باب إزالة النجاسة الحكمية

143 paragraphs · vol. 2, p. 461

Page 2 of 4

  1. وقوله: (عليه) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرضَ المتنجِّسَةَ لا يطهِّرُها إلَّا الماء، لا الجفافُ بالريح أو الشمسِ؛ لأنَّه لو كان يكفي ذلكَ، لما حصلَ التكليفُ بطلبِ الدلِو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوزُ التيمُّم بها. وقالت الحنفيَّةُ غير زفر (٦) : إذا أصابتِ الأرضَ نجاسةٌ، فجفَّت بالشمس، وذهبَ أثرها، جازت الصلاةُ عليها (٧) …

    vol. 2, p. 469
  2. ولا تَطهرُ بشمسٍ، وريحٍ، ولا دَلْكٍ،

    فإنْ بَقيا أو أحدُهما، لم تَطْهُر ما لم يَعْجز، فلا يَضُرُّ بقاؤُهما، بخلافِ طعم النَّجَاسة، فلا بدَّ من زواله.

    vol. 2, p. 470
  3. وفُهِم مما تقدَّم أنَّ الأرضَ لو اختلطتْ بنجاسةٍ ذاتِ أجزاءٍ متفرِّقةٍ، كالرِّمَم (١) ، والدَّم إذا جفَّ، والرَّوث إذا اختلَط بأجزاءِ الأرض، فإنَّها لا تطهرُ بالغَسْل، بل بإزالةِ أجزاءِ المكان، بحيثُ يُتَيقَّنُ زوالُ أجزاءِ النَّجَاسة.

  4. (ولا تَطهرُ) أرضٌ تنجَّست ولا غيرُها من المتنجِّسات (بشَمسٍ) ، ولا (ريحٍ، ولا دَلْكٍ) ؛ لأنَّه ﷺ أمَر بغسلِ بولِ الأعرابيّ، ولو كانَ ذلك يُطهِّر، لاكْتَفى به.

  5. الماء؛ لأنَّ الواجب هو الإزالةُ، والماءُ مزيلٌ بطبعِه، فيُقاسُ عليه كلُّ ما كانَ مزيلًا؛ لوجود الجامع. قالوا: وإنَّما لا يجوزُ التيمُّمُ به؛ لأنَّ طهارةَ الصعيدِ ثبتتْ شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبتَ بالحديث. انتهى (٢) . ق س.

  6. (فإنْ بقيا) أي: اللونُ والريحُ.

  7. (أو أحدهما) مع القدرةِ على إزالةِ ذلك.

  8. (ما لم يعجز) قَيْدٌ في اللون والريح، فلا يطهرُ المحلُّ مع بقائِهما.

  9. (فلا يضرُّ بقاؤُهما) أي: فيُحْكَمُ بطهارةِ المحلِّ على الصحيح من المذهب، ولو بقيَ اللون أو الريح عجزًا. محمد الخلوتي.

  10. (بخلافِ طعم) فإنَّه يضرُّ؛ لدلالتِه على بقاءِ العينِ، وسهولةِ إزالتِه، فلا يطهرُ المحلُّ مع بقائِه.

  11. (فإنَّها لا تطهرُ بالغَسْل) لأنَّ عينَها لا تنقلبُ.

  12. (أمرَ بغَسْلِ بولِ الأعرابيِّ) بأنْ يُصَبَّ عليه ذَنوبٌ من ماءٍ، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، ولأنَّه محلٌّ نَجسٌ، فلم يَطْهرُ بالجفافِ، كالثياب، والأواني.

  13. ولا استحالةٍ، إلَّا خمرةً تَنقلِبُ خلًّا بنفسها.

    vol. 2, p. 471
  14. (ولا) تَطهرُ النَّجاسةُ أيضًا بـ (استحالةٍ) أي: انتقالٍ من صفةٍ إلى صفة، فالمتولِّد منها، كدودِ جرحٍ، وصراصرِ كُنُف (١) ، وكلب وَقَع في مَلَّاحةٍ (٢) فصار مِلْحًا، نَجِسٌ؛ لأنَّه ﷺ نَهى عن أَكل الجلَّالة وألبانِها (٣) ؛ لأَكلِها النجاسة، ولو طَهُرت بالاستحالة؛ لم يَنْهَ عن ذلك.

  15. (إلَّا) علقةً يُخلَق منها حيوانٌ طاهرٌ، فتطهرُ بذلك. وإلَّا (خَمرةً تَنْقَلِبُ خلًّا بنفسها) فتطهر؛ لأنَّ نجاستَها؛ لشِدَّتها المُسكِرة الحادثة لها، وقد زَالت من غير نجاسةٍ خَلَّفتها، كالماء المتغيِّر الكثير يَزولُ تغيُّره بنفسِه. وكذا لو انقلبتْ خَلًّا بنقلِها من دَنٍّ (٤) إلى دنٍّ أو من موضعٍ إلى غيره بلا قصدِ تخليل.

  16. وحَرُم تخليلُها ولو لِيَتيمٍ؛ لحديثٍ مسلم (٥) عن أنس قال: سئل النبي ﷺ عن الخمر تُتَّخذُ خَلًّا؟ قال: "لا" . والنبيذُ كالخمرِ فيما تقدَّم.

  17. (كدود جرحٍ) وكالميتةِ تصيرُ بتطاولِ الأزمانِ ترابًا، فـ "المتولِّدُ" مبتدأ، خبرُه قوله: "نجسٌ" .

  18. (يُخلَقُ منها حيوانٌ طاهر) فإنَّها تصيرُ طاهرةً بعد أنْ كانت متنجِّسة، فتطهرُ باستحالتِها حيوانًا طاهرًا، سواءٌ كانَ مأكولًا، أم لا.

  19. (فتطهرُ بذلك) أي: بالاستحالةِ.

  20. (تنقلبُ خلًّا بنفسِها) أي: من غيرِ نقلٍ، ولا وضعِ شيءٍ فيها.

  21. والخمرُ: هي ما أسكرَ من عصيرِ عنبٍ وغيرِه؛ لأنَّها حُرِّمَت وما بالمدينةِ عنبٌ، وما

    vol. 2, p. 472. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  22. فإنْ خُلِّلَت ولو بنقلٍ لقصدِ تخليلٍ، لم تَطْهر.

  23. ودَنُّها مثلُها يطهرُ بطهارتها، ولو ممَّا لم يلاقِ الخَلَّ مما أصابَه الخمر في غليانه،

    كانَ شرابُهم إلَّا البُسْرُ (١) والتمرُ، سُمِّيَت بذلك؛ لتخميرِها العقلِ، أي: تغطيتِها إيَّاه، ومنه: خِمَارُ المرأةِ، وكلُّ شيءٍ غَطَّى شيئًا فقد خَمَرَه، أو لأنَّها تُرِكَتْ حتى أدْرَكَتْ واختمرَت (٢) . وحكمُها أنَّها تطهُرُ بالاستحالةِ في المنصوصِ، لا نعلمُ فيه خلاقًا؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المُسكِرة (٣) ، وهي حادثةٌ، وقد زالتْ من غيرِ نجاسةٍ خَلَفَتْهَا، فوجبَ أن تطهرَ، كالماءِ المتغيِّر بالنجاسةِ إذا زالَ تغيُّره بنفسه. ح ف مع زيادة. (وكذا لو انقلبَتْ خلًّا بنقلِها … إلخ) عطف على قوله: "بنفسها" ، بأنْ نُقِلَت من الشمس إلى الظلِّ، أو عكسه، أو من إناء … إلخ، فيما تقدم من التفصيل في الخمرة، فإن انقلبت بنفسِها خلًا، فإنَّها تطهرُ، وكذا لو انقلبَ النبيذُ خلًّا بنقلِه بلا قصدِ تخليل … إلخ.

  24. (فإن خُلِّلَت … إلخ) هذا مفهومُ قوله: "بنفسها" ، فهو محترزُ ذلك. (ولو بنقل لقصدِ (٤) تخليلٍ، لمْ تطهُر) لأنَّ الشرعَ أكَّدَ تحريمَها، وإيجابَ إراقتِها، فوجب سَدُّ بابِ المعالجةِ في تطهيرِها كفًّا للنفوسِ عن ممارستِها؛ خوفًا من الوقوعِ في المحذور، كما تَحْرُمُ الخلوةُ بأجنبيَّةٍ، خوفًا من الزنى، وهو يستوي فيه تخليلُها بالنقلِ، والطرحِ فيها، كما لو طَرَحَ فيها السُّكَّرَ حتى حلَّت، وذهبتِ الشدَّةُ، فلم تطهر. ح ف.

  25. (لقصدِ تخليلِـ) ـها، فلو انقلبتْ خلًّا بنقلٍ من دَنٍّ إلى آخرَ، ومن موضعٍ إلى آخرَ، من غيرِ قصدٍ لذلك، فتطهرُ.

  26. (ودَنُّها) أي: الخمرةِ، وهو وعاؤها (مثلها) يطهرُ بطهارتِها؛ لأنَّ مِنْ لازمِ الحكمِ

    vol. 2, p. 473. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  27. كمحتفَرٍ من أرضٍ طَهُر ماؤُه بِمَكْثٍ أو بإِضافةٍ. ويَدخُلُ في ذلك ما بُنيَ في الأرض من الصَّهاريج والبَحرات، بخلاف إناءٍ طَهُر ماؤُه، لكنْ إذا انْفَصلَ، حُسِبت غَسْلَةَ واحدةً.

  28. وحَرُم -على غير خَلَّال- إمساكُ خمرٍ لتخلُّلٍ، بل تراقُ في الحال. فإنْ خَالفَ فصارَ خَلًّا بغير تخليلٍ، طَهُر.

  29. بطهارتِها الحكمُ بطهارتِه، حتى ما لم يلاقِ الخلَّ ممَّا فوقه، ممَّا (١) أصابَهُ الخمرُ في غليانِه.

  30. (كمحتفرٍ في أرضٍ) فيه ماءٌ كثيرٌ، تغيَّر بنجاسةٍ، ثمَّ زَالَ تغيُّرُه بنفسِه، فيطهرُ هو ومحلُّه؛ تبعًا له. مصنِّف (٢) .

  31. (أو بإضافةٍ) أي: إضافةِ ماءٍ كثير، أو بنزحٍ بقيَ بعده كثير، ويدخلُ في ذلك ما بُنَي في الأرض من الصهاريجِ والبحرات؛ لأنَّ ذلكَ يَظهرُ بمكاثرتِه بالماءِ الطهور، وهي حاصلةٌ. مصنِّف (٣) .

  32. (بخلافِ إناءٍ طهُرَ ماؤه) بزوالِ تغيُّرِه بنفسِه، أو بإضافةٍ، أو نزحٍ؛ لأنَّ الأوانيَ وإنْ كانت كبيرةً، لا تطهرُ إلا بسبعِ غَسَلات، فإن انفصلَ عنه الماءُ، حُسِبَتْ غَسْلَةً، ثمَّ يُكمل، ولا يَطهرُ الإناءُ بدون إراقتِه. مصنِّف (٤) .

    (لكنْ إذا انفصلَ … إلخ) أي: إذا انفصلَ الماءُ المنقلِبُ بنفسِه عن الإناءِ.

    (وحَرُمَ على غير خلَّالٍ … إلخ) وأمَّا الخلَّالُ، فلا يُمْنَعُ من ذلك؛ لئلا يضيعَ ماله.

  33. (لتخلُّلٍ) أي؛ لتصيرَ خلًّا بنفسِها، بيدِ غيرِ الخلَّالِ، فإنَّه يُمنَعُ من ذلك.

  34. (فإنْ خالفَ) غيرُ الخلَّال وأمسكَها، فصارَ خلًّا ببدِه، بأنْ تخلَّل بنفسِه من غيرِ ضمّ شيءٍ إليه، ومِنْ غيرِ نقلٍ لقصدِ تخلُّل. (طهرَ) وحَلَّ، جوابُ: "إن"

  35. ولا يطهرُ دهنٌ بغَسْلٍ، ولا حُبّ تشرَّبها،

    والخلُّ المباح: أنْ يُصبَّ على العِنَبِ أو العصير خلٌّ قبلَ غليانه، وقبل أنْ تمضي عليه ثلاثةُ أيامٍ بلياليهنَّ حتى لا يَغلي. قيل للإمام أحمد رحمه الله : فإنْ صُبَّ عليه خلٌّ فَغَلى؟ قال: يُهرَاق.

    vol. 2, p. 474
  36. (ولا يطهرُ دهنٌ) تنجَّس (بِغَسْلٍ) لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائه، وإلَّا لم يَأمر النبي ﷺ بإراقةِ السَّمن الذي وقعتْ فيه الفأرةُ (١) .

  37. (ولا) يطهر باطنُ (حُبٍّ (٢) تَشرَّبَها) أي: النجاسةَ

    (لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ … إلخ) ولأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن السمنِ الذي وقعتْ فيه الفأرةُ، فقال: "إن كانَ مائعًا، فلا تقربوه" . رواه أبو داود (٣) . (وإلَّا لم يأمر النبيُّ ﷺ … إلخ) أي: وإلَّا لو تحقَّقَ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائِه، أو كانَ يُمكنُ تطهيرُه، لم يأمُرُهُم النبي ﷺ بإراقةِ السمن … إلخ.

    قال في "المبدع" : وقال أبو الخطاب: يطهرُ بالغسل منها ما يتأتَّى غَسْله كزيتٍ ونحوه. وكيفيَّةُ تطهيره، أنْ يُجْعَلَ في ماءٍ كثيرٍ، ويحرَّك حتى يصيبَ جميعَ أجزائِه، ثم يترك حتى يعلو على الماءِ، فيؤخذ. وإنْ تركَه في جرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً، وحَرَّكَهُ فيه، وجعل لها بُزَالًا (٤) ، يخرجُ منه الماءُ، جاز.

    (ولا يَطْهرُ باطنُ حُبٍّ … إلخ) ولا يطهرُ عجينٌ تنجَّسَ؛ لأنَّه لا يمكنُ غَسْله، ولا يطهرُ لحمٌ تنجَّسَ وتشرَّبَ النجاسةَ بغسلٍ؛ لأنَّه لا يَستَأْصِل أجزاءَ النجاسةِ مما ذُكِر.

  38. أو سكِّينٌ سُقِيتْها.

    vol. 2, p. 475
  39. ويجزئُ في بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه بالماءِ.

  40. (أو) أي: ولا تطهر (سكِّينٌ سُقِيتْها) أي: النَّجاسةَ، كما لو سُقيت ماءً نجسًا، أو بولًا، أو نحوه من النجاسات؛ لأنَّ الغَسلَ لا يَستأْصِلُ أجزاءَ النَّجاسة.