باب الغسل

139 paragraphs · vol. 2, p. 383

Page 3 of 4

  1. ولبثٌ بمسجدٍ

    (و) من لَزِمَه غُسلٌ، حَرُم عليه (لُبْثٌ) بضمِّ اللام: اسم مصدر، لَبِثَ بالمكان: أقام به (بمسجدٍ) ولو مصلَّى عيدٍ، لا جنازةٍ، حتى حائض ونفساء انقطع دمُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، وقولِه ﷺ : "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُب" رواه أبو داود (١) . ومحلُّ حرمة اللُّبْث بالمسجدِ على من

    وله أيضًا تحريكُ شفتِه بالقرآن وكلماتِه إن لم يُبيِّنِ الحروفَ.

    قال في "الفروع" (٢) : وله قراءةٌ لا تُجزِئُ في الصلاة، لإسراره بها. قلت: بحيثُ لا يسمَعُ نفسَه.

    قال أبو المعالي: وله أن يَنْظُرَ في المصحفِ من غيرِ تلاوة، ويقرَأ القرآنُ عليه وهو ساكتٌ؛ لأنه في هذه الحالةِ لا يُنسَبُ إلى قراءةٍ، وله التفكر فيه.

    vol. 2, p. 399
  2. وله أيضًا قولُ ما وافقَ قرآنًا، ولم يقصِدْهُ، كقولِ عاطسٍ: الحمدُ لله رب العالمين.

  3. ونحو ذلك، كقولِه: بسم الله. تبركًا على الغُسل والوضوء، والحمدُ لله عندَ تجددِ نعمة، واندفاعِ نقمة، وكآيةِ الاسترجاعِ، وهي: إنا لله وإنا اليه راجعون. وكآيةِ الركوب، وهي: سبحانَ الذي سَخر لنا هذا وما كنا له مُقرِنين؛ لأنه إذا لم يَقصِد بهذا القول قرآنًا، لا يكون قرانًا. وللجُنُبِ أيضًا أنْ يذكرَ اللهَ تعالى.

    (حتى حائض … إلخ) غاية لقوله: "ومن لزمه غسل" ، وقوله: (انقطعَ دمُها) مع أمنِ تلويثه، ومع خوفه، يحرمُ اللبثُ والعبور. ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ والسبيلُ هو: الطريقُ. ويقاسُ على الجُنبِ الحائضُ والنفساءُ إذا انقطعَ دمُها.

  4. ويُكرَه اتخاذُ المسجدِ طريقًا، وقيل: يحرمُ على حائضٍ وجُنُبٍ، كما لو حَصَل تلويثُ.

  5. بلا وضوءٍ، وله المرورُ به،

    ذكِرَ إذا كان (بلا وضوءٍ) فإن توضؤوا، جاز لهم اللُّبْثُ؛ لقولِ عطاءِ بنُ يسار: "رأيتُ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلِسُون في المسجد وهم مُجْنِبُون إذا توضَّؤوا وضوء الصَّلاة" رواه سعيدُ بنُ منصور (١) والأثرمُ، وإسنادُه صحيح. قاله في "المبدع" . ولأنَّ الوضوءَ يخفِّف الحَدَثَ فيزولُ بعضُ ما منعه. قال الشيخُ تقيُّ الدِّين: وحينئذٍ فيجوزُ أنَّ ينامَ في المسجد حيثُ ينامُ غيرُه (٢) .

    vol. 2, p. 400
  6. (وله) أي: لمن لَزِمَه غُسْلٌ (المرور به) أي: بالمسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهو الطَّريق.

  7. نصَّ عليه. والمذهب الأوَّل. دنوشري.

  8. (بلا وضوء) فإنْ تعذَّر على من قلنا: يَجوزُ له اللبثُ بالوضوء، واحتيجَ للبثٍ فيه بأنْ وإن الماءُ خارجًا عن المسجد، ويخشَى على نفسِه من أعوانِ الظلمةِ أو اللصوصِ إذا خرج، جازَ اللبثُ في المسجدِ بلا تيمُّمٍ. والأَوْلَى للجُنُبِ أنْ يتيمَّم للبثٍ لغسلٍ في المسجد، يعني: إنْ أرادَ أنَّ يغتسلَ في المسجد، ولم يقدرْ على الوضوءِ ولا الغُسْل عاجلًا، فإنَّه يتيمَّمُ لذلك اللُّبث.

    قال صاحب "المنتهى" في شرح هذا المحل: وقولُ ابنِ قندس في "حاشيته على الفروع" (٣) : واحتاجَ إلى اللبث فيه. مخالفٌ لما تقدَّم من أنَّه إذا تعذَّرَ واحتيجَ للبثٍ، جاز بلا تيمُّمٍ، والظاهرُ تقييده بعدمِ الاحتياج. كما أجاب به رحمه الله (٤) .

    قال في "الإنصاف" (٥) : وأمَّا لُبثُه فيه لأجلِ الغُسل، فالصحيحُ من المذهبِ أنَّه يتيمُّمُ له. انتهى. قال الدنوشري: قلت: ويُحمَلُ كلامُ "الإنصاف" على الأولويَّةِ، فينتفي التعارضُ بين العبارتين. انتهى.

  9. ولا يُكرَه في المسجدِ غُسْل ولا وضوءٌ، ما لم يؤذِ بهما، على الصحيح من المذهب.

  10. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 2, p. 401
  11. وعن جابرٍ: "كان أحدُنا يمرُّ في المسجدِ جُنُبًا مجتازًا" رواه سعيدُ بنُ منصور (١) . وسواءٌ كان لحاجةٍ " أوْ لا، ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِهَ الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَه طريقًا. وشُرِطَ لجواز مرورِ حائضٍ ونفساءَ بمسجدٍ أنَّ تأمنا تلويثَه.

    قال في "الفروع " (٢) في باب الوضوء: ويباحُ هو وغُسْلٌ في مسجدٍ إنْ لم يُؤذِ به أحدًا، حكاه ابنُ المنذر إجماعًا، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك.

    وقال بعضُ الأصحاب: لا يجوز، ولعلَّه على روايةِ أنَّ المستعمَل في رَفْعِ الحدث نجسٌ، وعلى هذا فهو واضحٌ.

  12. وتكرهُ إراقةُ ماءِ الغُسْل والوضوءِ بالمسجد، وبمحلٍّ يُداسُ، كالطريق، ونحوِها، تنزيهًا للماء؛ لأنَّه أثرُ عبادةٍ، كما جزَمَ به في "الرعاية ".

  13. ويمنَعُ من عبورِ المسجد -كما ذكره في "الإقناع "- واللبثِ فيه مجنونٌ، وسكران، وحائضٌ، ونفساء، ولو انقطع دمهما (٣) . قال في " الإنصاف": على الصحيح من المذهب (٤) .

  14. ويمنعُ أهلُ الذِّمَّةِ من دخولِ مساجدِ الحِلِّ، ولو بإذن مسلمٍ، كما يُمنَعُون من دخولِ حَرَمِ مكَّة، ويجوزُ دخولُ المسجدِ للذِّمِّي إذا استؤجِرَ لعمارته، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. ويمنعُ من المسجدِ أيضًا من عليه نجاسة تتعدَّى ولا يُتَيمَّمُ لها لعذرٍ، وقال بعضهم: يُتيَمَّمُ لها للعذر، وهو ضعيف.

  15. ويُكْرَه للمكلَّف القادرِ على المنع تمكينُ صغيرٍ من المسجد. نقل مهنَّا: ينبغي أنَّ تُجنَّبَ الصبيانُ المساجدَ.

  16. وقولُ ما وافقَ قرآنًا ولم يقصِدْه، كالبسملةِ، والحمدلةِ.

    vol. 2, p. 402
  17. (و) لمن عليه غُسْلٌ (قولُ ما وافقَ قرآنًا) من الأذكار (ولم يَقصِدْه) أي: القرآنَ (كالبَسملةِ، والحمدلةِ) وآيةِ الاسترجاع، والرُّكوب (١) .

  18. وعُلم منه أنَّه لو قصد القرآنَ، حرُم، وكذالو قرأ مالا يوافقُه ذِكرٌ، ولم يَقْصِدْ به القرآنَ. وله تهجِّيه، وتحريكُ شفتيه به إن لم يبيِّنِ الحروفَ، ونظرٌ في مصحف، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ.

    قال الدنوشري: قلت: لأنَّ الصغيرَ لا يتحرَّزُ من النجاساتِ غالبًا، فلا يُؤمَنُ منه التلويثُ، والمراد إذا كانَ صغيرًا لا يميِّزُ، وكانَ لغيرِ مصلحَة ولا فائدةٍ.

    وقال في "الآداب الكبرى" : يباحُ غَلْقُ أَبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله فيه. انتهى (٢) .

    قال في "المنتهى" و "شرحه" (٣) : وَيحرمُ تكسُّبُ [صنعة] فيه. أي: في المسجدِ، قليلًا كان التكسب أو كثيرًا، احتاج إليه أَوْ لا؛ لأنَّه ليس معدًّا للصناعة وإنَّما هو معدٌّ للعبادة والاعتكاف. وفُهِم من قولِه: تكسُّب. أنَّه لو عَمِل لنفسِه خياطَةً أو غيرها، لا للتكسُّب، فإنَّه يجوزُ. اختارَه الموفَّقُ، وصاحبُ "منتهى الغاية" (٤) ، وغيرُهما. وقال ابن البنَّا: لا يجوز.

  19. واستثنَى بعضُهم من حُرمَةِ التكسُّب بالصنعةِ الكتابةَ، قال: لأنَّها نوعُ تحصيلٍ للعلم. (وله تهجِّيه) هو تعدادُ حروفِه بأسمائها؛ لأنَّه ليسَ بقراءةِ للقرآن، فتبطلُ به الصلاة؛ لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه، وله التفكُّر فيه. (ونحريك شفتيه به … إلخ) فإنْ بيَّن الحروفَ، حَرُمَ، ولو لم يُسْمِع نفسَه، وله إجراؤُه على قلبِه، وإن لم يَسمَعِ القراءةَ.

  20. وقوله: (ونظر في مصحف) ولمن وجبَ عليه غسلٌ نظرٌ في المصحف من غير تلاوة. ح ف. (وعلم منه أنَّه لو قَصدَ القرآنَ، حَرُمَ) هذا مفهومُ المتنِ.

  21. ويسنُّ غُسلٌ لجمعةٍ،

    (ويسنُّ غُسلٌ لـ) ـــصلاةِ (جمعةٍ) لحديث أبي سعيدِ مرفوعًا: "غُسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحْتَلِم" ، وقولِه ﷺ : "مَنْ جاء مِنْكم الجمعةَ، فليغْتَسِلْ" متَّفقٌ عليهما (١) . وقوله: "واجبٌ" أي: متأكَّدُ الاسْتِحْباب، بدليل قولِه ﷺ : "من توضَّأ يومَ الجمعة، فبها ونعمتْ، ومن اغْتَسَل، فالغُسْل أفضَلُ" رواه أحمدُ (٢) .

    vol. 2, p. 403
  22. (ويُسَنُّ غُسْل لصلاةِ جمعةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في الأغسالِ المستحبَّة، وهي ستَّةَ عشرَ غًسْلًا، ذكر الشارحُ البعضَ، وقد تقدَّم ذكرُ الأغسالِ الواجبة (وقولِه ﷺ : "مَن جاء مِنْكم .. إلخ" الأمرُ به محمولٌ على الاستحباب؛ بدليل أنَّ عثمان رضي الله عنه أَتى الجمعة بغير غُسْلٍ (٣) .

  23. وعنه: يجب الغُسْل على من تَلزَمُهُ الجمعة؛ عَملًا بظاهرِ الأمرِ، والصحيحُ الأوَّلُ؛ لعدمِ وجوي الحدثِ، فأقلُّ أحواله (٤) الاستحباب، وعلى الروايتين ليسَ الغسلُ شرطًا لصحَّتها، والغسلُ مسنونٌ للجمعة، لالليوم، كما هو صريحُ كلامِ المؤلِّفِ رحمه الله تعالى. دنوشري.

  24. (فبها) أي: فبالرُّخصَةٍ أَخَذَ، ونِعْمَتِ الرخصةُ.

  25. وعيدٍ،

    ووقتُ غُسْلِ الجمعةِ في يومها لذَكَرٍ حَضَرَها، ولو لم تجبْ عليه، كعبدٍ، ومسافرٍ إن صلَّى. وعند مضيٍّ، وعن جماعٍ أفضلُ (١) . وهذا الغُسْلُ آكدُ الأغسال المسنونة.

    vol. 2, p. 404
  26. (و) يُسَن غُسْلٌ لصلاةِ (عيدٍ) في يومها

    (لذكرٍ حَضَرَها) يعني: لا امرأةً ولا خنثى، محمد الخلوتي.

  27. (كعبدٍ) بأقسامِهِ السبعةِ، حتَّى المبعَّض، إذا كان بينَه وبينَ سيِّده مهايأةٌ (٢) ، ووقعت الجمعةُ في نوبَتِهِ.

  28. (ومسافرٍ إنْ صلَّى) كل منهما، أي: إنْ أرادَ الصلاةَ.

  29. (وعند مضيٍّ) أي: والغسلُ للجمعة عند مضيٍّ إليها أفضلُ من الغسل إليها قبل ذلك. (عن جماعٍ (٣) أفضلُ) من كونِه عن غير جماعٍ؛ لأنَّه إذا جامعَ أهلَهُ ومضَى إلى الجمعةِ تَبْرُدُ شهوتُه، وتجتمع حواسُّه بقضاء (٤) وَطَره. (وهذا الغسلُ آكَدُ الأغسال) أي: غسلُ الجمعةِ آكدُ الأغسالِ المستحبَّةِ باتِّفاق "المنتهى" و "الإقناع" (٥) ، واختلَفوا فيما يليه في الأفضليَّة غُسْلُ العيد [أَم غُسل من غسَّل ميتًا، فذهب في "المنتهى" إلى تقديم غُسْلِ العيد] (٦) ، والمصنِّفُ تبعَه، ولكلٍّ وجهة.

  30. (وعيدٍ في يومها) لأنَّها صلاةٌ يُشتَرطُ لها العددُ المعتبر، أشبهَت الجمعةَ، ولأنَّه يومُ زينةٍ وتطيُّب، وهو مسنونٌ، وهذا هو الغُسْل الثاني من المستحبَّات.

  31. ومن غسلِ ميتٍ،

    لحاضرها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يغتسلُ لذلك. رواه ابن ماجه (١) .

    vol. 2, p. 405
  32. (و) يُسَنُّ غُسْلٌ (مِن) بكسر الميم: أي: لأجل (غسلِ ميتٍ) مسلمٍ، أو كافر؛ لما روى أَبو هريرة مرفوعًا: "من غَسَّل ميتًا، فليغتسلْ، ومن حملَه، فلْيتوضأ" رواه أحمدُ (٢) . وهو محمولٌ على الاستحباب؛ لأنَّ أسماءَ غسَّلتْ أبا بكرٍ وسألتْ: هل عليَّ غُسْلٌ؟ قالوا: لا. رواه مالكٌ مرسلًا (٣) .

  33. (لحاضرِها) إنْ صلَّى صلاةَ العيد، ولو منفردًا على الصحيح من المذهب. ذكره جمعٌ من الأصحابِ، وسيأتي في بابِ صلاة العيد التنبيهُ على ذلك في قوله: "وسنَّ لمن فاتته قضاؤها في يومها على صفتها" .

  34. وقيل: لا يستحبُّ الغُسْلُ لها، إلَّا إذا صلَّاها في جماعةِ.

  35. وقيل: يستحب الغسلُ للعيدِ، ولو لم يصلِّها.

  36. (أي: لأجلِ غسلِ ميتٍ) أشارَ بهذا التفسيرِ إلى أنَّ "من" تعليليَّةٌ.

  37. وإفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال.

    vol. 2, p. 406
  38. ولكسوفٍ، واستسقاءٍ، وإحرامٍ،

    (و) يُسَنَّ غُسْلٌ من (إفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال) مَنيٍّ فيهما، و "الواو" بمعنى (أو) . قال ابنُ المنذر (١) : ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسل من الإغماء. متفقٌ عليه من حديثِ عائشة (٢) ، والجنونُ في معناه، بل أَولى. وأمَّا مع الإنزال، فيجبُ الغُسل.

  39. وتقدَّم التفصيلُ فيما إذا أفاق نحو نائم، ووجد بلَلًا.

  40. (و) يُسَنُّ غُسْلٌ (لِـ) ــصلاةِ (لكسوفٍ، واستسقاءٍ) لأنَّ كليهما عبادةٌ يجتمع لها النَّاسُ، كالجمعة، والعيدين.