قال المعترض: (وبالجملة؛ فهذا محل اشتباه. . . إلخ)
6 paragraphs · vol. 2, p. 613
- vol. 2, p. 613
وأما الثالث: فهو الإجماع الاستقرائي، وهو أن يتتبع (١) العالم ما أمكنه من أقوال العلماء فلا يجد أحدًا خالف في ذلك، ومعلوم أَنَّ علمه بأقوالهم التي بلغته أتم من علمه بنفي يُنازعه الغير لهم (٢) .
-
وهذا المعترض يطعن في نقل أقوالهم المنقولة عنهم، فكيف يمكن مع هذا أن يقال: إنهم اتفقوا على قولٍ في مثل هذه المسائل التي لم يظهر أنها من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ظهورًا عامًّا، ولا هي مما اشتهرت في الصحابة ولا في جميع التابعين فأقروا بها ولم ينكرها منكر، وإنما غاية المنقول في ذلك فتاوى خاصة في قضايا معينة عن بعض التابعين، لا يُعرف أن تلك الأقوال بلغت جميع التابعين، بل ولا أكثرهم، بل ولا يُعرف أنها بلغت جميع مَنْ في بلد المفتي منهم.
-
وهذا المعترض قد قال فيما بعد لمَّا تكلَّمَ على حديث ليلى بنت العجماء قال: (وبالجملة؛ فهذا محل اشتباهٍ، لما تقدم من الفرق بين الألفاظ المتعدية (٣) .
قال: ومِنْ هنا ــ والله أعلم ــ قال مَنْ قال: إِنَّ مثل هذه المذاهب القديمة لا يجوز للعامي تقليدها، وليس (٤) ذلك لأمرٍ يرجع إلى أصحابها ــ حاشى لله ــ، بل هم أئمة الهدى وينابيع العلم، ولكنه لم يُعتنَ بجمع أقوال قائليها
vol. 2, p. 614وتدوينها اعتناءً تامًّا حتى يستدل ببعضها على بعض، وبِبَيِّنِهَا (١) على مجملها، وبخاصِّها على عامها، ومقيَّدِها على مطلقها، كما فعل أتباع المذاهب المشهورة، وتناقلوها نقلًا مستفيضًا بحيث صار يحصل لكثيرٍ من المتمذهبين الظنُّ القوي بأنَّ تلك الأحكام هي قول إمامه ومذهبه، وتناقلها (٢) المرجِّحُونَ لها قرنًا بعد قرن، عددًا يبلغ حد التواتر في معظم المسائل والقواعد من لدن زمن إمامه إليه، لا لفتيا مطلقة تُنقل عن إمامٍ لا يُدرى ما أراد بها، وهل اقترن بها مقتضى [١٧٠/ أ] ذلك أم لا؟
-
فكنَّا نودُّ لو دُوِّنَت (٣) تلك المذاهب كما دُوِّنَت هذه، ولكن في كتاب الله وسنة رسوله التي تكفَّل الله بحفظهما بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩] كفايةٌ عن كل مذهبٍ، وغَناءٌ عن كل قائل) (٤) .
-
فيقال له: إذا كان هذا قولك في أقوال السلف المعروفة المنقولة عنهم بالإسناد ألفاظهم فيها، وأنت لا تجزم بقولهم في تلك المسائل؛ فكيف تجزم بقول كل واحد من السلف في مسألة ليس معك فيها نقل إلا عن قليل من التابعين لا يبلغون عشرين نفسًا؟! ثم مع هذا تدعي إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على ذلك.
-
وتعتمد في نقل الإجماع على نقل أبي ثور ونحوه للإجماع، وأنت لا تقبل نقلهم لأقوالٍ نقلوها بالإسناد، ونقلوا ألفاظ أصحابها، وجميع العلماء