ح - أنواع المصلحة المقصودة من التشريع
59 paragraphs · vol. 3, p. 230
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 248
فهذه مطارق احتمالات ثلاثة، بخلاف أجناس المصالح. فإن أدلة اعتبارها حاصلة من استقراء الشريعة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، وأن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنها واضحة للناظر فيها وضوحاً متفاوتاً لكنه غير محتاج إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه.
-
أفليست بهذه الامتيازات أجدرَ وأحقَّ بأن تقاس على نظائر أجناسها الثابتة في الشريعة المستقراة من تصاريفها. فإن كان بعض تلك المصالح مصالح محضة بحيث لا تعارضها مصالح أخرى ولا تخالطها مفاسدٌ، فلا يحسنُ بأهل النظر في الشرع أن يختلفوا في تحصيلها. وإن كانت تعارضها مصالحُ أخرى أو تخالطُها مفاسد، فهي حينئذ يُرجَع بها إلى حكم تعارض المصالح والمفاسد المشروح في المبحث قبل هذا (١) . وإنه مجال للاجتهاد بحسب قوة آثار المصالح المجتَلبَة وقوة ما يعارضها من المصالح والمفاسد، وبحسب تفاوت مراتب العلم بقوتها، فتلحق بنظائر أجناسها الثابت بالاستقراء
vol. 3, p. 249كونُها مقصودةً للشارع في تحصيل الراجح وإهمال المرجوح، وفي اعتبار عموم الحاجة إلى التحصيل وخصوصها. ويشبه أن يكون المخالف في تحصيلها بدون تردّد ملحقاً بنفاة القياس.
-
على أنك إذا افتقدت أحوال تحصيل المصالح ودرء المفاسد تجدها مختلفة. فليس أحوال إجراء العدل بين الناس في حقوقهم الخاصة والاجتماعية التي هي قوام المدنية في حالة السِّلم بمماثلة لأحوال مختلف إجراء المصالح الجندية والسياسية الحربية في حال الحرب والخوف عند مواجهة العدو، لأن أوقات الحروب ليس فيها متَّسع للتأمل والنظر في جزئيات المصالح، بل هي ساعات مُكنَة أو خروج من ضيقة تقتضي البدار إلى تحصيل أو دفع ما عنَّ من الفرص بقطع النظر عما عسى أن يلحقها من الأضرار الجزئية اللاحقة أو المصالح الجزئية الفائتة. على أنك تجد فرقاً واضحاً بين حالة دفع جيش العدو النازل وبين حالة قصدنا إلى بلاد العدو من حيث ما يتسع من التأمل لموازنة المصالح.
-
ونحن إذا افتقدنا إجماع سلف الأمة، من عصر الصحابة فمن تبعهم، نجدهم ما اعتمدوا في أكثر إجماعهم - فيما عدا المعلوم من الدين بالضرورة - إلّا الاستناد إلى المصالح المرسلة العامة أو الغالبة بحسب اجتهادهم الذي صير تواطؤَهُم عليه أدلة للظنية قريبة من القطع. وإنهم قلّما كان مستندهم في إجماعهم دليلاً من كتاب أو سنة، ولأجل ذلك عدّ الإجماع دليلاً ثالثاً، لأنه لا يدرى مستنده. ولو انحصر مستنده في دليل الكتاب والسنة لكان ملحقاً بالكتاب والسنة ولم يكن قسيماً لهما.
-
مثاله: جمع القرآن في المصحف. قد أمر به أبو بكر بطلب من
vol. 3, p. 250عمر، وتبعه بقية الصحابة. روى البخاري أن زيد بن ثابت قال: "أرسَلَ إليّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟. قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك. وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال أبو بكر: هو والله خير" (١) .
-
فقول عمر: "هو والله خير" ، ثم انشراح صدر أبي بكر، نعلم منه أنه من المصالح، لأن الخير مراد به الصلاح للأمة. وقول أبي بكر وزيد بن ثابت: "لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، نعلم منه أنه مصلحة مرسلة ليس في الشريعة ما يشهد لاعتبارها. وقد أجمع الصحابة على اعتبار ذلك.
-
وكذلك إجماعهم على جعل حد شارب الخمر ثمانين جلدة في خلافة عمر، وتبعه الخلفاء وقضاة الإسلام (٢) . وتدوين ديوان
vol. 3, p. 251العطاء (١) . وترك عمر قسمة المغانم من أرض سواد العراق (٢) ، لتكون عُدة لنوائب المسلمين إذا قلَّتْ الفتوح، وكتابة حديث
vol. 3, p. 252رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زمن عمر بن عبد العزيز (١) . وقول عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (٢) . فقد تبعه على جعله أصلاً كثيرٌ من العلماء، منهم مالك بن أنس (٣) ،
vol. 3, p. 253وكذلك ما أحدثه قضاة الإسلام وأئمته من أساليب المرافعات، وضرب الآجال، واستفسار الشهود، والسجن للمُلِدٍّ عن الجواب، وإحداث يمين القضاء لمن أثبت لنفسه حقًّا بالحجة على ميت أو غائب ونحو ذلك.
-
ولننتقل الآن إلى التقسيم الثاني للمصالح. وذلك باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعتها أو أفرادها. فتنقسم بهذا الاعتبار إلى كلية وجزئية. ويراد بالكلية في اصطلاحهم ما كان عائداً على عموم الأمة عوداً متماثلاً، وما كان عائداً على جماعة عظيمة من الأمة أو قطر، وبالجزئية ما عدا ذلك.
-
فالمصلحة العامة لجميع الأمة قليلة الأمثلة، وهي مثل حماية البيضة، وحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين من الزوال، وحماية الحرمين حرم مكة وحرم المدينة من أن يقعا في أيدي غير المسلمين، وحفظ القرآن من التلاشي العام أو التغيير العام بانقضاء حفاظه وتلف مصاحفه معاً، وحفظ علم السنة من دخول الموضوعات، ونحو ذلك مما صلاحُه وفسادُه يتناول جميعَ الأمة وكلَّ فرد منها، وبعض صور الضروري والحاجي مما يتعلق بجميع الأمة.
-
وأما المصلحة والمفسدة اللتان تعودان على الجماعات العظيمة، فهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات المتعلقة بالأمصار والقبائل والأقطار على حسب مبلغ حاجاتها، مثل التشريعات القضائية لفصل النوازل، والعهود المنعقدة بين أمراء
vol. 3, p. 254المسلمين وبين ملوك الأمم المخالفة في تأمين تجار المسلمين بأقطار غيرهم إذا دخلوها للتجارة، وتأمين البحار التي تحت سلطة غير المسلمين لتمكين المسلمين من مخرها آمنين إذا مروا بأسْماتِ شطوط غير المسلمين، والعقود المنعقدة مع تجار غير المسلمين إذا دخلوا إلى مراسي الإسلام على عُشُر أثمان ما يبيعونه ببلاد الإسلام من السلع والطعام أو على نصف العُشُر إذا جلبوا الطعام إلى الحرمين خاصة (١) .
-
والمصلحة الجزئية الخاصة، هي مصلحة الفرد أو الأفراد القليلة. وهي أنواع ومراتب. وقد تكفلت بحفظها أحكام الشريعة في المعاملات.
-
وأما التقسيم باعتبار تحقّق الحاجة إلى جلبها أو دفع الفساد عن أن يحيق بها، فتنقسم بذلك إلى: قطعية، وظنية، ووهمية.
- vol. 3, p. 255
فالقطعية هي التي دلت عليها أدلةٌ من قبيل النصّ الذي لا يحتمل تأويلاً نحو: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (١) ، وما تظافرت الأدلّةُ الكثيرةُ عليها مما مُستَندُه استقراء الشريعة، مثل الكليات الضرورية المتقدمة. أو ما دل العقل على أن في تحصيله صلاحاً عظيماً، أو في حصول ضدّه ضر عظيم على الأمة، مثل قتال مانعي الزكاة في زمن أبي بكر (٢) رضي الله عنه في الضروري.
-
وأما الظنية فمنها ما اقتضى العقلُ ظنَّه، مثل اتخاذ كلاب
vol. 3, p. 256الحراسة في الدور في الحضر في زمن الخوف في القيروان (١) : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد اتخذ كلباً بداره فقيل له: إن مالكاً كره اتخاذ الكلاب في الحضر. فقال: لو أدرك مالك مثل هذا الزمن لاتخذ أسداً على باب داره (٢) ؛ أو دلّ عليه دليلٌ ظنِّيٌ من الشرع، مثل حديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٣) .
- vol. 3, p. 257
وأما الوهمية فهي التي يُتَخَيَّل فيها صلاحٌ وخيرٌ، وهو عند التأمل ضر:
إما لخفاء ضُرّه، مثل تناول المخدرات من الأفيون والحشيشة والكوكايين والهروين. فإن الحاصل بها لمتناوليها ملائِم لنفوسهم، وليس هو بصلاح لهم.
-
وإما لكون الصلاح مغموراً بفساد، كما أنبأنا عنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (١) .
-
هذا جماعُ القول في المصالح المُعتَبَرة شرعاً. ولإطالة الكلام في ذلك فائدة عظيمة، ليتعلّمَ مزاولُ هذا العلم أن طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك. وأنه إن لم يتبع هذا المسلكَ الواضح والمحجةَ البيضاءَ فقد عطَّل الإسلام عن أن يكون ديناً عاماً وباقياً. [ولم يأمن أن يسلك وادياً أخوف إلا ما وفى الله ساريا] (٢) .
-
وللمصالح والمفاسد تقسيم آخر باعتبار كونها حاصلةً من
vol. 3, p. 258الأفعال بالقصد، أو حاصلةً بالمآل. وهو تقسيم يسترعي حذق الفقيه. فإن أصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة. فمقام الشرائع في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هيَّن، واتفاق علماء الشرائع في شأنها يسير. فأما دقاق المصالح والمفاسد وآثارها ووسائل تحصيلها وانخرامها فذاك المقام المرتبك. وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداء وغفلة، وقبولاً وإعراضاً، فتطلع فيه الحيل والذرائع. وفيه التفطن للعلل وضدُّه، وفيه ظهر تفاوت الشرائع، وفازت شريعة الإسلام فيه بأنها الصالحة للعموم والدوام.
-
وسيظهر ذلك في مبحث الحيل (١) ، ومبحث سد الذرائع (٢) .