الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية
251 paragraphs · vol. 2, p. 23
Page 3 of 7
- vol. 2, p. 37
الضرب الأول: ما له معنًى ظاهر كرخص السفر.
-
الضرب الثاني: ما ليس له معنًى ظاهر كالقسامة.
-
واشترطوا ألا يصار إلى القياس إلا عند الضرورة. فلا يُقدَم عليه إلا بعد البحث عن الحكم في النصوص المعروفة من كتاب أو سُنة، أو في إجماع، أو قول معتمد لمن سبق من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-
وانقسم الفقهاء حول التعليل، فأجازه جمهورهم، ونفته الظاهرية ومن تبعها.
- vol. 2, p. 38
[التعليل عند المتكلمين]
-
أصل الاختلاف في قضية التعليل راجع إلى ما كان عليه المتكلمون من افتراق في الرأي. فالمعتزلة، كما قدمنا، قالت بوجوب تعليل أفعال الله تعالى، ووجوب اشتمالها على مصالح هي غرضه من الفعل. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (١) .
-
وذهبت الماتريدية وبعض الأشاعرة وجماعةٌ من المحقّقين إلى أن أفعال الله تعالى كلَّها معلّلة بالمصالح على سبيل التفضّل والإحسان. وهذا ما تقتضيه حكمته التامة ورحمته الواسعة.
-
ونفت الأشاعرة تعليل أفعال الله نفياً تاماً. وقالوا باستحالة أن يكون فعله سبحانه لغرض أو علة غائية. ودليلهم أنه لو كان فعله لغرض للزم أن يكون مستفيداً من غرضه ذلك، ضرورة أن وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه. فيكون مستفيداً من تلك الأولوية. ويلزم من كون ذلك الغرض سبباً في فعله أن يكون هو ناقصاً في فاعليته، محتاجاً إلى حصول السبب. وأجيب بأن لزوم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل.
-
وأمّا إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فلا. وسبق رد هذا الجواب للفخر بقوله: إذا كان الإحسان أرجحَ من غيره وأولى لزمت الاستفادة. وقال الإمام الأكبر: وهذا الرد باطل، لأن الأرجحية لا تستلزم الاستفادة أبداً، بل إنما تستلزم تعلق الإرادة. وإنما تلزم الاستفادة لو ادعينا التعيّن والوجوب. وسلك مثل هذا المسلك في الردِّ
vol. 2, p. 39عليهم ابن القيم (١) ، ومحمد بخيت المطيعي (٢) .
-
وقال الكمال بن الهمام متأوِّلًا مقالتهم، مشيراً إلى أن قولهم: "يجب على الله الأصلح" هو كقولنا: ينبغي ألا يتَّصف بنقص، ويجب وقوعُ الوعد. وليس المراد من الوجوب القهر والإلزام (٣) . وينتفي التشنيع على الأشاعرة بتفسير الوجوب بغير ما يتبادر إلى الأذهان. فقد ذكروا أن الوجوب عندهم يثبت بترك نقص في نظر العقل أي بسبب ترك قيام الداعي إلى الفعل. وبهذا يصبح الخلاف بينهم وبين الماتريدية خلافاً لفظياً.
-
[رد الشيخ ابن عاشور على الأشاعرة]
-
ردّ الشيخ ابن عاشور على مقالات المنكرين للتعليل وعلى أدلة النفي عندهم، وحمل اللام في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا
vol. 2, p. 40فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (١) على التعليل، ونبّه إلى أنها دلّت على أن {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} كان لأجل الناس. وفي هذا تعليل للخلق، وبيان ثمرته وفائدته. وهنا تثار مسألة تعليل أفعال الله وتعلّقها بالأغراض. وهي ناشئة عن إرادة واختيار، وهي على وفق علمه، وأن جميعها مشتمل على حِكم ومصالح، وأن تلك الحِكم هي ثمرات لأفعاله ناشئة عن حصول الفعل، وأنها بحصولها عند الفعل تثمر غايات.
-
[الوجوب والغرض]
-
وذهب الأصوليون إلى المقارنة بين مذهب المعتزلة والجمهور في القول بالوجوب والغرض.
-
أما الوجوب الذي ادعته المعتزلة فتمثل في أفعالٍ عدَّة منها:
(١) اللطف؛ وهو الفعل الذي يقرّب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، ولا يبلغ حدّ الإلجاء. ومثاله: بعثة الأنبياء.
-
(٢) الإثابة على الطاعة، والعقاب على المعصية.
-
(٣) عقاب العاصي على معصيته زجراً له.
-
(٤) تعويض العبد عما يحدث له من آلام.
-
والجواب على هذا: أنا معشر أهل السُّنة لا ندين الله بما زعموه، وأن ما ندين الله به هو اعتقاد أن الله سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يُسأل عما يفعل.
-
ويظهر أن مردّ هذه القضية الكلامية مسألة "ما يجب على الله
vol. 2, p. 41فعله". والحق أنه لا يجب على الله تعالى فعل أيّ شيء. فإن فعلَ الشيءِ يكون لغرضٍ، ولا كذلك فعله سبحانه. وفصّل المتكلمون القول في هذا وذكروا: أن الغرض إمّا أن يكون راجعاً لله تعالى وهو باطل لتنزهّه عن ذلك، وإمّا أن يكون راجعاً إلى العبد المكلف في الدنيا أو في الآخرة. فأمّا في الدنيا فهو مشقة بلا خطر، وأمّا في الآخرة فإمّا أن يكون الغرض إضرار المطيع، وهو قبيح من الجواد الكريم، فوق أنه باطل بالإجماع، وإمّا أن يكون الغرض نفعَه، وهو المطلوب. فإن إيصال ذلك النفعِ حينئذٍ واجب لئلا يلزم نقض الغرض (١) .
-
[رد الجويني على الأشاعرة]
-
وأبطل إمام الحرمين ما ذهب إليه منكرو التعليل. وقال: نحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتُهم، تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عدّ، ولا يحويها حدّ. فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة، والوقائع تترى، والنفوس إلى البحث طُلعة، وما سكتوا عن واقعة صائرين إلى أنه لا نصّ فيها، والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصاً وظاهراً، بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغَرفة من بحر لا تنزفه. وعلى قطعٍ نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعِنّ لهم، في غير ضبط ولا ربط، وملاحظةِ قواعدَ متَّبعةٍ عندهم. وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله، فإن لم يُصادفوه فتَّشوا في سُنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يجدوها اشتوَرُوا، ورجعوا إلى الرأي.
- vol. 2, p. 42
ويمضي الجويني في الرد على مقالة الأشاعرة بقوله: والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف مذاهبهم، في مواقع الظنون، ومواضع التحرّي، ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي، وإنّما كان بعضهم يعترض على بعض ويدعوه إلى ما يراه هو. ولو كان الاجتهاد حائداً عن مسالك الشريعة لأنكره منهم منكر. وإذا لاح المعنى فترديد العبارات عنه هيِّن (١) .
-
وبيّن الإمام الأكبر محل النزاع في هذا الموضوع قائلاً: ويترجّح عندي أن هاته المسألة اقتضاها طرد الأصول في المناظرة. فإن الأشاعرة لما أنكروا وجوب فعل الصلاح والأصلح أورد عليهم المعتزلة أو قدّروا هم في أنفسهم أن يورد عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئاً إلا لغرض وحكمة. ولا تكون الأغراض إلا لمصالح، فالتزموا بأن أفعال الله تعالى لا تناط بالأغراض ولا يعبّر عنها بالعلل (٢) . وينبئ عن هذا أنهم لما ذكروا هذه المسألة ذكروا في أدلتهم الإحسان للغير ورعي المصلحة وهناك سبب آخر لفرض المسألة وهو التنزه عن وصف أفعال الله تعالى بما يوهم المنفعة له أو لغيره وكلاهما باطل لأنه لا ينتفع بأفعاله، ولأن الغير قد لا يكون فعل الله بالنسبة إليه منفعة.
-
وزاد ابن أبي الشريف بياناً لموقف الأشاعرة وَرَدَّ عليه بقوله: إنا لا نزال نسائلهم عن معنى قولهم (المعتزلة) : إنه وجب لفائدة الخلق، ويطلق عليه عندنا أنه تعليل، وأن الحكم المعلل هو الوجوب. ونحن نطالبهم بتفهيم الحكم وبيانه.
- vol. 2, p. 43
ويطلق الوجوب والغرض - السابق ذكرهما - وهما معدومان. فإن أرادوا معنى آخر فليفسروه أولاً، ثم ليذكروا علّته، فعسانا ألا ننكره عليهم .. وأردف الكمال ابن الهمام قائلاً: "واعلم أنهم (أي المعتزلة) يريدون بالواجب الفعل الذي يثبت بتركه نقص في نظر العقل. وثبوت النقص بسبب ترك مقتضى الداعي إلى ذلك الفعل، وهو كمال القدرة والغنى المطلق مع انتهاء الصارف عن ذلك الفعل. فتركه المراعاةَ المذكورة مع ذلك بُخل، يجب تنزيه الله عنه" (١) . وأضافوا في الاحتجاج على دعواهم، وعلى وجوب الأصلح عليه سبحانه قولهم: "إن الله تعالى كلَّف عبده بأنواع التكاليف. فهو إمّا أن يكون قد كلفه لا لغرض البتة، وهو باطل .. ، وإمّا كلفه لغرض. وبنفي قولهم يلزم من عدم الغرض المفيت، أو تحققاً أنه لنفع قوم كالمؤمنين، وضرر لقوم كالكافرين، فإن سُلَّم أنه لغرض، فليس يلزم أن يكون على سبيل الوجوب والحتم، بل تفضلاً على الأبرار وعدلاً بالنسبة إلى الفجار" (٢) .
-
[الأصوليون والتعليل]
-
وقال الحسني حول هذه الطريق الموصّلة بالأقيسة إلى معرفة الأحكام الشرعية: والتعليل هو الأساس للتفكير التشريعي، إذ هو في الحقيقة استجلاء لمراد الشارع من الحكم، وطريق كاشف عن طابع معقولية الأحكام من قبل أن الله ذكر السبب الموجب للحكم (٣) .
-
وإنه لمن الضروري أن ننبّه إلى أن الأصوليين رغم اتفاق جمهورهم على التعليل لم يسيروا في ذلك على وجه واحد، بل انقسموا في ذلك إلى فئات أربعة:
vol. 2, p. 44الأولى: تقول بما قال به إمامها، وهو الشافعي، بأن الأصل أن يبقى عدم التعليل حتى يقوم الدليل على خلافه.
-
الثانية: هي التي ترى التعليل جائزاً بكل وصف صالح لإضافة الحكم إليه، حتى يوجد مانع من البعض.
-
الثالثة: ذهبت إلى أن الأصل التعليل بالوصف. ولا يتم هذا إلا بوجود دليل يميّز الصالح من الأوصاف للتعليل عن غير الصالح منها.
-
الرابعة: هي القائلة بأن الأصل في النصوص هو التعبد دون التعليل (١) .
-
وفي ردّ ابن عاشور على مقالة الأشعري تولّى الإمام الأكبر من جهته تلخيصَ مقالة الأشعري بالوجه الذي أورده الفخر في تفسيره. وعلّق عليها بقوله: الحاصل أن الدليل الذي استدلوا به يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين:
أولاهما قولهم: إنه لو كان الفعل لغرض للزم أن يكون الفاعل مستكملاً به. وهذه سفسطة شُبِّهَ فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل، والراجع إلى ما يناسبه من الكمال، لا توقف كماله عليه.
-
ثانيتهما قولهم: إذا كان الفعل لغرض كان الغرض سبباً يقتضي عجز الفاعل. وهذا شُبِّه فيه السببُ الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العلم. وكلاهما يطلق عليه سبب (٢) .
- vol. 2, p. 45
وأردف ابن عاشور بعد تقرير مذهبه في القول بالتعليل بأن تعليل الأحكام ضرورة خاصة في المعاملات. وبعد أن كان اختيار الفقهاء هو الاقتصار في الاستدلال على ألفاظ الكتاب والسُّنة وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وسكوته والإجماع، انتبهوا إلى أن مِن تلك الأحكام ما هو كلّي كقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (١) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار" ، ومنها ما هو جزئي كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمسك يا زبير" .
-
وللتوصّل إلى مختلف الأحكام بأنواعها يذكر الشيخ طرائق الفقهاء في انتزاع الفروع؛ فهو إما يكون بطريق تحقيق المناط فتكون الأحكام المستنبطة كلّية، وإمّا بطريق القياس فتكون الأحكام جزئية على تفاوت بين الملحقات بسبب ظهور الأوصاف التي بها الشبه، وبسبب خفائها لتفاوت مسالك العلّة من جانب آخر. وبهذا تظهر المعلّلة والتعبّدية. فالأولى هي ما كثر الحديث فيها والتفصيل لها في كتب الأصول والفقه، والثانية هي ما ثبت عن الشارع موقَناً به، ولا يقف المجتهد على مراد الشارع منه لخفائه (٢) .
-
يرى الشيخ ابن عاشور في قضية التعليل أنها تُحدّد بذكر مدى حصولها في مختلف الأحكام العبادية وأحكام المعاملات. والأصل المتعارف عليه بين فقهاء المذاهب هو اعتبار العبادات قائمة على التعبّد، وهو غيرُ معقولية المعنى. ثبت هذا بالاستقراء. فمن يتتبع الأحكام الشرعية الدينية في العبادات مثل الوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج، في أوصافها وكيفياتها وشروطها وأوقاتها يعلم أنها لا تُدرك مناسباتها ولا تُعرف الدواعي إليها إلا على وجه الإجمال.
- vol. 2, p. 46
وبخلاف ذلك نجد أحكام المعاملات معلّلة، يدل على هذا الاستقراء، وإثبات العلل والمصالح اعتباراً وإلغاءً.
-
وقد لا يكون بعضها معلّلاً. يشهد لهذا ما رواه البخاري عن أبي الزناد أنه قال: "إن السنن ووجوهَ الحقّ لتأتي كثيراً على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بُدّاً من اتباعها. من ذلك أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة" . وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "عجباً للعمة تُورَثُ ولا ترث" (١) .
-
وقد يظهر التعليل في بعض مسائل العبادات. كما يظهر التعبّد في بعض المعاملات. وهذا مبني على توسع النظر فيهما. قال الجويني:
"ومما لا يلوح فيه للمستنبِط معنى أصلاً ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة يكون تصويره فيها، فإنه إن امتنع عن استنباط معنى جزئي فلا يمتنع تخيّله كلياً. ومثل هذا القسم العبادات البدنية المحضة" (٢) .