باب نواقض الوضوء

143 paragraphs · vol. 2, p. 349

Page 3 of 4

  1. (أو أَمْرَدَ) يعني لا ينقض وضوءَ رجلٍ مسُّ أمردَ ولو بشهوة؛ لعدم تناولِ الآية له، ولأنَّه ليس بمحلٍّ للشهوة شرعًا. قال في "القاموس" (١) : والأمردُ: الشابُّ طَرَّ شاربُه (٢) ، ولم تَنْبُت لحيتُه.

    vol. 2, p. 369
  2. (ولا) ينقضُ الوضوءَ مسٌّ لفرجٍ، أو لمسٌّ لبدنٍ (مع حائلٍ) أشبهَ ما لو لمسَ الحائلَ وحدَه.

  3. (ولا) ينتقض وضوءُ (ممسوسٍ فرجُه) بالرَّفع؛ على أنَّه نائب فاعل: "ممسوس" (أو) ملموسٍ (بدنُه) بالرفع؛ عطفًا على ما قبله (ولو وَجَدَ) ممسوسٌ أو ملموسٌ (شهوةً) لأنَّه لا نصَّ فيه. ولا يصحُّ قياسُه على اللَّامس؛ لفرطِ شهوته. ومتى لم ينقض مسُّ أنثى، استُحبَّ الوضوءُ.

  4. ولا يُلتذُّ بلمسه، وإن التُذَّ بالنَّظر إليه؛ لأنَّ ذلك ينفصلُ عنها في حال السَّلامةِ، أشبهَ الدمعَ. ولا يقعُ الطلاقُ، ولا الظِّهارُ، ولا العِتقُ بالإضافةِ إليه، في الأصحِّ، خلافًا لمالكٍ. وقال بعضُهم: وكذا اللمسُ به. وهو متوجِّه. دنوشري.

  5. (يعني: لا ينقضُ وضوء رجلٍ مسَّ أَمردَ إلخ) كما ذكره في "الإنصاف" (٣) نصَّ عليه، وقطع به أكثرُ المتقدِّمين، وهو المذهبُ. وخرَّج أبو الخطَّابِ روايةً بالنقض إذا كان لشهوةٍ، وحكاها ابنُ تميمٍ وجهًا، وجزم به في "الوجيز" ، قال ابنُ عبيدان: وهذا قولٌ متوجِّه. قال صاحبُ "المنتهى" (٤) رحمه اللهُ تعالى: وليس ببعيدٍ. دنوشري.

  6. (ولا ينتقضُ وضوءُ ممسوسٍ فَرْجُه إلخ) ولو انتقضَ وضوءُ اللامسِ بها. وهو المذهبُ. وأمَّا الممسوسُ فَرْجُه -أو الملموس- فإنَّه لا ينتقض وضوءه ولو وجد شهوةً؛ لأنَّه لا فعْلَ منه، فلا ينتقض وضوءه بها، ولا يلزم من نقض وضوء اللامس نقضُ وضوءِ الملموس.

  7. وينقضُ غَسْلُ ميتٍ.

    vol. 2, p. 370
  8. السادس من النواقض: أشار إليه بقوله: (وينقض) الوضوءَ (غَسْلُ) -بفتح الغَين المعجمة- أي: تغسيل (ميتٍ) أو بعضِه، ولو في قميصٍ؛ لما روى عطاء: أنَّ ابنَ عمر وابنَ عباس كانا يأمران غاسلَ الميتِ بالوضوء (١) . وعن أبي هريرةَ: أقلُّ ما فيه الوضوءُ (٢) . ولم يُعرف لهمْ مخالفٌ. والغاسلُ من يقلِّبه ويباشرُه ولو مرَّةً، لا مَن يصبُّ

    ولا ينتقضُ الوضوءُ أيضًا بانتشارٍ عن فِكرٍ وتكرُّرِ نَظَرٍ، ولامسِّ خنثى مشكلٍ، ولا بمسِّه رجلًا أو امرأةً، ولامسِّ الرجلِ الرجلَ، ولا المرأةِ المرأةَ، ولا لشهوة فيهنَّ.

  9. (غَسلُ ميتٍ) كبيرٍ أو صغيرٍ، ذَكَرٍ أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، وإن كان غَسلُ المسلمِ الكافرَ حرامًا. فينتقضُ وضوءُ غاسلِه ولو غسَّلَه في قميصه، على الصَّحيح من المذهب، وهو المنصوصُ عن الإمامِ أحمدَ وعامَّةِ أصحابِه، [وعليه جماهيرُ] (٣) ، وجزمَ به في "الكافي" (٤) و "الوجيز" ، وقدَّمه في "المحرَّر" و "الفروع" (٥) . وهو من مفرَدات المذهبِ. قال في "المبدِع" : ولأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ من مسِّ عورةِ الميتِ غالبًا، فأُقيم مُقامَه، كالنوم مع الحدثِ. (أو بعضِه) أو بعضِ الميت. وظاهرُه: سواءٌ كان بعضُ الميتِ متَّصلًا أو منفصلًا. فلو غسل يدًا، انتقضَ وضوءُه. قال في "الإنصاف" (٦) : غَسلُ بعضِ الميتِ كغَسل جميعهِ، على الصَّحيح من المذهبِ. وتعليلُ صاحبِ "المبدع" بأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ من مسِّ عورةِ الميتِ غالبًا ليس بسديدٍ؛ لعدم تحقُّقِ مسِّ الفَرْج، فلهذا علَّله في "المنتهَى" (٧) بكونه تعبُّدًا،

    vol. 2, p. 371وأكلُ لحمِ إبلٍ خاصَّةً.

  10. الماءَ ونحوه، ولا مَنْ يَمَّمه (١) . ولا فرق في الميتِ بَينَ المسلمِ والكافرِ، والرجلِ والمرأةِ، والكبيرِ والصغير؛ للعُموم.

  11. السابع من النواقض: أشار إليه بقولِه: (وأكلُ لحمِ إبلٍ خاصَّةً) لقوله ﷺ : "توضؤوا من لُحُومِ الإبلِ، ولا تتوضَّؤوا من لُحُومِ الغَنَم" رواه أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ من حديث البراء بن عازب (٢) ، وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سَمُرة (٣) . فعلى هذا لا فرقَ بين قليلِه وكثيرِه، وكونهِ نِيْئًا أو غيره، [عَلِمَه أو جَهِلَه، وسواءٌ عَلِمَ الحديثَ، أو لا] (٤) .

  12. لا عن حَدَث. والأمرُ التعبُّديُّ لا يعلَّل ولا يُعقل معناه، وإنما هو أمرٌ توقيفيٌّ، وقفَ عليه الصحابيُّ عن النبيِّ ﷺ ، فيجبُ اتِّباعُه والعملُ به ولو كان مخالفًا للقياسِ. دنوشري.

  13. (ولا مَن يمَّمه) أي: لا ينتقضُ وضوءُ مَن يمَّم الميتَ لتعذُّر الغسلِ.

  14. (وأكلُ لحمِ إِبلٍ خاصَّةً) بكسرتين، وتسكين الباء. قال في "القاموس" (٥) : واحدٌ يقع على الجمعِ، وليس بجمعٍ ولا اسم جمعٍ، جَمْعُه: آبالٌ. وينتقضُ الوضوءُ بأكله، سواءٌ عَلِمَه أو جهله، وسواءٌ كان نِيْئًا أو مطبوخًا، وسواءٌ كان عالمًا بالحديث الواردِ في ذلك، أو لا. وبالنقضِ قال جابر بن سمرة (٦) ، ومحمدُ بن إسحاقَ، ويحيى بنُ يحيى، وابنُ المنذر (٧) .

  15. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 372
  16. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    قال الخطَّابي (١) : ذهب إلى هذا عامَّة أصحابِ الحديثِ. والدليل على ذلك قول رسول الله ﷺ : "توضَّؤوا من لحومِ الإِبل .. " إلخ. قال ابنُ خزيمة (٢) : لم نَرَ خلافًا بين علماءِ الحديثِ أنَّ هذا الخبرَ صحيحٌ. ومقتضى الأمرِ الوجوبُ، والوضوءُ المقترِن به لا يُحمل إلَّا على موضوعه الشَّرعيِّ، ودعوى النسخِ بحديث جابرٍ: كان آخرُ الأمرَين من رسول اللهِ ﷺ تَرْكَ الوضوءِ ممَّا مسَّته النار، كما رواه أبو داود (٣) ؛ مردودةٌ بأمورٍ. منها: أنَّ الأمرَ بالوضوء من لحوم الإبلِ متأخِّرٌ عن نسخ الوضوءِ مما مسَّته النار، أو هو مقارِنٌ له، بدليل أنَّه قرنَ الأمرَ بالوضوءِ من لحوم الإبلِ بالنهي عن الوضوءِ من لحوم الغنمِ، وهي ممَّا مسَّت النار، فلا يكونُ ناسخًا، إذ من شرط النسَّخِ تأخُّرُ الناسخ، وكذلك [إن كان] (٤) بما قبله؛ لأنَّ الشيءَ لا يُنسَخ بما قبله.

  17. الثاني: أنَّ النقضَ بلحوم الابلِ يتناول ما مسَّت النارُ وغيرَه، ونسخُ أحدِ الجهتين لا يثبتُ به نسخُ الأخرى، كما لو حرِّمت المرأةُ بالرِّضاع، وبكونها ربيبةً، فنَسْخُ تحريمِ الرَّضاعِ لم يكن ناسخًا لتحريم الربيبة.

  18. الثالث: أنَّ خبرَهم عامٌّ، وخبرنا خاصٌّ، فالجمعُ بينهما ممكنٌ بحمل خبرِهم على ما سِوَى صورةِ التخصيصِ. ومِن شرط النسخِ تعذُّرُ الجمعِ بين النَّصَّين (٥) .

  19. الرابع: أنَّ خبرَنا أصحُّ من خبرِهم، والناسخُ لا بدَّ أنْ يكونَ مساويًا للمنسوخ، أو راجحًا عليه، فتعيَّن حملُ الأمرِ على الوجوب.

  20. ومن العجبِ أنَّ المخالفَ في هذه المسألةِ أوجبَ الوضوءَ بأحاديثَ ضعيفةٍ تخالف

    vol. 2, p. 373. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  21. وعُلم من كلامه أنَّه لا نَقْضَ بشرب لبنٍ، ومَرَقِ لَحْمٍ، وأكلِ كَبِد، وطِحال وسَنامٍ، وجلدٍ، وكَرِش، ونحوه.

  22. الأصولَ، فأبو حنيفةَ أَوجبه بالقهقهةِ في الصَّلاة دون خارجِها، بحديثٍ مرسَلٍ من مراسيلِ أبي العاليةِ (١) .

  23. ولا نقضَ بأكل ما سِوَى لحمِ الإبلِ من اللحوم، سواءٌ كانت مباحةً أو محرَّمةً، كلحوم السِّباعِ إذا أُكلت للضَّرورة؛ لكون النقضِ بلحم الإبلِ تعبُّدًا (٢) .. فلا يعلَّل ولا يعقل معناه، ولا يتعدى إلى غيره. وقيل: هو معلل بتشيطنه؛ لأنَّها من الشياطين، كما ورد في الحديث: "على ذِروة كلِّ بعيرٍ شيطانٌ" (٣) إذْ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ، فالكلب الأسودُ شيطانُ الكلابِ، والإبلُ شياطينُ بهيمةِ الأنعامِ، فالأكلُ منها يُورِث قوَّةً شيطانيةً، والشيطانُ يُطفئه باردُ الماءِ. دنوشري.

  24. (وعُلم من كلامه) أي: فُهم منه أنَّه لا نقضَ ببقيَّة أجزائه، ككَبِدها، وطِحالها، وكَرِشها، وجلدِها، ومُصْرانها، وسَنامها، ودُهنها، وقلبِها؛ لأنَّ النصَّ لم يتناولْه. ولا بطعام نجسٍ أو محرَّم. ولا نقضَ بشُرب لبنِها، وشربِ مَرَقِ لحمِها؛ لأنَّ الأخبارَ الصحيحةَ إنَّما وردت في اللحمِ، والحكمُ فيه غيرُ معقولِ المعنى، فيُقتصرُ على مَورد النصِّ فيه.

  25. وكلُّ ما أوجبَ غُسْلًا سوى موتٍ،

    الثامن من النواقض: أشار إليه بقوله: (وكلُّ ما أوجب غُسْلًا سوى موت)

    vol. 2, p. 374
  26. (وكلُّ ما أَوجبَ غسلًا إلخ) كرِدَّة عن الإِسلامِ، والعياذُ بالله تعالى، كما درجَ عليه صاحبُ "المنتهى" (١) وذلك لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] ولا شكَّ أنَّ الطهارةَ عملٌ، وحكمُها باقٍ، فوجب أن يحبَطَ بالرِّدَّة، وقولِه ﷺ : "الطهور شطر (٢) الإيمان" والردَّةُ تبطلُ الإيمانَ، فوجب أن يبطلَ ما هو شطره (٣) ، ولأنَّها طهارةٌ عن حدثٍ، فأبطلتها الردةُ، كالتيمُّم، لكنَّ الآيةَ دالَّة على أنَّ الردَّة تُحبط العملَ بمجرَّدها، والأكثرُ عن أصحابنا أنَّها لا تُحبطه إلَّا بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] وبنَوا على ذلك صِحَّةَ الحِجَجِ في الإِسلام الأوَّلِ قبل رِدَّتِه، وقضاء ما تَرَك من العبادات في ردَّته، ويلزمُه قضاءُ ما تركَ قبلها، ولا تبطلُ عبادتُه التي فَعَلها في إسلامه، من صلاةٍ وحجٍّ وغيرِهما إذا عاد إلى الإِسلام. ويؤخذُ بحدّ زنًى في ردَّته، نصًا كقبلها، فمتى زنَى، رُجم. والصحيحُ الذي عليه الأكثرون أنَّ المرادَ بالطهور ها هنا التطهيرُ بالماءِ من الأحداثِ. وقال القاضي: لا معنى لجعلها من النواقضِ مع وجوبِ الطَّهارةِ الكبرى إذا عادَ إلى الإِسلام. وقال الشَّيخ تقيُّ الدين (٤) : له فائدةٌ تظهر بما إذا عادَ إلى الإِسلامِ، فإنَّا نوجبُ عليه الوضوءَ والغُسلَ، فإن نواهما بالغُسل، أجزأه، وإن قلنا: لم ينتقضْ وضوءُه، لم يجبْ عليه إلا الغُسل. قال الزركشيُّ: ومثلُ هذا لا يَخفى على القاضي، وإنَّما أراد القاضي أنَّ وجوبَ الغُسلِ ملازمٌ لوجوب الطهارةِ الصُّغرى. قلت: وهذا مِن باب دَلالةِ الالتزامِ.

  27. ولا ينتقضُ الوضوءُ بما عدا الردَّةِ من الكلامِ المحرم، والغيبةِ، والنميمةِ، والرَّفثَ، والقذف، وقولِ الزُّور، والقهقهةِ ولو داخلَ الصلاةِ، ولا يُستحبُّ الوضوءُ منها. دنوشري.

  28. أوجبَ وضوءًا.

    vol. 2, p. 375
  29. ومَنْ تيقَّن طهارةً، وشكَّ في حَدَثٍ، أو عكسُه، بنى على يقينِه.

  30. كجماعٍ، وانتقالِ منيٍّ، وإسلامٍ.

  31. (أوجب وضوءًا) وأما الموتُ، فإنَّه يوجبُ الغُسلَ دونَ الوضوء، كما سيجيء.

  32. فهذه هي النواقضُ المشتركةُ بين كلِّ متطهِّر. وأما المختصَّةُ بالماسِحِ، كفراغِ المدَّة، فتقدمتْ. والمختصَّةُ بالمتيمِّمِ (١) ، ستأتي.

  33. (ومن تيقَّن طهارةً، وشكَّ في حَدَثٍ، أو عكسه) بأن تيقَّن حدثًا، وشكَّ في طهارةٍ (بَنَى على يقينِه) الذي كان قبل طُرُوِّ الشكِّ عليه، وهو الطهارةُ في الصُّورة الأولى، والحدثُ في الصُّورة الثانية؛ وذلك لحديث عبدِ الله بن زيد قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ

    (كجِماعٍ وانتقالِ مَنيٍّ وإسلام) كافرٍ. مثالٌ لـ: "ما" (٢) وكالتقاءِ الختانَين، وحيضٍ، ونفاسٍ. يعني: أنَّ موجِباتِ الغُسلِ كلَّها توجبُ الوضوءَ، إلَّا الموتَ.

  34. وظاهرُ ما تقدَّم أنَّ الوضوءَ لا ينتقضُ بغير ما ذكرَ هنا. وقد تقدَّم في باب المسحِ على الحائلِ قولُ المصنف رحمه اللهُ تعالى: ومتى ظهرَ بعضُ رأسٍ وفَحُشَ، أو بعضُ قدمٍ إلى ساقِ خُفٍّ، أو انتقضَ بعضُ العِمامة، أو انقضت المدَّةُ ولو في صلاةٍ، استأنف الطهارةَ، وزوالُ جبيرةٍ كخُفٍّ. لكن ما ذكره المصنِّفُ هنا عامٌّ، وذاك خاصٌّ. دنوشري.

  35. (ومن تيقَّن طهارةً وشكَّ في حدث) يعني أنَّ مَن شكَّ في وجود طهارةٍ بعد تيقُّن حدثٍ، أو شكَّ في وجود حدثٍ بعد تيقُّن طهارةٍ، ولو كان شكُّه في وجود الحدثِ في غير صلاةٍ (بنى على يقينه) أي: على ما تيقَّن منهما، أي: من الطَّهارة، أو الحدثِ، فما تيقَّنه منهما، فهو الأصلُ، ولا عِبرةَ بما يطرأ عليه من الشكِّ، والمرادُ بالشكِّ هنا مطلقُ التردُّد، فيشملُ الوهمَ والظنَّ؛ لأنَّه إذا شكَّ، تعارضَ عنده الأمران، فيجب سقوطُهما كالبيِّنتين، فإذا

    vol. 2, p. 376. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  36. الرجلُ يخيَّل إليه أنَّه يجدُ الشيءَ في الصَّلاة؟ فقال: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا" متَّفق عليه (١) . ولأنَّه إذا شكَّ، تعارض عندَه أمران؛ فوجب سقوطُهما والرجوعُ إلى الأصْلِ، فيُعمل به ولو عارضه ظنٌّ. والمرادُ بالشكِّ هنا خلافُ اليقين، كما هو معناه لغةً على ما في "القاموس" (٢) . فإن تيقَّن الطهارةَ والحدثَ، وجَهِلَ أسبقَهُما، فإن جهل حاله قَبْلَهما،

    تعارضتا، تساقطتا، ويرجعُ إلى اليقين، سواءٌ كان في الصَّلاة أو خارجَها، وسواءٌ تساوَى عنده الأمران أو غلبَ على ظنه أحدُهما؛ لأنَّ غلبةَ [الظَّنِّ] إذا لم يكنْ لها ضابطٌ في الشَّرع، لم يُلتفت إليها، كظنِّ صدقِ أحدِ المتداعيَين، بخلاف القِبلةِ والوقتِ، فإنَّه يُعمل فيهما بغلبةِ الظنِّ. هذا في اصطلاحِ الفقهاءِ.

  37. وعند الأصوليِّين: ما استوى طرفاه فشكٌّ، وما اختلفا فالراجحُ ظنٌّ، والمرجوحُ وَهْمٌ.

  38. واليقينُ: ما أذعنت النفسُ للتَّصديق به وقطعت به، وقطعت بأنَّ قطعَها صحيحٌ. وقال البيضاويُّ: واليقين: إتقانُ العلمِ بنفي الشكِّ والشبهةِ عنه (٣) بالاستدلال؛ ولذلك لا يوصف به علمُ الباري، ولا العلومُ الضروريةُ. وقال الفخر الرازيُّ (٤) : هو العلمُ بالشيءِ بعد أن كان صاحبُه شاكًّا فيه؛ ولهذا لا يوصفُ به اللهُ تعالى. دنوشري.

  39. (الرَّجُلُ يخيَّل إليه) أي: أمرُ الرجل. منه (يجد الشيءَ) أي: الحركةَ التي يظنُّها حَدَثًا. مصنِّف. (فإن تيقَّن الطهارةَ والحدثَ) بأن تيقَّن وجودَ حدثِ، وتيقن وجودَ طهارةٍ سابقَين على حالته التي هو عليها (وجهلَ أسبقَهما) أي: جهل السابقَ منهما ولم يعلم الآخِر -بكسر الخاءِ- بأن لم يدرِ الحدثَ قبل الطهارةِ، أو بالعكس (فإنْ جهلَ حاله قبلهما) مفرَّعٌ على

    vol. 2, p. 377ويحرُمُ بحدثٍ صلاةٌ،

    تطهَّر، وإلا، فعلى ضدِّها.

  40. (ويَحْرُمُ بحَدَثٍ) أصغرَ، أو أكبرَ، أي: بسببه، أو مَعَهُ (صلاةٌ) بالرَّفْع فاعل: "يحرم" ، فرضًا كانتِ الصلاةُ، أو نفلًا. ولو صلاةَ جنازةٍ، وسجودَ تلاوة؛ لما روى ابنُ عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يقبلُ الله صلاةَ بغير طهور" رواه مسلم (١) ، وهو يعمُّ ما

    محذوفٍ. أي: عند جهلِه أسبقَهما يَنظرُ في حاله قبلَهما، أي: قبل وجود الطهارة وقبل وجود الحدث، فإن جهل أيضًا حاله قبلهما، فهو محدِثٌ، وتطهَّر للصلاة ونحوِها وجوبًا؛ وذلك لوجود يقينِ الحدثِ في إحدى المرَّتين، والأصلُ بقاؤه، ووجودُ يقينِ الطَّهارة في المرَّة الأُخرى مشكوكٌ فيه، هل كان قبلَ الحدثِ أو بعدَه، فلا يرتفعُ يقينُ الحدثِ بالشكِّ في رفعه، ولأنَّه لا بدَّ من طهارةٍ متيقنةٍ، وليست موجودةً هنا، فوجبَ الوضوءُ.