مسألة: (السادس: قتل صيد البر، وهو ما كان وحشيا مباحا، فأما صيد البحر والأهلي وما حرم أكله فلا شيء فيه، إلا ما كان متولدا من مأكول وغيره)

192 paragraphs · vol. 5, p. 566

Page 3 of 5

  1. والأول أجود؛ لأنه ممنوع لحقّ الله.

    vol. 5, p. 590
  2. وإذا أحرم وفي ملكه صيد ليست يده الحسِّية عليه، بأن يكون في مصره غائبًا عنه، فملكه باقٍ عليه، ولا يلزمه إرساله. وإن كانت يده المشاهدة الحسية عليه بأن يكون مربوطًا معه في (١) حال الإحرام، أو هو في قَفَصِه أو في يده، فإنه يجب عليه إزالة يده عنه في ظاهر المذهب.

  3. قال في رواية ابن القاسم وسندي (٢) في رجل أحرم وفي يده صيد: يرسله، فإن كان في منزله ليس عليه، وقد كان عبد الله بن الحارث يُحرِم وفي بيته النَّعام.

  4. فإن لم يفعل فأزال يده عنه (٣) إنسان فلا شيء عليه؛ لأنه قد فعل ما يجب عليه، فأشبه ما لو أزال يده عن المكاتب.

  5. وأما ملكه فلا يزول عنه فيما ذكره أصحابنا.

  6. فإن لم يرسله حتى حلّ لم يجب عليه إرساله، بخلاف ما اصطاده في الإحرام، ذكره أصحابنا؛ لأن [ق ٢٦٢] ما حرم استدامته من المحظورات لا يجب إزالته إذا استدامه في الإحلال (٤) ، كاللباس والطيب.

    وقال ابن أبي موسى (٥) : لو اصطاد محرم صيدًا فأمسكه حتى حلَّ من

    vol. 5, p. 591إحرامه لزمه إرساله واجبًا، فإن تلِفَ في يده أو ذبحه بعد الإحلال فعليه جزاؤه، ولا يحلُّ له أكله، وكذلك لو أحرم وفي يد المملوك (١) صيده لزمه إرساله.

  7. وظاهره الفرق. فإن أراد أن يبيع الصيد أو يهبه، فقال القاضي في «خلافه» (٢) : لا يصح ذلك؛ لأن في ذلك تصرف (٣) فيه؛ لأنه عاجز شرعًا عن نقل الملك فيه.

    فعلى هذا هل له أن يُعيره؟ ... (٤) .

  8. وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل (٥) وغيرهما من أصحابنا: يجوز أن يبيعه ويهبَه؛ لأنه إخراج له عن ملكه، فأشبهَ إزالة يده عنه، ولأن إزالة الملك أقوى من إزالة اليد. ولهذا نقول في العبد الكافر: إذا أسلم عند سيِّده الكافر فإنه ممنوع من إقرار يده عليه، وله أن يبيعه لمسلم ويهبه له.

  9. هذا إذا لم تكن يدُه (٦) المشاهَدة عليه، فأما إن كانت اليد الحسية عليه لم يصح بيعه ولا هبته؛ لأنه مأمور في الحال برفع يده عنه.

  10. وذكر ابن عقيل في موضع آخر أن له أن يُعيره (٧) من حلال؛ لأنه إخراج

    vol. 5, p. 592له عن يده، وهذا يلائم حاله فعلى هذا ... (١) .

  11. وإذا باعه ثم أراد فسخ البيع لإفلاس المشتري أو لعيبٍ في الثمن أو لخيار شرط ونحو ذلك= لم يكن له ذلك فيما ذكره أصحابنا؛ لأنه ابتداء بملكٍ، إلا أن نقول: إن الملك لا ينتقل إلى المشتري، فيكون مثل الرجعة للزوجة فيما ذكره بعض أصحابنا، وغيره أطلق المنع.

  12. فأما إن كان المشتري حلالًا وأراد ردَّه على البائع المحرم بعيب أو خيار ونحو ذلك= فله ذلك. قاله ابن عقيل.

  13. فإذا صار في يد البائع لزمه إطلاقه لأجل إحرامه، ويتخرَّج إذا قلنا: لا يورث.

  14. وإن كان المشتري محرمًا فأراد ردَّه على بائع محرم أو حلال بعيبٍ أو خيارٍ ونحو ذلك= فهو كابتداء بيعه على ما تقدَّم فيما ذكره ابن عقيل. فإن كانت يده المشاهدة عليه لم يجز، وإلا جاز على ما ذكره القاضي وابن عقيل. وعلى قول القاضي في «خلافه» : لا يجوز مطلقًا، وعلى قول ... (٢) .

    ومن هذا الباب: لو أراد الواهب أن يسترجعه لم يكن له ذلك، وإذا طلَّق امرأته وهو محرم والصداق صيدٌ لم يمنع من طلاقها، لكن هل يدخل نصف الصداق في ملكه؟ ... (٣) .

  15. فصل

    وإذا ذبح المحرم صيدًا فهو حرام، كما لو ذبحه كافر غير الكتابي، وهو بمنزلة الميتة. وتُسمّيه (١) الفقهاء المتأخرون «ميتة» بمعنى أن حكمه حكم الميتة، إذ حقيقة الميتة ما مات حتْفَ أنفه، قال في رواية حنبل (٢) : إذا ذبح المحرم لم يأكله حلال ولا حرام، هو بمنزلة الميتة.

    vol. 5, p. 593
  16. وفي لفظٍ لحنبل و [ابن] إبراهيم (٣) : في محرم ذبح صيدًا هو ميتة؛ لأن الله تعالى قال: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] ، فسمَّاه قتلًا، فكلّ ما اصطاده المحرم أو ذبحه فإنما هو قتلٌ قتلَه.

  17. وفي لفظ (٤) : لا، إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله أحد؛ لأن الله سمَّاه قتلًا، فلا يُعجبنا لأحدٍ أن يأكله.

  18. وذلك لما احتجَّ به أحمد من قول الله سبحانه: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] ، فسمَّى الله سبحانه رمي الصيد بالسهم ونحو ذلك قتلًا، ولم يُسمِّه تذكية. وذلك يقتضي كونه حرامًا من وجوه:

    vol. 5, p. 594أحدها: أن كل حيوان نهى الشرع عن قتله فإنه حرام، كما نهى عن قتل الضفدع، وعن قتل (١) الهدهد والصُّرَد، وعن قتل الآدمي؛ لأن النهي عن قتله يقتضي شرفه وكرامته، وذلك يوجب حرمته.

  19. الثاني: أنه سمَّى جرحه قتلًا، والقتل إذا أطلق في لسان الشرع فإنه يقتضي الفعل المُزهِق للروح الذي لا يكون ذكاة شرعية، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: ٩٢] ، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: ٩٣] إلى غير ذلك من ذكر قتل الآدمي.

    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ينزلِ ابنُ مريم حَكَمًا عَدْلًا وإمامًا مُقسِطًا، فيكسِر الصليبَ ويقتلُ الخنزيرَ» (٢) .

    وقال: «خمسٌ من الدوابّ يُقتَلن في الحِلِّ [والحرم] ، ولا جُناحَ على من قتلَهن» (٣) .

    وقال: «اقتلوا الأبترَ وذا (٤) الطُّفْيتين» (٥) .

  20. وأمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحيَّة والعقرب (٦) .

  21. ونهى عن قتل الحيوان لغير مأكُلَةٍ (١) .

    وقال: «من قتل عصفورًا بغير حقِّه فإنه يَعِجُّ إلى الله يومَ القيامة يقول: ربّي سَلْ هذا فيم قتلَني؟» (٢) .

    vol. 5, p. 595
  22. وسئل عن ضِفدعٍ تُجعل في دواء، فنهى عن قتلها وقال: «إن نقيقَها تسبيح» (٣) .

  23. ونهى عن قتل أربعٍ من الدوابّ (١) .

    وقال في الفعل المبيح: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: ٣] .

    وقال: «دِباغُ الأديمِ ذكاتُه» (٢) .

    vol. 5, p. 596
  24. وقيل له: «أما تكون الذكاةُ إلا في الحَلْق واللَّبَّة؟» (٣) .

  25. فلما سمَّى الله [ق ٢٦٣] سبحانه رمي الصيد بالسهم وإزهاقَ روحه قتلًا ولم يسمِّه ذكاةً ولا عَقْرًا، عُلم أنه ليس مذكًّى تذكيةً شرعيةً.

  26. وأيضًا فإن هذا عَقْر قد حرَّمه الشرع لمعنى في القاتل، فلم يُفِد الإباحة ولا الطهارة كذبح المجوسي والمرتدّ، وعكسه ذبحُ المسروق والمغصوب إن سُلِّم، فإن ذلك المعنى في المالك، وهو أن نفسه لم تطِبْ به، ولهذا لا يختلف حال الغاصب قبل الإذن وبعده إلا فيما يتعلَّق بالمغصوب خاصة، بخلاف المحرم، فإن إحرامه صفة في نفسه تكون مع وجود الصيد وعدمه كدين المشرك والمرتدّ.

    vol. 5, p. 597
  27. وأيضًا فإنه عَقْرٌ محرَّمٌ لحق الله فلم يُفِد الإباحة، كالعقر في غير الحلق واللَّبَّة، وبكلب غير معلَّم، وبدون التسمية، وبدون قصد الذكاة، وعَقْر المشرك. وذلك لأن الحيوان قبل الذكاة حرام، فلا يباح إلا بأن يذكَّى على الوجه المأذون فيه، كما أن الفرج قبل العقد محرَّم، فلا يباح إلا بعقد شرعي. فإذا نهى الشارع عن عقره لم يكن عقره مشروعًا، فيبقى على أصل التحريم، كما لو نكح المرأة نكاحًا لم يُبِحه الشارع. ولأنه قتلٌ لا يُبيح (١) المقتولَ لقاتله بحال، فلا يباح لغيره كسائر ما نهى عنه الشرع من القتل. ولأنه قتل محرَّم لحرمة الحيوان وكرامته، فلا يفيد الحلَّ، كذبح الإنسان والضفدع والهدهد. ولأن جرح الصيد الممتنع يفيد الملك والإباحة، واقتضاؤه الملكَ أقوى من اقتضائه الإباحةَ؛ لأنه يحصل بمجرد إثباته وبدون قصد الذكاة، ويثبت للمشرك، فإذا كان جرح الصيد في حال الصيد لا يفيد الملك، فأن لا يفيد الإباحةَ أولى وأحرى.

  28. وصيد الحرم إذا ذُبِح فيه بمنزلة الميتة، كالصيد الذي يذبحه المحرم،

    vol. 5, p. 598قال في رواية ابن منصور (١) وقد سئل هل يؤكل الصيد في الحرم؟ قال: إذا ذُبِح في الحلّ.

  29. ونقل عنه أيضًا (٢) : إذا رماه في الحل فتحامل فدخل الحرم يكره أكله.

    وقال في رواية حنبل (٣) : وإن دخل الحرمَ فلا يصطاد، ولا أرى أن يذبح، إلا أن يُدخِل مذبوحًا من خارج الحرم فيأكله، ولا أرى أن يذبح شيئًا من صيد الحلّ ولا الحرم.

  30. وكذلك صيد المدينة الذي يصطاد (٤) فيه، قال في رواية حنبل (٥) : صيد المدينة حرامٌ أكله حرامٌ صيده. وخرَّجها القاضي (٦) على وجهين، أحدهما: كذلك، والثاني: الفرق؛ لأن حرمة حرم المدينة لا يوجب زوال الملك في الصيد المنقول إليها من خارجٍ، بخلاف حرمة حرم مكة.

  31. وإن أخرجه من الحرم ثم ذبحه لم يحلَّ أيضًا، كما لو أمسكه حتى تحلل ثم ذبحه. وإذا اشترك حلال (٧) وحرام في قتل صيد فهو حرام أيضًا، كما لو اشترك مسلم ومجوسي في الذكاة.

  32. وإن أعان المحرم حلالًا بدلالة أو إعارة آلةٍ ونحو ذلك، فقال

    vol. 5, p. 599القاضي (١) وأصحابه: هو ذكيٌّ مباح للحلال ولغير المحرم الدالّ؛ لأن في حديث أبي قتادة: فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحْشٍ، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، قال: فقالوا: أكلنا لحما ونحن محرمون، فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يُحرِم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقرَ منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، فقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي. فقال: «هل منكم أحد أمره أن يحملَ عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» . رواه البخاري (٢) .

  33. وفي لفظ مسلم (٣) : «هل معكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟» قال: قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» .

  34. وهذا يقتضي أنه لو أشار بعضهم حرم على جميعهم.

    وقال أبو بكر (٤) : إذا أبان المحرم فاصَّادَه (٥) حلال، فعلى المحرم الجزاء، ولا يأكل الحلال والمحرم من الصيد؛ لأنه في حكم الميتة.

  35. ولأنه إذا أعان المحرم على قتله كان مضمونًا عليه، وضمانه يقتضي أنه قتل بغير حق فيكون ميتة، فإن الذكيَّ لا يضمن، كما لو ذبحه الحلال لحرام (١) .

    وإن كسر بيضَه أو قطع شجرة لم يجزْ له الانتفاع بها، وأما لغيره ... (٢) .

    vol. 5, p. 600
  36. فإذا اضطُرَّ إلى الصيد جاز له عَقْره، ويأكله وعليه الجزاء؛ لأن الضرورة تبيح أكل جميع المحظورات، سواء كان المنع لحقّ الله أو لحقّ آدمي، والصيد لا يخرج عن هذين.

  37. وإذا قتلَه فهل يكون ذكيًّا بحيث يباح أكله للمُحِلِّين أو ميتةً؟ قال [القاضي] (٣) : ليست هذه ذكاةً، بل هو ميتة في جميع الأحوال؛ لأن أحمد قال: إنما سماه الله قتلًا.

  38. وإذا وجد المضطرُّ ميتة وصيدًا فإنه يأكل الميتة ويدع الصيد. نص عليه في رواية الجماعة .... (٤) ؛ لأن الله استثنى حِلَّ الميتة في كتابه للمضطر [ق ٢٦٤] بقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: ١٧٣] ، ولم يستثنِ حِلَّ الصيد لأحد، وإنما أبيح استدلالًا وقياسًا، وما ثبت حكمه بالنص مقدَّم على ما ثبت بالاجتهاد، لا سيما وهو في هذا الحال قد لا يكون مضطرًّا إلى الصيد.

  39. وأيضًا فإن الصيد يحرم أخذه وقتله وأكله، والميتة إنما يحرم أكلها خاصةً، وما حرم فيه ثلاثة أفعال أعظمُ مما يحرم فيه فعل واحد.

    vol. 5, p. 601
  40. وأيضًا فإن الصيد قد صار بالإحرام حيوانًا محترمًا يُشبِه الآدميَّ وماله، والميتة لا حرمة لها في نفسها، فيكون استحلال ما لا حرمة له أولى من استحلال ما هو محترم، كما تُقدَّم الميتة على أخذ أموال الناس.