الوجه السادس: طاووس من أجل أئمة المسلمين وهو ممن ثبت عنه النقل الصريح بأن الحلف بالطلاق ليس بشيء

50 paragraphs · vol. 2, p. 634

Page 2 of 2

  1. وأيضًا؛ فمذهب طاووس إذا قال: إن فعلت كذا فقطع الله يدي أو أهلكني ونحو ذلك = أنها يمين مكفرة، فيجعل التعليق الذي جزاؤه دعاء الله على نفسه يمينًا مكفرة، والتعليق القسمي الذي جزاؤه عتق عبده يمين مكفرة، والتعليق القسمي الذي جزاؤه نذر يلزمه؛ وهذا كله يدل على أَنَّ مذهبه في التعليق القسمي أن فيه كفارة يمين، فإنَّ تعليقه للطلاق والظهار والحرام أعظم من تعليقه لدعاء الله بقطع يديه، فإذا كان هذا عنده يمينًا مكفَّرة فذاك بطريق الأولى.

    vol. 2, p. 644
  2. ومعلومٌ أنه لو قال ابتداءً: قطع الله يديه = لم يلزمه به شيء إلا التوبة، لكن لما عَلَّقَهُ بقصدِ اليمين عَلَّقَ بالشرط من الجزاء ما يكره لزومه إياه، فصار حالفًا، وهو لا يريد وقوع ما دعا الله به فصار منتهكًا لحرمة دعاء الله، حيث دعا الله ــ أي: عند وجود الشرط، ثم وُجِدَ الشرط ــ وهو لا يريد ذلك الدعاء= فعلق بالشرط نذرًا لله، ثم وجد الشرط وهو لا يريده، وهذا الدعاء هو من نوع اليمين، لكن الأكثرون يقولون: لم يلتزم هتك حرمة أيمانه فإنه لم يلتزم لله ولا بالله شيئًا، وإنما دعا الله على نفسه بشيءٍ، وطاووس يقول: بل طَلَبَ فِعْلَ اللهِ به، ودعاءُ الله تعظيمٌ له، فإذا دعاه بتقدير الشرط، ثم أراد أَنْ يكون الشرط دون ما دعاه = جعل دعاءه له لغوًا، وفي هذا انتهاك لحرمةِ دعائِهِ لله، وهو انتهاك لحرمة أَيمانه، كما لو جعل اللازم إيجابًا لله ــ تعالى ــ وتحريمًا لله، والأكثرون يقولون: هذا الدعاء لو انفرد عن التعليق ولم يقصده لم يكن منتهكًا لحرمة الأيمان.

    قال تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ

    vol. 2, p. 645إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: ١١] ، وقال تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: ١١] قالوا: نزلت في دعاء الإنسان على نفسه وولده عند الغضب بما لا يريده عند الرضا، فإذا لم يكن في مُنَجَّزِهِ شيءٌ لم يكن في تعليقه شيء، بخلاف النذر والطلاق [١٧٩/ أ] والعتاق = لَمَّا كان تنجيزه لازمًا، كان تعليقه لازمًا، لكن له أَنْ يَحِلَّ ذلكَ العقد بالكفارة.

  3. والمقصود: أنَّ طاووسًا (١) قد بالغ في إلزام المعلق تعليقًا قسميًّا بالكفارة، حتى ألزم بالكفارة مَنْ عَلَّقَ دعاءه لله على وجه اليمين، فكيف بمن عَلَّقَ الطلاق على وجه اليمين؟!

  4. وأيضًا؛ فمذهب طاووس أَنَّ الحلف بالوقوع كالحلف بالوجوب.

  5. فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعبدي حر؛ فهو عنده كقوله: فعليَّ أَنْ أُعتق عبدي = كلاهما فيه كفارة يمين، وهو لو حلف بوجوب الطلاق وهو الحلف بنذره كقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي لزمته كفارة يمين، لأنَّ النذر عنده يمين، فإذا نَذَرَ شيئًا ولم يفعله لزمته كفارة يمين.

  6. وإذا قال: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي ولم يطلقها= فعليه عنده كفارة يمين، كمذهب أحمد وغيره.

  7. وإذا كان الوجوب المعلق عنده على وجه القسم ليس بلغو، بل فيه كفارة يمين = فكذلك الوقوع، فإنَّ كل مَنْ حلف بوجوب شيء يلزم الناذر به كفارة، كان على الحالف به كفارة باتفاق الناس الذين يقولون: إنها يمين منعقدة، وقد عرف من مذهبه أنها يمين منعقدة.

  8. وأيضًا؛ فلم يعرف أحد قال: إن الحلف بالطلاق لغو والحلف بالعتق والنذر يمين منعقدة، وطاووس من أصله المشهور عنه المعروف أن الحلف بالعتق والنذر يمين منعقدة مكفرة، فلا يقول: إن الحلف بالطلاق ليس يمينًا منعقدة، لكن لو قيل بنفي الكفارة، إنما يقال لكون الطلاق ليس بقربة، كما أَنَّ في نذر المعصية والمباح نفي الكفارة لكون المنذور معصية ومباحًا، لا لكون ذلك ليس نذرًا.

    vol. 2, p. 646
  9. يُبَيِّنُ ذلك: أن الذين قالوا في تلك الأيمان: لا شيء فيها. قالوا ذلك لاعتقادهم أنها من جنس الحلف بالمخلوقات، وهذا مما يشترك فيه تعليق النذر والعتاق والطلاق إذا خرج مخرج اليمين (١) ، فإذا كان مِنْ أصل طاووس أنها أيمان مكفرة = بطل أن يكون قوله قول هؤلاء، وهو قد جعل النذر يمينًا، ومن حلف على مباح أو محرم ولم يفعله = لزمته كفارة يمين.

  10. والمعترض [١٧٩/ ب] معترف بأنه لم يَنقل عن طاووس ما يناقض ما نقله العلماء عنه، ولهذا قال: (لم أنقل عن طاووس شيئًا، لأني لم أر عنده بنصٍّ ظاهرٍ خلاف ما نقله المصنف) (٢) ، لكن ذكر شيئًا من جنس شبه السوفسطائية، فيما نقله العلماء عنه، فهو في ذلك من المطففين، فإنه لو قوبل فيما ينقله بمثل هذه الاحتمالات = لم يبق بيده نقلٌ عن السلف في أكثر ما ينقله عنهم، فضلًا عن كونه إجماعًا، وسيأتي الكلام على هذا قريبًا ــ إن شاء الله تعالى ــ إذا ذكرناه.