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمسٌ كلهن فاسقةٌ يقتلهن المحرم، ويُقْتَلْن (٤) في الحرم: الفأرة والعقرب والحيّة والكلب العقور والغراب». رواه أحمد (٥) .

  5. وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمسٌ قتلُهنَّ حلالٌ في الحرم: الحيّة والعقرب والحِدأة والفأرة والكلب العقور» (٦) .

  6. وعن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عما يقتل المحرم؟ قال: «الحيَّة والعقرب والفُويسِقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحِدَأة، والسَّبُع العادي» . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن (١) ، وذكره أحمد في رواية الفضل بن زياد.

    vol. 5, p. 579
  7. فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يؤذي الناسَ في أنفسهم وأموالهم، وسمّاهن فواسقَ لخروجهن على الناس.

  8. ولم يكن قوله «خمس» على سبيل الحصر؛ لأن في أحد الحديثين ذكر الحيّة، وفي الآخر ذكر العقرب، وفي آخر ذكرها وذكر السَّبُع العادي، فعُلِم أنه قصد بيان ما تمسُّ الحاجة إليه كثيرًا، وهو هذه الدوابّ، وعلّل ذلك بفسوقها؛ لأن تعليق الحكم بالاسم المشتق المناسب يقتضي أن ما منه الاشتقاق علة للحكم، فحيثما وُجِدت دابة فاسقة ــ وهي التي تضرُّ الناس وتؤذيهم ــ جاز قتلها.

  9. وقوله في حديث أبي سعيد: «يرمي الغراب ولا يقتله» إما أن يكون منسوخًا بحديث ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة؛ لأن الرخصة بعد النهي، لئلا يلزم التغيير (٢) مرتين (٣) ، أو يكون رميُه هو الأَولى وقتلُه جائزًا.

  10. فأما ما هو مضرٌّ في الجملة لكن ليس من شأنه أن يبتدئ الناسَ بالأذى في مساكنهم ومواضعهم، وإنما إذا اجتمع بالناس في موضع واحد أو أتاه الناس آذاهم، مثل كل ذي نابٍ من السباع وكل ذي مِخْلبٍ من الطير، مثل الأسد، والنمر، والذئب، والدُّب، والفهد، والبازي، والصقر، والشاهين، والباشق= فهذا كالقسم الأول والمشهور عند أصحابنا المتأخرين مثل القاضي ومن بعده (١) . وقد نص في رواية أبي الحارث (٢) على أنه يقتل السبع، عدا عليه أو لم يعدُ، وكذلك ذكر أبو بكر وغيره.

    قالوا (٣) : لأن الله إنما حرّم قتل الصيد، والصيد اسم للمباح كما تقدم؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح قتل السَّبُع العادي، والعادي صفة للسَّبُع سواء وجد منه العدوان أو لم يوجد. كما قال: الكلب العَقُور، وكما يقال: السيف قاطع، والخبز مُشبِع، والماء مُرْوِي (٤) ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن فرقٌ بين السبع وبين الصيد، فإن الصيد إذا عدا عليه فإنه يقتله.

    قالوا (٥) : ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر من كل جنس أدناه ضررًا لينبِّه بإباحة قتله

    vol. 5, p. 581على إباحة ما هو أعلى منه ضررًا، فنصَّ على الفأرة تنبيهًا بها (١) على ما هو أكبر منها من الحشرات، وذكر الغراب تنبيهًا به على ما هو أكبر منه من الجوارح، وذكر الكلب العقور ــ وهو أدنى السِّباع ــ تنبيهًا به على سائر السباع.

    قالوا: وفحوى الخطاب تنبيهه الذي هو مفهوم الموافقة أقوى من دليله الذي هو مفهوم المخالفة، وربما قالوا: الكلب العقور اسم لجميع السباع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في دعائه على عتبة (٢) بن أبي لهب: «اللهم سلِّطْ عليه كلبًا من كلابك» ، فأكله السبع (٣) .

    vol. 5, p. 580
  11. وعنه رواية أخرى: أنه إنما يقتل إذا عدا عليه بالفعل، فإذا لم يعدُ فلا ينبغي قتله؛ لأنه قال في رواية حنبل (٤) : فإن قتل شيئًا من هذه من غير أن

    vol. 5, p. 582تعدوَ عليه فلا كفارة عليه، ولا ينبغي له. وقال أيضًا: يقتل ما عدا عليه من السباع ولا كفارة عليه.

  12. فخصّ قتله بما إذا عدا عليه أو بما إذا عدا في الرواية الأخرى، وهذا يقتضي أنه لا يقتله إذا لم يعدُ. ولو أراد أبو عبد الله أن العدوان صفة لازمة للسبع لم يقل: كل ما عدا من السباع، فإن جميع السباع عادية بمعنى أنها تفترس، ولذلك حرم أكلها، فعُلِم أنه أراد عدوانًا تُنشِئه وتفعله، فلا تُقصَد [ق ٢٦٠] في مواضعها ومساكنها فتُقْتل، إلا أن يقصد ما من شأنه أن يعدو على بني آدم كالأسد، فيُقْتل الذي من شأنه أن يعدو دون أولادها الصغار، ودون ما لا يعدو على الناس. وهذا مذهب مالك، فينظر، وهو قول أبي بكر؛ لأنه قال: يقتل السبع مطلقًا ولـ ... الهم (١) .

    وقال في رواية عبد الله (٢) : ويقتل الحيّة والعقرب والكلب العقور، وكل سبعٍ عدا عليك أو عَقَرَك.

    فنصّ على أن المقتول من السباع هو الذي يعدو على المحرم ويريد عَقْره، وهذه الرواية أصحُّ إن شاء الله، وهي اختيار ... (٣) . لوجوه:

    أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أراد بهذا الحديث الإذنَ في قتل كلِّ ما لا يؤكل لقال: يُقْتل كلُّ ما لا يؤكل، ويُقْتل كلُّ ذي ناب من السباع وكلُّ ذي مخلب من الطير، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد أوتي جوامعَ الكلم، ألا تراه لما أراد النهي عنها

    vol. 5, p. 583قال: «كل ذي نابٍ من السباع حرام» (١) . ولم يعدِّد أنواعًا منها.

  13. الثاني: أنه سئل عما يقتل المحرم من الدوابّ.

  14. الثالث: أنه علّل الحكم بأنهن فواسقُ، والفاسق هو الذي يخرج على غيره ابتداءً بأن يقصده في موضعه، أما من لا يخرج حتى يقصد في موضعه فليس بفاسق.

  15. الرابع: أنه خصّ الكلب العقور، ولو قصد ما لا يؤكل أو ما هو سبعٌ في الجملة لم يخصّ العقور من غيره، فإن الكلب سَبُعٌ من السباع، وأكله حرام.

  16. الخامس: أنه ذكر من الدوابّ والطير ما يأتي الناسَ في مواضعهم، ويعمُّ بلواهم به، بحيث لا يمكنهم الاحتراز منه في الغالب إلا بقتله، مثل الحُدَيَّا، والغراب، والحيّة، والعقرب. ومعلوم أن هذا وصف مناسب للحكم، فلا يجوز إهداره عن الاعتبار وإثباتُ الحكم بدونه إلا بنص آخر.

  17. السادس: أنه قال: والسبع العادي، ولا يجوز أن يكون العدوان صفة لازمة، بل يجب أن يكون المراد به السبع الذي يعتدي، أو السبع إذا اعتدى ونحو ذلك، أو السبع الذي من شأنه أن يعتدي على الناس فيأتيهم في أماكنهم، ونحو ذلك. كما يقال: الرجل الظالم، كما قال: «الكلب العقور» ، فكان ذلك نوعًا خاصًّا من الكلاب؛ فلذلك هذا يجب أن يكون نوعًا خاصًّا من السباع لوجوه:

    أحدها: أنه لو كان المراد به العدوان الذي في طباع السباع ــ وهو كونه

    vol. 5, p. 584يفترس غيرَه من الحيوان ــ لكانت جميع السباع عاديةً بهذا الاعتبار، فتبقى الصفة ضائعة. وهذا وإن كان قد يأتي للتوكيد في بعض المواضع، لكن الأصل فيه التقييد، لاسيما وهو لم يذكر ذلك في الحيَّة والعقرب مع أن العدوان صفة لازمة لهما، فعُلِم أنه أراد صفة تخصُّ بعضَ السباع.

  18. الثاني: أن الأصل في الصفات أن تكون لتمييز الموصوف مما شاركه في الاسم وتقييد الحكم بها، وقد تجيء لبيان حال الموصوف وإظهاره وإيضاحه، لكن هذا خلاف للأصل، وإنما يكون إذا كان في إظهار الصفة فائدةٌ من مدح أو ذم أو تنبيه على شيء خفي أو غير ذلك، وهنا قال: «السبع (١) العادي»، فيجب أن يكون العادي تقييدًا للسبع، أو إخراجًا للسبع الذي ليس بعادي (٢) ، إذ إرادة عدوانٍ لازمٍ مخالفٌ للأصل، ثم ذلك العدوان الطبيعي معلوم بنفس قوله: سبع، فلا فائدة في ذكره.

  19. الثالث: أن العدوان الذي هو فعل السبع معلوم إرادته (٣) قطعًا، والعدوان الذي هو طبعه يجوز أن يكون مرادًا، ويجوز أن لا يكون مرادًا، فلا يثبت بالشك.

  20. السابع (٤) : أن كثيرًا من الدوابّ قد نُهي عن قتلها في الإحلال، مثل الضفدع، والنملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد، فكيف يكون [جائزًا] في الإحرام؟ وقد قال في الفواسق: «يُقْتَلن في الحلّ والحرم» .

  21. الثامن: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الكلاب: «لولا أنها أمة من الأمم لأمرتُ بقتلها، فاقتلوا منها كلَّ أسودَ بهيمٍ» . متفق عليه (١) .

    vol. 5, p. 585
  22. وهذا يقتضي أن كونها أمةً وصفٌ يمنع من استيعابها بالقتل، لتبقى هذه الأمة تعبد الله وتسبِّحه، نعم خصّ منها ما يضرّ بني آدم ويشقُّ عليهم الاحتراز منه؛ لأن رعاية جانبهم أولى من رعاية جانبه، ويبقى ما يمكنهم الاحتراز منه على العموم.

  23. فعلى هذا قتلُه حرام أو مكروه، وبكل حال لا جزاء فيه. نصّ عليه.

  24. وإذا لم يُقتل هذا، فغيره ممن (٢) لا يؤكل لحمه ولا في طبعه الأذى أولى أن لا يُقتل.

    وقال ابن أبي موسى (٣) : للمحرم أن يقتل الحيَّة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والأسود البهيم، والسَّبُع، والذئب، والحِدَأة، والغراب الأبقع، والزنبور، والقرد، والنسر (٤) ، والعُقاب إذا وثب عليه، والبَقَّ (٥) ، [ق ٢٦١]

  25. والبعوض، والحَلَم (١) ، والقِرْدان (٢) ، وكل ما عدا عليه وآذاه، ولا فدية عليه.

    vol. 5, p. 586
  26. فأما على الرواية الأولى فقال أبو الخطاب (٣) : يباح قتل كل ما فيه مضرَّة كالحيّة والعقرب، وسمَّى ما تقدم ذكره، وقال: والبرغوث والبقّ والبعوض والقُراد والوَزَغ وسائر الحشرات والذباب، ويقتل النمل إذا آذاه.

    وقال القاضي وابن عقيل: الحيوانات التي لا تُؤكل ثلاثة أقسام:

    قسم يضرُّ ولا ينفع، كالأسد والذئب والجِرْجِس (٤) والبقّ والبرغوث والبعوض والعَلَق (٥) والقُراد، فهذا يستحبُّ قتله.

  27. الثاني: ما يضرّ وينفع، كالبازي والفهد وسائر الجوارح من الطير [ذي] المِخْلَب (٦) الذي ليس بمعلَّم، فقتله جائز لا يكره ولا يستحب.

  28. الثالث: ما لا يضرّ ولا ينفع، كالخَنافس والجِعْلان (٧) وبنات وَرْدان (٨) والرَّخَم (٩) والذباب والنحل والنمل إذا لم يلسعه، فهذا (١٠) يُكره قتلُه ولا

    vol. 5, p. 587يحرم.

  29. وأما الذباب فذكره ابن عقيل في القسم [الأول] (١) ، وهو ما يضر ولا ينفع، وذكره القاضي في القسم الثالث، وهو ما لا يضر ولا ينفع.

  30. وقد تقدَّم الكلام على القسم الأول، وذكرنا الروايتين فيه.

  31. وأما القسم الثاني والثالث فالمنصوص عنه المنع من قتله ــ كما تقدم ــ ما لم يضر، ثم قد أدخلوا فيه الكلب، والمذهب أن قتله حرام.

  32. وأما الذباب فقد ذكره أبو الخطاب وابن عقيل من المؤذي، وذكره القاضي فيما لا يؤذي، وهذا على قولنا لا يجوز أكله، فأما إذا قلنا يجوز أكله فينبغي أن يضمن.

  33. وأما الذرّ فقد رُوي عنه: لا بأس أن يقتله (٢) ، وقال في الرواية الأخرى: قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الذرِّ (٣) .

    وقال ابن أبي موسى (٤) : ويُكره له أن يقتل القَمْلة، ولا يقتل النملة في حلٍّ ولا حرم، ولا يقتل الضفدع.

  34. وهذه المنهيّات عن قتلها، مثل الصُّرد والنحلة والنملة، مردُّها (٥) هل

    vol. 5, p. 588هو منع (١) تنزيه أو تحريم؟ قال ابن أبي موسى (٢) : ولا يقتل النمل في حلٍّ ولا حرم ولا الضفدع. وظاهر كلام أحمد التحريم، قال في رواية مهنّا (٣) وقد سأله عن قتل النحلة والنملة، فقال: إذا آذتْه قتلها، فقيل له: أليس قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النحلة؟ قال: نعم قد نهى عن قتل النحل والصُّرد، وهو طير.

  35. وقال في رواية عبد الله (٤) وأبي الحارث في الضفادع: لا تُؤكل ولا تقتل، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الضفدع (٥) .

    وقال في رواية ابن القاسم وقال له رجل (٦) : يا أبا عبد الله، الضفدع لا يؤكل؟ فغضب وقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه أن يُجعل في الدواء، من يأكله!

  36. فهذا يقتضي أن قتلها وأكلها سواء، وأنه محرم.

  37. فأما إذا عضَّته النحلة أو النملة، أو تعلَّق القُراد ببعيره، ونحو ذلك، فإنه يقتله وإن أمكن دفعُ أذاه (٧) بدون ذلك، بحيث له أن يقتل النملة بعد أن تَقْرُصه.

  38. فصل

    وما حرم قتله، فإنه يحرم قصدُ قتله بمباشرة أو تسبُّبٍ، ويحرم أذاه بأنواع الأذى، مثل أن يُنَحِّيه من الظلّ ويجلس موضعه أو ينفِّره (١) . ويحرم عليه تملُّكه باصطيادٍ أو ابتياع أو اتّهابٍ، وسائر أنواع التملُّكات مثل كونه عوضًا في صداق أو خُلع أو صلح عن قصاص أو غير ذلك؛ لأن الله قال {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: ٩٤] . فإنْ قبضه بعقد البيع فتلِفَ في يده ضمِنَه بالجزاء، وضمنَ القيمة لمالكه، بخلاف ما قبضه بعقد الهبة، ومتى ردَّه على البائع والواهب زال الضمان.

    vol. 5, p. 589
  39. فأما مِلكه بالإرث ففيه وجهان.

  40. وإذا اصطاده ولم يُرسِلْه حتى حلَّ فعليه إرساله؛ لأنه لم يملكه بذلك الاصطياد، فإن لم يفعل حتى تلف في يده فعليه ضمانه، وإن ذبحه بعد التحلُّل فهو ميتة، نصَّ عليه في رواية ابن القاسم وسندي (٢) ، وهو قول ابن أبي موسى (٣) والقاضي (٤) .

    وقال أبو الخطاب (٥) وابن عقيل: يباح أكله وعليه ضمانه؛ لأنه ذبيحة حلال، أكثر ما فيه أنه كالغاصب فيجب عليه قيمته.